
تحري - تحري :
نشرت صحيفة الـ«واشنطن بوست» أمس مقالا عن قيادة المرأة للسيارة في السعودية، واستهلت الكاتبة مقالها متعجبة من أنه رغم التغطية الإعلامية الواسعة، والضجة الكبيرة، حول موضوع قيادة المرأة، فإن تجاوب السعوديات كان قليلا!
تقول الكاتبة: «كان تعبير نساء سعوديات عن احتجاجهن في قيادة السيارات خلال الشهر الحالي بعيدا كل البعد عن المظاهرات الضخمة التي هزت دولا عربية أخرى خلال الموسم الثوري الحالي، على الرغم مما أثاره الأمر من ضجة كبيرة وتغطية إعلامية واسعة»! فهل ما قالته جديد، أو مفاجئ؟ الحقيقة أن المفاجأة هي من تفاجئها، ومن هنا تبدأ القصة..
فتفاجؤ الكاتبة حيال عدم تجاوب السعوديات، رغم الزخم الإعلامي، لا يختلف عن تفاجؤ كثيرين يوم ما سمي زورا «ثورة حنين»، بل قد تتفاجأ الكاتبة أكثر لو علمت أن عدد من قدن سياراتهن هذه الأيام، ورغم الإعلام الجديد، بكل أنواعه، لم يصل حتى لعدد من قدن سياراتهن في التسعينات بالرياض أيام حرب تحرير الكويت، يوم كان لـ«الفاكس» مكان مرموق!
قرأنا أن 10 آلاف رسالة أرسلت تطالب وزيرة الخارجية الأميركية بالتدخل، لنكتشف أن معظم المرسلين أميركيون، وعبر موقع أميركي؟ فهل بعد ذلك تسطيح؟! نقول تسطيح لأن القضية ليست أولوية ملحة الآن، هناك قضايا للمرأة بالسعودية أكثر إلحاحا.. وتسطيح لأن أسلوب المعالجة كان خاطئا ومبالغا فيه، ونفر منه حتى العقلاء الذين يدركون الأولويات، ويخشون العواقب!
نفترض أن نحو 20 ألفا من المبتعثين السعوديين في بريطانيا عادوا إلى بلادهم بعد حين، واكتشفوا أن طريقة القيادة المرورية في بلادهم أصبحت أكثر صعوبة عليهم، مما دفعهم للمطالبة بأن يتم تحويل نظام القيادة من اليمين إلى اليسار، كما هي الطريقة البريطانية الشهيرة. هل من المنطقي، والمعقول، والمقبول، أن يبعث بضع مئات منهم برسالة لوزير الخارجية البريطاني من أجل «الضغط» على حكومتهم لتلبية مطلبهم؟
هذا بالفعل ما قامت به مجموعة من مؤيدي قيادة المرأة في السعودية، عندما انتقلوا فجأة من السكون المطلق إلى الحركة المطلقة، ومن دون أي مقدمات. طاروا بالباراشوت ظنا منهم أنهم سيدعمون حقوقهم، لكنهم سقطوا شر سقطة في أعين مناصري قضيتهم قبل غيرهم. باتوا كمن يقفز على الحواجز في سباق لا توجد فيه حواجز أصلا. أرسلوا رسالة، عن طريق موقع أميركي، لوزيرة الخارجية الأميركية، يرجونها أن تضغط من أجل أن تسمح سلطات بلادهم بقيادة المرأة.
ما لا أفهمه، ولا أقبله، وغير مقتنع به، أن تقوم أي مجموعة بحمل قضاياها الداخلية الصرفة، والاتجاه للخارج بحثا عن حلول لها. هل يحق لنا، مثلا، أن نناشد الرئيس الأميركي أن «يضغط» على حكومتنا من أجل السماح بتغليظ عقوبة قطع الإشارة المرورية؟ ماذا عن فرنسا التي منعت النقاب على الرغم من أن 10% من سكانها مسلمون؟ وهاهي دولة مثل هولندا تبيع الحشيش المخدر في الشوارع. بل إن هناك قانونا بريطانيا غريبا يعتبر لصق طابع بريدي بالمقلوب «خيانة وطنية»، إذا كان عليه صورة الملك أو الملكة. وعلى هذا القياس، هناك المئات من القوانين المحلية، التي يعتبرها أهلها تنتقص من حقوقهم وغير منصفة، فهل استنجدوا بأكبر دولة في العالم لتضغط على بلادهم من أجل تغيير قوانينهم الداخلية؟
القضية أصبحت شائكة للدرجة التي أضحى ضجيجها الإعلامي أكبر بكثير من حجمها الحقيقي على أرض الواقع، فلا توجد مؤشرات فعلية تشير إلى أن هذه القضية أصبحت مطلبا شعبيا، لماذا؟ لأن من يزعمون أنهم ناشطون - والمضحك أنهم يتهافتون على وصفهم هذا - أرادوا أن يبنوا المنزل بالمقلوب.
أن مثل هذه التحركات إلى الخارج تعيدنا إلى نقطة الصفر من جديد. من السهل استفزاز المجتمع، لكن من الصعب إعادة الثقة لمطلب مثل قيادة المرأة، ما دام هناك من لا يفهم حتى الآن كيف تتعامل مؤسسات المجتمع المدني مع حقوقها. فلا أهلا ولا سهلا بقيادتها إذا رغبوا بها عن طريق «التحويلة» الخارجية!
تحري