بورصة الاسهم السعودية







استرجاع كلمة المرور المفقودة طلب كود تنشيط العضوية تنشيط العضوية أنظمة المنتدى
العودة   بورصة الاسهم السعودية > المنتدى الرئيسي > المنتدى الإسلامي
المنتدى الإسلامي   فتاوى أصحاب الفضيلة في أمور السوق والأمور الاقتصادية الأخرى والقوائم الشرعية للشركات



خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-05-2011, 10:05 AM   #1
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

كتبت هذه المشاركه بتاريخ [ قديم 14-05-2011, 10:05 AM ]
عزيزي القارئ : تذكر أنْ ماتقرأُه يمثل وجهة نظر كاتبهِ فقط ، وتعوّد دائماً على إتخاذ قرارك بعد مزيد من التفكير والتحليل لما تقرأهُ

التاريخ 10/6/1432 هـ

خطبة الجمعة من المسجد النبوى الشريف:

وقفات مع قول الله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. )

لفضيلة الشيخ الدكتور / حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ




نبذة مختصرة عن الخطبة:

ألقى فضيلة الشيخ الدكتور / حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان:

"وقفات مع قول الله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. )"،

والتي تحدَّث فيها عن أهمية تدبُّر القرآن؛ وذلك من خلال وقفاتٍ مع آيةِ سورة النحل:

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان ..) التي جمعت الأمر بالخير كله،

والنهي عن الشر كله، وأن هذه الآية منهاجُ حياةٍ لكل مسلمٍ.



الحمد لله الذي أنزل القرآن هُدًى وذكرى،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الآخرة والأولى،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله النبيُّ المُصطفى،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فبها تتحقَّقُ السعادةُ الكبرى.

أيها المسلمون:

سعادتُنا وعِزُّنا وصلاحُنا ونجاتُنا باتباع القرآن العظيم، فهو الهادي لكل طريقٍ قويم،

يُضيءُ لنا المسالكَ ويفتحُ لنا المدارِك، ويُحقِّقُ لنا الخيرات والمصالحَ؛

فما أجمل أن نعيشَ لحظاتٍ في ظِلال كلام ربنا نتدبَّره ونتأمَّل عِظاته، ونعملُ به.

إن آيةً في كتاب ربنا - جل وعلا - عظيمةُ المعاني،

جمعت مكارمَ الأخلاق ومحاسِن الأعمال، تستوجِبُ منا الوقوفَ عندها،

والاتعاظَ بتوجيهاتها، والعملَ بمدلولاتها، لتكون لنا نبراسًا حياتيًّا ومنهجًا سلوكيًّا،

لنسير في إراداتنا وتوجُّهاتنا وتحرُّكاتنا وتصرُّفاتنا وفق أحكامها،

وعلى ضوء مبادئها وقواعدها ومقاصدها.

إنها قول الله - جل وعلا -:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى

وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

[النحل: 90].

آيةٌ تضمَّنت قواعد عُظمى، ومبادئ كبرى تحصُل بها المصالحُ العُليا،

ويتحقَّقُ بالعمل بها السعادةُ الكبرى، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -:

"أجمعُ آيةٍ في القرآن للخير والنهي عن الشر هذه الآية".

ويقول الحسن: "لم تترك هذه الآيةُ خيرًا إلا أمَرَت به، ولا شرًّا إلا ونهَت عنه".

ويقول قتادة: "ليس من خُلُقٍ حسنٍ يُعمَلُ به ويُستحبُّ إلا أمرَ الله به في هذه الآية،

وليس من خُلُقٍ سيءٍ إلا نهى الله عنه في هذه الآية".

فيا عباد الله:

إنها من جوامع الكلِم الربَّاني الذي خُصَّ به النبي - صلى الله عليه وسلم -،

كما قاله الحافظ ابن رجب - رحمه الله -.

إخوة الإسلام:

لقد تضمَّنت هذه الآية: الأمرَ بقاعدة العدل الذي يعني: القيام بحقوق الخالق وافيةً،

وذلك بإخلاص التوحيد له، وبإفراده بالعبادة والطاعة والخضوع والإنابة،

والقيام بشرعه وفق الوسطية التي جاء بها الإسلام من غير تفريطٍ ولا إفراطٍ،

وهكذا العدل مع المخلوق الذي يكفَلُ قاعدةً ثابتةً للتعامُل، مبنيةً على المُساواة والإنصاف،

بمُختلف صُوره، والبُعد عن الظلم والعدوان بشتَّى أشكاله.

عدلٌ لا يُؤثِّرُ فيه الهوى، ولا يتأثَّر بالمودَّة والبغضاء، عدلٌ لا يتبدَّلُ مُجاراةً للصِّهر والنسب،

والغِنى والفقر، والقوة والضعف،

يقول ربُّنا - جل وعلا -:

(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)

[المائدة: 8].

إنه العدل الواجبُ على الحُكَّام والوُلاة والقُضاة، والأزواج والآباء والأمهات،

وعلى الأفراد والمُجتمعات،

يقول - صلى الله عليه وسلم -:

«إن المُقسِطين عند الله على منابر من نورٍ يوم القيامة:

الذي يعدِلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا»؛

رواه مسلم.

معاشر المؤمنين:

والأمرُ بالإحسان مبدأٌ عامٌّ يشمل علاقةَ العبد بربِّه، فيُحسِنُ في طاعة ربه إخلاصًا

ومحبةً ورجاءً وخوفًا وطمعًا،

ويشملُ أيضًا: التقرُّب بالمندوبات، والمُسابقة إلى نوافل العبادات،

ويشملُ أيضًا: مُحيط الحياة كلها في علاقات الإنسان بالبشرية جمعاء،

(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)

[البقرة: 83].

إن الإحسان مبدأٌ يشملُ كل طيبٍ من الأقوال والأفعال من جميع المكارم العالية والأخلاق الحسنة،

ويشملُ مقابلةَ الخير بأكثر منه، ومُقابلة الشر بالعفو عنه، والتسامُح بما يجلِبُ ودَّ القلوب،

ويشفِي غليلَ الصدور،

(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

[فصلت: 34].

الإحسانُ يعني: إيصالَ النفع للآخرين، والرحمة بالخلق أجمعين،

(وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

[البقرة: 195].

يقول - صلى الله عليه وسلم -:

«إن الله كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ؛ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلة،

وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحَة، وليُحِدَّ أحدُكم شفرَتَه، وليُرِح ذبيحَته»؛

رواه مسلم.

ومن الإحسان: إيتاءُ ذوي القُربى قريبَهم وبعيدَهم؛ بصِلتهم وبِرِّهم والشفقة عليهم،

وإنما نصَّ عليهم تعظيمًا لشأنهم، وتوكيدًا لحقِّهم، يقول - صلى الله عليه وسلم -:

«من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلْيصِل رحِمَه»،

ويقول أيضًا - عليه الصلاة والسلام -:

«من أحبَّ أن يُبسَط له في رِزقه، ويُنسأَ له في أثره فليصِلْ رحِمَه»؛

متفق ليهما.

إخوة الإسلام:

ويأتي النهيُ في هذه الآية عن أصول الشُرُور ومنابعها؛

فينهَى الله العبادَ عن الفحشاء التي هي: كل أمرٍ تناهَى قُبحُه من الأقوال والأفعال؛

من الذنوب العظيمة التي تستبشِعُها الفطَرُ السليمة، والشرائعُ الصحيحة؛

كالشرك بالله، والقتل بغير حقٍّ، والزنا، والسرقة، ونحو ذلك من الفواحِش التي تجلِبُ المصائبَ،

وتُنزِلُ بالخلق العذابَ الواصِبَ.

عباد الله:

وفي مضامين وصايا هذه الآية: النهيُ عن المنكر الذي يعني:

المعاصيَ والسيئات بما فيه مُخالفةٌ لأوامر الله - جل وعلا - وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ويأتي ثالثُ النواهي: النهيُ عن البغي الذي هو: الظلمُ بجميع صوره،

وتجاوُز الحق في التعامُل بالاستعلاء والتجبُّر والعُدوان على الخلق

في الدماء والأعراض والأموال مما بيَّن حرمتَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -

في قوله:

«كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ؛ دمُه ومالُه وعِرْضُه»؛

رواه مسلم.

يقول - جل وعلا -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ

وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)

[النور: 21].

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقه وامتنانه،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رِضوانه،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه.

أيها المسلمون:

إن الشريعةَ الإسلاميةَ قد حرِصَت على كفِّ الأذى، وحرَّمت إيصال الشر والبلاء إلى الناس،

ومن هنا نعلمُ خُطورةَ قتل الأبرياء وسفكِ الدماء وانتهاك الحُرمات،

فليحذَر المسلمون من خُطوات الشيطان، ولْيتُوبوا إلى الرحمن،

وليعلموا أن الله - جل وعلا - بالمِرصاد لمن بغَى وتجبَّر وتسلَّط واعتدى على المسلمين والمعصومين.

روى الحاكم وصحَّحه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال:

«ما من ذنبٍ أجدرُ أن تُعجَّل لصاحبه العقوبة في الدنيا

مع ما يُدَّخرُ له في الآخرة من البغي وقطيعة الرَّحِم».

ثم إن الله أمرنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا وحبيبنا محمد،

وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الآلِ والصحبِ أجمعين،

ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذِلَّ الشرك والمشركين.

اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين،

اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان،

اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم ارفع عنهم ما أصابهم من البلواء والشرور يا رحمن،

اللهم ارفع عنهم ما أصابهم من المصائب التي لا تخفى عليك يا جبَّارُ يا قويُّ.

اللهم الطُف بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -،

اللهم الطُف بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، اللهم الطُف بها،

اللهم أخرِجها من الظلمات إلى النور، اللهم أخرِجها من الذلِّ إلى العِزَّة،

اللهم أخرِجها من الهوان إلى العِزَّة يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إليك نشكو مما أصاب المسلمين من سفك الدماء، وقتل الأبرياء.

اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم،،

اللهم وجنِّبهم شِرارَهم وفًُجَّارَهم، اللهم جنِّبهم شِرارَهم وفًُجَّارَهم،

اللهم واكفِهم شِرارَهم وفُجَّارهم يا ذا الجلال والإكرام،

اللهم لا تجعل للأشرار على المسلمين يدًا،

اللهم لا تجعل للأشرار على المسلمين يدًا.

اللهم ألِّف بين قلوبهم على الحق والتقوى، اللهم ألِّف بين قلوبهم على الحق والتقوى،

اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في كل مكان،

اللهم انصر المسلمين في كل مكان.

اللهم احفظ علينا أمنَنا، اللهم احفظ علينا أمنَنا،

اللهم احفظ علينا أمنَنا يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم اجعله سببًا لهداية المسلمين،

اللهم اجعله سببًا لتحقيق الوحدة بين المؤمنين.

عباد الله:

اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً.








لحفظ الموضوع والإستفاده منه إستخدم هذا الرابط :
خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)
http://www.sahmy.com/t231079.html


  رد مع اقتباس


قديم 14-05-2011, 10:07 AM   #2
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 10/6/1432 هـ
خطبة الجمعة من المسجد الحرام

الجليس الصالح والجليس السوء

لفضيلة الشيخ الدكتور / أسامة بن عبدالله خياط



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور / أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:

"الجليس الصالح والجليس السوء"،

والتي تحدَّث فيها عن الفرق بين الجليس الصالح والجليس السوء،

وبيَّن الصفات التي اتصَفَ بها كلٌّ منهما،

مُشيدًا بالصحبة الصالحة ومُحذِّرًا من رُفقاء السوء.



الحمد لله فالق الحبِّ والنوى، أحمده - سبحانه -،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالقُ الأرض والسماوات العُلى،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله النبيُّ المُجتبى والرسولُ المُرتضى والحبيبُ المُفتدَى،

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أئمة الهُدى ونجوم الدُّجَى.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله -،

(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)

[البقرة: 281].

أيها المسلمون:

عندما تُحدِقُ الأخطار وتعظُم الخُطوب وتُطِلُّ الفتنُ برؤوسها ينظرُ أولو الألباب إلى الشباب نظرَ أصحاب الثروات إلى ثرواتهم،

فيرون لزامًا عليهم المُسارعة إلى سلوك كل سبيلٍ يبلُغُون به ما يريدون من الحِفاظ عليهم والذبِّ عنهم بما يحفظُ الحَوزَة، ويردُّ الغائلة، ويدفعُ الصَّولة،

ويدرأُ العُدوان؛ ذلك أن للحفاظ على شباب الأمة أعظمَ الآثار في صيانة كِيانها وإعلاء صُروح نهضتها لتأخذ مكانها اللائقَ بها بين الأمم،

ولتكون كما أراد الله: (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110].

وإنما يكون ذلك بكمال العناية بهم، وجمال الرعاية لهم؛

لأنها من أقوى البواعِث على امتلاك القلوب، والأخذ بمجامع النفوس.

وكما تكون هذه العناية والرعاية غرسًا لصحيح العقيدة،

وحراسةً لشرائع الدين بالعلم والعمل، وبذرًا لمحاسن الأخلاق،

وتعويدًا على صالح العادات والمُفرَط من المثالب والمعايب وكل ما يُعتَذر منه؛

تكون أيضًا بحُسن تعهُّدهم في باب المُصاحبة والمُجالسة والمُعاشَرة؛

لأنها من أعظم الأسباب فيما يكون من تقدُّم أو تأخُّر،

ونجاحٍ أو إخفاقٍ، وقلقٍ أو اطمئنان.

ولما كان للصاحب أو الجليس أثرُه العميق في نفس صاحبه وجليسه فإن من الحكمة البالغة:

الاحتياط في أمره، والتريُّث في وصل حبل وُدِّه حتى تُبلَى أخبارُه،

ويتميَّز معدِنُه، ويُوثَق بدينه وخُلُقه.

وقد عبَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا أبلغَ تعبيرٍ؛ فقال في مقام التبصير والتحذير:

«المرءُ على دين خليلِه؛ فلينظُر أحدُكم من يُخالِل»؛

أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"،

وأبو داود، والترمذي واللفظُ له، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - بإسنادٍ حسنٍ.

لأن الطبع يسرقُ من الطبع، وسُرعان ما يمضِي المرءُ في الطريق الذي يُؤثِره ويختارُه جليسُه،

ولذا صوَّر نبيُّ الرحمة - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى في مثلٍ نبويٍّ بليغٍ؛ فقال:

«مثلُ الجليس الصالح والجليس السوء كحالِ المِسكِ ونافخِ الكِير؛

فحامِلُ المِسك إما أن يُحذِيَك، وإما أن تبتاعَ منه، وإما أن تجِدَ منه ريحًا طيبة،

ونافخُ الكِير إما أن يُحرِقَ ثيابَك، وإما أن تجِدَ ريحًا خبيثة»؛

أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.

فأما إن كان الجليسُ ممن يسُدُّ الخَلَّة، ويغفرُ الزَّلَّة، ويُقيلُ العَثْرة، ويستُر العَورة،

ويقودُ جليسَه إلى الخير ويُراقِبُه فيه، ويُعينُه عليه، ويُزيِّنُ له الطاعة،

ويُقبِّح له المعصية، ويحُولُ بينه وبينها بتذكيره بما تعودُ عليه من ذلٍّ وخِزيٍ وعقابٍ في الدنيا والآخرة؛

فذلك هو الجليسُ الصالحُ الذي يسعَدُ به جليسُه، وتحسُنُ بمجالسته عاقبتُه.

وأما إن كان الجليسُ ممن يُزيِّنُ القبيحَ، ويُحسِّن السوءَ من الأقوال والأفعال والعقائد الفاسدة،

والنِّحَل الضالة، ويحُثُّ على الانضواء تحت لوائها، والتردِّي في وَهدتها؛

فذلك هو الجليسُ السوء الذي يشقَى به جليسُه؛ لأنه كان وبالاً عليه؛

إذ أطاعه وأسلمَ إليه قِيادَه، فانتهى به إلى البوار وعذاب النار، فقرَعَ سِنَّ الندم حين لا ينفعُ ندم،

(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27)

يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)

لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا)

[الفرقان: 27 - 29].

فلا عجَبَ أن تنقلِبَ خُلَّة هذا الفريق إلى عداوة،

(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف: 67].

وهذا كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -:

"شأنُ كل مشتركين في غرضٍ يتوادُّون ما داموا مُتساعدين على حصوله،

فإذا انقطعَ ذلك الغرض أعقبَ ندامةً وحُزنًا وألمًا،

وانقلَبَت تلك المودةُ بُغضًا ولعنًا وذمًّا من بعضهم لبعض لما انقلب ذلك الغرضُ حُزنًا وعذابًا،

كما يُشاهَد في هذه الدار من المُشتركين في خِزية،

إذا أُخِذوا وعُوقِبوا فكلُّ مُتساعِدَيْن على باطلٍ مُتوادَّيْن عليه لا بدَّ أن تنقلِبَ مودتُهما بُغضًا وعداوة". انتهى.

ولا عجَبَ أن يضِنَّ اللبيبُ بصُحبته ومُجالسته؛ فلا يجعلها إلا لأهل الإيمان،

ولا يبذُلُها إلا لأصحاب التُّقى؛ عملاً بتوجيه خير الورى - صلوات الله وسلامه عليه - في قوله:

«لا تُصاحِب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إلا تقيٌّ»؛

أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "سننه"،

والترمذي في "جامعه" بإسنادٍ حسنٍ.

إن المُصاحبَة - أيها الإخوة - يجب أن تكون خالصةً لوجه الله،

نقيةً من الأغراض، بعيدةً عن الأهواء؛ بأن تنشأ وتنمو في رِحاب الإيمان،

محكومةً بسلطان العقيدة ونِظام الشريعة، بما فيه من أوامر ونواهٍ يستوحيها المؤمنُ في كل اتجاهات قلبه وحركات وسكَنَات جوارِحه،

هنالك يرتقِي بحبِّه أهل الخير والصلاح فوق منزلته في الدار الآخرة درجات،

فيلتحقُ بمن أحبَّ وإن لم يعمل مثل عمله.

كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجلٍ أحبَّ قومًا ولمَّا يلحَق بهم؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«المرءُ مع من أحبَّ».

هذا؛ وقد كان لتطوُّر وسائل العصر - لا سيما في مجال الإعلام الحديث بشبكات معلوماته،

وقنواته، وما اشتملت عليه من مواقع تواصلٍ وغرفِ مُحادثةٍ وغيرها -

كان لهذا التطوُّر أثرُه في الانتقال بمعنى المُجالسة والمُصاحبة إلى معانٍ جديدة لم تكن معروفةً من قبل،

وأضحَى لهذه المُجالسة التي تكون عبر هذه المواقع من قوة التأثير ما يربُو على غيرها؛

لاتساع دائرة استخدامها، وتنوُّع وتعدُّد ثقافات ومشارِب وبُلدان مُستخدميها.

وهذا يفرِضُ علينا عِبئًا ثقيلاً، ومسؤوليةً مُضاعفة على عاتق الآباء والأمهات، والعلماء والدُعاة،

والمُربِّين والمُربِّيات، وغيرهم من ذوي الشأن في سبيل الحِفاظ على شباب الأمة وتحصينهم.

وإن في جهود المُخلِصين وفيما أُوتوا من حِنكةٍ وحكمةٍ ودرايةٍ، ونيةٍ صادقةٍ،

ورغبةٍ في بذلِ النُّصح، و حرصٍ على الخير ما يُسدِّد الله به الخُطَى،

ويُبارِك السعيَ، ويُبلِّغُ الآمال.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنه نبيه - صلى الله عليه وسلم -،

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،

إنه هو الغفور الرحيم.



إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،

من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك،

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد.

أما بعد، فيا عباد الله:

إن أظهر صفات الجليس الصالح وأجلَّها وأقواها أثرًا في قلب وعقل جليسه:

أنه ذو قلبٍ سليم، والقلبُ السليمُ الذي ينتفعُ به صاحبُه في دُنياه وحين يأتي ربَّه يوم القيامة قد اختلفت عباراتُ الناس في معناه،

لكن الجامع لذلك كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -:

"أنه الذي سلِمَ من كل شهوةٍ تُخالِف أمرَ الله ونهيَه،

ومن كل شُبهةٍ تُعارِضُ خبرَه، فسلِمَ من عبودية ما سواه،

وسلِمَ من تحكيم غير رسوله - صلى الله عليه وسلم -،

فسلِمَ في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكُّل عليه والإنابة إليه والذلِّ له وإيثار مرضاته في كل حال،

والتباعُد من سخَطه بكل طريقٍ، وهذه حقيقةُ العبودية التي لا تصلحُ إلا لله وحده،

فالقلبُ السليم: هو الذي سلِمَ من أن يكون لغير الله فيه شركٌ بوجهٍ ما؛

بل قد خلُصَت عبوديتُه لله تعالى إرادةً ومحبةً وتوكُّلاً وإنابةً وإخباتًا وخشيةً ورجاءً،

وخلُصَ عملُه لله؛ فإن أحبَّ أحبَّ في الله، وإن أبغضَ أبغضَ في الله،

وإن أعطى أعطى لله، وإن منعَ منعَ لله".

فاتقوا الله - عباد الله -، واتخذوا من جُلساء الخير أفضل ما تعتدُّون به لبُلوغ رضوان الله،

وصلُّوا وسلِّموا على خير خلق الله: محمد بن عبد الله؛ فقد أُمِرتم بذلك في كتاب الله؛ حيث قال - سبحانه -:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة:

أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين،

ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير من تجاوزَ وعفا.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمِّر أعداء الدين،

وسائرَ الطغاة والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفهم،

وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا،

وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانة الصالحة،

ووفِّقه لما تحب وترضى يا سميع الدعاء، اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين،

وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، يا من إليه المرجع يوم التناد.

اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءنا بما شئتَ، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءنا بما شئتَ يا رب العالمين،

اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءنا بما شئتَ يا رب العالمين، اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائك وأعدائنا،

ونعوذ بك من شرورهم، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم،

اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا،

وأصلِح لنا آخرتنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير،

واجعل الموتَ راحةً لنا من كل شر.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين أجمعين، وارزقهم العملَ الصالحَ والفقهَ الدين،

وقِهِم شر الفتن ما ظهر منها وما بطَن، اللهم آمِنهم في أوطانهم،

وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم يا رب العالمين.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك،

وفُجاءة نقمتك، وجميعَ سخطك.

اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا.

اللهم احفظ المسلمين في كل بلادهم،

اللهم احفظهم وأيِّدهم وانصرهم على عدوك وعدوِّهم يا رب العالمين.

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)

[آل عمران: 8]،

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[الأعراف: 23]،

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201].







  رد مع اقتباس
قديم 21-05-2011, 10:26 AM   #3
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 17/6/1432 هـ
خطبة الجمعة من المسجد النبوي الشريف
بعنوان عواقب الظلم

لفضيلة الشيخ الدكتور / علي بن عبد الرحمن الحذيفي



والتي تحدَّث فيها عن الظلم وأنواعه الثلاثة،

وحشد الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمه وعظيم خطره على الفرد والمجتمع.



الحمد لله اللطيف الخبير، العليم القدير، أحمد ربي وأشكره على فضله الكثير،

وأشهد أن لا إله إلا الله العليُّ الكبير، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله البشيرُ النذير،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فاتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.

أيها المسلمون:

إن الطاعات تتفاضَل عند الله بتضُّمنها تحقيق العبودية والتوحيد لله - عز وجل -،

وعموم نفعها للخلق؛ مثل: أركان الإسلام،

وإن الذنوب والمعاصي تعظُم عقوباتها ويتسعُ شرُّها وفسادُها بحسب ضررها لصاحبها والخلق.

وإن الظلم من الذنوب العِظام والكبائر الجِسام، يُحيطُ بصاحبه ويُدمِّره،

ويُفسِد عليه أمرَه، ويُغيِّرُ عليه أحوالَه، فتزولُ به النعم، وتنزل به النِّقَم،

ويُدرِكُه شُؤمه وعقوباتُه في الدنيا وفي الآخرة، كما تُدرِكُ عقوبات الظلم الذُّريةَ.

ولأجل كثرة مضار الظلم وعظيم خطره وتنوُّع مفاسده وكثير شرِّه؛

حرَّمه الله بين عباده كما حرَّمه على نفسه، فقال تعالى في الحديث القدسي:

«يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا، فلا تَظالمُوا».

فالله حرَّم الظلمَ على نفسه - وهو يقدر عليه - تكرُّمًا وتفضُّلاً وتنزيهًا لنفسه عن نقيصة الظلم؛

فإن الظلمَ لا يكون إلا من نفسٍ ضعيفة لا تقوَى على الامتناع من الظلم،

ولا يكون الظلمُ إلا من حاجةٍ إليه، ولا يكون إلا من جهلٍ، والله - عز وجل - مُنزَّهٌ عن ذلك كلِّه،

فهو القوي العزيز الغني عن خلقه فلا يحتاجُ إلى شيء، وهو العليمُ بكل شيء.

وحرَّم الله الظلمَ بين عباده ليحفظوا بذلك دينَهم ويحفَظوا دنياهم، وليُصلِحوا أمورهم،

وليُصلِحوا دنياهم وآخرتهم، وليتمَّ بين العباد التعاوُن والتراحُم بترك الظلم،

وأداء الحقوق لله ولخلق الله تعالى.

عباد الله:

الظلمُ يضرُّ الفردَ ويُهلِكه ويُوقِعه في كل ما يكره، ويرى بسبب الظلم ما يسُوؤه في كل ما يحب،

الظلمُ يُخرِّبُ البيوتَ العامرة، ويجعل الديار دامِرة، الظلمُ يُبيدُ الأمم ويُهلِك الحرثَ والنسل.

ولقد حذَّرنا الله من الظلم غاية التحذير، وأخبرنا - تبارك وتعالى - بأن هلاك القرون الماضية بظلمهم لأنفسهم لنحذَر أعمالهم، فقال - تبارك وتعالى -:

(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ

وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)

ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)

[يونس: 13، 14]،

وقال تعالى:

(وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا)

[الكهف: 59]،

وقال - تبارك وتعالى:

(فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45)

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا

فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)

[الحج: 45، 46]،

وقال - تبارك وتعالى:

(فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا

وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)

[العنكبوت: 40]،

وقال - تبارك وتعالى -:

(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)

[هود: 102].

وقد أجرَ الله هذه الأمة الإسلامية من الاستئصال والهلاك العام،

ولكن تُبتَلى بعقوباتٍ دون الهلاك العام بسبب ذنوبٍ تقع من بعض المسلمين وتشيع حتى لا تُنكَر،

ولا ينزجِر عنها أصحابُها، كما قال - تبارك وتعالى -:

(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)

[الأنفال: 25].

وعن زينب بن جحش - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فزِعًا يقول:

«لا إله إلا الله، ويلُ للعرب من شرٍّ قد اقترب،

فُتِح اليوم من ردمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه»

- وحلَّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها -، فقلتُ: يا رسول الله! أنهلكُ وفينا الصالحون؟

قال: «نعم، إذا كثُر الخَبَث»؛ رواه البخاري ومسلم.

فدلَّ الحديثُ على أن بعض الأمة صالحون وأن بعضهم تقع منهم ذنوب تُصيبُ

عقوباتها الكثيرَ من الأمة في بعض الأزمان وفي بعض الأمكنة،

وفُسِّر الخَبَث بالزنا، وفُسِّر بعمل قوم لوط، لقوله تعالى:

(الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ)

[النور: 26]،

وقوله تعالى عن لوطٍ - عليه السلام -:

(وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ)

[الأنبياء: 74].

وفُسِّر الحديث بالخمر ونحوه من المُسكِرات والمُخدِّرات، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:

«الخمرُ أم الخبائث».

ويعمُّ الحديث كلَّ معصيةٍ تُغضِبُ الله - تبارك وتعالى -، وكل ظلمٍ وعدوان،

ومعنى هذا الحديث عام في كل ما حرَّم الله، ويظلمُ به المسلم نفسَه أو يظلمُ به غيره.

أيها المسلمون:

أصلُ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه،

وهو في الشرع: مخالفة شرع الله ومخالفة أمر الله بتركه لأمر الله،

ومخالفة نهي الله بارتكابه.

والظلم ثلاثة أنواع:

النوع الأول: ظلمٌ لا يغفره الله إلا بالتوبة، وهو: الشرك بالله تعالى، قال الله تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ

وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)

[النساء: 116]،

وقال تعالى:

(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)

[لقمان: 13].

فمن مات على الشرك بالله خلَّده الله في النار أبدًا، كما قال تعالى:

(إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)

[المائدة: 72]،

وكان ظلمُ الشرك غير مغفور لمن مات عليه؛

لأجل مُضادَّة رب العالمين في الغاية والحكمة من خلق الكون لعبادة الله،

ولأن الشرك تنقُّصٌ لعظمة الخالق - تبارك وتعالى -،

وصرفُ حقِّه إلى غيره لمخلوقٍ خلقه الله - عز وجل -، قال - تبارك وتعالى -:

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)

[الزمر: 67].

وأيُّ ظلمٍ أعظمُ من أن يجعل الإنسانُ لرب العالمين نِدًّا يعبُده من دون الله الذي خلقه؟!

وأيُّ ذنبٍ أكبر من أن يتخذ الإنسانُ مخلوقًا إلهًا من الصالحين أو غيرهم يدعوه من دون الله،

أو يرجوه، أو يستغيثُ به، أو يخافُه كخوف الله، أو يستعينُ به في شيءٍ لا يقدر عليه إلا الله،

أو يتوكَّلُ عليه، أو يذبَحُ له القُربان، أو ينذُر له، أو يُعِدُّه لرغبته ورهبته،

أو يسأله المَدَد والخير، أو يسأله دفع الشر والمكروه،

أيُّ ذنبٍ أعظم من هذا الشرك بالله - تبارك وتعالى -؟!

قال - سبحانه -:

(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)

وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ)

[الأحقاف: 5، 6]،

وقال - عز وجل -:

(وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)

وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52)

وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54)

لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)

[النحل: 51 - 55].

ومعنى قوله - تبارك وتعالى -: (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا): أي: دائمًا.

وعن جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

قال: «ثِنتان مُوجِبتان»،

قال رجلٌ: يا رسول الله! ما المُوجِبتان؟ قال:

«من مات لا يُشرِك بالله شيئًا دخل الجنة،

ومن مات يُشرِك بالله شيئًا دخل النار»؛

رواه مسلم.

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«من مات وهو يدعو لله نِدًّا دخل النار»؛ رواه البخاري.

وكما أن الشرك بالله تعالى أعظمُ السيئات والذنوب؛ فإن التوحيد لله - تبارك وتعالى - أعظمُ الحسنات والقُربات، كما في الحديث القدسي:

«يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا لأتيتُك بقُرابها مغفرة»؛

رواه الترمذي من حديث أنس - رضي الله عنه -، وقال الترمذي: "حديثٌ حسن".

والنوع الثاني من الظلم: الذنوب والمعاصي التي بين العبد وربه ما دون الشرك بالله؛ فإن الله - تبارك وتعالى - إن شاء عفا عنها بمنِّه وكرمه،

أو كفَّرها بالمصائب والعقوبات في الدنيا، أو كفَّرها بعذاب القبر،

أو تجاوز عنها الربُّ - تبارك وتعالى - بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -،

أو شفاعة غيره من الشافعين، أو يُعذِّبُ الله - عز وجل - صاحبَها في النار بقدر ذنبه،

ثم يُخرِجُه من النار فيُدخِلُه الجنةَ إن كان من المُوحِّدين.

والنوع الثالث من الظلم: مظالمُ تقع بين الخلق في حقوقٍ لبعضهم على بعض تعدَّوا فيها،

وأخذها بعضُهم من بعض، ووقعوا في ظلم بعضهم لبعض، فهذه المظالمُ لا يغفرها الله - عز وجل - إلا بأداء حقوق الخلق إليهم، فيُؤدِّي الظالمُ حقَّ المظلوم في الدنيا، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«لتُؤدُّنَّ الحقوق قبل أن يأتي يومٌ لا درهمَ فيه ولا دينار،

إنما هي الحسناتُ والسيئات، يُعطَى المظلومُ من حسنات الظالم،

فإن لم يكن للظالم حسنات أُخِذ من سيئات المظلوم

ووُضِعت على المظلوم ثم طُرِح في النار».

والمظالمُ بين العباد تكون في الدماء، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«لا يزالُ المرءُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا».

وقد قرنَ الله قتلَ النفس بالشرك بالله - تبارك وتعالى - لعظيم جُرم سفك الدماء، فقال - تبارك وتعالى -:

(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)

[الفرقان: 68]،

وفي الحديث:

«لَزوالُ الدنيا بأسرِها أعظمُ عند الله من قتل رجلٍ مُؤمنٍ»،

وفي الحديث أيضًا في "الصحيح" عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«أول ما يقضي الله - تبارك وتعالى - يوم القيامة في الدماء»؛

لأن الدماء أمرُها عظيم، قال الله - تبارك وتعالى -:

(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا

وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)

[النساء: 93].

ألا ما أعظم جُرم من قتل النفوس وسفك الدماء، فإن الله - تبارك وتعالى - هو الذي يتولَّى عقوبَتَه،

وهو الذي يأخذه ويُعاقِبُه في الدنيا والآخرة، قال الله - تبارك وتعالى -:

(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) [إبراهيم: 42]،

وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«إن الله ليُملِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلِته».

وتكون المظالمُ بين الناس في المال، وتكون باقتطاع الأرض والعقارات،

وفي حديث سعيد بن زيد - رضي الله عنه

- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

«من اقتطَعَ شبرًا من الأرض طوَّقه الله إياه من سبع أرضين»؛ رواه مسلم.

وتكونُ المظالمُ بين الأرحام بتضييع حقوق الرحِم،

وتكون المظالم بين الوالدَيْن والأولاد بتضييع حقوقهما وإهمال تربيتهما،

وتعريضهما للانحراف وسوء الأخلاق، وتكون المظالمُ بين الزوجين لترك حقوقهما من أحدهما للآخر،

وتكون المظالمُ بين المُستأجرين والعُمَّال بسلب حقوقهم وتضييعها أو تأخيرها،

أو اقتطاع شيءٍ منها، أو التحايُل على إسقاطها؛

فكلُّ ذلك ظلمٌ يُنذِرُ بعقوباتٍ مُدمِّرة لصاحب الظلم، نسأل الله - تبارك وتعالى - العافية،

أو أن يُكلِّفهم بما لا يطيقون، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:

«أعطوا الأجيرَ حقَّه قبل أن يجِفَّ عرقُه».

وقد تكون المظالمُ بالتعدِّي على حقوقٍ معنوية للناس، أو بغيبة، أو وشايةٍ بين اثنين،

أو وشايةٍ بين قبيلتين، أو بين أناسٍ وأناس.

فاحذروا - عباد الله - الظلمَ؛ فإن الله - تبارك وتعالى - لا تخفى عليه خافية،

(وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 144].

والظلمُ مُحرَّمٌ ولو وقع على كافر؛ فإن الله - تبارك وتعالى - لا يرضى أن يقع الظلمُ على أحدٍ ولو كان كافرًا أو فاسقًا، قال الله - تبارك وتعالى -:

(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)

مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)

وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ

نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44)

وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)

وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)

[إبراهيم: 42 - 46].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،

ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم،

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله مُعِزِّ من أطاعه واتقاه، ومُذِلِّ من خالف أمره وعصاه،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله اجتباه ربُّه واصطفاه،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فاتقوا الله حق تقواه، وراقِبوه واخشَوه مراقبةَ من يعلمُ أن الله مُطَّلعٌ على سرِّه ونجواه.

قال الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)

[الحشر: 18].

وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«اتقوا الظلمَ؛ فإن الظلمَ ظلماتٌ يوم القيامة».

أيها الناس:

لا يتعرَّض أحدكم لغضب الله وعذابه؛ فإنه ما وقع غضبُ الله على أحدٍ إلا هلَك، قال تعالى:

(وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى)

[طه: 81]،

ومن أخذه الله بعذابه وظلمه فقد خسر خُسرانًا مبينًا، قال الله تعالى:

(وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا)

[الفرقان: 19].

عباد الله:

إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56]،

وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:

«من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا»،

فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،

إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد،

كما بارَكت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين،

الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين،

وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،

اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين والكفر والكافرين يا رب العالمين،

اللهم دمِّر أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين إنك أنت القوي العزيز.

اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، يا رب العالمين.

اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم، واهدِهم سُبل السلام،

وأخرِجهم من الظلمات إلى النور يا رب العالمين، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا متين.

اللهم تُب علينا وعلى المسلمين، اللهم فقِّهنا والمسلمين في الدين يا أرحم الراحمين.

اللهم أذِلَّ البدع يا رب العالمين، اللهم أذِلَّ البدع التي هدَمَت الدين،

اللهم أذِلَّ البدع التي هدَمَت الدين، اللهم أذِلَّ البدع إلى يوم الدين يا رب العالمين،

اللهم لا تُقِم للبدع قائمةً أبدًا يا رب العالمين، إنك أنت القوي العزيز.

اللهم لا تُسلِّط على المسلمين الأشرار الفُجَّار،

اللهم يا رب العالمين لا تُسلِّط على المسلمين من لا يخافُك ولا يرحمهم يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير.

اللهم فرِّج كُربات المسلمين،

الله ارفع الشدائد عن المسلمين يا رب العالمين،

اللهم اجمعهم على الحق إنك على كل شيء قدير،

ألِّف بين قلوبهم وأصلِح ذات بينهم يا رب العالمين.

اللهم اجعل بلادنا آمنةً مطمئنةً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا يا رب العالمين.

اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك،

واجعل عمله في رِضاك يا رب العالمين،

اللهم أعِنْه على كل ما فيه خيرٌ وصلاحٌ وعِزٌّ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين،

اللهم أصلِح بِطانتَه، اللهم أعِنْه على أمور الدنيا والدين يا رب العالمين،

اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحب وترضى، اللهم وفِّقهما لهُداك،

واجعل عملهما في رِضاك يا رب العالمين،

وانصر بهم الدين، إنك على كل شيء قدير يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين،

اللهم أغِثنا يا رب العالمين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا يا أرحم الراحمين.

عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ

يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا

وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)

[النحل: 90، 91].

واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم،

ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 21-05-2011, 10:30 AM   #4
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 17/6/1432 هـ

خطبة الجمعة من المسجد الحرام بمكة المكرمة

بعنوان السعادة في الاعتصام بالكتاب والسنة

لفضيلة الشيخ الدكتور / عبدالرحمن السديس

أمام و خطيب المسجد الحرام



خطبة الجمعة بعنوان: "السعادة في الاعتصام بالكتاب والسنة"،

والتي تحدَّث فيها عن وصية النبي - صلى الله عليه وسلم – لأمته بوجوب الاعتصام بالكتاب والسنة؛

لأن في ذلك حفظ الأمة من الوقوع في الضلالات والفتن، وهو أصل السعادة في الدنيا والآخرة.



إن الحمد لله، نحمدك ربي ونستعينُك ونستغفرُك ونُثنِي عليك الخير كلَّه،

سبحانك ربنا وبحمدك، توالَت مِنَنُك علينا وُحدانًا ووفدًا، الحمد لله حمدًا دائمًا وكفى،

شكرًا على سيبِ جدواه الذي وكَفَا،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نستلهِمُ به التوفيقَ والرُّشدَا،

وأشهد أن نبينا وسيدنا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله أزكى البريَّة سيدًا وعبدًا،

صلَّى الله عليه وعلى آله الأطهار محتِدًا لم يزَل يندَى، وذريَّتِه المُبارَكين ثناءً ومجدًا،

وصحابته الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ممن هامَ بهم اقتداءً ووجدًا،

سلِّم إله العرش تسليمًا عديدًا مديدًا هم به أحرى وأجْدا. أما بعد،

فيا عباد الله:

اتقوا الله تعالى حقًّا حقًّا؛ فتقواه تعالى هي الحُلَّة الأنقى والعصمةُ الأبقى،

تصلح أحوالُكم وترقَى، وتبلُغوا من الأمجاد شأوًا مجيدًا وسَبقًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

[آل عمران: 102].

فمن تدرَّع بالتقوى استنارَ بها

وباتَ في بهجةِ الأعمال جذلانًا



فسِرْ أمامك دربُ الخير مُزدهِرٌ

شُجونُه امتلأت روحًا وريحانًا

أيها المسلمون:

حينما تكثُر الفتنُ في الأمة والمُتغيِّرات، وتدلهِمُّ الخُطوبُ والمحنُ في المجتمعات،

ويُخيِّمُ على سمائها الصافية سُحُبُ المخالفات، فيلتبِسُ الحق بالباطل،

ويختلطُ الهدى بالضلال؛ فإن الأمة لن تجِدَ إلا في التمسُّك بالكتاب والسنة المُستعصَم؛

لأن في الكتاب والسنة الفوزَ والنجاةَ من المحَن، والمخرجَ من الورَطات والفتن.

وإنه في هذا العصر وبعد أن تسرَّبَت إلى صفوف الأمة ألوانٌ من المسالك المُنحرفة،

وتسلَّلت صنوفٌ من الطرق الفاسدة، واختلطَ الحابلُ بالنابل، وتشعَّبت المناهجُ والغايات،

وعمَّت الفتن والابتلاءات، وتفرَّقت الأمةُ شيَعًا وأحزابًا، وتاهَت في أيام الزمان أعوامًا وأحقابًا،

وثارَت عليها عواصفُ التغيير والمُستجِدَّات، وهبَّت عليها أعاصير التموُّجات والتحوُّلات،

وتداعَت عليها الأمم؛ فإنه لا منجَ لهذه الأمة إلا بالتمسُّك بكتاب ربها وسنة نبيها - صلى الله عليه وسلم -.

يقول - سبحانه -:

(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه: 123]،

ويقول - عليه الصلاة والسلام -:

«تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تضِلُّوا بعدي أبدًا: كتابَ الله وسنتي»؛

خرَّجه مالك في "الموطأ".

معاشر المسلمين:

وإن الوهَن الذي أصابَ الأمة، والضعفَ الذي حلَّ عليها كالغُمَّة،

حتى انقلَبَت الموازين واختلفَت المقاييس، وانتكَسَت الرايات، واحلولَكَت الظلمات،

وعلَت الفتنُ كأمواج البحار الهادِرة، وصار أفرادُ الأمة كضرائر الحسناء،

وفشَت فيهم مُعضِلات الأدواء، فعَلا صوتُ الغوغاء فوق الحُكماء.

فالوحيُ كافٍ للذي يُعنَى به

شافٍ لداء جهالةِ الإنسان

واللهِ ما قال امرؤٌ مُتحذلِقٌ

بسواهما إلا من الهَذَيَان

إخوة الإسلام:

وإن امتطاءَ صهوة الأهواء، والافتتان بالآراء،

والبُعد عن كتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - لهُوَ الضلال والخُسران والخِزيُ والحِرمان؛

حيث الفتنةُ المُشتدَّة، والمحنُ المُتلاحقةُ المُمتدة، وقد قال ربُّنا - سبحانه - وهو أصدق القائلين -:

(وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

[آل عمران: 101].

قال الإمام الطبري - رحمه الله -: "ومن يتعلَّق بأسباب الله،

ويتمسَّك بدينه وطاعته فقد وُفِّق لطريقٍ واضح، ومحجَّةٍ مُستقيمةٍ غير مُعوجَّة".

وفي الحديث: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

«إن السعيدَ لمن جُنِّبَ الفتن، إن السعيدَ لمن جُنِّبَ الفتن، ولمن ابتُلِي فصبَر فواها»؛

خرَّجه مسلم في "صحيحه".

وأحييتَ في الإسلام علمًا وسنةً

ولم تبتدع حكمًا من الحكم أزحمَا



ففي كل يومٍ كنتَ تهدِمُ بدعةً

وتبنِي لنا من سنةٍ ما تهدَّمَا



يقول الإمام مالك - رحمه الله -: "لا يصلُح آخرُ هذه الأمة إلا بما صلح بها أولُها"،

فإذا كان أولها صلَح بالكتاب والسنة فلن يصلُح آخرُها إلا بالكتاب والسنة.

أمة الإسلام:

لقد أمرنا الله تعالى بالرجوع إليه وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - عند التنازُع والاختلاف، يقول - سبحانه -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ

إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)

[النساء: 59].

قال مجاهد - رحمه الله - في قوله تعالى: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ):

"أي: فرُدُّوه إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -".

وأخرج أهلُ السنن من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه -

أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

«.. فإنه من يعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؛

فعليكم بسُنَّتي وسنةِ الخلفاء الراشدين المهديين من بعيد،

عضُّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومُحدَثات الأمور؛ فإن كل بدعةٍ ضلالة».

ولذلك فإن الواجبَ على الأمة الرجوع في المُشكِلات - لا سيما عند الأزمات - إلى الراسخين في العلم الصادقين في الدين؛ فهم أكثرُ الناس فقهًا وعلمًا،

وأعلم الناس بالحلال والحرام ومقاصد الأحكام،

الذين يعرفون المُحكَم من المُتشابِه، كما جاء عنهم في قوله - سبحانه -:

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا

وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)

[آل عمران: 7].

فالرجوع للعلماء الراسخين في العلم - لا سيما في زمن الفتن والنوازل - ليس اختيارًا؛

بل هو فرضٌ شرعي، وأمرٌ إلهي.

يقول تعالى:

(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)

[النساء: 83].

ومن منارات ودلائل الاهتداء في الفتن: البُعد عن كل ما يُفضِي إلى الفُرقة والاختلاف؛

ومن ذلك: ما يحصُل من بعض المُجادَلات العقيمة التي تُثير الشحناء والبغضاء،

فقد كرِه النبي - صلى الله عليه وسلم - من المُجادَلة ما يُفضِي إلى الاختلاف والتفرُّق؛

فقد روى الترمذي في "سننه" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على قومٍ من أصحابه وهم يتجادَلون في القدَر، فكأنما فُقِئَ في وجهه حبُّ الرمان،

وقال: «أبِهذا أُمِرتم؟ أم إلى هذا دُعيتُم؟ أن تضربوا كتابَ الله بعضَه ببعض،

إنما هلكَ من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتابَ الله بعضَه ببعض».

أمة الإسلام:

وإنه إزاء ما تعيشُه بعضُ بلاد المسلمين من فتنٍ وأحداث فإن كل غيورٍ مهتمٌّ بشأن أمته يُلاحِظُ أنه حدَثَت فتنٌ في تضاعيف هذه الأحداث تُشعِلُ فتيلَها والأُوَار،

وتسكُبُ الزيتَ على النار، وتعمل على إذكاء النَّعَرات والعصبيات التي تُفاقِمُ الأوضاع سوءًا،

وتُمكِّن لأعداء الأمة استغلالَها لأغراضٍ خطيرة،

مما يتطلَّبُ الوعيَ والإدراكَ لما يُحاكُ للأمة الإسلامية من مُؤامرات ترمي إلى الإضرار بوحدتها والعبَث بأمنها واستقرارها،

وتشحنُ النفوس نحو الفتنة والفُرقة بدعواتٍ مُضلِّلة،

وشائعاتٍ مُغرِضة تنالُ من الثوابت والمُسلَّمات، وتطالُ الإساءة للرموز والمُحكَمات،

أو المُزايَدة على الشريعة والتهجُّم على دُور العبادة ليتحقَّق للأعداء ما يُريدون من إهدارٍ للطاقات،

وتدميرٍ للمُقدَّرات، بما أفضى إلى إشغال أمتنا عن كُبرى قضاياها ونكئِ مآسيها في ذكرى نكبتِها.

ولعل الغُيُر يتفاءَلون بأَخَرة بالمُصالحة والاتفاق بعد التجافي والافتراق.

أمة التوحيد والوحدة:

وإن من الفتن التي ضاعَفت المِحنُ علَّتها، ودأَبَت على تأجيج جذوَتها:

فتنةَ إذكاء النَّعَرات الطائفية المَقيتة المُحتدَّة، والعصبية الشتيتة المُمتدَّة التي انحرَفَت عن الولاء الصحيح،

وفرَّقَت صفَّ الأمة الصريح.

إن ركوبَ موجة النَّعَرات الطائفية الجانحة المُتدرِّعة بحُجَجٍ واهية - وفي هذه الآونة تحديدًا - لم يكن من دَيدَنه إلا تصديرُ الفتن والقلاقِل والبغضاء،

وصناعةُ الزوابِع والشحناء، وإفسادُ العلاقات البريئة بين أفراد المجتمع الواحد، وبين أفراد الأمة جمعاء؛

تشتيتًا للوحدة الإسلامية،

(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)

[الأنبياء: 92]،

دون عقلٍ رادِع، ولا ضميرٍ وازِع.

وإن من المُقلِق للغَيُورين: أن تلكم النَّعرات الرَّعناء قد أمِرَ أمرُها وازداد،

وتوسَّع مدُّها وارتاد، ولكن دون إنصافٍ أو سداد؛

حيث تتناولُ الحقائقُ المُدلَّلة الراسخة بالمُغالطات الماسِخة، وتتصدَّر الحقَّ الصُّراح،

بالتمويه والجُناح، وأسانيد مبتورة الجَناح.

ولعَمرُ الله؛ إنه لا فوز للأمة وسعادة للخلق إلا بالدين الحق على هدي الوحيَيْن الشريفين.

وإن كتابَ الله أعدلُ حاكمٍ

فيه الشِّفا وهدايةُ الحيرانِ

والحاكمُ الثاني كلامُ رسوله

ما ثمَّ غيرُهما لذي إيمانِ

وصدق الله العظيم حيث يقول في كتابه الكريم - وهو أصدق القائلين -:

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

[الأنعام: 153].

بارَك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة،

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات من جميع الذنوب والخطيئات،

فاستغفروه وتوبوا إليه، إن ربي لغفورٌ رحيم.



الحمد لله على نعمٍ أثنَت بها الجوارِحُ والسرائر،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً لهَجَت بها الألسُن والضمائرُ،

وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله أزكى الأوائل والأواخر،

من اقتفى هديَه حازَ المآثِر والمفاخِر، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وذريَّته النجومِ الزواهِر،

وصحابته البالغين أسمى البشائر، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله -، والزَموا دينَ الحق وما له من زكِيِّ الشعائر تفوزوا بخير الجزاء وعظيم الذخائر،

وتُهدَوا إلى أسنَى الدلائل والبصائر.

معاشر المسلمين:

وفي خِضَمِّ هاتيك الأمواج وزخارِها الثَّجَّاج، واستشرافًا لآفاق مُستقبلٍ أزهرٍ أغرّ؛

لزِمَ المجتمعات والأمم أن يُعيدَا صياغةَ أذهان الجيل من الشباب والفَتَيات،

وتنمية الوعي الإسلامي الصحيح لديهم، في تواكُبٍ لأحداث العصر ومُتطلَّباته،

وتطوُّراته وتحدياته، واستنهاضِهم للاعتزاز بالهديَيْن الشريفين:

كتابِ الله وسنةِ نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ تحقيقًا لوحدة الأمة، وترسيخًا لأُخُوَّة الإسلام.

كُن في أمورك كلِّها مُتمسِّكًا

بالوحي لا بزخارِفِ الهَذَيَانِ

واتبَعْ كتابَ الله والسننَ التي

جاءت عن المبعوثِ بالفُرقانِ

أيها الإخوة الأحبة في الله:

وإن من منارات الاهتداء عند الفتن: تعظيم النصوص الشرعية،

ولزوم الثوابت المرعيَّة، والاعتصام بالجماعة، والحذر من كل من يُريد إذكاء الفتن،

وتفاقُم الأوضاع، وتأجيج الفُرقة والنزاع والشِّقاق والصِّراع،

والتجاوُز على مُكتسَبات الأوطان، ومُقدَّرات الشعوب والبُلدان،

والسعي في الأرض بالفساد، وعدم الانسياق المحموم والإغراق والسَّعار المذموم إزاء ما تبُثُّه القنواتُ الفضائية والشبكات المعلوماتية مما يبعثُ على التهييج والإثارة،

في غيابٍ لصوت العقل والحكمة والنظر للمصالح العُليا، واعتبار المآلات،

وألا تُنزَّل النصوص الشرعية في الفتن والملاحِم وأشراط الساعة على الوقائع والنوازِل المُعاصِرة بعينها.

كما ينبغي الإقبال على العبادة، والتزامُ الطاعة؛ فقد ورد عند مسلم وغيره:

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

«العبادةُ في الهَرْج كهجرةٍ إليَّ».

والإكثارُ من التوبة والاستغفار والإنابة والدعاء والضراعة،

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)

فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

[الأنعام: 42، 43].

تمسَّك بحبل الله واتبعِ الهُدى

ولا تكُ بدعيًّا لعلك تُفلِحُ

ودِن بكتابِ الله والسننِ التي

أتت عن رسول الله تنجُو وتربحُ

حفظَ الله أمتنا الإسلامية من شُرور الفتن كلِّها ما ظهر منها وما بطَن،

وأدام علينا نعمةَ الأمن والإيمان والاستقرار والرخاء، إنه وليُّ التوفيق والسداد والرجاء.

هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على خير الورَى، كما أمركم بذلك - جل وعلا -،

فقال - عزَّ من قائلٍ كريمًا -

: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56].

وقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما أخرجه مسلمٌ في "صحيحه":

«من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».

فصلواتُ الله مع تسليمه ما

جرى له في البحر فُلكٌ سَبْحُ

أبدًا تُهدَى إلى الخير الورَى

من له في كُتْب الرحمن مَدحُ

أحمدُ والآلُ والصحبُ ومَنْ

لهم يقفُو على الإثر وينحُو

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين،

واجعل هذا البلد آمنًا مستقرًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأدِم الأمن والاستقرار في بلادنا،

وأصلِح ووفِّق أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفِّق إمامنا بتوفيقك،

وأيِّده بتأييدك، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رِضاك،

وهيِّئ له البِطانةَ الصالحة، اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد.

اللهم وفِّق جميع ولاة المسلمين لتحيكم شرعك واتباع سنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -،

اللهم اجعلهم رحمةً على عبادك المؤمنين.

اللهم أعِذنا والمسلمين من مُضِلاَّت الفتن، اللهم أعِذنا والمسلمين من مُضِلاَّت الفتن ما ظهر منها وما بطَن،

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين،

واقضِ الدَّيْن عن المَدينين، واشفِ برحمتك مرضانا ومرضى المسلمين.

اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين،

اللهم احفظ دينهم وأنفسهم وعقولهم وأعراضهم وأموالهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم احفظ المسجد الأقصى، اللهم احفظ المسجد الأقصى،

اللهم احفظ المسجد الأقصى، اللهم طهِّره من رِجس الصهاينة المُعتدين المُحتلِّين يا قوي يا عزيز،

يا أكرم الأكرمين يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك التوفيق لما تحبُّ وترضى يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201]،

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[الأعراف: 23].

ربنا تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم،

واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.







  رد مع اقتباس
قديم 28-05-2011, 10:23 AM   #5
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

الجمعة 24/6/1432 هـ

خطبتى الجمعة : من المسجد الحرام

شرف الانتساب للسلف الصالح -

لفضيلة الشيخ الدكتور / صالح بن محمد آل طالب



نبذة مختصرة عن الخطبة:

ألقى فضيلة الشيخ الدكتور / صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:

"شرف الانتساب للسلف الصالح"، والتي تحدَّث فيها عن تعريف المنهج السلفي،

وأنه: منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام

والقرون المُفضَّلة وأتباعَهم ومن سار على نهجهم،

وذكر شيئًا من مزاياهم، وبيَّن أن الطريق المُوصِل إلى مرضاة الله

هو الأخذ بالكتاب والسنة على نهج سلف الأمة.



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،

من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عزَّ عن الشبيه وعن النِّدِّ وعن المَثيل وعن النَّظير،

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]،

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه،

وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهَدي هديُ محمد - صلى الله عليه وسلم -،

وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

ألا وإن خير الوصايا بعد المحامِد والتحايا: الوصيةُ بتقوى الله العظيم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

من اتقى اللهَ كان معه، وأحبَّه وتولاَّه،

(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128]،

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة: 4]،

فإذا حظِيَ العبدُ بمعيَّة الله هانَت عليه المشاقُّ، وانقلَبَت المخاوفُ في حقه أمنًا،

فبالله يهُون كل صعبٍ، ويسهُلُ كل عسيرٍ، ويقرُب كل بعيد،

وبالله تزول الهموم والغموم، وتنزاحُ الأكدار والأحزان؛ فلا همَّ مع الله، ولا غمَّ ولا حزن.

وإذا كان الله معك فمن تخاف؟! وإذا كان عليك؛ فمن ترجو؟!

أيها المسلمون:

الحضارةُ الإنسانية بمُكتشفاتها ومُخترعاتها غالبًا ما يكون آخرُها خيرًا

من أولها بخلاف أديان الناس ومُعتقداتهم؛

فإن مُتديِّني كل دينٍ صحيحٍ يكون أولهم خيرًا من آخرهم،

وسلَفُهم أهدى من آخرهم، ذلك أن الحضارة بدأت تحبو، في حين أن الأديان وُلِدت واقفة،

والحضارةُ تراكمٌ معرفي، أما الدين فهو وحيٌ مُنزَّل وهديٌ مُحكَم.

والفرقُ بين الأتباع الأوائل لكل دينٍ صحيح وبين مُتأخِّريهم كمثل الفرق بين الماء

عند منبعه والماء عند مصبِّه بعدما جرى وخالطَ ما خالطَ من الشوائب.

لذا فإن خير يهود: أنبياؤهم وأحبارُهم الأولون، وخيرَ النصارى:

عيسى ابن مريم وحواريُّوه، وخيرَ المسلمين: محمد - صلى الله عليه وسلم -

وصحابتُه المرضيُّون ثم الذين يلُونهم ثم الذين يلُونَهم.

وكلما غبَرت أمةٌ أو قرنٌ من الناس طُوِي معهم علمٌ ورُفِع معهم فضل، مِصداقُ ذلك ما ورد في

وصية الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه قبل الرحيل:

«إنه من يعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا،

فعليكم بسُنَّتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي،

تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومُحدثات الأمور؛

فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة».

وإذا شئتَ أن تعرف قُربَ أهل دينٍ من دينهم فانظر إلى قُربهم من سلَفهم،

فكلما اقتربوا اهتدَوا، وكلما جفَوا ضلُّوا، أما إن لعنَ خلفُ أمةٍ سلَفَهم فإنه لا خير فيهم؛

فهم دسيسةُ عدوٍّ، وصنيعةُ كائد.

قال الإمام أحمد - رحمه الله -:

"إذا رأيتَ الرجلَ يذكر أحدًا من الصحابة بسوءٍ فاتَّهمه على الإسلام".

ولأجل هذا زخرَت مُصنَّفاتُ الأئمة بالحثِّ على التمسُّك بحُجَجِ السلف

عند الاتباع وفهمِ نصوص الوحيَيْن؛

فهو أمَنةٌ من الانحراف، وضمانةٌ من الضلال.

أيها المسلمون:

يتأكدُ الحديثُ عن المنهج الحق في وقتٍ تعدَّدت فيه المرجعيَّات، وتبايَن الاستمداد،

وقلَّ العلماء، وندَر الناصحون، حين تكثُر الشُّبَه، ويُلبَّسُ الحق على أهله،

ويحُولُ بينهم وبينه دعاةُ الضلالة وعِداةُ الهداية وأدعياءُ العلم،

وهم أقربُ إلى الضلال وإن تباكَوا على الإسلام ورسوله والآل.

وحين أدرك العدوُّ هذه الحقيقة سعى لفصل خلف هذه الأمة عن سلفها،

وإيغار قلوب مُتأخِّريها على مُتقدِّميها، وتشويه سِيَرهم وتواريخهم.

عباد الله:

ولأن الأمم تُؤتَى - في الغالب - من جهل أبنائها؛

فقد أكمل بعضُ من نُحسِنُ بهم الظنَّ من جهلة الأمة مشروعَ عدوهم،

فانتسَبوا للسلف وتسمَّوا باسمهم، وأنشأوا جماعاتٍ

ومُنظَّماتٍ اختطفَت ذلك الاسم الشريف واستأثرَت به،

ثم ارتكَبَت باسمه انحرافات، وافتعَلَت خُصومات.

ولم يُفوِّت عدوُّهم تلك الفرصة فدفع بعملائه ليركَبوا معهم المَوجة،

ويُوسِّعوا الهُوَّة بالانتساب للسلف الصالحين، ونصَّبوا أنفسَهم مُمثِّلين للسلفية،

فحُمِل خطؤهم على صوابها، وغُلُوُّهم على وسطيَّتها واعتدالها،

حتى صار الإسلام يُعادَى باسم مُحاربة السلفية،

وصار الإعلامُ يصِف المُتطرِّفين والإرهابيين بأنهم سلفيُّون،

ووُصِفت عودةُ الأمة لدينها الصحيح بالسلفية المُتطرِّفة تنفيرًا وتشويهًا للتديُّن،

وأصبحت السلفيَّةُ سُبَّةً وجريمةً يُلاحَقُ أربابُها، ويَتبرَّأ منها أصحابُها الذين هم أصحابُها،

(وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الفتح: 26].

يا أيها المسلمون:

سلفُكم هو محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وصحابتُه والقرون المُفضَّلة؛

فبأيِّ كتابٍ وجدتموهم يقتلون المسلمين، أو يخونون المُستأمَنين،

أو يدعون من دون الله الأئمةَ والصالحين،

أو يتبرَّكون بالأضرحة وقبور السالفين، أو يُثيرون الفتن بين المسلمين؟!

سلفُكم - يا أيها المسلمون - حريصون على جمع الكلمة، ووحدة الصفِّ،

وتنقية الدين من تحريف الغالين، وانتحال المُبطِلين، وتأويل الجاهلين،

سلفُكم كانوا أهدى طريقًا، وأقوم مسلكًا، وأتبعَ للكتاب والسنة،

وأعلمَ بالوحي؛ فكانوا حقًّا مسلمين.

الانتسابُ للسلف ليس دعوى يدَّعيها شخصٌ أو جماعة، أو يتبنَّاها حزبٌ أو مُنظَّمة؛

بل هي طاعةٌ واتباع، ووحدةٌ واجتماع، ونبذٌ للفُرقة والاجتماع.

منهج السلف الصالح هو الإسلام الأول الذي عرفه أبو بكرٍ وعمر وعثمانُ وعلي،

هو النَّهجُ الذي قاتلَ لأجله خالدٌ وسعد، واستُشهِد في سبيله حمزة ومُصعب،

هو الجادَّة الذي سلَكها ابنُ مسعودٍ وابنُ عباس،

وهو السبيلُ الذي ترسَّمه الحسنُ البصري والنَّخعيُّ والشعبيُّ،

وهو الفِجاجُ التي طرَقَها أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ وأحمد،

هو الطريق الذي خطا فيه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي،

وأولئك كل أولئك وكثيرٌ غيرهم على منهجهم، سِيَرهم محفوظة،

وآثارُهم معلومة، وكتبُهم مُسطَّرةٌ ومخطوطة.

فالسعيدُ من تمسَّك بما كان عليه السلف، واجتنبَ ما أحدثَه الخلف،

وما أسهل الاتباع وأيسر الاهتداء إن عافَى الله من دعاة الضلالة.

وقد شهِد الله تعالى بقوله:

( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

[التوبة: 100].

عن عمران بن حُصين - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلُونهم، ثم الذين يلُونَهم ..» الحديث؛

أخرجه البخاري ومسلم.

أيها المسلمون:

إن منهج السلف الصالح هو المنهجُ الذي يُمثِّل هذا الدين العظيم في شُموله وصفائه

كما يُمثِّل المسلمين في اجتماعهم وائتلافهم، إنه اسمٌ ينتظِمُ الإسلامَ كلَّه كما ينتظِمُ

جميعَ المسلمين الثابتين على الإسلام الذي كان عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه،

فهو شريعةُ الله في صفائها،

وهو عقيدةُ الحق في نقائها، لا يحقُّ لجماعةٍ أو فردٍ أن تحتقِرَه.

فالذي يرسمُ حدودَ هذا المنهج هو القرآنُ الكريم،

والذي يُحدِّدُ معالمَه سنةُ النبي الخاتم، وهو الأمَنةُ من كل خلافٍ واختلاف،

بذلك المنهج تُعرفُ الحادثات من الدين فتُتَّقى، ويُعرفُ الأدعياء في علم الشريعة فيُحذَرون،

ويُعرف الشاقُّون لصف الأمة ووحدتها فيُجتنَبون، ويُعرف المُخلِصون المُهتَدون فيُتَّبعون.

تكمُن أهميةُ نهج السلف الصالح في كونه التطبيقَ العمليَّ الأول للإسلام،

تحت سمع وبصر رسول السلام - عليه الصلاة والسلام -،

وتمثَّله التابعون بعد ذلك تحت سمع وبصر الصحابة المشهود لهم بالخيريَّة والاصطفاء،

وكذلك تابِعوهم؛ فمن الذين يُزايِدُ على ذلك النهج، ومن يجرؤُ أن يدَّعيَ أن الحق خلافَه؟!

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ

خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)

[النساء: 59].

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة،

أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.



الحمد لله وكفى، خلقَ خلقَه واصطفَى منهم من اصطفَى،

وجعل خيرتَهم أنبياءهم ومن ترسَّم سبيلَهم واقتفَى، وتبارك الله مُثيب الطائعين لأمره،

ومن خالفَ منهم إن شاء عذَّب أو عفا،

وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مَثيل ولا شبيه ولا كِفَا،

وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه المُصطفى، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه،

وعلى آله وأصحابه ومن لمنهجهم اقتفَى.

أيها المسلمون:

منهجُ السلف منهجٌ شاملٌ في النظر والاستدلال، في التلقِّي والاستمداد،

والارتباط بالنصِّ الشرعي، وفي نبذ المُحدثات في السلوك والتعبُّد،

ولا يكادُ يخلو أحدٌ من المُنتسبين إليه في كل مكانٍ من خللٍ في الفهم أو في التطبيق،

إلا أن الخلاف في امتثال هذا المنهج في بعض الفروع وجُزئيات

لا يجوز أن يكون داعيًا إلى تصنيف المُخالِف،

أو نبذه باسمٍ يقطعُ نسبتَه إلى السلف؛

فإن الأصل في كل مسلمٍ لم يتلبَّس بشيءٍ من الأصول البدعية المُحدثة أنه على نهج السلف

وإن وقع في معصيةٍ أو خالفَ في مسألةٍ اجتهادية،

ومن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة،

وشِعارُ المُخالف: مُفارقة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.

أيها المسلمون:

لقد تسرَّب الوهنُ للأمة بقدر ما تسرَّب إليها من البدع والمُحدثات،

والانحراف عن الطريق الحق، وضعف الاستمداد من الوحييْن،

وإذا كان المسلمون يلتمِسون اليومَ طريقًا للنهوض فليس لهم من سبيلٍ إلا وحدة جماعتهم،

ولا سبيل إلى وحدة الجماعة إلا على الإسلام الصحيح،

والإسلامُ الصحيح مصدرُه القرآن والسنة، وهذه خُلاصة الاتجاه السلفي.

عودةٌ بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -،

فلا تلتبِس عليكم السُّبُل، ولا تُضلَّنكم الأهواء، ولا يصُدَّنكم كثرةُ الأعداء أو سَطوة الأدعياء.

اللهم أرِنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعَه، وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابَه.

هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين،

وصحابته الغُرِّ الميامين، وارضَ اللهم عن الأئمة المهديين،

والخلفاء المَرْضِيِّين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين،

ومن سار على نهجهم واتبع سنتهم يا رب العالمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم من أرادنا وأراد بلادنا ودينَنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا،

وأيِّد بالحق إمامنا ووليَّ أمرنا، اللهم وفِّقه لهداك، واجعل عمله في رضاك،

وهيِّئ له البِطانة الصالحة، وأتِمَّ عليه الصحة والعافية والشفاء، وأسبِغ عليه لباس العافية.

اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواء الدين،

اللهم وفِّق وليَّ عهده والنائبَ الثاني لما فيه الخير للعباد والبلاد،

واسلُك بهم سبيل الرشاد، وكن لهم جميعًا مُوفِّقًا مُسدِّدًا لكل خير وصلاح.

اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن،

وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم اجمعهم على الحق والهدى،

اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، واحفظ ديارهم.

اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان،

اللهم انصرهم في فلسطين، واجمعهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين،

اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا،

وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم.







  رد مع اقتباس
قديم 28-05-2011, 10:25 AM   #6
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 17/6/1432 هـ


خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف



وجوب التناصر بين المسلمين

لفضيلة الشيخ الدكتور / صلاح البدير



نبذة مختصرة عن الخطبة:

ألقى فضيلة الشيخ صلاح البدير - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:

"وجوب التناصر بين المسلمين"،

والتي تحدَّث فيها عن حقوق المسلم على أخيه المسلم؛

ومن ذلك: نُصرته إذا استنصَره، ودفع الضُّرِّ عنه، والوقوف بجانبه،

ورغَّب في ذلك بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.



الحمد لله، الحمد لله العظيم في قدره، العزيز في قهره،

العليم بحال العبد في سرِّه وجهره، يسمعُ أنينَ المظلوم عند ضعف صبره،

ويجُودُ عليه بإعادته ونصره، أحمدُه على القدر خيرِه وشرِّه،

وأشكره على القضاء حُلوه ومُرِّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

له الآيات الباهرة،

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) [الروم: 25]،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله جاهدَ في الله حق جهاده طول عمره وسائر دهره،

صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما جادَ الصحابُ بقطره وطلَّ الربيعُ بزهره،

وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ ما تُستدفَعُ به البلايا، وتُرفعُ به الرَّزايا،

(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128].

أيها المسلمون:

في زمن الخُطوب الكِبار والشدائد والأخطار يتوجَّبُ التذكير بحقيقةٍ ناصعةٍ ساطعةٍ في الدين،

وهي: وجوب التناصُر بين المسلمين، ومُؤازَرة المظلومين، والنَّصَفة للمُستضعفين،

ومتى استجارَ المسلمُ بأخيه المسلم، ولاذَ بساحته، ونزل بباحته،

واستنصَره واستنفَره وجبَت نُصرته، ولزِمَت إعانتُه، حتى يقوَى ظهرُه،

ويشتدَّ أزرُه، ويندحِر عدوُّه، وينكفَّ ظالمُه.

ومتى تحقَّقَت القوةُ والقُدرة وجبَت المُؤازرَة والنُّصرة، قال - جلَّ في عُلاه -:

(وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ

وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

[الأنفال: 72].

ومتى تنازعَ المسلمون وتخاذَلوا، وتواهَنوا وتفاشَلوا،

وصار لكل واحدٍ منهم شأنٌ يُغنيه، وهمٌّ يَعنيه، فرَّق العدوُّ جمعَهم،

وبدَّد شملَهم، وشذَّب شِكَّتَهم، وخفضَ شوكَتهم، وتسلَّط عليهم، واستباحَ ديارَهم،

قال - جلَّ في عُلاه -:

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ) [الأنفال: 73]

- يعني: التناصُر والتضافُر في الدين -

(تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ).

قال بعض أهل العلم: "(تَكُنْ فِتْنَةٌ) أي: محنةٌ بالحرب وما انجرَّ منها من الغارات والجلاء والأسْر،

(وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) يعني: ظهورَ الشرك".

أيها المسلمون:

والمسلمُ يُقاسِمُ أخاه الهُمومَ والمكارِه، ويُِشارِكه محنَته وبليَّته، ويعيشُ معه مُصابَه ورزِيَّته،

لا يخونُه ولا يُسلِمه، ولا يترُكه ولا يخذُله؛ بل يحُوطه وينصُره ويعضِدُه؛

فعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -:

«ما من امرئٍ يخونُ مسلمًا في موطنٍ يُنتقَصُ فيه من عِرضه،

ويُنتهَكُ فيه من حُرمته، إلا خذلَه الله في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتَه،

وما من امرئٍ ينصرُ مسلمًا في موطنٍ يُنتقصُ فيه من عِرضه،

ويُنتهَكُ فيه من حُرمته إلا نصرَه الله في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه»؛

رواه أبو داود، والطبراني في "الأوسط"، وقال الهيثمي: "إسنادُه حسن".

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«المؤمنُ مرآةُ المؤمن، والمؤمنُ أخو المؤمن، يكفُّ عليه ضيعتَه، ويحُوطُه من ورائه»؛

أخرجه أبو داود.

وعن بَهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

«كل مسلمٍ على مسلمٍ مُحرَّم أخوانَ نصيران»؛ أخرجه النسائي.

أي: هما أخوان يتناصَران ويتعاضَدان.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«المسلمُ أخو المسلم، لا يخُونه ولا يكذِبُه ولا يخذُله»؛ أخرجه الترمذي.

وعن عمرو بن شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«المسلمون تتكافأُ دماؤهم، ويسعى بذِمَّتهم أدناهم،

ويُجيرُ عليهم أقصاهم، وهم يدجٌ على من سواهم»؛

أخرجه أبو داود.

أيها المسلمون:

إن الأحداث المُتلاحقة، والوقائع المُتوالية التي نزلت بأرض الإسلام،

وشاهدَ العالمُ من خلالها كيف استهدَفت آلةُ الحرب والقتل والقمع والتعذيب والتنكيل

والضعفةَ والعُزَّلَ والأبرياءَ والرُّضَّعَ والأطفالَ والشيوخَ والنساء،

في صورٍ من الوحشية لا يجترئُ عليها إلا عديمُ الرحمة وفاقدُ العقل،

إن تلك الأحداث تستوجِبُ اليقظَةَ والاعتبار، والتذكُّر والادِّكار،

وما هي إلا محنٌ تُمتَحنُ بها القلوب، وتُبتلَى بها النفوس؛

ليعلمَ الله من يقِفُ مع المظلوم في وجه الظالم،

وينصر الحقَّ في وجه الباطل، ويدفعُ بالسنة في وجه البدعة،

ويصِلُ يدَه بأهل الإيمان والتوحيد في وجه أهل الشرك والخرافة والتنديد،

(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحديد: 25].

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم، مُبدِع البدائع،

وشارعِ الشرائع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضيًّا، أحمده وقد أسبغَ البرَّ الجزيل،

وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربه،

ورجا العفو والغفران لذنبه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله،

صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وأتباعِه وحِزبه صلاةً وسلامًا دائمَيْن ممتدَّيْن إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسب،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

أيها المسلمون:

مهما بلَغت قوةُ الظَّلُوم وضعف المظلوم فإن الظالمَ مقهورٌ مخذول،

مُصفَّدٌ مغلول، وأقربُ الأشياء صرعةُ الظَّلُوم،

وأنفذُ السهام دعوةُ المظلوم، يرفعها الحيُّ القيوم فوق الغُيُوم.

يقول رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -:

«ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم: الصائمُ حين يُفطِر، والإمامُ العادلُ،

ودعوةُ المظلوم يرفعها الله فوق الغَمام، ويفتحُ لها أبوابَ السماء،

ويقول لها الربُّ: وعِزَّتي وجلالي! لأنصُرنَّك ولو بعد حين»؛

أخرجه أحمد.

فسُبحان من سمِع أنين المُضطَهد المهموم، وسمِع نداء المكروب المغموم،

فرفع للمظلوم مكانًا، ودمغَ الظالمَ فعاد بعد العِزِّ مُهانًا.

أيها المسلمون:

والظلمُ لا يدومُ ولا يطولُ، وسيضمحِلُّ ويزول، وللمظلوم المهضوم السطوةَ والانتصار،

والفلَجَ والإظفار، وللظالم الجائر المُعتدي الفاجِر الذِّلَّةَ والصَّغار، والدمارَ والخَسار،

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21].

ثم صلُّوا وسلِّموا على خير الورى، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا.

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة،

أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،

وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،

وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين،

ودمِّر الطغاة والمُعتدين، ودمِّر الطغاة والمُعتدين، ودمِّر الطغاة والمُعتدين يا رب العالمين.

اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها،

ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين يا رب العالمين.

اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين يا أرحم الراحمين،

اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعل أهلَنا في سورية وليبيا واليمن في ضمانك وأمانك وإحسانك يا أرحم الراحمين،

يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين احفظهم من كل سوءٍ ومكروهٍ وفتنةٍ يا كريم،

اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم،

وصُن أعراضَهم، واحفظ أموالَهم وأمنَهم واستقرارَهم ووحدَتهم يا أرحم الراحمين.

اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة،

وأطفِئ جمرة الفتنة وشرارة الفوضى ونار الاصطدام يا رب العالمين.

اللهم قاتلِ الكفرة الذين يصدُّون عن سبيلك ويُعادون أولياءك،

واجعل عليهم عذابَك ورِجزَك إلهَ الحق يا رب العالمين.

اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود،

اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين،

والصهاينة الغادرين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية،

واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآية يا قوي يا عزيز يا رب العالمين.

اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، ولا تجعل لكافرٍ علينا يدًا،

اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، واشف مرضانا،

وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا رب العالمين.

عباد الله:

( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى

وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )

[النحل: 90].







  رد مع اقتباس
قديم 04-06-2011, 10:08 AM   #7
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 1/07/1432 هـ

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بمكة المكرمة


الاعتصام بالكتاب والسنة سبيل النجاة

لفضيلة الشيخ الدكتور / أسامة بن عبد الله خياط



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور / أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله -

أمام و خطيب المسجد الحرام خطبة الجمعة بعنوان:

"الاعتصام بالكتاب والسنة سبيل النجاة"،

والتي تحدَّث فيها عن أن اتباع أوامر الله وأوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم -

هي السبيل الوحيد لنجاة العبد وفلاحه في الدنيا والآخرة،

وأن المخالف لذلك فقد خسِر خسرانًا مبينًا.



الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين،

أحمده - سبحانه - وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحكمُ الحاكمين وأسرعُ الحاسبين،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله خاتمُ النبيين وإمام المرسلين وقائد الغُرِّ المُحجَّلين،

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الغُرِّ الميامين،

والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله -؛ فإن المرء لا يزالُ بخيرٍ ما اتقى الله وخالفَ نفسَه وهواه،

ولم تُشغِله دنياه عن أُخراه.

أيها المسلمون:

حياةُ القلب وطُمأنينة النفس وسُمُوُّ الروح مطمحُ كل عاقلٍ، ومقصدُ كل لبيبٍ،

ومُبتغَى كل أوَّاب، ومُنتهى أمل كل راغبٍ في حيازةِ الخير لنفسه،

ساعٍ إلى خلاصها من أغلال الشقاء، واستنقاذها من ظلمات الحَيرة ومسالك الخيبة وأسباب الهلاك.

وإذا كان لكل امرئٍ في بلوغ ذلك وجهةٌ هو مُولِّيها وجادَّةٌ يسلُكها؛

فإن المُوفَّقين من أُولي الألباب الذين يسيرون في حياتهم على هُدًى من ربهم،

واقتفاءٍ لأثر نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لا يملِكون إلا أن يذكروا - وهم يلعقون الجراح،

ويتجرَّعون مرارة الفُرقة، وغُصَص التباغُض والتقاتُل - لا يملِكون إلا أن يذكروا آياتِ الكتاب الحكيم

وهي تدلُّهم على الطريق، وتقودُهم إلى النجاة.

حين تُذكِّرُهم بتاريخ هذه الأمة المُشرقِ الوضِيء،

وتُبيِّنُ لهم كيف سمَت وعلَت وتألَّق نجمُها وأضاء منارُها،

وكيف كان الرَّعيلُ الأول منها مُستضعفًا مهيبَ الجناح،

تعصِفُ به أعاصيرُ الباطل، وترميه الناسُ عن قوسٍ واحدة، فآواه الله ونصرَه نصرًا عزيزًا مُؤزَّرًا،

وأسبغَ عليه نعَمَه، وأفاضَ عليه البركات، ورزقَه من الطيبات،

(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ

فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

[الأنفال: 26].

إنه إيواءٌ إلهي، وتأييدٌ ربَّاني من الله القوي القادر القاهر الغالب على أمره،

تأييدٌ مُحقِّقٌ وعده الذي لا يتخلَّفُ لهذه الأمة بالاستخلاف في الأرض،

والتمكين تبديل خوفها أمنًا إن هي آمنت بالله، وعمِلت الصالحات،

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا

يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)

[النور: 55].

ولا غَروَ أن يبلغ ذلك الرعيلُ الأول من التقدُّم والرُّقِيّ مبلغًا لم يسبِقه إليه

ولم يلحق به أحدٌ عاش على هذه الأرض؛

لأن الإيمان دليلُه، ولأن الإسلام قائدُه، ولأن الشريعة المُباركة منهجه ونظامُ حياته،

فاستحقَّ الخيرية التي كتبَها الله لمن آمنَ به واتبع هُداه، وتبوَّأ مقام الشهادة على الناس يوم القيامة،

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )

[آل عمران: 110]،

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)

[البقرة: 143].

وإن آيات الكتاب الحكيم لتُذكِّرهم أيضًا أن الاستقامة على منهج الله واتباعَ رضوانه وتحكيم شرعه لا يكون أثرُه مُقتصرًا على الحَظوة بالسعادة في الآخرة ونزول جنات النعيم فيها فحسب؛

بل يضمنُ كذلك التمتُّع بالحياة الطيبة في الدنيا، وتلك سنةٌ من سُنن الله في عباده لا تتخلَّفُ ولا تتبدَّل،

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً

وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97]،

وقال - سبحانه -:

(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)

أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2)

وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى

وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)

[هود: 1- 3].

فحين تكون حَيدةُ الخلق عن دين الله، والجَفوة بينهم وبين ربِّهم بالإعراض عن منهجه؛

هنالك يقع الخلل، ويثور الاضطرابُ المُفضِي إلى فسادٍ وشرٍّ عظيم عانَت من ويلاته الأمم من قبلنا،

فحلَّ الخِصامُ بينهم، واضطرَمت نارُ العداوة والبغضاء بعدما كانت المحبةُ والأُلفةُ تُظلُّهم بظِلالها،

(فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)

[المائدة: 14].

وهو خللٌ يتجاوز فسادُه وتتسعُ دائرتُه فتشمل الأرضَ والبيئةَ كلها،

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)

[الروم: 41].

ذلك أن الصلة وثيقةٌ بين الكون وبين ما نأتي وما نذَر من أعمال،

فإن مشَت على سَنَنٍ قويم وطريقٍ مستقيم بإدراك الغاية من خلق الإنسان،

وتحقيق العبودية لله رب العالمين، والمُسارعة إلى مرضاته،

والاستقامة على منهجه؛ فإن الله يُفيضُ عليهم من خزائن رحمته،

ويُنزِّلُ عليهم بركاتٍ من السماء، ويُفيئُ عليهم خيرات الأرض،

كما عبَّر عن ذلك نوحٌ - عليه السلام - في دعوته لقومه وحثِّه لهم

على الإيمان بربهم والاستغفار لذنوبهم:

(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10)

يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)

وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)

[نوح: 10- 12].

وقال - عزَّ اسمُه - في شأن المُعذَّبين من أهل القرى:

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ

وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)

[الأعراف: 96].

وتلك مساكنُ وآثار الذين ظلموا أنفسَهم بنبذ كتاب الله وراءهم ظِهريًّا،

واتخاذهم أهواءهم آلهةً من دون الله، واتباعهم ما أسخط اللهَ،

وكراهتهم رضوانه؛ فكانت تلك الديار مشاهِد عِظةٍ وذكرى لأولي الألباب،

(فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)

[الحج: 45].

ولذا فإن أُولي النُّهى لا يملكون - وهم يسمعون نداء الله يُتلى عليهم في كتابه -

إلا أن يُصيخوا ويستجيبوا لله وللرسول - صلى الله عليه وسلم -؛

إذ هي دعوةٌ تحيا بالاستجابة لها القلوب، القلوب التي لا حياة لها إلا بالإقبال على الله تعالى

وتحقيق العبودية له، ومحبته وطاعته، والحذر من أسباب غضبه،

وبمحبة رسوله - صلى الله عليه وسلم - واتباع سنته، والاهتداء بهديه، وتحكيم شرعه،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)

[الأنفال: 24].

فإنه - سبحانه - يحُول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان -

كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما - أي: فلا يستطيع أن يُؤمن ولا يكفر إلا بإذنه - عز وجل -.

كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد في "مسنده"،

والنسائي وابن ماجه في "سننهما" بإسناد صحيح عن النواس بن سمعان - رضي الله عنه -

أنه قال: سمعتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:

«ما من قلبٍ إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين،

إذا شاء أن يُقيمَه أقامَه، وإذا شاء أن يُزيغَه أزاغَه»،

وكان يقول: «يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»،

قال: «والميزانُ بيد الرحمن يخفِضه ويرفعه».

فاتقوا الله - عباد الله -، واستجيبوا لله وللرسول،

واذكروا أن ربكم قد ضمِن لمن اتبع هُداه وسار على منهجه أن يُؤتِيَه المجدَ

ويُبلِّغه الرِّفعةَ التي تصبُو إليها نفسُه، فقال - عزَّ اسمُه -:

(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)

[الزخرف: 44]،

وقال - سبحانه -: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)

[الأنبياء: 10]؛

أي: شرفكم، ومجدكم، ومكارم أخلاقكم،

ومحاسن أعمالكم، وفوزكم في الدنيا والآخرة.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -،

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،

إنه هو الغفور الرحيم.



إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،

من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك،

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، فيا عباد الله:

إن المؤمن حين يقفُ على مُفترق طرقٍ، وحين تُعرضُ عليه شتَّى المناهج؛

لا تعتريه حيرةٌ، ولا يُخالِجه شكٌّ في أن منهج ربِّه الأعلى وطريقه هو سبيل النجاة

وطريق السعادة في حياته الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين.

وفي آيات الكتاب الحكيم مما قصَّ الله علينا نبأه في شأن أبينا آدم - عليه السلام -

حين أُهبِط من الجنة بتأثير إغواء الشيطان وتزيين المعصية له أوضح الأدلة على ذلك،

فأما المُتِّبعُ هُدى ربِّه فهو السعيدُ حقًّا،

(قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)

[طه: 123]،

وأما المُعرِض عن ذكر ربه بمخالفة أمره وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -،

وبالأخذ من غيره فعاقبةُ أمره خُسره، ومعيشة ضنكًا،

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)

قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)

قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)

[طه: 124- 126].

إنها معيشةٌ يُصوِّر واقعَها الإمام الحافظُ ابن كثيرٍ - رحمه الله - بقوله:

"أي: ضنكًا في الدنيا؛ فلا طمأنينة له، ولا انشراحَ لصدره؛

بل صدرُه ضيِّقٌ حرِجٌ لضلاله وإن تنعَّم ظاهرُه، ولبِسَ ما شاء،

وأكل ما شاء، وسكنَ حيث شاء؛ فإن قلبه ما لم يخلُص إلى اليقين والهُدى فهو في قلقٍ وحيرةٍ وشكٍّ،

فلا يزالُ في ريبه يتردَّد، فهذا من ضنك المعيشة". اهـ.

أعاذنا الله منها، ومن العمى بعد الهدى، وجعلنا ممن أنابَ إلى ربه وتابَ إليه فهدى.

فاتقوا الله - عباد الله -، واتخذوا مما جاءكم من ربكم من البينات والهُدى خيرَ عُدَّةٍ

تبلغُون بها سعادةَ الآخرة والأولى.

وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى؛ فقد أمركم بذلك الربُّ - جل وعلا -؛

فقال - سبحانه -:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة:

أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين،

ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير من تجاوزَ وعفا.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمِّر أعداء الدين،

وسائرَ الطغاة والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفهم،

وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -

وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا،

وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانة الصالحة،

ووفِّقه لما تحب وترضى يا سميع الدعاء،

اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين،

وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، يا من إليه المرجع يوم التناد.

اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءنا بما شئتَ يا رب العالمين،

اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائك وأعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم،

اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم،

اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها،

وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا،

وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا،

وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير،

والموتَ راحةً لنا من كل شر.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات،

وحبَّ المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا،

وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبِضنا إليك غير مفتونين.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك،

وفُجاءة نقمتك، وجميعَ سخطك.

اللهم احفظ المسلمين في جميع ديارهم،

اللهم احفظهم في سوريا وفي ليبيا وفي اليمن،

وفي جميع ديارهم وأمصارهم يا رب العالمين، وقِهم شر الفتن،

اللهم قِهم شر الفتن، اللهم قِهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطَن،

واحقن دماءهم، وألِّف بين قلوبهم يا رب العالمين.

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[الأعراف: 23]،

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)

[آل عمران: 8]،

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201].

وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 04-06-2011, 10:10 AM   #8
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 1/07/1432 هـ

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى


من أعمال القلوب :

الخوف والرجاء

لفضيلة الشيخ الدكتور / علي بن عبد الرحمن الحذيفي



القى فضيلة الشيخ الدكتور / علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله -

أمام و خطيب المسجد النبوى الشريف خطبة الجمعة بعنوان:

"من أعمال القلوب: الخوف والرجاء"،

والتي تحدَّث فيها عن أعمال القلوب وضرورة الاهتمام بها، وذكر أن من أعظم هذه الأعمال القلبية:

الخوف من الله والرجاء فيما عند الله - سبحانه وتعالى -،

والفرق بين حال المؤمن بينهما في فُسحته في الدنيا وقبل خروجه منها.





الحمد لله العلي الأعلى،

( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)

وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى )

[طه: 6، 7]،

أحمد ربي وأشكره على ما أعطى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

له الأسماء الحُسنى، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المُصطفى،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه البررة الأتقياء.

أما بعد:

فاتقوا الله - أيها المسلمون - حقَّ التقوى، واعلموا أن الله يعلمُ ما في أنفسكم فاحذروه،

إن الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.

عباد الله:

إن أعمال القلوب أعظم شيءٍ وأكبرُ شيءٍ؛ فثوابُها أعظم الثواب، وعقابُها أعظمُ العقاب،

وأعمالُ الجوارح تابعةٌ لأعمال القلوب ومبنيَّةٌ عليها،

ولهذا يُقال: القلبُ ملكُ الأعضاء، وبقيةُ الأعضاء جنوده.

عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

«لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه»؛ رواه أحمد.

ومعنى استقامة القلب: توحيده لله - تبارك وتعالى -

وتعظيمه ومحبته وخوفه ورجاؤه، ومحبة طاعته وبُغض معصيته.

وروى مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

وقال الحسن لرجلٍ: "داوِ قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم".

وإن من أعمال القلوب التي تبعثُ على الأعمال الصالحة،

وتُرغِّب في الدار الآخرة، وتزجُر عن الأعمال السيئة،

وتُزهِّدُ في الدنيا، وتكبَحُ جماحَ النفس العاتية: الخوفَ والرجاء،

الخوف من الله، والرجاء فيما عنده.

فالخوف من الله تعالى سائقٌ للقلب إلى فعل كل خير،

وحاجزٌ له عن كل شرٍّ، والرجاءُ قائدٌ للعبد إلى مرضاة الله وثوابه،

وباعثٌ للهِمَم إلى جليل صالح الأعمال، وصارفٌ له عن قبيح الفِعال.

والخوفُ من الله مانعٌ للنفس عن شهواتها، وزاجرٌ لها عن غيِّها،

ودافعٌ لها إلى ما فيه صلاحُها وفلاحُها.

والخوفُ من الله شُعبةٌ من شُعب التوحيد، يجبُ أن يكون لرب العالمين،

وصرفُ الخوف لغير الله شُعبةٌ من شُعب الشرك بالله - تبارك وتعالى -.

وقد أمر الله تعالى بالخوف منه - عز وجل -، ونهى عن الخوف من غيره، فقال - عز وجل -:

( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )

[آل عمران: 175]،

وقال - عز وجل -:

( فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا )

[المائدة: 44]،

وقال - عز وجل -: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة: 40].

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: خطبَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال :

« لو تعلمون ما أعلم لضحِكتم قليلاً، ولبكيتُم كثيرًا »،

فغطَّى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

وجوهَهم ولهم خَنين - أي: لهم صوتٌ من البكاء -؛ رواه البخاري ومسلم.

والخوف يُراد به: انزعاجُ القلب واضطرابُه،

وتوقُّعه عقوبة الله على فعل مُحرَّمٍ أو ترك واجبٍ أو التقصير في مُستحبٍّ،

والإشفاق ألا يقبل الله العملَ الصالح؛

فتنزجِرُ النفسُ عن المُحرَّمات، وتُسارع إلى الخيرات.

والخشية، والوَجَل، والرهبة، والهَيْبة ألفاظٌ مُتقاربة المعاني،

وليست مُرادفةً للخوف من كل وجهٍ؛ بل الخشيةُ أخص من الخوف،

فالخشية خوفٌ من الله مع علمٍ بصفاته - جل وعلا -، كما قال - عز وجل -:

(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)

[فاطر: 28].

وفي "الصحيح" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

« أمَا إني أخشاكم لله وأتقاكم لله ».

والوَجَل: رجَفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته.

والرهبةُ: الهربُ من المكروه.

والهيبةُ: خوفٌ يُقارنه تعظيمٌ وإجلال.

والله - تبارك وتعالى - أحقُّ أن يُخشَى وأحقُّ أن يُهابَ ويُرهَب.

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -:

"فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين،

والهيبةُ للمُحبِّين، والإجلال للمُقرَّبين،

وعلى قدر العلم والمعرفة بالله يكون الخوف والخشيةُ من الله تعالى".

وقد وعد الله من خاف منه، فحجزه خوفُه عن الشهوات، وساقَه إلى الطاعات؛

وعدَه أفضل أنواع الثواب،

فقال - تبارك وتعالى -:

( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ )

[الرحمن: 46 - 48].

والأفنان: هي الأغصان الحسنةُ النضِرة. قال عطاء: "كل غُصنٍ يجمع فنونًا من الفاكهة".

وقال تعالى:

( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى )

[النازعات: 40، 41]،

وقال - تبارك وتعالى -:

( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25)

قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26)

فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27)

إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ )

[الطور: 25 - 28].

فأخبر الله أن من خافَه نجَّاه من المكروهات وكفاه، ومنَّ عليه بحُسن العاقبة.

روى ابن أبي حاتم عن عبد العزيز - يعني: ابن أبي رواد -

قال: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ )

[التحريم: 6]

وعنده بعض أصحابه، وفيهم شيخٌ، فقال الشيخ: يا رسول الله!

حجارةُ جهنَّم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«والذي نفسي بيده؛ لصخرةٌ من جهنم أعظمُ من جبال الدنيا كلها»،

قال: فوقع الشيخُ مغشيًّا عليه، ووضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يدَه على فؤاده فإذا هو حيٌّ،

فناداه قال:

« يا شيخُ ! قل : لا إله إلا الله »،

فقالها، فبشَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة،

فقال بعض أصحابه: يا رسول الله! أمن بيننا؟ قال:

«نعم، يقول الله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)

[إبراهيم: 14]».

ولقد كان السلف يغلبُ عليهم الخوف من الله - تبارك وتعالى -،

ويُحسِنون العمل، ويرجون رحمةَ الله - عز وجل -،

ولذلك صلُحت حالُهم، وطابَ مآلُهم، وزَكَت أعمالُهم.

قد كان عمر - رضي الله عنه - يعُسُّ ليلاً فسمع رجلاً يقرأ سورة الطور،

فنزل عن حماره واستند إلى حائط، ومرضَ شهرًا يعودونه لا يدرون ما مرضُه.

وقال أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - وقد سلَّم من صلاة الفجر وقد علاه كآبة، وهو يُقلِّبُ يدَه -:

"لقد رأيتُ أصحاب محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فلم أر اليوم شيئًا يُشبِههم،

لقد كانوا يُصبِحون شُعثًا صُفرًا غُبرًا، بين أعينهم أمثالُ رُكَب المِعزَى،

قد باتوا لله سُجَّدًا وقيامًا، يتلون كتابَ الله، يُراوِحون بين جِباههم وأقدامهم،

فإذا أصبَحوا ذكروا الله فمادُوا كما يميدُ الشجر في يوم الريح،

وهمَلت أعينهم بالدموع حتى تبُلّ ثيابهم".

ومرض سُفيان الثوري من الخوف.

ولما ودَّع عبدُ الله بن رواحة أصحابَه وهو ذاهبٌ إلى غزوة مُؤتة بكى وقال:

"واللهِ ما أبكي صبابةً بكم، ولا جزعًا من فِراق الدنيا،

ولكني ذكرتُ آيةً من كتاب الله - عز وجل -، قال الله تعالى:

( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا )

[مريم: 71]،

فكي لي بالصَّدَر بعد الورود".

والأخبارُ في هذا تطول عنهم - رضي الله عنهم -.

والخوفُ المحمود هو الذي يحثُّ على العمل الصالح ويمنع من المُحرَّمات،

فإذا زاد الخوفُ عن القدر المحمود صار يأسًا وقنوطًا من رحمة الله، وذلك من الكبائر.

قال ابن رجب - رحمه الله -:

"والقدرُ الواجبُ من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم،

فإن زاد على ذلك؛ بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات،

والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسُّط في فضول المُباحات؛

كان ذلك فضلاً محمودًا، فإن تزايَد على ذلك؛

بأن أورثَ مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا بحيث يقطع عن السعي؛ لم يكن محمودًا".

وقال أبو حفص: "الخوف سوط الله يُقوِّم به الشاردين عن بابه"،

وقال: "الخوف سراجٌ في القلب".

وقال أبو سليمان: "ما فارقَ الخوفُ قلبًا إلا خرِب".

فالمسلمُ بين مخافتين: أمرٌ مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه،

وأمرٌ يأتي لا يدري ما الله قاضٍ فيه.

وأما الرجاء: فهو الطمعُ في ثواب الله - تبارك وتعالى - على العمل الصالح،

فشرطُ الرجاء: تقديم العمل الحسن والكفُّ عن المُحرَّمات أو التوبة منها،

وأما ترك الواجبات، واتباع الشهوات، والتمنِّي على الله ورجاؤه فذلك يكون أمنًا من مكر الله لا رجاءًا،

وقد قال تعالى:

( فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ )

[الأعراف: 99].

وقد بيَّن الله تعالى أن الرجاء لا يكون إلا بعد تقديم العمل الصالح ولا يكون بدونه،

قال - تبارك وتعالى -:

( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً

يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ )

[فاطر: 29]،

وقال تعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ

أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )

[البقرة: 218].

والرجاءُ عبادةٌ لا تُصرف إلا لله تعالى، فمن علَّق رجاءَه بغير الله فقد أشرك، قال تعالى:

( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )

[الكهف: 110].

والرجاءُ وسيلةُ قُربى إلى الله، فقد جاء في الحديث عن الله - تبارك وتعالى -:

«أنا عند ظنِّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكَرني».

والواجبُ: الجمعُ بين الخوف والرجاء، وأكملُ أحوال العبد محبةُ الله تعالى

مع اعتدال الخوف والرجاء، وهذه حال الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والمؤمنين،

قال تعالى عنهم:

( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ )

[الأنبياء: 90]،

وقال تعالى:

( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )

[السجدة: 16].

فإذا علِمَ المسلمُ شُمول رحمة الله، وعظيمَ كرمه، وتجاوُزه عن الذنوب العِظام،

وسعة جنته، وجزيل ثوابه؛ انبسَطت نفسُه واسترسَلَت في الرجاء والطمع فيما عند الله من الخير العظيم،

وإذا علِمَ عظيمَ عقاب الله، وشدةَ بطشه وأخذه، وعسير حسابه، وأهوال القيامة،

وفظاعة النار، وأنواع العذاب في النار؛ كفَّت نفسُه وانقمَعت،

وحذِرت وخافَت، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

« لو يعلمُ المؤمنُ ما عند الله من العقوبة ما طمعَ بجنته أحدٌ،

ولو يعلمُ الكافرُ ما عند الله من الرحمة ما قنِطَ من جنَّته »؛

رواه مسلم.

وقد جمع الله بين المغفرة والعذاب كثيرًا في كتاب الله - عز وجل -، فمما قال - تبارك وتعالى -:

( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ )

[الرعد: 6]،

وقال تعالى:

( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )

[المائدة: 98].

نقل الغزال - رحمه الله - عن مكحول الدمشقي قال: "من عبدَ الله بالخوف وحده فهو حروريٌّ،

ومن عبدَ الله بالرجاء وحده فهو مُرجئٌ، ومن عبدَ الله بالمحبة وحدها فهو زنديق،

ومن عبَدَه بالخوف والرجاء والمحبة فهو مُوحدٌ سنِّي".

وفي "مدارج السالكين" للإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -:

"القلبُ في سيره إلى الله - عز وجل - بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه،

والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلِمَ الرأسُ والجناحان فالطائرُ جيدُ الطيران،

ومتى قُطِع الرأسُ مات الطائر، ومتى فُقِد الجناحان فهو عُرضةٌ لكل صائدٍ وكاسدٍ".

ولكن السلف استحبُّوا أن يقوَى في الصحة جناحُ الخوف على جناح الرجاء،

وعند الخروج من الدنيا يقوَى جناحُ الرجاء على جناح الخوف،

فالمحبةُ هي المركب، والرجاءُ حادٍ والخوفُ سائق، والله المُوصِلُ بمنِّه وكرمه،

قال - تبارك وتعالى -:

( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ )

[الحجر: 49، 50].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله ذي الجلال والإكرام والعِزَّة التي لا تُرام،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عزيزٌ ذو انتقام،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ رحمةً للعالمين،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه الكرام.

أما بعد:

فاتقوا الله - أيها المسلمون -، وارجوا ثوابَه، واخشَوا عقابَه،

واسمعوا قول الله - تبارك وتعالى -:

( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )

[المائدة: 98]،

فخافوا عقابَه، وارجوا رحمتَه وثوابَه.

وقد روى البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير -

رضي الله عنهما - قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:

« إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لرجلٌ يُوضَع في أخمص قدمَيه جمرتان

يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا ».

وروى مسلم من حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -

عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

قال: سأل موسى - صلى الله عليه وسلم - ربَّه:

ما أدنى أهل الجنة منزلة؟

قال:

« هو رجلٌ يجِيءُ بعدما أُدخِل أهل الجنةِ الجنة، فيُقال له: ادخل الجنة،

فيقول: أيْ ربِّ! كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟!

فيقول له: أترضى أن يكون مثلُ مُلكِ ملِكٍ من ملوك الدنيا؟

فيقول: رضيتُ ربِّ، فيقول الرب - تبارك وتعالى -: لك ذلك،

ومثلُه ومثلُه ومثلُه ومثلُه، فيقول في الخامسة: رضيتُ ربِّ،

فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله،

ولك ما اشتهَت نفسُك، ولذَّت عينُك، فيقول: رضيتُ ربِّ ».

فالخوف من عذاب الله والرجاء في ثوابه أمرٌ لا بد منه في استقامة المسلم،

وفي هذا العصر الذي غلبت فيه القسوة والغفلة وحب الدنيا على القلوب،

وتجرَّأ أكثر العباد على الآثام والذنوب، يُقوَّى جناحُ الخوف؛

لتستقيم النفوس، وتزكُو القلوب، وعند الانقطاع من الدنيا يُغلَّب الرجاء؛

لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمُت أحدكم إلا وهو يُحسِنُ الظنَّ بربه».

فالخوف من الله يقتضي القيامَ بحقوق الله تعالى،

ويُبعِد المسلم عن التقصير فيها، ويحجُز العبدَ عن ظلم العباد والعدوان عليهم،

ويحثُّه ويدفعه إلى أداء الحقوق لأصحابها وعدم تضييعها والتهاوُن بها،

ويمنع المسلمَ من الانسياق وراء الشهوات والمُحرَّمات،

ويجعله على حذرٍ من الدنيا وفتنتها وزخرفها، وعلى شوقٍ إلى الآخرة ونعيمها.

ومن وحَّد الله - تبارك وتعالى - وعافاه الله من دماء الناس وأموالهم وأعراضهم فقد نجا من شقاوة الدنيا وكُربات الآخرة ومن عذاب الله - تبارك وتعالى -،

وفاز بجنةٍ لا يفنى نعيمُها ولا يَبيد.

عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56]،

فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،

إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد،

كما بارَكت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين،

الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،

وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،

اللهم وارضَ عنَّا بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين يا رب العالمين،

اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين وأصلِح ذات بينهم.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يا قوي يا عزيز.

اللهم أذِلَّ البدع يا رب العالمين إلى يوم الدين.

اللهم احفظ دماء المسلمين، اللهم احفظ دماء المسلمين،

اللهم احقِن دماء المسلمين، واحفظ أعراضهم وأموالهم يا رب العالمين،

اللهم واكفِهم شر المُعتدين الظالمين يا رب العالمين،

اللهم احفظ المسلمين في كل مكان،

اللهم أعِذ المسلمين من شر الظالمين ومن عدوان الظالمين يا رب العالمين.

اللهم أطفِئ الفتن التي هبَّت على المسلمين يا رب العالمين،

اللهم أطفِئها بعزٍّ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين،

وبما يُرضيك يا أرحم الراحمين، وبذلٍّ لأعداء الدين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا.

اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى،

اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رِضاك،

وأعِنْه على ما يُرضيك وما فيه صلاحُ الإسلام والمسلمين يا رب العالمين،

اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحب وترضى، ولما فيه العزُّ للإسلام يا أرحم الراحمين.

اللهم أغِثنا، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،

وأعِذنا من شر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين،

اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وذريته وجنوده وشياطينه،

اللهم أعِذ المسلمين من إبليس وذريته وشياطينه يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.

( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )

[البقرة: 201].

عباد الله:

( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ

يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا

وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ )

[النحل: 90، 91].

واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 11-06-2011, 10:27 AM   #9
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 8/7/1432 هـ

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى

الأخوّة الإيمانية



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور / حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:

"الأخوة الإيمانية"،

والتي تحدَّث فيها عن الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية التي جاءت

عن الأخوة الإيمانية وأثرها على إيمان العباد، وما يجب عليهم تجاه بعضهم.



الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلها سببًا للمودة والوِئام،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ العلاَّم،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسوله سيدُ ولد عدنان،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

[الأحزاب: 70، 71].

أيها المسلمون:

من الأصول الدينية العظيمة: وجوب تحقيق الأُخوَّة بين المؤمنين:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)

[الحجرات: 10]،

والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:

«المسلمُ أخو المسلم».

ومن هنا؛ فعلى المسلم أن يعلمَ أن أعظم حقٍّ لهذه الأُخُوَّة أن يلتزِم بالقاعدة القرآنية:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة: 71]،

وأن يعمل جادًّا في تحقيق المبدأ الذي دعا إليه سيدُ البشرية محمد - صلى الله عليه وسلم -

بأن يحبَّ للمسلمين ما يُحبُّه لنفسه في كل الأحوال وجميع التصرُّفات ظاهرًا وباطنًا،

عملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -:

«مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَل الجسد الواحد

إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى»؛

متفق عليه.

ويقول - صلى الله عليه وسلم -

داعيًا المجتمعَ المسلمَ إلى أن تشِيعَ فيه روحُ المحبة الصادقة وعاطفةُ المودَّة الصادقة:

«لا يُؤمنُ أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه»؛

متفق عليه.

أيها المسلمون:

إن الواجب على المسلم أن يسعى في تحقيق هذه المُثل العُليا والأخلاق العُظمى،

فهو حسنٌ في قوله وفعله، فاضلٌ في سلوكه ومنهجه،

ويجبُ عليه أن يكون رحيمًا لطيفًا رفيقًا بإخوانه المسلمين،

هيِّنًا سهلاً مُتواضعًا مع أحبابه المؤمنين، حليمًا عند الغضب،

كظومًا عند الغيظ، عفوًّا عند الإساءة والجهل،

يتعاملُ مع المسلمين بكل خُلُقٍ رفيعٍ وتعامُلٍ سامٍ راقٍ تقبلًه النفوس البشرية،

وتألفُه الطِّباعُ الإنسانية.

فالمسلمُ يجب أن يكون في عيشه مع الناس يجب أن يكون ذا ذوقٍ عالٍ،

يتمتَّعُ بكل صفةٍ مُحبَّبةٍ للقلوب، مُرغّبةً للنفوس،

مُقتديًا في ذلك بالنبي الأعظم والرسول الأكرم - عليه أفضل الصلاة والسلام -،

والذي وصَفه ربُّه بقوله:

(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

[القلم: 4]،

فحينئذٍ يتبوَّأ المسلم بتلك الصفات المنزلةَ الرفيعةَ والمكانةَ العاليةَ في الدنيا والآخرة.

يقول عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه وعن أبيه -:

لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا ولا مُتفحِّشًا. وكان يقول:

«إن من خيارِكم أحسنَكم أخلاقًا»؛

متفق عليه.

ولا غَروَ؛ فإن الأخلاق الحسنة والصفات الجميلة أسبابُ الفلاح،

وركائزُ الفوز والنجاح، فقد سُئِل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

عن أكثر ما يُدخِل الناسَ الجنةَ، قال:

«تقوى الله وحُسن الخُلق»،

وسُئِل عن أكثر ما يُدخِل الناسَ النار،

فقال:

«الفمُ والفَرجُ»؛

رواه الترمذي، وقال: حسنٌ صحيح، وصحَّحه ابن حبان.

وفي "سنن أبي داود" بسندٍ حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال:

«إن المؤمن لَيُدرِك بحُسن خُلُقه درجةَ الصائم القائم».

فيا من تريد النجاة وتبتغي السعادة! كن هيِّن المعشر، ليِّن الطِّباع، سهل التعامُل،

فرسولُنا - صلى الله عليه وسلم - يقول:

«ألا أُخبِركم بمن تحرُم عليه النار أو بمن يحرُم على النار؟

تحرُم على كل قريبٍ هيِّنٍ ليِّنٍ سهل»؛

رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسن.

وفي "الصحيحين" أن النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال:

«ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتلٍّ جوَّاظٍ مُستكبِر».

والعُتُلُّ: هو الغليظ الجافي في الطبع وفي الفعل. والجوَّاظ: هو الجَموع المَنوع.

فاتقوا الله - أيها المؤمنون -، وخذوا من وصية الله - جل وعلا - لنبيِّه مثالاً يُحتذَى:

(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)

[الحجر: 88].

بارك الله لنا فيما سمِعنا، ونفعنا بما تعلَّمنا، أقول هذا القول،

وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،

فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين،

وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله سيدُ الخلق أجمعين،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

إن أعظم الأسباب المُحرَّمة التي تهتِكُ حقوق الأُخوَّة:

التعدِّي على المسلمين بقولٍ أو فعلٍ، والتطاوُل على حقوقهم،

والسعيُ إلى ظلمهم والإضرار بهم، يقول - جل وعلا -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ

وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ)

[الحجرات: 11].

فاحذر - أيها المسلم - من التعرُّض لما يخدِشُ هذه الأُخوَّة المفروضة

بسببٍ قلبيٍّ أو فعليٍّ أو قوليٍّ، ماديٍّ أو معنويٍّ،

يقول - صلى الله عليه وسلم - ناهيًا عن هذه الأمور:

«لا تَحاسَدوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ولا يبِع بعضُكم على بيع بعضٍ،

وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلمُ أخو المسلم لا يظلمُه ولا يحقِرُه،

التقوى ها هنا - يُشير بيده إلى صدره ثلاث مرات -»،

ثم يقول - عليه الصلاة والسلام -:

«بحسب امرئٍ من الشر أن يحقِر أخاه المسلم،

كل المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالُه وعِرضه»؛

رواه مسلم.

فأين المسلمون من هذه التوجيهات العظيمة والوصايا اللازمة؟!

فهل يتقِ اللهَ مسلمٌ يُسلِّط على إخوانه السلاحَ ويُحاربُهم كأنهم أعداء بسبب دنيا فانية، ومنافع زائلة.

فتمسَّكوا بالإسلام، حكِّموا الإسلام في القلوب، طبِّقوه في الأفعال،

التَزموا به في الأقوال، الله - جل وعلا - يقول:

(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)

[الأحزاب: 58].

ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين.

اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين،

اللهم فرِّج همومنا وهموم المؤمنين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان،

اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم حقِّق لهم ما يصبُون إليه يا ذا الجلال والإكرام،

اللهم اجعل السعادة حليفَهم في الدنيا والآخرة، اللهم أصلِح أحوالهم،

اللهم أصلِح أحوالهم، اللهم أصلِح أحوالهم.

اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم،

اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين،

اللهم احقِن دماء المسلمين.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى،

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه يا ذا الجلال والإكرام،

اللهم هيِّئ له البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ يا ذا الجلال والإكرام.

عباد الله:

اذكروا الله ذكرًا كثيرًا ، و سبِّحُوه بُكرةً و أصيلاً .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 11-06-2011, 10:30 AM   #10
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 8/7/1432 هـ



خطبتى الجمعة من المسجد الحرام

ألقى فضيلة الشيخ الدكتور / سعود الشريم - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:

"قاعدة سد الذرائع"، والتي تحدَّث فيها عن قاعدة سد الذرائع وأدلتها من النقل والعقل،

وبيَّن أهميتها وضرورتها في حفظ الضرورات الخمس.



الحمد لله وليِّ الصالحين، ذي القوة المتين، الرحيم الرحمن الحق المبين،

خلق كلَّ شيء فقدَّره تقديرًا،

(يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)

[الرعد: 39]،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله،

أرسله الله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا،

وجعلنا على المحجَّة البيضاء ليلُها كنهارها، لا يزيغُ عنها إلا هالك،

فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين،

وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - سبحانه -،

والعضِّ على دينه بالنواجِذ، وإياكم ومُحدثات الأمور؛

فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة،

(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)

[يوسف: 90].

أيها الناس:

لا يشك أحدٌ ذو لُبٍّ يعِي أو عينٍ ترمُق أننا نُعالجُ زمنًا اتَّسعت فيه الثقافات والمعارف

بحلوها ومُرِّها، وزَيْنها وشَيْنها، وكبيرها وصغيرها،

وسهُلت طريقة الوصول إليها حتى درجة الابتذال المُفقِد لقيمتها وأثرها،

في صورةٍ لم تكن لمن قبلنا.

بَيْد أن القُرَّاء ليسوا كأولئك القُرَّاء، والمُفكِّرين ليسوا كأولئك المُفكِّرين؛

حيث إن هذا الاتساع برُمَّته لم يكن خيرًا كلُّه، كما أنه ليس شرًّا كلُّه،

كما أن هناك خلطًا وعصفًا ذهنيًّا خارج طاوِلة الاختصاص،

فأصبح الحديثُ عن المعارف والثقافات والمسائل وقضايا الناس العامة كلأً مُباحًا لكل أحد كيفما اتفق،

فقلَّ الفقهاء، وضعُف المُدقِّقون ذوو الأفهام الذين يُحسِنون الربط بين المُتماثلات،

والفرزَ بين المُختلِفات، فجُمِع بين المُتعارِضَيْن، وأُلِّف بين المُتناقِضَيْن قسرًا بلا مِعيار.

وإننا لو نظرنا نظرةً مُجملةً إلى الضرورات التي أجمعت الشرائعُ السماوية على حفظها

وحمايتها لوجدناها خمسَ ضرورات،

وهي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض،

وأنه لا يمكن لأي شريعةٍ أن تُهمِل واحدًا منها، كما لا يمكن لأي مجتمعٍ بشري

- أيًّا كان تديُّنه ومِلَّتُه ووعيُه - أن يُكتبَ له البقاء إذا لم يكن حفظُ هذه الضرورات غايةً من غاياته.

وبما أن الشريعة الإسلامية هي خاتمةُ الشرائع؛

فإنها جاءت جامعةً مانعة لما يُحقِّق حفظَ هذه الضرورات بكل وجهٍ من الوجوه المُمكِنة،

فقد يكون الحفظُ تارةً عن طريق النصوص الصريحة الصحيحة في كل ضرورة،

وقد يكون في الإجماع أو القياس تارةً أخرى،

كما أنه قد يكون تاراتٍ أخرى في قاعدةٍ مشهورة لا يمكن تجاهُلها،

وهي القاعدة المعروفة بـ "سد الذرائع أو فتحها"، وهي التي تعنِينا في مقامنا هذا.

فالذريعةُ - عباد الله - هي: ما كان وسيلةً وطريقًا إلى الشيء، وهذا هو أصلُها في اللغة،

ولكنها صارت في عُرف الفقهاء عبارةً لما أفضَت إلى فعلٍ مُحرَّم،

هذه هي الذريعةُ - يا رعاكم الله -.

وأما سدُّها؛ فإنه يعني: تركَ مباشرتها،

أو الحيلولة بينها وبين المقصود المُحرَّم بحائلٍ مادي أو معنوي.

وإنه ما من شيءٍ في الشريعة الإسلامية إلا وهو راجعٌ إلى مسالة الذرائع سدًّا أو فتحًا؛

فالمُحرَّمات ذريعةٌ إلى النار، والواجبات والسنن ذريعةٌ إلى الجنة،

فما أدى إلى الجنة من الذرائع فُتِح، وما أدى إلى النار سُدَّ.

وإذا علِمنا ذلكم - عباد الله - فلنعلَم أن قاعدة سد الذرائع وفتحها قد أوجزَ الحديثَ عنها

العلامةُ ابن القيم - رحمه الله - في عباراتٍ مُوجزةٍ؛ حيث قال:

"لما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسبابٍ وطرقٍ تُفضِي إليها

كانت طرقها وأسبابُها تابعةً لها مُعتبرةً بها،

فإذا حرَّم الربُّ تعالى شيئًا وله طرقٌ ووسائل تُفضِي إليه فإنه يُحرِّمها ويمنع منها؛

تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يُقربَ حِماه،

ولو أباحَ الوسائل والذرائع المُفضِية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم،

وإغراءً للنفوس به، وحكمةُ الله تعالى وعلمُه يأبى ذلك كل الإباء".

اهـ كلامه - رحمه الله -.

ثم لتعلَموا - عباد الله - أن قاعدة سد الذرائع ليست بدعًا من المسائل،

ولا هي ظنًّا أو خرصًا يُدلِي به الخرَّاصون، كلا؛ بل هي قاعدةٌ ثابتةٌ بالشرع والعقل:

فمن الشرع: قوله تعالى:

(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)

[الأنعام: 108]،

فنهى الله - جل وعلا - عن سبِّ آلهة المشركين - وإن كان فيه مصلحة -

إلا أنه يترتَّب عليه مفسدةٌ أعظم منها، وهي: سبُّ المشركين اللهَ - عز وجل -،

وهذا دليلٌ على منع الجائز إذا كان يُفضِي إلى محرَّم، ومنه: قوله تعالى:

(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) [النور: 30]،

وقوله: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) [النور: 31]،

والنظرُ في حدِّ ذاته مُباح؛ بل هو نعمةٌ من الله على عباده،

ولكن لما كان نظرُ الرجال إلى النساء ونظرُ النساء إلى الرجال وسيلةً

قد تُفضِي إلى الفتنة أمر الله بغضِّ البصر إلى غير المحارم.

وقد جاء في سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ما يدلُّ على ذلكم؛

فقد قال - صلوات الله وسلامه عليه -:

«إياكم والجلوسَ في الطرقات».

فقالوا: يا رسول الله! ما لنا من مجالسنا بُدٌّ نتحدَّث فيها،

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقَّه».

قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله! قال:

«غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام،

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»؛

متفق عليه.

فانظروا - يا رعاكم الله - كيف نهاهم عن الجلوس في الطرقات مع أن أصل الجلوس مُباح؟

ولكنه إذا كان سبيلاً إلى النظر إلى ما حرَّم الله أو وقوع الأذى

فإنه يُمنع سدًّا لذريعة المخالفة لأوامر الله ونواهيه.

وأما دليل سدِّ الذرائع من جهة العقل: فإننا نعجزُ جميعًا عن حصر ذلكم؛

بل لن نُبعِد النجعةَ لو قلنا: إن حياتنا اليومية مليئةٌ بقاعدة سد الذرائع أو فتحها،

ولا يُنكِر ذلك إلا غِرٌّ مُكابِر.

ألسنا نمنع أطفالنا من تناوُل الحلوى سدًّا لذريعة التسوُّس؟

ألسنا نمنعُ قطع إشارات المرور سدًّا لذريعة الحوادث؟

ألسنا نمنعُ السرعة الجنونية سدًّا لذريعة الهلاك؟

ألسنا نمنعُ استهلاك العقاقير إلا بوصف الطبيب سدًّا لذريعة الوقوع في الخطر؟

وهكذا الأمر دوالَيك، لا نكاد نُصبِح ونُمسي إلا وتمرُّ بنا قاعدةُ سدِّ الذرائع في حياتنا،

غير أن سوء فهم البعض لهذه القاعدة المهمة أنهم قصَروا المحرمات

على ما جاءت به النصوص صراحةً فحسب، وهنا مكمنُ النقص؛

لأن بعض الأفهام لا تقنَع بمنعٍ أو تحريمٍ يخرج عن هذا الإطار؛

بل وصل الأمر ببعضهم إلى الهمز واللمز بمن يُعمِلون قاعدةَ سد الذرائع على وجهها الصحيح؛

حيث أصبحت إدانتُها وتهوينُها تُكأةً يتَّكِئُ عليها المُعارِضون لها،

فلاكُوها بأفواههم وقد خلَت بها المثُلات، وتلاعَبَت بها أمواجُ التأويلات والآراء والأهواء.

وليس أساس البلاء في الشعارات، وإنما هو في الرُّؤى والمضامين،

وقديمًا قيل: "تحت الرُّغوة اللبنُ الصريح".

إنه لا أحد يستطيع أن يحيا على هذه البسيطة دون أن يتعامل مع قاعدة سد الذرائع وإحسان

إيجادها في كل ضرورةٍ من الضرورات الخمس التي سبق ذكرُها،

حسب ما تتطلَّبه حالُ كل ضرورة، ولو أخذنا بقول المُعارضين لقاعدة سد الذرائع لَما حرَّمنا المُخدِّرات،

ولا غسيل الأموال، ولا الاتِّجار بالبشر، ولا أسلحة الدمار الشامل، ولا كثيرًا من أمثال ذلكم.

ثم إنه قد يُلاحِظ المتأمِّل أن القاسم المشترك بين تلكم الضرورات الخمس:

هو عنصر الأمن، فلا تديُّن بلا أمن، ولا نفسٌ مستقرةٌ بلا أمن،

ولا مالٌ ثابتٌ بلا أمن، ولا عقلٌ مُتَّزنٌ بلا أمن، ولا عِرضٌ سالمٌ من الأذى بلا أمن.

وهنا تبرُز الدقةُ في الفقه والإدراك للواقع الذي يُؤلِّف بينهما تحقُّق عنصر الأمن

بوجود الشيء وعدمه،

سواءٌ كان أمنًا فكريًّا أو ماليًّا أو غير ذلك،

وهذه مسألةٌ لا يُدرِكها إلا صيارفةُ الفقه والوعي للوقائع والمآلات الذين تحكُمهم

المصلحةُ العامةُ لحماية كل ضرورة دون مُزاحمةٍ فكريةٍ مُعاكِسة،

أو استفزازٍ إعلامي، أو حراكٍ ثقافيٍّ مُشوَّش،

حتى يكون تكييفُ المسائل وإقرارُها بعيدًا عن أي مُشوِّش وجودًا وعدمًا، إيجادًا وسلبًا.

وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقضيَ القاضي وهو غضبان في مسألةٍ فرديةٍ حقوقية؛

فكيف بالقضايا الكِبار التي تمسُّ جميعَ شرائح المجتمع؟!

وإنه متى وقع مثلُ ذلكم في الخائضين في مثل تلكم القضايا فسيكونون للزَّلَل أقرب،

ومن الصواب أبعد؛ بل ربما صار بينهم وبين الصواب مفاوِزُ ومهامِه.

إننا بحاجةٍ ماسة إلى تهيئة أجواءٍ تُبرِزُ الفقهاء والمُفكِّرين والمُثقَّفين

الذين تتوفَّر فيهم القوة الفقهية والقوة الواعية لما عليه الناس، وما عليه العصر؛

إذ هما مُتلازمان تلازمًا لا يجوز انفِكاكُه للفقيه والمُفكِّر والمُثقَّف الذي يريد أن يكون

له أثرٌ في الأمة لِيُوجِد حلولاً لمُشكلاتهم،

وليربِطَ بين أحكام الشريعة ومُستجدَّات العصر ونوازِله؛

ليُعلَم ما يصحُّ منها وما لا يصح، وهذا لا يكون إلا لمن جمع بين الدليل الشرعي وبين الواقع العملي.

ولهذا فرَّق الإمام القَرافيُّ - رحمه الله - بين أدلة الأحكام وأدلة وقوع الأحكام؛

إذ ما كل من علِمَ الحكمَ استطاعَ أن يُنزِّله على الواقع،

كما أن من يعلمَ الواقع لا يستطيع أن يحكم عليه إذا لم يُتقِن الدليل.

ومن هنا جاء الانفكاك في كثيرٍ من مسائل العصر؛

فإما قوةُ فقهٍ تفتقِرُ إلى إدراكٍ لواقع الحال، أو فهمٌ واستيعابٌ لواقع الحال دون فقهٍ دقيق،

وكلاهما مُؤخِّرٌ للوصول إلى مُبتغاه،

ولذا كانت مواقف السلف الأفذاذ الذين أصَّلوا الشريعة وقعَّدوا له القواعد المُنتظمة

مع مقاصد الشارع الحكيم ظاهرةً جليَّة لكل سابرٍ أقوالهم،

فكان من أجمع ما ذكروه حول هذه القاعدة أن قالوا: إذا تعارَضت مفسدةٌ ومصلحة،

فإن كانت المفسدةُ أقوى وجبَ درءُها - وهذا ما يُسمَّى سدَّ الذرائع -

وإن كانت المصلحةُ أقوى وجبَ اختيارُها - وهذا ما يُسمَّى فتح الذرائع -.

ومن رزقه الله العلمَ والخشية رزقَه الله البصيرةَ والتوفيقَ،

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

[يوسف: 108].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،

قد قلتُ ما قلت، إن كان صوابًا فمن الله،

وإن كان خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،

نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله -، واعلموا أن مسألة سد الذرائع وفتحها مسألةٌ جدُّ مهمة؛

لأنها تمسُّ كثيرًا من جوانب حياتنا، فإنه مُخطئٌ من يرُدُّها هكذا سبهللاً،

ومُخطئٌ أيضًا من يأخذها على مِصارعَيْها دون ضبطٍ أو فقهٍ لمضامينها،

والاعتدالُ هو قِسُّ الانضباط.

وقد قال الإمام القَرافيُّ - رحمه الله -:

"إن الذريعة كما يجبُ سدُّها فإنه يجبُ فتحُها، ويُكرَه ويُندَب".

ويقصدُ بذلكم - رحمه الله - أنها تجري عليها الأحكام التكليفيةُ الخمسة،

وهي: الوجوب، والتحريم، والكراهة، والندبُ، والإباحة، كل حالٍ بحسبها،

غير أن هذا الفهم والإدراك لن يتمَّ لكاتبٍ ليس بفقيه،

ولا لغَيورٍ ليس بفقيه، ولا لمُفكِّرٍ ليس بفقيه، ولا لإعلاميٍّ ليس بفقيه.

فيا ليتَ شِعري؛ هل نُدرِك جميعًا أن قضايانا الكِبار لا يصلُح لها إلا الكبار؟!

حتى لا تذِلَّ قدمٌ بعد ثُبوتها، ولا يُنقَضُ غزلٌ من بعد قوةٍ أنكاثًا.

ولله! ما أحسن ما ذكره ابن تيمية - رحمه الله - في هذا الباب؛ حيث قال:

"لقد تأمَّلتُ ما أوقعَ الناسَ في الحِيَل فوجدتُّه أحدَ شيئين:

إما ذنوبٌ جُوزوا عليها بتضييقٍ في أمورهم، فلم يستطيعوا دفعَ هذا الضيق إلا بالحِيَل،

فلم تزِدهم الحِيَلُ إلا بلاءً، كما جرى لأصحاب السبت، وهذا الذنب ذنبٌ عمليٌّ.

وإما مُبالغةٌ في التشدُّد لما اعتقَدوه من تحريم الشارع،

فاضطَّرهم هذا الاعتقادُ إلى الاستحلال بالحِيَل، وهذا من خطأ الاجتهاد،

وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما أحلَّه له وأدَّى ما وجبَ عليه فإنه لا يُحوِجُه إلا الحِيَل المُبتدَعة أبدًا،

فإنه - سبحانه - لم يجعل علينا في الدين من حرجٍ،

وإنما بعثَ نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم - بالحنيفية السَّمحة.

فالسببُ الأول: هو الظلم، والسببُ الثاني: هو عدم العلم؛

فالظلمُ والجهلُ هما وصفٌ للإنسان المذكور في قوله تعالى:

(وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)

[الأحزاب: 72]".

اهـ كلامه - رحمه الله -.

وحاصلُ الأمر - عباد الله -: هو أن أقوى الأسباب التي جعلت السلفَ الكرامَ

يقولون بسدِّ الذرائع يرجعُ لأمورٍ ثلاثة:

أولها: كثرةُ الأهواء في الشهوات والشُّبهات.

وثانيها: كثرةُ الحِيَل وتتبُّعها للفرار من المُحرَّم.

وثالثُها: الموازنةُ الدقيقة التي تغيبُ عن كثيرٍ من المُتكلِّمين عن الحلال والحرام،

وهي الموازنة بين المصالح والمفاسِد؛ حيث إن المقرر:

أن درأ المفاسد مُقدَّمٌ على جلب المصالح.

ووصيةُ إمامنا وقدوتنا - صلوات الله وسلامه عليه - قوله:

«فمن اتقى الشُّبهات فقد استبرأَ لدينه وعِرضه،

ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام،

كالراعي يرعَى حول الحِمَى يُوشِك أن يرتعَ فيه»؛

رواه البخاري ومسلم.

هذا؛ وصلُّوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية:

محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة،

فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه،

وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب : 56]،

وقال - صلوات الله وسلامه عليه -:

«من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».

اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور،

والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -،

وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

واخذُل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين،

واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا،

واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم،

اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان يا ذا الجلال والإكرام،

اللهم آمِنهم في أوطانهم، واكفِهم شرَّ أعدائهم يا حي يا قيوم يا رب العالمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة : 201].

سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين،

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 18-06-2011, 10:17 AM   #11
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 15/7/1432 هـ

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى

التحذير من الفتن

لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:

"التحذير من الفتن"، والتي تحدَّث فيها عن الفتن وواجب المسلم تجاهها،

وذكر العديد من الأدلة الشرعية على خطورة الفتن

والتحذير من الوقوع فيها والتعوُّذ منها بالالتزام

بأوامر الله وأوامر نبيه - صلى الله عليه وسلم -.



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره،

ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،

من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،

صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.

أيها المسلمون:

امتنَّ على عباده بنعمٍ ظاهرةٍ وباطنة، ولا تتمُّ نعمةٌ إلا بالدين،

والثبات عليه من التحوُّل أو النقصان من أشق الأمور،

قال أنس - رضي الله عنه -:

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكثِر أن يقول:

«يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك».

فقلتُ: يا رسول الله! آمنَّا بك وبما جئتَ به، فهل تخافُ علينا؟ قال:

«نعم، لإن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يُقلِّبها كما يشاء»؛

رواه الترمذي.

ومن دعاء الصالحين:

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً)

[آل عمران: 8].

والشيطان راصدٌ للإنسان في كل سبيلٍ لإفساد دينه،

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«إن عرش إبليس على البحر،

فيبعثُ سراياه فيفتنِون الناس،

فأعظمُهم عنده أعظمُهم فتنة»؛

رواه مسلم.

والفتنُ من أعظم المُؤثِّرات على الدين، فلا تعرفُ سنًّا ولا جنسًا ولا بلدًا،

وهي تُمحِّص القلوبَ وتُظهِرُ ما فيها من صدقٍ أو ريب،

فتتعرَّض لكل قلبٍ فيسقط فيها أقوامٌ وينجو آخرون،

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«تُعرضُ الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا،

فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَت فيه نُكتةٌ سوداء،

وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَت فيه نُكتةٌ بيضاء»؛

رواه مسلم.

وهي كثيرةٌ، وصفها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:

«بادِروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المُظلِم»؛

رواه مسلم.

ولا تدَعُ بيتًا إلا دخَلَته، قال - عليه الصلاة والسلام -:

«إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القَطر»؛

متفق عليه.

وكلما فُتِحت نعمةٌ نزلَت معها فتنة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«ماذا فُتِح الليلة من الخزائن وماذا أُنزِل من الفتن؟»؛

متفق عليه.

وإذا بعُد الناس عن زمن النبوة ظهرَت الفتن، قال - عليه الصلاة والسلام -:

«لا تقومُ الساعةُ حتى يُقبَض العلمُ، وتكثُر الزلازل،

ويتقارَب الزمانُ، وتظهرَ الفتن»؛

رواه البخاري.

وهي تتوالَى على العبد إلى مماته، وقد تأتي بمُهلِكته وقد تتدرَّج عليه،

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«إن أمتي هذه جُعِل عافيتُها في أولها،

وسيُصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تُنكِرونها،

وتجيءُ فتنةٌ فيُرقِّقُ بعضُها بعضًا، وتجيءُ الفتنةُ فيقول المؤمنُ:

هذه مُهلِكَتي، ثم تنكشِفُ وتجيءُ الفتنة،

فيقول المؤمن: هذه هذه،

فمن أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويدخل الجنةَ

فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخر،

وليأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه»؛

رواه مسلم.

وخطَرها كبير، من دنا منها أخذَته، ومن حام حول حِماها أوقَعَته،

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«من تشرَّف لها تستشرِفه»؛ متفق عليه.

منها ما هو كبير يمُوج كموج البحر، ومنها ما هو دون ذلك،

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يعُدُّ الفتن:

«منهن ثلاثٌ لا يكَدنَ يذَرنَ شيئًا،

ومنهن فتنٌ كرياح الصيف منها كبار ومنها صغار»؛

رواه مسلم.

منها ما تُخرِج المرء من الدين، قال - عليه الصلاة والسلام -:

«يُصبِحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسِي كافرًا،

أو يُمسِي مؤمنًا ويُصبِح كافرًا،

يبيعُ دينَه بعرَض من الدنيا»،

رواه مسلم.

قال النووي - رحمه الله -:

"وهذا لعِظَم الفتن ينقلِبُ الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب".

وفتنةُ الشرك أعظمُ من القتل،

ومن فتنته أن يُظنَّ أن دعوة الأموات وأصحاب القبور مسموعة،

فردَّ الله شبهَتهم بقوله:

(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ

وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)

[فاطر: 13، 14].

أو يُظنَّ أن العمل الصالح لا ينقُضه الشركُ ولا يُفسِده،

وقد أخبر الله أن العمل الصالح يبطُل إذا قارنَه الشرك به،

قال - سبحانه -:

(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ

لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[الزمر: 65].

وكل عملٍ لم يكن خالصًا لله فإنه لا يُقبَل ولو كثُر،

والرياء في الأعمال وعدم الإخلاص فيها لله أعظم من فتنة الدجال،

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«ألا أُخبِركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجَّال؟».

قلنا: بلى، قال: «الشرك الخفِيُّ»؛ رواه ابن ماجه.

والتوكُّل على الله أحد ركنَي الدين:

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)

[الفاتحة: 5]،

والله - سبحانه - هو الخالق الرازق القدير،

وتفويض الأمر إليه يشرحُ الصدر ويُيسِّر الأمر،

ويُحقِّقُ - بإذن الله - المُنى، قال - جل شأنه -:

(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)

[الطلاق: 3].

والاعتماد على الأسباب في طلب الرزق وغيره

والتعلُّق بالمخلوقين مع ضعف التوكُّل أو تركه فتنةٌ في الدين،

وذلٌّ للنفس، وجلبٌ للأحزان، وداعٍ للهموم،

والإيمانُ يصقُل النفوس ويُهذِّبها ولا يُذبذِبُها،

فتشكر ربَّها عند النعماء، وتصبر عند البلاء.

ومن الفتن: تركُ الهداية إن نزلت محنةٌ أو أقبلَت دنيا بزُخرفها

أو تحليل ما كان يراه حرامًا اتباعًا لهوىً أو طمعًا بدنيا، قال الله - عز وجل -:

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ

وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ)

[الحج: 11].

والخلقُ يُفتنُ بعضُهم ببعض، قال - سبحانه -:

(وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) [الفرقان: 20].

قال ابن القيم - رحمه الله -: "وهذا عامٌّ في جميع الخلق،

امتحنَ بعضَهم ببعض، فامتُحِن الرسل للمُرسَل إليهم،

والمُرسَل إليهم بالرسل، وامتُحِن العلماء بالجهَّال،

وامتُحِن الجهَّال بالعلماء،

وامتُحِن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء".

والأُلفة وجمع الكلمة على الحق من أسس قوة الإسلام وأهله،

ونهى الله عن الشتات والافتراق، فقال:

(وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا)

[الروم: 31، 32]،

ومن أُوليات أعمال النبي - صلى الله عليه وسلم -

لما قدِمَ المدينة تأليفُ قلوب الأوس والخزرج

والمُؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لنشر الإسلام.

ومن الفتن:

الفُرقة والنزاع والاختلاف بين المسلمين اتباعًا لهوًى ونحوه،

قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:

"والفتنُ التي يقعُ فيها التهاجُر والتباغُض والتطاعُن

والتلاعُن ونحو ذلك هي فتنٌ وإن لم تبلغ السيف".

والله كرَّم الإنسانَ وفضَّلَه وعظَّمَ حرمةَ المسلم ودمَه،

وفي آخر الزمان يقلُّ العمل الصالح ويضعُف الإيمانُ في النفوس،

فيُستهانُ بحُرمات الله، ومن الفتن: كثرة القتل في الأمة،

قال - عليه الصلاة والسلام -: «ويكثُر الهَرجُ».

قالوا: يا رسول الله! وما الهَرج؟ قال: «القتل»؛ متفق عليه.

ولكثرة القتل يُسفكُ الدم من غير سبب، قال - عليه الصلاة والسلام -:

«ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يدري القاتلُ في أي شيءٍ قتَل،

ولا يدري المقتول على أي شيءٍ قُتِل»؛

رواه مسلم.

ومن سلِمَت يدُه عن الاعتداء فليحفَظ لسانَه عن أعراض المسلمين.

والمالُ فتنةُ هذه الأمة، كما قال - عليه الصلاة والسلام -:

«فتنةُ أمتي في المال»؛ رواه الترمذي.

وكان - عليه الصلاة والسلام - يتعوَّذ من فتنته يقول:

«وأعوذ بك من فتنة الغِنى ومن فتنة الفقر»؛

متفق عليه.

وخشِيَ - عليه الصلاة والسلام - على أمته كثرةَ المال والمنافسةَ في جمعه، فقال:

«واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم،

ولكن أخشى أن تُبسطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَت على من كان قبلكم،

فتنافَسُوها كما تنافَسُوها، فتُهلِكَكم كما أهلكَتهم»؛

متفق عليه.

ومن فتنته: جمعُه سواءٌ من حِلٍّ أم من حرام، قال - عليه الصلاة والسلام -:

«يأتي على الناس زمانٌ لا يُبالي المرءُ ما أخذَ منه أمِن الحلال أم من الحرام»؛

رواه البخاري.

ومن فتنته: البخلُ به أو احتقار المساكين أو جعله

سببًا للعصيان أو الاستكبار به على الخلق ونسيانُ أن الله

هو المُنعِم عليه أو بيع الدين للحصول عليه، كما قال - عليه الصلاة والسلام -:

«يبيعُ دينَه بعَرَضٍ من الدنيا»؛ رواه مسلم.

والسعيدُ من قنِعَ بعطاء الله له وجمعه من حلالٍ

وأيقنَ بأن الله هو المُنعِمُ عليه وحده،

فشكر ربَّه وتواضَع للخلق وبذَلَ مالَه ابتغاء مرضات الله.

والدنيا تزيَّنت لأهلها وفتحَت أبوابها في الصناعة والآلة والبناء وغيرها،

والمرءُ قد يُفتنُ بما يراه فيها، وينسى أن الله

هو الذي وهبَ للإنسان العقلَ وسخَّر له الأرضَ وما فيها مع كواكب أخرى؛

لتكون عونًا للإنسان على طاعة ربه،

وحذَّر أن تكون تلك النعمُ صادَّةً عنه،

وإذا استكبَر بما صنعَه وانبهَر بما رآه فالأُمم السابقةُ

قد فُتِح لها من القوة والمال والولد ما لم يُفتَح لهذه الأمة، قال - سبحانه -:

(كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا)

[التوبة: 69].

والأولاد زينةُ الحياة، وجعلَهم الله فتنةً، كما قال - سبحانه -:

(إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)

[التغابن: 15]،

ومن فتنتهم: التفريطُ في تنشِئَتهم على الدين أو جمعُ المال

من غير حِلِّه لهم أو تركُ شيءٍ من أنواع الطاعات أو انتهاكُ محظورٍ من أجلهم.

والدجَّال ما من نبيٍّ إلا حذَّر أمتَه منه،

وهو أعظم إنسانٍ هيئةً وأشدُّه وثاقًا،

مجموعةٌ الآن يداهُ إلى عُنقه، وما بين رُكبتيه إلى كعبَيه بالحديد،

وإذا أذِنَ الله بخروجه حُلَّ وثاقُه وسعى في الأرض،

فيهرُب الناسُ إلى الجبال خوفًا منه، ومن فتنته:

ادِّعاءُ الربوبية، فيُكذِّبُه بعضُ الناس، فيأمر السماءَ فتُمطِر،

والأرضَ فتُنبِت، ويمرُّ بالخَرِبة فيقول لها:

أخرِجي كنوزكِ، فتتبعُه كنوزُها،

ويضربُ الرجلَ بالسيف فيقطعه قطعتين،

ثم يدعوه فيُقبِل فيُقبِل إليه،

فإذا رأى ذلك بعضُ الناس قالوا: أنت ربُّنا فتنةً لهم.

وبعد، أيها المسلمون:

فلا عاصمَ من الفتن إلا ما عصمَ الله، قال - سبحانه -:

(وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) [المائدة: 41].

والدعاء سلاحُ المؤمن في السرَّاء والضرَّاء،

والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمرَ صحابتَه بالتعوُّذ من الفتن،

قال زيد بن ثابت - رضي الله عنه -:

أقبلَ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه فقال:

«تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن».

قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ رواه مسلم.

بل وأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالتعوُّذ منها في كل صلاة،

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«إذا تشهَّد أحدكم فليستعِذ بالله من أربع،

يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم،

ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات،

ومن شر فتنة المسيح الدجَّال»؛

رواه مسلم.

والبُعد عن الفتن عصمةٌ منها، ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -

بالهرب من الدجَّال لمن سمِعَه، ويعظُم قدرُ العبد بالبُعد عنها،

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي،

والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرَّف لها تستشرِفه،

فمن وجدَ ملجأً أو معاذًا - أي: هربًا منها - فليعُذ به»؛

متفق عليه.

قال ابن حجر - رحمه الله -:

"في الحديث التحذيرُ من الفتنة والحثُّ على اجتناب الدخول فيها،

وأن شرَّها يكون بحسب التعلُّق بها".

والعلم الشرعي حصنٌ مكينٌ يدرأ عن الجوارح أعمال الشهوات،

وعن القلب اعتقاد الشُّبهات، قال - عليه الصلاة والسلام -:

«تركتُ فيكم أمرين لن تضِلُّوا ما إن تمسَّكتم بهما: كتابَ الله وسنة نبيه»؛

رواه الإمام مالك.

والصلوات الخمس جماعةٌ في بيوت الله تحفظُ العبدَ من المكاره والشرور،

قال - جل شأنُه -:

(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45].

والرُّفقة الصالحةُ تُدنِي من الخلق وتُباعِدُ عن الشر،

وصُحبة السوء ندامةٌ تُجمِّل القبيحَ وتأزُّ إليه، والحياة معبَرٌ،

والموفَّق من صانَه الله من الفتن والمِحَن، ثم لقِيَه وهو راضٍ عنه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الزخرف: 43].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم،

ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،

وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله،

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أما بعد، أيها المسلمون:

فتنةُ الشُّبهات تُدفَع باليقين، وفتنةُ الشهوات تُدرأ بالصبر،

والمسلمُ الحقُّ هو الذي يُصلِح الناسَ يوم فتنتهم ويُبيِّن خطرَها،

ويُوصِي بالاعتصام بحبل الله المتين،

وشأنُ العبادة من الدعوة إلى الله وغيرها في أوقات الفتن يعظُم أجرُها عند الله،

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«العبادةُ في الهَرج كهجرةٍ إليَّ»؛ رواه مسلم.

وعلى المرء ألا يغترَّ بكثرة الهالكين،

وألا يستوحِش من قلَّة السالكين، ولا ينظر إلى كثرة من هلَك،

وإنما ينظر إلى الناجي كيف نجا لينجو.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا)

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا محمد،

وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين،

وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،

ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن،

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،

اللهم احقِن دماءهم يا رب العالمين، وأعلِ شرفَهم وقدرَهم،

واصرف عنهم عدوَّك وعدوَّهم يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك الجنةَ وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل،

ونعوذ بك اللهم من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل.

اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك،

ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك،

وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام.

عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى

وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )

[النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم،

ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 18-06-2011, 10:20 AM   #12
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 15/7/1432 هـ

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام

خطورة النميمة

لفضيلة الشيخ د. صالح بن عبد الله بن حميد





ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:

"خطورة النميمة"، والتي تحدَّث فيها عن بعض آفات اللسان المُهلِكة،

ومن أعظمها: النميمة والوشاية وقالَة السوء؛

فإن تدميرها لا يقع على الفرد وحده؛ بل على المجتمعات والبلدان،

وقد أورد بعض الأدلة من كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -

على خطورة النميمة وبيان تحريم دخول الجنة على مُرتكب هذه الكبيرة،

ثم توجَّه بالنصح لمن وُشِي إليه وننُقِل إليه الكلام بما يجب عليه فعله.





الحمد لله، الحمد لله من لجأ إليه بلَّغه فوق مأموله،

ومن سأله أعطاه أكثر من سُوله،

أحمده - سبحانه - منَّ على من تاب إليه وأنابَ بعفوه وغُفرانه وقَبوله،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ مؤمنٍ بالله ورسوله،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله بيَّن سبل الهدى وبلَّغ الدينَ كلَّه بفروعه وأصوله،

صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه أقاموا شرع ربهم بكماله وشموله،

والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأوصيكم - أيها المسلمون - ونفسي بتقوى الله - عز وجل -،

فاتقوا الله - رحمكم الله - فلقد نطقَت الغِيَر بالعِبَر،

فانظروا لخلاصكم قبل انقضاء أعماركم، واعتبِروا بمن مضى من القرون والأقران،

وسلُوا القبورَ عن ساكنِيها، فالعاقلُ من راقبَ العواقبَ،

ومن أخطأَته سهامُ المنيَّة قيَّده عِقالُ الهَرَم، ألا يكفي زاجرًا للمُقيمين مَن رحَل؟!

فإذا عزمتَ - يا عبد الله - على الخير فبادِر، فالموت يفصِمُ العُرى،

وليس في الآخرة من عِوَض، وسكرانُ الهوى بعيدُ الإفاقة.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ

وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)

وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ

فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)

وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)

[المنافقون: 9- 11].

أيها المسلمون:

داءٌ وَبيل وشرٌّ خطير يُولِّد أعظمَ الشرور، ويُنتِج أشد المفاسد،

كم أُدمِيَت به من أفئدة، وقَرَحت من أكباد، وقُطِّعت من أرحام،

وقُتِّل من أبرياء، وعُذِّب مظلومون، وطُلِّقَت نساء، وقُذِفَت مُحصَنات،

وانتُهِكت أعراض، وتفكَّكَت أُسَر، وهُدِّمت بيوت؛ بل كم قد أُوقِدت به من فتن،

وأُثِيرت نعَرات على مستوى الأفراد والأُسَر والبلدان والأقاليم،

ففسَدت العلاقات، وساءت الظنون،

ولم يدَع مُقترِفُها هذا الداء للصلح موضعًا، ولا للوُدِّ مكانًا.

مرضٌ خطيرٌ من أمراض القلوب وآفات اللسان وأدواء المجتمعات،

وعصرُنا في إعلامه واتصالاته ومواصلاته ساعَدَ على انتشاره وزاد في آثاره،

هل عرفتم هذا الداء - عباد الله -؟!

إنه: مرض الوِشاية والسعاية وبلاءُ النميمة وقَالة السوء؛

نقلُ الكلام بين الناس على جهة الإفساد، وزرع الأحقاد،

وبثِّ الضغائن، النميمةُ رأس الغدر، وأساسُ الشر،

(وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)

مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ)

[القلم: 10- 13].

صفاتٌ مُتواليات، ونُعوتٌ مُتتابعات، كل خصلةٍ أشد من الأخرى،

حلاَّفٌ كثيرُ الحلِف؛ لأنه يعلم من نفسه

عدم صدقه وشك الناس فيه وانتزاع الثقة منه،

مَهينٌ حقير ولو بدا نظيرَ الهيئة بهيَّ الطلعة؛ لأنه لم يُكرِم نفسَه في داخله،

ولم يقدُر الناسَ، والمهانة صفةٌ نفسية تلصقُ بالمرء ولو كان ذا جاهٍ أو مالٍ أو جمال.

همَّازٌ غمَّاز باللَّحَظ واللفظ والإشارة والحضور والغَيبة.

منَّاعٌ للغير عن نفسه وعن غيره، مُعتدٍ مُتجاوزٌ للحق والعدل والإنصاف،

فضلاً عن أن يكون من أهل الإحسان ونشر الخير والمحبة.

أثيمٌ واقعٌ في المحرمات، والغٌ في المعاصي،

عُتُلٌّ فظٌّ قاسٍ مكروهٌ ولو بدا فيه لُطفٌ مُتصنَّع ورقَّةٌ مُتكلَّفة،

زنيمٌ شرير يحبُّ الإيذاء ويستمتعُ ببذل الشر وزرع الأحقاد.

النمَّام - معاشر الأحبة - ذو الوجهين يُقابِل هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه،

مُتلوِّن حسب المواقف والمصالح، ما دفعَه إلا عداوةٌ وبغضاء،

أو مُشاركة أصحاب السوء ورفاق الرذيلة،

أو حب التحدُّث أو التزيُّن في المجالس بأعراض الناس،

أو إرادة السوء بمن حكَى عنهم ووقع فيهم.

الواشي ينسى نفسَه ويشتغل بعيوب غيره، إن علِم خيرًا أخفاه،

وإن درَى بشرٍّ أفشاه، وإن لم يعلَم هذا ولا ذاك امتطَى مطيَّة الكذب،

وبئس مطيَّة الكذب: زعَموا.

الواشُون والنمَّامون باعوا دينَهم بدنيا غيرهم، ورضا الناس بسخَط الله،

تملَّكوا الناس ولم يخافوا الله، لا يألون الأمةَ خسفًا،

والأمانةَ تضييعًا، والأعراض انتهاكًا وتقطيعًا.

النمَّام لسانُه حلو وقلبه يلتهِب، يُفسِد في ساعة ما لا يُفسِده الساحر في سنة،

لا يعرف للشهامة سبيلاً ولا للمروءة طريقًا،

كم حمل هذا النمَّام من الأوزار والآثام والخطايا،

ولهذا جاء في الحديث الصحيح:

«لا يدخل الجنةَ نمَّام»؛

متفق عليه من حديث حذيفة - رضي الله عنه -.

وقد مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبرين، فقال:

«إنهما ليُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبير؛ بلى إنه كبير،

أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتِرُ من البول»؛

متفق عليه.

وفي الحديث عند مسلم: عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -

قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«ألا أُنبِّئكم والعَضْه؟ هي النميمة القالَة بين الناس».

وفي الحديث الآخر:

«تجدُ من شر الناس عند الله يوم القيامة

ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ».

ويقول أبو هريرة - رضي الله عنه -:

"النمَّامُ شر خلق الله".

وقد أجمعت الأمة على تحريم النميمة؛ فهي من أعظم الذنوب والكبائر،

وفي الحديث:

«شرُّ عباد الله المشَّاؤون بالنميمة،

المُفرِّقون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العَنَت»؛

أخرجه أحمد.

معاشر الإخوة:

النميمة مبنيةٌ على الكذب والحسد والنفاق،

وهذه أثافِيُّ الذل، وكفى بذلك قُبحًا وذمًّا وسوءًا.

النميمة من شر ما مُنِيت به الفضائل ورُزِئَت به العلاقات،

والنميمة - وقاكم الله - تكون بالقول وبالكتابة وبالرمز وبالإشارة وبالإيماء.

معاشر الإخوة:

والنميمة تقعُ بين الأُسَر والأزواج، تُضرِمُ النار في البيوت العامرة،

وتنشر الفُرقة في الأُسَر الكريمة، تُوغِر الصدور، وتُقطِّع الأرحام،

وتقعُ في الموظَّفين والمسؤولين وأصحاب الأعمال

بقصد إلحاق الضرر والحرمان من المُستحقَّات المالية والوظيفية.

وليَحذر الكبراء والوُجهاء والعلماء من بعض الجُلساء ممن قلَّت ديانتُه،

وضعُفَت أمانتُه، الذين يُرضون الناسَ بسخط الله،

فعلى هؤلاء الفُضلاء الكُرماء التثبُّت فيما يُنقَل، والتمحيصُ فيما يُقال،

حتى لا تُبسَط أيدي، وتقوى أطماع،

ومن ثمَّ تحُلُّ العقوبة بالأبرياء، وتُؤكَل أموال الضعفاء.

ومن أهم ما يجب التنبُّه إليه، والتحذير منه، والتمعُّن فيه:

ما تتناقَله وسائل الإعلام، وما يكتُبه بعضُ الكاتبين من:

قالَ فلان، وأخبر فلان، ورأى فلان.

ومن ذلك: ما تُمارِسُه بعض وسائل الإعلام وشبكات المعلومات

والاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي فيما يُعرف بالتعليقات

والتحريرات والأخبار والمتابعات والأحداث،

فهي لا تخلو من وِشاية وسِعاية وتحريفٍ على جهة الغمز

واللمز والطعن المُباشر وغير المباشر مما يُثير الفتن،

ويُثير النعَرات الإقليمية والمذهبية والسياسية في أكاذيب وأراجيف وظنونٍ لا تقِف عند حد.

وفي أيام الحروب والفتن واضطراب الأحوال

وظروف الشائعات يعظُم الأمر ويشتد الخَطب،

مما يدعو إلى مزيدٍ من الحيطة والحذر والتحرِّي،

ناهيكم بما تبلُغه هذه الكلمات والتعليقات المُبطَّنة بالوشاية

والنمنمات تبلغه في أصقاع الدنيا وآفاقها وقد ركِبت القاعدة الظالمة:

الغاية تُبرِّر الوسيلة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

معاشر المسلمين:

ومن حُمِلت إليه النميمة، أو بلَغته الوِشاية، أو حضر مجلس نمَّام،

أو سمِعه فينبغي ألا يُصدِّقه، فإنما هو فاسق، وقد قال - عز شأنه -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا

أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)

[الحجرات: 6]،

كما يجبُ بُغض هذا المسلك والنفرة منه،

فهو معصيةٌ من أكبر المعاصي، وكبيرةٌ من كبائر الذنوب.

والأجمل بالمسلم والأجدر ألا يُسيءَ الظنَّ بأخيه الذي نُقِل عنه الكلام،

ثم إذا سمِع كلامًا أو بلغه حديث فلا يتجسَّس ولا يتتبَّع،

وليحذَر أن يكون نمَّامًا ليحكي ما بلَغه وينقُل ما سمِعه.

ومن قبل ذلك وبعده فليتق الله ولينصَح وليُنكِر بالحكمة والموعظة الحسنة؛

فالخطر عظيم، والأثر جسيم، نصحًا لإخوانه، وحبًّا لهم،

وشفقةً عليهم، فيسعى في كل ما يُؤلِّف القلوب، ويجمع الكلمة،

ويحفظ المودة، وينبذ الفُرقة، ويُجنِّب البغضاء.

فاحذروا - رحمكم الله وعافاكم -، ومحِّصوا وتحقَّقوا،

ولا تتعجَّلوا، واعفوا واصفَحوا واغفروا واسمعوا وأطيعوا.

سعى رجلٌ إلى عليِّ - رضي الله عنه - برجلٍ، فقال عليٌّ - رضي الله عنه -:

"يا هذا! إن كنتَ صادقًا فقد مقتناك،

وإن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن شئتَ الإقالَة أقلناك"،

فقال: أقِلني يا أمير المؤمنين.

وسعى رجلٌ بالليث بن سعد إلى والي مصر، فبعث الوالي إلى الليث،

فلما دخل عليه قال الوالي: يا أبا الحارث!

إن هذا أبلغني عنك كذا وكذا، فقال الليث:

"سَلْه - أصلح الله الأمير - عما أبلَغَك:

أهو شيءٌ ائتمنَّاه عليه فخاننا فيه فما ينبغي أن تقبَل من خائن،

أو شيءٌ كذبَ علينا فيه فما ينبغي أن تقبَل من كاذب"،

فقال الوالي: صدقتَ يا أبا الحارث.

وجاء رجلٌ إلى وهبِ بن مُنبِّه فقال: إن فلانًا يقول فيك كذا وكذا،

فقال: "أما وجدَ الشيطانُ بريدًا غيرَك؟!".

وبعد، عباد الله:

فكم جرَّت هذه الصفةُ الذميمة على كثيرٍ من الأبرياء

والغافلين طاهري القلوب سليمي الصدور،

كم جرَّت من مآسٍ، وكم قضَت على أنفُس، وسلَبَت من أموال،

وشتَّتت من أُسَر، وأوقعَت من علماء، وأخرجَت من ديار،

وجلَبَت من مِحَن، واغبرَّت بصالحين مُطمئنين،

وحرَمت أطفالاً وأمهاتٍ من أُسرهم وأهليهم،

قطَّعت أرزاق ومنَعت نفقات بدون جنايةٍ اقترفوها؛

بل بوشايةٍ كانوا ضحيَّتها.

ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -،

فكم هي نعمةُ الله على عبده ألا يكون ممن

يحسُدون الناس على ما آتاهم الله من فضله،

فيعصِمه الله من النميمة، ويحفظه من الوشاية،

ويحميه من قالَة السوء، ومن أراد السلامة فليجتنِب كثرة الكلام،

وإفشاء الأسرار، وقبول مقالات الأقوام.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بسم الله الرحمن الرحيم

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2)

يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4)

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6)

الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)

[الهمزة: 1- 9].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد - صلى الله عليه وسلم -،

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ وخطيئة،

فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.





الحمد لله وهو بالحمد جدير، أحمده - سبحانه -

وأشكره على فضله العميم وخيره الوفير،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه البشير النذير والسراجُ المُنير،

صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله ذوي القدر العليِّ وأصحابه أولي الشرف الكبير،

والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ومن على طريق الحق يسير، وسلَّم التسليم الكثير.

أما بعد:

فإخوانك - أيها المسلم - من إذا فارقتَهم حفِظوك، وإذا غِبتَ عنهم لم يَعيبوك،

ومُبلِّغك الشر كباغيه لك، ومن أطاع الواشي أضاع الصديق،

ومن نمَّ لك نمَّ عليك، ومن بلَّغك السبَّ فقد سبَّك،

وشرٌّ من الساعي من أنصتَ إليه،

ولو صحَّ ما نقلَه النمَّامُ إليك لكان هو المُجترئَ بالشتم عليك.

أما من نُقِل عنه الكلام فهو أَولَى بحلمِك وصفحِك؛ لأنه لم يُقابِلك بالسوء والشتم،

ويكفيكم في ذلك: قول نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم -:

«لا يُبلِغنَّ أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا،

فإني أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سليمُ الصدر»؛

أخرجه أحمد.

فالعاقلُ يُغضِي عما ينقلُه الوُشاة، ويتحاشَى عما لا يليقُ بأهل العقل والحكمة؛

إذ عند التأمُّل والنظر ترى أن قصد النمَّام إلى المُخبِر أكثرُ من قصده إلى المُخبَر به،

فاللومُ على من أعلَمك لا من كلَّمك.

قيل لأم الدرداء - رضي الله عنه -: إن رجلاً نالَ منكِ عند عبد الملك بن مروان، فقالت:

"إن اتُّهِمنا بما ليس فينا فطالما زُكِّينا بما ليس فينا".

على أنه من نُقِل إليه من أخيه نميمة فلا مانع أن يُعاتِبه على الهَفوة،

ويقبَل عُذرَه إذا اعتذَر من غير تعنيفٍ في العِتاب،

ومن ثمَّ توطين النفس على الإكثار من الشكر عند الحِفاظ والصبر عند الضياع،

والرفقُ بالجاني عِتاب، والصفحُ من شِيَم الأحرار.

ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -،

وحافِظوا على أُخوَّة الإسلام ورابطة الإيمان،

فمن أراد أن يسلم من الإثم ويبقى له وُدُّ الإخوان فلا يقبَل قولَ أحدٍ في أحد،

فقد أحبَّ قومٌ بقول قوم وأبغضوهم بقول آخرين فأصبَحوا على ما سمعوا نادمين.

هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة:

نبيكم محمدٍ رسول الله، فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله،

فقال - عزَّ شأنُه، وهو الصادق في قيله - قولاً كريمًا:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى،

والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين،

وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين،

الأئمة الحُنفاء المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،

وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،

وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،

واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا،

واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك،

وأعلِ به كلمتك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين،

واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين،

اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانهم وأعوانهم لما تحب وترضى،

وخُذ بنواصيهم للبر والتقوى.

اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك،

وبسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لرعاياهم،

واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.

اللهم وأبرِم لأمة الإسلام أمرَ رشدٍ يُعَزُّ فيه أهل الطاعة،

ويُهدَى فيه أهل المعصية، ويُؤمَر فيه بالمعروف،

ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،

اللهم وابسُط عليهم أمنَهم، واجمع كلمتَهم، واكشف كربَهم،

وأزِل غمَّهم، وطيِّب معاشَهم، وأرخِص أسعارهم،

واحفظهم بحفظك، واكلأهم بعنايتك يا أرحم الراحمين.

اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين، فإنهم لا يُعجزونك،

اللهم أنزِل بهم بأسك الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين،

اللهم إنا ندرأُ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.

اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبواب القبول والإجابة،

اللهم تقبَّل طاعاتنا، ودعاءنا، وأصلِح أعمالنا،

وكفِّر عنا سيئاتنا، وتُب علينا، واغفر لنا وارحمنا يا أرحم الراحمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201].







  رد مع اقتباس
قديم 25-06-2011, 11:45 AM   #13
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى 22/07/1432 هـ



الشباب والإجازة لفضيلة الدكتور الشيخ صلاح البدير



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صلاح البدير - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "الشباب والإجازة"،

والتي تحدَّث فيها عن الإجازات ونصائح

وتوجيهات لكيفية استغلالها استغلالاً صحيحًا،

وحذَّر من المخالفات التي يقع فيها الكثير؛ من السفر المحرم،

وتضييع أوقات الفراغ فيما لا ينفع،

ونبَّه على ما يُرتكب من محرماتٍ في الأفراح والأعراس.



الحمد لله، الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم،

مُبدِع البدائع، وشارعِ الشرائع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضيًّا،

أحمده وقد أسبغَ البرَّ الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربه،

ورجا العفو والغفران لذنبه،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه

وعلى آله وأصحابه وأتباعِه وحِزبه صلاةً وسلامًا

دائمَيْن ممتدَّيْن مُتلازمَين إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسب، وطاعته أعلى نسَب،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

[آل عمران: 102].

أيها المسلمون:

تجمُل الراحةُ بعد عناء، وتحلو العُطلة بعد تعبٍ وإعياء،

ويحصُل رخاءُ البال وفراغُ القلب بعد كدٍّ ومشقَّةٍ وجَهد،

ولا بأس بلهوٍ مباح يُروِّح عن النفس، ويُجِمُّ الخاطر،

ويدفعُ الكآبة، ويطرُدُ السآمة، ويُجدِّد العزمَ والهمَّة؛

فإن المُنبَت لا أرضًا قطَع، ولا ظهرًا أبقى.

ومن فعل ذلك بنيَّةٍ صالحةٍ أُجِر، قال عمر بن عبد العزيز لابنه:

"يا بنيّ! إن نفسي مطيَّتي، وإن حملتُ عليها فوق الجَهد قطعتُها".

وقال أحد السلف:

"إني لأُجِمُّ قلبي باللهو المُباح ليكون أقوى لي على الحق".

وقال آخر:

"أريحوا القلوب؛ فإن القلب إذا أُكرِه عمِي".

ودوام الذكر والفكر في أمر الآخرة فضيلةٌ عظيمة،

ولا يعني ذلك حرمانَ النفس نصيبَها من الدنيا؛

فعن حنظلة الأُسيدي - رضي الله عنه -

وكان من كُتَّاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

أنه قال: دخلنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،

فقلتُ: نافَقَ حنظلةُ يا رسول الله!

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«وما ذاك؟».

قلتُ: يا رسول الله! نكون عندك تُذكِّرنا بالجنة والنار حتى كأنَّا رأي عين،

فإذا خرجنا من عندك عافَسنا الأولاد والأزواجَ والضَّيْعات نسينا كثيرًا،

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي

وفي الذكر لصافَحتكم الملائكةُ على فُرشكم وفي طرقكم،

ولكن - يا حنظلةُ - ساعةً وساعة»؛

أخرجه مسلم.

وآخى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم

- بين سلمان وأبي الدرداء - رضي الله عنهما –،

وكان أبو الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار،

فقال سلمان لأبي الدرداء: إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا،

ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حقٍّ حقَّه.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«صدق سلمان»؛ أخرجه البخاري.

ويقبُح بالمسلم استمهادُ الراحة، واستيطاء الدَّعة،

واستدامةُ الغفلة، واستِمراءُ اللغو، وإطلاقُ العَنان للمُتعة والشهوة،

وتجاوُز حدود الشرع في الترفيه والترويح.

أيها المسلمون:

وفراغُ اليد، وبَطالةُ البدن، ودوام الفراغ،

ومُحالفة النوم لِقاحُ الفقر والفساد والضياع،

ودوامُ الجُثوم على أجهزة التسليط والترفيه يقتُل النبوغ،

ويحُدُّ من الفِطنة والذَّكاء، ويشغَلُ الأذهان بما حقُر وهان،

ويُهدِرُ الوقت، ويُعقِبُ العِلَل، ويُورِثُ الكسل، ويجلِبُ الفشل.

وما الحقُّ أن تهوَى فتُشغَفَ بالذي

هوِيتَ إلى ما كان ليس بأجملِ



أيها الشَّبَبة:

سارِعوا إلى قصَبات التقدُّم وشُرفات العلو، وافترِعوا الشَّعَث السوامِي،

وتوقَّلوا إلى التلال والروابي، وشمِّروا للعلم والمعرفة،

وأوغِلوا في ميادين العمل والتكسُّب المُباح، أتقِنوا حِرفة،

وتعلَّموا صنعة، واكتسِبوا مهارة، وشارِكوا في البناء والنَّماء،

واعلموا أن أحصَنَ موئِل، وأمنع معقِل، وأكرمَ مقِيل،

وأهدى سبيل: لزوم الكتاب والسنة وتعلُّمهما، والتفقُّه في الدين،

وقراءةُ سيرة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -،

والتأسِّي به في أفعاله وأحواله وأقواله - صلى الله عليه وسلم -.

أيها الشَّبَبة:

كونوا ممن يأتي السنيَّة، ويأبى الدنيَّة، كونوا أتقياء برَرة،

واحذروا الأشقياء والفجَرة، والعُصاة والفسَقة المكَرة،

أصحاب السوء والفتنة الذين يُضيِّعون الصلوات، ويتَّبعون الشهوات،

ويأتون المنكرات والمُحرمات، ويتعاطَون الدخانَ والشيشةَ والمُسكِرات والمُخدِّرات،

ويُديمون السهرَ على المُوبِقات والمُهلِكات والفضائيات.

احذروهم احذروهم؛ فإنهم السمُّ الناقع، والبلاء الواقع.

أيها المسلمون:

وفي الإجازة تكثُر السافرةُ بالأمصار،

والسفر يُسفِرُ عن وجوه المُسافرين وأخلاقهم،

ويُظهِرُ منهم ما كان خافيًا، ومن سافر سفرَ طاعةٍ أُجِر وغنِم،

ومن سافرَ سفرًا مُباحًا نجا وسلِم، ومن تسربَلَ بالدنيَّة،

واختار النقيصة، وتقنَّع بالسوءة، وسافر سفرَ معصية،

وساحَ سياحةً محرمة؛ فقد دنَّس عِرضَه، ولطَّخَ شرفَه،

وأتى خِزايةً لا تخفى، وعارًا لا يُنسى.

اليوم تفعلُ ما تشاءُ وتشتهِي

وغدًا تموتُ وتُرفعُ الأقلامُ

إذا المرءُ أعطى نفسَه كل ما اشتهَت

ولم ينهَها تاقَت إلى كل باطِل

وساقَت إليه الإثمَ والعارَ الذي

دعَتْه إليه بالحلاوة عاجلِ

والمؤمنُ عَيوفٌ للخَنا والمنكر، ودواعِي الهوى طالبة،

والنفسُ أمَّارةٌ بالسوء، والشيطانُ يُزيِّنُ ويُوسوِسُ،

والهوى يُعمِي ويُصِمّ، والهوى مطيَّةُ الفتنة، والدنيا دارُ المحنة،

ومُدَّة اللهو تنقطِع، وعارُ الإثم لا يرتفع،

إلا من تاب لربه، ورجع عن خطئه وذنبه.

فقُودوا أنفسَكم بالحزم، وتنبَّهوا - أيها الآباء والأولياء -،

ولا يفتننَّكم الشيطان،

(فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)

[لقمان: 33]،

(وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)

وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)

[الزمر: 54، 55].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني

وإياكم بما فيهما من البينات والحكمة، أقول ما تسمعون،

وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله آوى من إلى لُطفه أوَى،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له داوَى بإنعامه من يأِسَ من أسقامه الدوا،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله شهادةً

نرجو بها الفوز والهدى والنجاةَ من الخيبة والرَّدى،

صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما انفلقَ صبحٌ ثم بدا، وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله؛ فقد فاز من اتقى، وخسِر من قادَه الهوى،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

[الأحزاب: 70، 71].

أيها المسلمون:

وفي الإجازة تتوالى الأفراح، وتكثُر عقود النكاح، وأوثقُ العقود بدءًا،

وأدومُها أُلفة، وأحمدُها عاقبةً: ما بُنِي على الشرع القويم والهدي المستقيم.

أيها المسلمون:

لقد تمادَى الناسُ اليوم في المُغالاة في المهور،

وتسابَقوا في إظهار البَذَخ والإسراف والتكلُّف والتبذير في حفلات الزواج،

وتجاوزوا الحدود في الولائم والذبائح والقصور والألبِسة والثياب تفاخُرًا وتكاثُرًا،

وتعالِيًا وتماديًا في الباطل، ولربما صاحبَ بعضَ الأفراح

فاحِشُ القول وعظيمُ المنكر، وتفسُّخٌ في الأخلاق،

واختلاطُ الرجال بالنساء، ودخول الرجال على النساء

وهنَّ سافراتٌ كاشِفات قد لبِسنَ الفاتِنَ والقصير والضيِّق والشفَّاف،

إلى غير ذلك من الأفعال الشائنة التي هي وبَالٌ وسِفالٌ على فاعليها،

مما لا يرضاه الغَيارى، ويأباه أهل الإيمان والتقوى.

وتجاوز آخرون المشروعَ والمُباح من الضرب بالدُّفِّ للنساء

خاصةً لإعلان النكاح إلى ما حُرِّم عليهم؛

من استئجار المُطربين والمُطرِبات الذين يتغنَّون بالكلام الفاحِش البذِيء،

وآلات اللهو والطرَب والمعازِف، ودفع المبالغ الكبيرة في مثل هذه الأمور.

فاتقوا الله - أيها المسلمون -، وعودوا إلى هدي الشرع،

ولا تغلِبنَّكم أهواؤكم، ولا تستهوِينَّكم عاداتٌ ذميمة دخيلةٌ على مجتمعاتكم.

ثم صلُّوا وسلِّموا على خير الورى،

فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا.

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة،

أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،

وعن سائر الآل والصحابة أجمعين،

والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،

وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، ودمِّر أعداء الدين،

وانصر عبادك المُوحِّدين، ودمِّر الطغاة والظلَمة والمُعتدين،

ودمِّر الطغاة والظلَمة والمُعتدين يا رب العالمين.

اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها،

وعِزَّها واستقرارها،

ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين.

اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى،

اللهم وفِّقه ونائبيْه لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين.

اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار

جميعَ أوطان المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم كن لإخواننا وأهلنا في سورية وليبيا واليمن يا أرحم الراحمين،

اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، اللهم صُن أعراضَهم،

اللهم صُن أعراضَهم، اللهم واحفظ أموالَهم

وأمنَهم واستقرارَهم ووحدَتهم يا أرحم الراحمين.

اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة،

وأطفِئ جمرة الفتنة يا رب العالمين.

اللهم قاتلِ الكفرة الذين يصدُّون عن سبيلك ويُعادون أولياءك،

واجعل عليهم عذابَك ورِجزَك إلهَ الحق يا رب العالمين.

اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين،

والصهاينة الغادرين، اللهم لا ترفع لهم راية،

ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآية.

اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، ولا تجعل لكافرٍ علينا يدًا،

اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا،

واشف مرضانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا رب العالمين.

عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى

وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

[النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم،

واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 25-06-2011, 11:50 AM   #14
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام 22/07/1432 هـ


الغيرة على الأعراض لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "الغيرة على الأعراض"،

والتي تحدَّث فيها عن الأعراض وكيف حافَظت عليه الشريعةُ المُطهَّرة،

والسبل التي اتخذَتها وقايةً من انتهاكها، وحذَّر من فتنة النساء وانتشارها،

ونبَّه إلى عدم الاستماع لأقوال المُحرِّرين للمرأة من دينها وعفافها،

مُشيرًا إلى المخاطر التي يتسبَّب فيها الاختلاط بين الرجال والنساء.



الحمد لله أسبغ علينا نعمًا لم تزَل تترى فِياضًا،

أحمده - سبحانه - وعدَ عبادَه المُتطهِّرين جناتٍ ألفافًا عِراضًا،

فطُوبى ثم طُوبى لمن صانَ لمحارمِه أعراضًا،

وأعرض عن الدنايا إعراضًا، الحمد لله حمدًا زاكِيَ الأثر،

مُردَّد الذكر بالآصال والبُكَر،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نسمو بها مقاصد وأغراضًا،

وثباتًا على التُّقى وحِفاظًا،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله بعثَ اللهُ به العفافَ والطُّهرَ بعد أن غاضَا،

صلَّى عليه الباري وعلى آله الطاهرين الطيبين الداعين إلى المكارم فِعالاً وألفاظًا،

وصحبه الأُلَى نشروا الفضائل في العالمين وألظُّوا بذلك إلظاظًا،

والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ يرجو من المنَّان شرابًا طهورًا وحِياضًا،

وسلَّم تسليمًا مباركًا إلى يوم الدين ما تعاقبَ الملَوانَ وآضَا.

أما بعد، فيا عباد الله:

أنفسُ ما يُنحَلُ من الوصايا المُنجِحات والعِظات المُبهِجات:

تقوى الله - عز وجل - ربِّ البريَّات، فالتقوى - رحمكم الله -

لصيانة المحارم أوثقُ العُرى، وأغنى غناء لمن رامَ من المكارم الذُّرَى،

وأعظمُ الزاد للشرف سَيرًا وسُرًى،

(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة: 197].

بُشرى لمن زُوِّد التقوى لمُنقلبٍ حيَّاه مُدَّخرٌ فيه ومُطَّلَعُ

أيها المسلمون:

قصدَت شريعتُنا الغرَّاء تحقيق أعظم المصالح وأسنى المقاصد،

وتزكية النفوس دون البوائِق والمفاسد،

فصاغَت مجتمعًا شريفًا أَنوفًا للآفات والمُحرَّمات عَيُوفًا،

وعن مساقط الأدران عَزوفًا،

وبذلك قادَت أمتُنا المباركةُ حفظَ الأعراض بزمام،

وبلغت من الذَّود عن المحارم الذِّروة والسَّنام،

ومن ثَمَّ أذهَلت العالمين سلسال العفاف بعد الأُوام،

يقول الملك العلاَّم:

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)

[آل عمران: 110].

ومن تلك الخيرية الزكيَّة: أن جعل الديَّانُ انتهاكَ الأعراض قرينَ الشرك وقتل النفس المعصومة،

يقول - جلَّ اسمه -:

(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ

إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا)

[الفرقان: 68]،

فالمؤمنُ الغَيور يُؤثِر الموتَ على أن يرِد من الخَنا أكدار،

والفوتَ اختناقًا على أن يتنسَّم أقذَار؛ بل إن خُدِشَ عِرضُه أبرقَ حميَّةً وثار،

وأرعدَ واستثار، وكان كالقسورة إن دِيسَ عَرينُه أو وُسِم عِرنينُه،

إنها الغيرةُ الإسلامية، والنخوة الإيمانية التي ملأت عليه وجدانَه ونفسَه، وفِكرَه وحِسَّه.

في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه -

قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«المؤمنُ يَغار، والله أشد غيرة»،

وفي رواية:

«وغيرةُ الله أن يأتي المؤمنُ ما حرَّم الله عليه»؛

رواه البخاري ومسلم.

إخوة الإيمان:

وفي هذا العصر الطافح - مع شديد الأسى اللافِح -

عمَّ التفريطُ في أرسان العِفَّة والحياء والتصوُّن والإباء،

ونهَضَ أقوامٌ خلف سراب التحرُّر - بلْهَ ضِرام الإغراء -،

وأرخى كثيرٌ من الآباء والأزواج لمحارمهم الزِّمام،

فلاطَفَت المرأةُ الرجلَ ومازَحَت، وتساهَلت في صيانتها وتسامَحت؛

بل في كثيرٍ من المجتمعات هتَكَت الحياء،

فكشَفَت عن مواطن الفتنة والإغراء دون حرجٍ أو إغضاء،

وما درَت أنها تُحاربُ المجتمع بسلاح الإثارة،

وتُزنِقُ النفوسَ في أودية الغواية وحمأة الخطيئة.

وفي مُوازي ذلك تمُدُّ أوابدُ من البشر المُفترسة،

وسباعٌ من الإنس الضارية حبائلَ التحرُّش

وخُدع الإغواء لإيقاع الأنفس الطاهرة في الغيِّ الدنيء،

والمُستنقَع الآسِن الوبِيء،

وإرغام شُمِّ المعاطِس بتدنيس شرفهم النقي وعِرضهم السنِيّ.

إنها النَّزوات الطائشات والخيانات الهاصِرات التي قوَّضت حصنَ الأعراض،

وكانت عن الغيرة في جفاءٍ وإعراض،

خصوصًا في الإجازات عند المُنتجعات والسياحات، هنالك وهناك.

أصونُ عِرضي بمالي لا أُدنِّسُه

لا بارَكَ الله بعد العِرضِ بالمال

لأن اكتساب المال لصيانة الأعراض لا لابتذالها، ولعِزِّ النفوس لا لإذلالها.

ربَّاه ربَّاه! أين فوارس الحياء والحِشمة، أين لُيوث الشَّرف والعصمة؟!

وا حرَّ قلباه إن تبلَّد الإحساس وهانت المحارم لدى الناس.

أيها المسلمون، أيها الشُّرفاء الغُير:

هنا تُزمجِرُ الحروف، وتصطرخُ الكلمات، وتتفجَّرُ العبارات،

وتتفجَّر شآبيبُ العَبَرات حيالَ اغتصاب العِرض والشرف،

وما جرَّ من كمدٍ وأسف؛ فكم من فتاةٍ فرَّطت في خَفرها فانطفأ سَناؤها؟

وكم من مُراهِقةٍ أغراها أغلفُ القلب صفيقُ الشعور فتحطَّم إباؤها؟

وكم من نفسٍ وادِعة اجتُثَّ صفاؤها؟ وكم من أُسرٍ هانئة مُزِّق هناؤها؟

فكانت الحسرات والجراحات، والحروقات والنشَّجات،

إن غَيمةً واحدة قد تحجُب شمسَ السعادة أبدًا؛ فكيف بهاتيك الصواعق والرُّهوب.

يا هاتكًا حُرُم الرجال وسِتـ

ـرَهم قد عِشتَ غير مُكرَّمِ

عِفُّوا تعِفُّ نساؤكم في المَحرَمِ

وتجنَّبوا ما لا يليقُ بمسلمِ

ويا سبحان الله! عباد الله:

أغاضَت ينابيعُ الغيرة في القلوب، وغدَت جذوةُ النَّخوة في هُفولٍ ولُغوب؟!

وبأخرةٍ تتكسَّر النِّصالُ على النِّصال، في افتراسِ القاصِرات،

تلكم الزَّهرات الزاهِرات، العَبَقات الناصِعات.

ووايْمُ الله! لئن كان سارق المال مجرمًا؛

فإن سارق الأعراض رأسُ الجُناة وأكبرُ المجرمين،

وما شرع الله الزواجِر والحدود إلا لتطهير المجتمعات من كل غويٍّ لَدود،

ولانزجار النفوس عن شُؤم تلك الجريمة الباتِكة الأليمة كانت العقوبة على سمع المؤمنين وبصرهم،

يقول الحق - تبارك وتعالى -:

(وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)

[النور: 2].

معاشر المسلمين:

وصَوبَ هذه القضية التي انداحَ ضررُها واستحَرَّ خطرُها لزِمَ كشفُ الشُّبهة والمِرية،

ودحضُ المُغالَطة والفِرية، وذلكم - يا رعاكم الله -

أن فِئامًا عدُّوا حفظَ المكارم وصَون المحارم من لدن الأُباة تنكُّرًا لطبيعة الرُّقِيِّ في الحياة،

ووأدًا للطموحات وتقدُّم المجتمعات، واتهامًا للنوايا البريئات؛

بل هو ببُهتهم شِنشِنةُ مادَت وبادَت.

والتأكيدُ على حجابِ المرأة وسِترها رأوه هضمًا لحقِّها،

وحكمًا برِقِّها، يا لله والله أكبر؛

آلدعوة إلى حماية الشرف على هدي خير السلف معرَّةٌ تُدفَع ومسبَّةٌ تُرفع؟!

يُهاجمُها المأفونون دون بأسٍ وخجَل، أو استفظاعٍ ووجَل،

يُعزّزُ أهواءَهم أقلامٌ مسمومة تُروِّجُ لإبراز الوضيعات ووصف الوَضاعات،

وتأجيجِ الشهوات والنزوات التي تدُكُّ معاقلَ النخوة والرجولة،

وتبُكُّ الحفيظةَ والبطولة، وما ذلك إلا سقوطٌ بالفطرة العفيفة،

وارتكاسٌ بالأخلاق الشريفة، وتمرُّدٌ على أحكام الديَّان وشِرعة الرحمن.

ألا ليتَ شِعري يا أمة النخوة والإباء؛

لئن أُصيبت الغيرةُ على الأعراض بخدشٍ أو مِقراض

ونحن عُصبةٌ أيقاظ إنا إذًا لخاسرون، إنا إذًا لخاسرون، وغدًا لنادمون!!

وفي ديوان الحِكَم المأثورة:

"الذبُّ عن الشرفِ والعِرض أربَى من الذِّيَاد عن الحِمَى والأرض،

ومن أحبَّ المكارم غارَ على المحارم".

إذا المرءُ لم يَدنَس من اللُّؤمِ عِرضُه

فكلُّ رداءٍ يرتديه جميلُ

وإن هو لم يحمِلْ على النفس ضَيمَها

فليس إلى حُسن الثناء سبيلُ

أيتها الأخوات الشريفات، والحرائرُ المَصونات العفيفات:

يا من أعزَّكنَّ الله بالحجاب، وشرَّفكنَّ بالسِّتر والجلباب!

تمسَّكن بحجابكنَّ، اللهَ اللهَ في حيائكنَّ وعفافكنَّ،

اعلَمن - يا رعاكنَّ الله - أن صحوةَ المرأة الحَصان الرَّزان المُنبثِقَة

عن مشكاةِ الشرع الحنيفِ ومقاصِده الكلية

وقواعد المرعيَّة العليَّة هي التي تقود من مسيرة الفضيلة والذكاء مراكبها،

وتتصدَّرُ من الدعوة للطُّهر والنقاء مواكِبها، يقول - عز وجل -:

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)

[الأحزاب: 33].

إنه لعَمرُ الحق الخُلُق الحيِيُّ الرفيعُ الخفِرُ البديع

لما يجبُ أن يكون عليه الأوانِسُ الطاهرات، والنساءُ الفُضليَّات،

حفظًا لفطرتهنَّ النفسية، ولطائفهنَّ الوجدانية،

وتحقيقًا للفوز والحياة، والعصمة والنجاة.

وبعدُ، أمة الإسلام:

ألا فلنحذَر على عِفَّتنا وعِزَّتنا وغيرتنا وكرامتنا من أحلاسِ الغريزة الخَسيسة،

والنَّزوات الخبيثة التعيسة، التي تفتِكُ بالأمن والاطمئنان،

وتُثيرُ الأضغانَ في المجتمع والعُدوان،

لذلك يقول المُجتبى - عليه الصلاة والسلام -:

«فإن الله قد حرَّم عليكم دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم»؛

خرَّجه الإمام أحمد في "مسنده".

فجمع في التحريم بين الدم والعِرض

لِما فيه من إيغار الصدور وإثارة الأعداء للشرور،

هذا وإن أهل الحِفاظ على الأعراض لا يرُومون لأمتهم

إلا الحياةَ الفاضلةَ النظيفة والعِيشَة الرضيَّة الشريفة،

فضلاً من الله ومنّة، لا باكتسابٍ منَّا.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ

يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ

فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)

[الأحزاب: 59].

بارك الله في الجهود، وحقَّق أجلَّ المُنَى وأسنى القُصود،

إنه غفورٌ ودود، أقول قولي هذا،

وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات

من كل الذنوب والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان حليمًا غفورًا.



الحمد لله على ما أسدَى من النِّعم، أحمده - سبحانه -

حثَّ على حفظ الأعراض من بوائِق الغَشَم،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أجزلَ لأهل العفافِ المثوبَة والكرَم،

وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبد الله ورسوله البالغُ من الطُّهر شُمَّ القِمَم،

صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وصحبه الأندَى من زَهر الأكَم،

ذوي المناقِب السنيَّة والشِّيَم، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله -، وصُونوا الأعراض عن الرِّيَب والتُّهم،

تبلُغوا من الشرف المَروم أسنى القِسَم، ومن تولَّى بعدُ فقد زاغَ وظلَم.

أيها المسلمون:

ومن الرِّماح الهاتِكة لحِمَى العفاف والاحتشام:

الدعوةُ إلى الاختلاط المحرَّم بين الإناث والذكور الباعِث

على الشرور والثُّبور دون إنكارٍ أو اعتراض،

أو توجيه من الآباء أو امتعاض، وكون ذلك - بزعمهم -

من الثقة المحمودة الآثار، ولكن هيهات هيهات!

لا يصحُّ ذلك إلا لدى الأغمار، فخضراءُ الدِّمَن شرَكُ الفتن ومهوَى الحسرة والنَّدَم،

يقول - عليه الصلاة والسلام -:

«ما تركتُ بعدي فتنةً هي أضرَّ على الرجال من النساء»؛

متفق عليه.

وبحسب غيرةِ الأبَوين يكون الأبناءُ شجًى في الحلق أو قُرَّةً للعين،

أما منبتُ الدنايا ومسرحُ الرذائلِ والدنايا

التي ترشُقُ الشرفَ والحشمةَ بمُدمِّر الشظايا:

فوسائلُ الاتصالات، وأجهزةُ التِّقانات، وأعمدةُ المقالات والكتابات،

وقنواتُ الفضائيات وشبكاتُ المعلومات التي أجَّجَت الغرائز وألهَبَت الشهوات،

وا لهفَتاه كم استطالَت وعتَت وأتَت من عقرِ الأعراض ما أتَت،

حتى رمَت عفافَ الأمة عن قوسٍ واحدة،

على حدِّ قوله - سبحانه -:

(أَتَوَاصَوْا بِهِ) [الذاريات: 53].

فيا هؤلاء وأولئك من الوالِغين في أعراض المسلمين:

كُفُّوا عن أعراض الأمة جُشاءَكم، ويا ليتَ هذا السباقَ المحموم،

والتكالُب المذموم،

والتباكِيَ المزعوم على قضايا المرأة سُخِّر في نُصرة قضاياها الكُبرى،

والمُطالبة بحقوقها العُظمى، والانتصار لها،

ورفع الظلمِ الواقعِ عليها في شتى المجالات.

فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإلى الله المُشتكى،

وهو حسبُنا في شرف المسلمين وأعراضهم وكفَى.

وأخيرًا: إخوة الإيمان:

فإنه للقضاء على داء انتهاك الأعراض،

أو التحرُّش بالشريفات العفيفات لزِمَ الحثُّ على الزواج والتيسير في المهور؛

لأن الإحصانَ هو الحل الإسلامي الرشيد والمنهجُ الشرعي

السديد لقضية الغرائزِ والطِّباع التي تُبرَمُ في اندفاع،

مع امتثال أمر الحق في رعاية الشباب والفتيات،

وصونهنَّ عما يوردهنَّ المهالك والفوادِح الحوالِك،

فإنهنَّ ربَّات الخُدور، وباعِثاتُ الشرفِ والفخرِ والسرور،

ومحاضنهنَّ الأسريَّةُ البَرَّة مِهادُ الرضا والخيرُ الموفور،

فاعتبِروا يا أولِي الأبصار،

(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)

[الحج: 46].

هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على النبي الكريم،

ذي المحتدِ الكريم والأصل الفخِيم، كما أمركم المولى العظيم في الذكر الحكيم،

فقال - جلَّ في عُلاه -:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56].

وقال - عليه الصلاة والسلام -:

«من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».

عليه صلاةُ ربِّ العرش تندَى

كما تندَى الرياضُ بكل فجرِ

يُواصِلُ عَرفُها آلاً وصحبًا

كأنَّ ثناءَهم نفحَاتُ زهرِ

اللهم صلِّ وسلِّم على الرحمة المُهداة، والنعمةِ المُسداة:

نبيِّنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والتابعين،

ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،

ودمِّر أعداء الدين،

واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا،

وأدِم الأمن والاستقرار في ديارنا، وأصلِح ووفِّق أئمتنا وولاة أمورنا،

وأيِّد بالحق إمامَنا خادمَ الحرمَين الشريفين،

اللهم وفِّقه للبِطانة الصالحة التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه،

اللهم اجمع به كلمةَ المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين،

اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين،

وإلى ما فيه الخيرُ للبلاد والعباد.

اللهم وفِّق جميع ولاة المسلمين،

اللهم اجعلهم لشرعك مُحكِّمين، ولأوليائك ناصِرين يا رب العالمين.

يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال، برحمتك نستغيث

، فلا تكِلنا إلى أنفسنا طرفةَ عينٍ، وأصلِح لنا شأننا كلَّه.

اللهم أحسِن عاقِبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزيِ الدنيا وعذابِ الآخرة،

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين،

واقضِ الدينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين،

برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة،

اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، اللهم أصلِح أحوال الأمة في كل مكان،

اللهم احفظ دينَهم وأنفسهم، واحقِن دماءَهم،

اللهم احقِن دماءَهم، وصُن أموالَهم وأعراضَهم يا حي يا قيوم.

اللهم من أرادنا وأراد ديننا وأمنَنا وأعراضَنا بسوءٍ فأشغِله بنفسه،

ورُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه تدميرَه يا سميع الدعاء.

اللهم انصر إخواننا المُضطهدين في سبيلك،

المُضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المُستضعفين

والمُضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم عجِّل بفَرَجهم يا ذا الجلال والإكرام.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201]،

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[الأعراف: 23]،

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ

وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)

[الحشر: 10].

سبحان ربك ربِّ العزة عما يصِفون،

وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 02-07-2011, 01:35 PM   #15
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 29/07/1432 هـ

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام


تأملات في معنى التشهد

لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد آل طالب



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "تأملات في معنى التشهد"،

والتي تحدَّث فيها عن شرح وتفسير معاني التشهد في الصلاة،

وبيان السنن الواردة والأدعية المأثورة في آخر الصلاة قبل السلام.



الخطبة الأولى

إن الحمد لله وله بعد الحمد التحايا الزاكيات،

وهو المستعان فمن غيرُه يُرتَجى عند الكروب ودَهم المُلِمَّات،

وعليه التُّكلان فحسبُنا الله وهو حسبُ الكائنات،

وأشهد أن لا إله إلا الله وله تُزجَى كل تحية،

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المجبولُ على أكرم سجيَّة،

صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وذريته أكرم ذرية،

وعلى صحابته ذوي النفوس الرضيَّة، ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - عز وجل -،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

[آل عمران: 102].

من اتقى الله وقاه، وكفاه وأسعدَه وآواه،

وتقوى الله خيرُ الزاد ذُخرًا، وعند الله لأتقى مزيد.

أيها المسلمون:

مُذ كان الأدبُ في الناس والناسُ يكسُون به فِعالَهم وكلامَهم عند مخاطبة العظماء ومُلاقاتهم،

وخيرُ الناس خُلُقًا أحسنُهم أدبًا،

ودينُ الإسلام يُعلِّمنا في الصلاة التي هي عمود الدين وشرفُ العبادات لله رب العالمين

أن نتوسَّل إلى الله بأجمل التحايا،

وأن تلهَجَ ألسنتُنا بأطيب العبارات وأزكى الكلمات،

ومن أعظمُ من الله، ومن أكرمُ منه - جلَّ في عُلاه -؟!

وتأمَّل كيف تتحرك جميعُ أعضاء المُصلِّي وجوارحُه في الصلاة عبوديةً لله خشوعًا وخضوعًا،

فإذا أكملَ المُصلِّي هذه العبادة وقبل أن يُسلِّم انتهت حركاتُه،

وختمَها بالجلوس بين يدي الرب تعالى جلوسَ تذلُّل وانكسار وخضوعٍ لعظمته - عز وجل -

كما يجلسُ العبدُ الذليلُ بين يدي سيده.

وجلوس الصلاة أخشع ما يكون من الجلوس وأعظمُه خضوعًا وتذلُّلاً،

فأُذِن للعبد في هذه الحال بالثناء على الله - تبارك وتعالى - بأبلغ أنواع الثناء،

وهو: التحيات لله والصلوات والطيبات.

عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -

قال: كنا إذا جلسنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -

في الصلاة قُلنا: السلامُ على الله من عباده، السلامُ على فلان وفلان،

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«لا تقولوا: السلامُ على الله؛ فإن الله هو السلام،

ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات،

السلامُ عليك أيها النبي ورحمةُ الله وبركاته،

السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين،

فإنكم إذا قلتُم أصابَ كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماء أو بين السماء والأرض،

أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،

ثم يتخيَّرُ من الدعاء أعجبَه إليه فيدعو به»؛

رواه البخاري ومسلم.

أيها المسلمون:

من عادة الناس إذا دخلوا على ملوكهم أن يُحيُّوهم بما يليقُ بهم تعظيمًا لهم وثناءً عليهم،

واللهُ أحقُّ بالتعظيم والثناء من كل أحدٍ من خلقه،

وفي التشهُّد يجمعُ العبدُ أنواعَ الثناء على الله - عز وجل - وأجمل عبارات الأدب والتحية،

والتحيات جمع تحية، والتحية هي التعظيم، فكل نوعٍ من أنواع التحيات الطيبة فهو لله،

والتحياتُ على سبيل العموم والكمال والإطلاق لا تكون إلا لله - عز وجل -،

وهو - سبحانه - أهلٌ للتعظيم المُطلق، فالعظمة والملكُ والبقاءُ لله.

والصلواتُ؛ أي: والصلوات لله،

وهو شاملٌ لكل ما يُطلَق عليه صلاةٌ لغةً أو شرعًا من الدعاء والتضرُّع والرحمة،

فالصلواتُ كلها لله، لا أحد يستحقُّها سواه، والدعاءُ أيضًا حقٌّ لله - عز وجل -،

كما قال - سبحانه -:

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)

[غافر: 60].

فكل الصلوات فرضُها ونفلُها لله، وكل الأدعية لله.

والطيبات: هي الأعمال الزكية، ما يتعلَّقُ بالله وما يتعلَّقُ بأفعال العباد؛

فما يتعلَّق بالله فإن له من الأوصاف أطيبَها، ومن الأفعال أطيبَها،

ومن الأقوال أطيبَها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«إن الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا»؛ أخرجه مسلم.

فهو - سبحانه - طيبٌ في كل شيء، في ذاته وصفاته وأفعاله.

وله أيضًا من أعمال العباد القولية والفعلية الطيب؛

فإن الطيب لا يليقُ به إلا الطيب، ولا يُقدَّمُ له إلا الطيب،

وقد قال - عزَّ اسمُه -:

(وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)

[النور: 26]،

فهذه سنةُ الله - عز وجل -، لا يليقُ به إلا الطيبُ من الأقوال والأفعال من الخلق،

(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)

[فاطر: 10].

فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه، له مُلكًا ووصفًا،

ومنه مجيئُها وابتداؤها، وإليه مصعَدها ومُنتهاها.

ولما أتى بهذا الثناء على الله تعالى التفَت إلى شأن الرسول الذي حصل هذا الخيرُ

على يديه فسلَّم عليه أتمَّ سلامٍ مقرونًا بالرحمة والبركة،

فيقول المُتشهِّد:

«السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»،

والسلامُ اسم الله - عز وجل -؛

لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

«إن الله هو السلام»؛ رواه البخاري.

وقال - عز وجل -:

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ)

[الحشر: 23].

فيكون المعنى: أن الله تعالى يتولَّى رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بالحفظِ والكلاءة والعناية.

والسلام أيضًا بمعنى: التسليم، كما قال - عز وجل -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56]

فهو دعاءٌ وتحية.

ثم يُسلِّمُ المُتشهِّد على نفسه وعلى من معه من المُصلِّين والملائكةِ الحاضرين،

وقيل: بل جميعُ أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وذلك بقوله:

«السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين»،

وعبادُ الله الصالحون:

هم كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض من الآدميين والملائكة والجن من الأحياء والأموات،

وعبادُ الله: هم الذين تعبَّدوا الله؛

أي: تذلَّلوا له بالطاعة امتثالاً لأمره واجتنابًا لنهيه،

وأشرفُ وصفٍ للإنسان أن يكون عبدًا للإنسان لا عبدًا لهواه،

فإذا سمِع أمر ربه قال: سمِعنا وأطعنا.

وعبادُ الله الصالحون هم الذين صلُحت سرائرُهم وظواهِرهم

بإخلاص العبادة لله ومُتابعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ثم ختمَ هذا المقام بعقد الإسلام، وهو: التشهُّد بشهادة الحق والتوحيد:

«أشهد أن لا إله إلا الله»،

ولا إله إلا الله كلمةُ التوحيد التي بعثَ الله بها جميعَ الرسل،

كما قال تعالى:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)

[الأنبياء: 25].

ومعناها: لا معبود حقٌّ إلا الله.

ثم يقول المُتشهِّد:

«وأشهد أن حمدًا عبده ورسوله»،

فرسولُ الله الخاتَم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي،

بعثَه الله - عز وجل - بمكة أم القرى وأحب البلاد إلى الله،

وهاجر إلى المدينة، وتُوفِّي فيها - صلى الله عليه وسلم -.

فهو عبدٌ لله، ليس له في العبادة شرك، وقد أمره الله تعالى أن يقول:

(لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ

وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)

[الأنعام: 50]،

وقال له في آية أخرى:

(قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21)

قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22)

إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ)

[الجن: 21- 23]،

فهو عبدٌ من العباد، لكنه أفضلُهم، ورسولٌ من الرسل، لكنه أشرفُهم.

وهو - صلى الله عليه وسلم - أشد الناس خشيةً لله وأقومهم تعبُّدًا لله،

حتى إنهم كان يقوم مُصلِّيًا حتى تتورَّم قدماه،

فيُقال له: لقد غفر الله من ذنبك ما تقدَّم وما تأخَّر، فيقول:

«أفلا أكون عبدًا شكورًا»؛ رواه مسلم.

ومعنى: ورسوله؛ أي: مُرسَله، أرسله الله - عز وجل - وجعله واسطةً بينه وبين الخلق في تبليغ شرعه؛

إذ لولا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عرَفنا كيف نعبد الله - عز وجل -،

فكان - عليه الصلاة والسلام - رسولاً من الله إلى الخلق، ونِعم الرسول،

ونِعم المُرسِل، ونِعم المُرسَل به، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو رسولٌ مُرسلٌ من الله،

وهو أفضل الرسل خاتمُهم وإمامُهم،

لما جُمِعوا له ليلة المِعراج تقدَّمهم إمامًا مع أنه آخرُهم مبعثًا - عليه الصلاة والسلام -،

كما روى ذلك الإمام أحمد.

أيها المسلمون:

هذا ما يقوله المُصلِّي حين يجلسُ في التشهُّد في الركعة الثانية

من صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء،

وأما الجلوس للتشهُّد الأخير قبل السلام فيأتي بهذا التشهُّد أيضًا،

ويزيدُ عليه الصلاةَ على النبي - صلى الله عليه وسلم -،

فيقول بعد الشهادتين:

«اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد،

كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد،

وبارِك على محمد وعلى آل محمد،

كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد».

وفي "الصحيحين" عن كعب بن عُذرة - رضي الله عنه -

قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقُلنا:

قد عرفنا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نُصلِّي عليك؟ قال:

«قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد،

كما صلَّيتَ على إبراهيم إنك حميدٌ مجيد».

وفي "الصحيحين" أيضًا عن أبي حميدٍ الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله!

كيف نُصلِّي عليك؟ قال:

«قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى أزواجه وذريته،

كما صلَّيتَ على إبراهيم، وبارِك على محمدٍ وعلى أزواجه وذريته،

كما بارَكتَ على إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد».

وفي رواية عند مسلم:

«كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين،

إنك حميدٌ مجيد، والسلام كما قد علِمتم، أو كما قد عُلِّمتم».

ومعنى: صلِّ على محمد؛ قيل: إن الصلاة من الله: الرحمة،

وقيل: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، كما أخرجه البخاري مُعلَّقًا بصيغة الجزم،

ولفظُه: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة.

وآل محمد: هم قرابتُه المؤمنون من بني هاشم ومن تفرَّع منهم،

وقيل: المقصود: أتباعُه على دينه.

كما صلَّيتَ على آل إبراهيم؛ أي: كما أنك - سبحانك -

سبقَ الفضلُ منك على آل إبراهيم فألحِق الفضلَ منك على محمدٍ وآله.

وبارِك على محمدٍ وعلى آل محمد؛ أي: أنزِل عليه البركة،

وهي: كثرةُ الخيرات ودوامُها واستمرارُها، ويشملُ البركةَ في العمل والبركةَ في الأثر.

إنك حميدٌ مجيد: حميدٌ؛ أي: حامدٌ لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره،

ومحمودٌ يُحمَد - عز وجل - على ما له من صفاتِ الكمال وجزيلِ الإنعام.

وأما المجيد: فهو ذو المجد، والمجدُ هو العظمةُ وكمال السلطان،

فتأمَّل جمالَ هذه التحيات وكمالها وحُسنَها وجمالَها،

وتدبَّر معانيها حين تزدلِفُ بها إلى ربك في جلوس التشهُّد وأنت خاشعٌ مُتأدِّب.

فالحمدُ لله الذي هدانا إليها، وأنعمَ بها علينا.

اللهم بارِك لنا في الكتاب والسنة، وانفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة،

أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.



الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين،

وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين،

وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الصادق الأمين،

صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها المسلمون:

وقد جاءت السنةُ بالترغيب في الدعاء بعد التشهُّد وقبل السلام،

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود بعد ما علَّمه التشهُّد:

«ثم يتخيَّر من الدعاء ما شاء».

وفي "الصحيحين":

«ثم يتخيَّر من الدعاء أعجبه فيدعو به».

والأفضلُ أن تأتي أولاً بالدعاء الوارد في السنة ثم تدعو بعد ذلك بما تحبُّ من خيرَي الدنيا والآخرة،

وقد جاءت السنةُ بأدعيةٍ تُقال في هذا الموضع؛ منها:

ما جاء في "الصحيحين" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«إذا فرغَ أحدُكم من التشهُّد فليتعوَّذ بالله من أربع:

من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم،

ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنةِ المسيح الدجَّال».

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعلِّمُ أصحابَه هذا الدعاء كما يُعلِّمُهم السورةَ من القرآن،

ولذلك فإن هذا الدعاء في هذا الموضع مُستحبٌّ استحبابًا شديدًا؛

بل إن من العلماء من قال بوجوبه.

وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو في الصلاة:

«اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر،

وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجَّال،

وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات،

اللهم إني أعوذ بك من الأمثم والمغرَم».

فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذُ من المغرَم؟! فقال:

«إن الرجل إذا غرِم حدَّث فكذَب، ووعدَ فأخلَف»؛

متفق عليه.

والمراد بفتنة المحيا:

جميعُ الفتن الواقعة في الحياة مما فيها اختبارٌ للمرء في دينه؛

كفتنة المال، وفتنة النساء، وفتنة الأولاد والجاه،

وجميع فتن الشُّبُهات والشهوات.

وأما فتنة الممات: فهي سؤال الملَكَين للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيِّه،

لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«إنه أُوحِيَ إليَّ أنكم تُفتَنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجَّال»؛

رواه البخاري.

ومن فتنة الممات:

ما يحدثُ عند الاحتضار من سوء الخاتمة وإغواء الشيطان للإنسان،

قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:

«إن أحدَكم ليعمَلُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع،

فيسبقُ عليه الكتاب فيعملُ بعمل أهل النار».

وأشد ما يكون الشيطان حِرصًا على إغواء بني آدم في تلك اللحظات،

والمعصوم من عصمَه الله.

والمرادُ بفتنة المسيح الدجَّال: ما يحصُل به من الإضلال والإغواء بما معه من الشبهات،

وخصَّه بالذكر مع أنه من فتنة المحيا؛ لعِظم فتنته.

والمأثمُ: هو كل قولٍ أو فعلٍ أو نيةٍ يأثَمُ بها الإنسان.

والمغرَم: هو كل ما يغرَمه الإنسان بسبب دَينٍ أو جنايةٍ أو مُعاملةٍ، ونحو ذلك.

ومما ورد من الدعاء أيضًا:

«اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرت، وما أسرَرتُ وما أعلَنتُ،

وما أسرفتُ، وما أنت أعلمُ به منِّي، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت»؛

أخرجه مسلم.

ومما ورد أيضًا:

«اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرِك وحُسن عبادتك».

أوصى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُعاذًا أن يقولَه في دُبر كل صلاة.

ومما ورد من الدعاء:

«اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا،

ولا غفر الذنوبَ إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك،

وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».

أوصى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا بكرٍ أن يقولَه في الصلاة،

كما في "صحيح البخاري".

والأولَى أن يُقال في أحد موضِعَيْ إجابة ادعاء في الصلاة،

وهما: السجود، أو بعد التشهُّد وقبل السلام.

وبعد ذلك يدعو المسلم بما شاء من خيرَي الدنيا والآخرة.

اللهم فقِّهنا في الدين، واجعلنا من أتباع سيد المرسلين.

هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية،

وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد،

وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين،

وارضَ اللهم عن الأئمة المهديين، والخلفاء المَرْضِيِّين:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين،

ومن سار على نهجهم واتبع سنتهم يا رب العالمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،

ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره،

واجعل تدبيرَه دمارًا عليه.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا،

وأيِّد بالحق إمامنا ووليَّ أمرنا، اللهم وفِّقه لهداك،

واجعل عمله في رضاك، وهيِّئ له البِطانة الصالحة.

اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواء الدين،

اللهم وفِّقه ونائبَيه لما فيه الخير للعباد والبلاد،

واسلُك بهم سبيل الرشاد، وكن لهم جميعًا مُوفِّقًا مُسدِّدًا لكل خير وصلاح.

اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن،

وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين،

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم اجمعهم على الحق والهدى،

اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم،

واحفظ ديارهم، وأرغِد عيشَهم، واجعل كل قضاءٍ قضيتَه لهم خيرًا.

اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان،

اللهم انصرهم في فلسطين، واجمعهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين،

اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201].

اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا،

وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 02-07-2011, 01:38 PM   #16
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 29/07/1432 هـ


خطبتى الجمعة من المسجد النبوى


محمد - صلى الله عليه وسلم - القدوة الحسنة

لفضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "محمد - صلى الله عليه وسلم - القدوة الحسنة"،

والتي تحدَّث فيها عن أهمية أن يكون للمسلم قدوةً يقتدِي بها،

وأعظم قدوةٍ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -،

مُنبِّهًا على ما وهبَ الله نبيَّه - عليه الصلاة والسلام -

بالأخلاق الحسنة والصفات الحميدة،

وأن المُقتدين به على درجات، أعلاها من صحِبَه ولازمَه وسمعه أو رآه،

ثم توجَّه بالنُّصح لكل مسؤولٍ أن يُراعِي من تحته من الرعيَّة.



الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،

من يهدِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أبدًا.

أما بعد:

فاتقوا الله تنالوا رضوانه وجناته، وتنجو من غضبه وعقوباته،

فما شقِيَ بطاعة الله أحد، ولا سعِد بمعصية الله أحد.

واعلموا - عباد الله - أنكم في دار عمل وأن الدار الآخرة دار جزاء،

فطُوبى لمن تزوَّد من دنياه لأُخراه،

وويلٌ لمن غرَّته الأماني وباعَ آخرتَه بدنياه،

فما أعظم خسارته، وما أشد ندامتَه،

ولن يُعطى الرجوع إلى الدنيا مرةً أخرى ليعملَ صالحًا.

ولله الحُجَّة البالغة على خلقه أجمعين، ولن يهلِك على الله إلا من لا خيرَ فيه.



أيها المسلمون:

صحِّحوا العمل، وقصِّروا الأمل، واحذروا الزَّلَل،

ألا وإن دوام الخير على الناس وإن أمان الأرض من الشرور

بثبات العاملين بالطاعات، وبالقدوة الحسنة لكل الأجيال الناشئة؛

فالعمل الصالح يُصلِح الله به أحوالَ الفرد والمجتمع،

وتعمُر به الدنيا عُمران بركةٍ وخير، وتسعَد به الحياة في جميع مجالاتها،

ويتبوَّأ الإنسان بصالح العمل أفضل المنازل في الآخرة، قال الله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)

[الكهف: 107].

والقدوة الحسنة تهدي الشبابَ إلى الصراط المستقيم في عقيدتهم،

وفي أخلاقهم وسلوكهم، وفي اهتمامهم وفي آمالهم وأهدافهم،

والإنسان في جميع مراحل عمره بحاجةٍ إلى القدوة الحسنة التي يتَّبُعها ويُطبِّقُها في حياته؛

إذ معنى الاقتداء: العملُ بأعمال المُقتَدى به في الدين أو الدنيا.

ومن رحمة الله تعالى بالبشر أن أرسل إليهم الرسل قدوةً للخلق يأمرونهم بالتوحيد وبكل خُلُقٍ كريم،

ويُرشِدونهم إلى ما يُصلِحهم في دنياهم وأُخراهم على امتداد الزمان،

ويُحذِّرونهم من الشرك بالله تعالى ومن كل خُلُقٍ ذميمٍ مهين،

ومن كل شرٍّ وفساد، ويُنذِرونهم النار،

قال الله تعالى:

(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)

[النحل: 36]،

وقال تعالى:

(وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)

[فاطر: 24].

فرسول كل أمةٍ قدوةٌ لهم في كل شيء،

وأفضل كل أمةٍ أصحابُ ذلك الرسول؛

لأنهم شاهَدوه وعاصَروه وكمُل فيهم الاقتداء،

والجيلُ الذي يليهم دونَهم في الفضل؛ لضعف الاقتداء في بعض الجوانب.

وقد ختمَ الله تعالى الرسلَ - عليهم الصلاة والسلام

- بسيد الخلق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -،

وجمع فيه الفضائل كلها، وحباهُ الله بالمكارم جميعها،

ونسخَت شريعتُه الشرائع التي قبلَه،

فلا يقبَلُ الله من أحدٍ عملاً حتى يؤمنَ بمحمدٍ سيد البشر - صلى الله عليه وسلم -،

فهو وارثُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام –، المُقتدِي بهم،

المبعوث بملَّة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -.

قال الله تعالى:

(أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ

فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)

أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)

[الأنعام: 89، 90]،

وقال تعالى:

(ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

[النحل: 123].

وقد جعل الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -

سيدَ ولد آدم أُسوةً حسنةً لأمة الإسلام ولكل أحدٍ يريد أن يدخل في دينه من أي جنس،

قال الله تعالى:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)

[الأحزاب: 21]،

فقد أنعم الله عليه باجتماع خِصال الخير كلها في شخصه الكريم،

وشهِد الله له بالكمال البشري في عظمة أخلاقه،

فقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4].

وأقسم الله بكلامه بأن نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - على صراطٍ مستقيم في أموره كلها،

قال الله تعالى:

(يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2)

إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

[يس: 1- 4]،

وقال تعالى:

(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ

وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)

[الفتح: 1، 2].

فوصفُ الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -

بأنه على صراطٍ مستقيم وأن الله هداه صراطًا مستقيمًا

وصفٌ جامعٌ للخيرات وكريم الصفات، وشهادةٌ من الله ببراءة

رسوله - عليه الصلاة والسلام - من العيوب والنقائص والمكروهات.

وكان يقول - صلى الله عليه وسلم - في خُطبه:

«إن أحسن الحديث كتابُ الله،

وخيرَ الهديِ هديُ محمد - صلى الله عليه وسلم -،

وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة»؛

رواه مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه -.

وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها سُئِلت عن خُلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم –،

فقالت: «كل خُلُقه القرآن»؛ رواه مسلم. أي: أنه يعمل به كلَّه.

فهنيئًا لكِ - أمةَ الإسلام - على هذه القدوة المُثلَى وعلى هذا الصراط المستقيم.

وسرُّ فضل الصحابة - رضي الله عنهم - لكمال اقتدائهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ومُشاهدتهم له،

ومُعاونته على تمكين الدين في الأرض، وجهادهم معه أعداءَ الإسلام،

وبذلهم الأموالَ والنفوسَ في سبيل الله، وتبليغهم القرآن والسنة في الأرض،

وهم أفضل الناس بعد النبيين - عليهم الصلاة والسلام -.

وقد شهِد الله لهم بالفضل والجنة، وشهِد لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالفضل والجنة،

فلا يُبغِضهم إلا منافقٌ زنديقٌ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«آيةُ الإيمان: حبُّ الأنصار، وآية النفاق: بُغض الأنصار»؛

رواه مسلم.

وإذا كان هذا في حق الأنصار فالمُهاجِرون من باب أولى؛

لأن القرآن قدَّم المُهاجرين على الأنصار - رضي الله عنهم جميعًا -،

ولأن الصحابة - رضي الله عنهم - هم الذين نقلوا الدين،

وهم الواسطة بيننا وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -؛

فمن أبغضَهم فقد أبغضَ الدين.

ومَن بعدَ الصحابة - رضي الله عنهم - دونَهم في الفضل؛

لتخلُّف كمال الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأمور.

أيها المسلمون:

إن الاقتداء الحسن أهم شيءٍ في حياة المسلم؛ يُنير له السبيل،

ويُثبِّتُه على الصراط المستقيم، ويُبيِّن له النهايةَ والعاقبةَ الحميدَة،

ويرفعُ له أعلامَ الحق، ويُوصِلُه إلى جنات النعيم،

ويحميه من طُرق الباطل والغواية، وقدوة المسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،

ثم الصحابة - رضي الله عنهم - وأئمة الإسلام الذين قام بهم الإسلام وبه قاموا.

وقد قال أهلُ التفسير في قوله تعالى:

(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)

[الفرقان: 74]

"أي: مُقتدين بمن قبلنا من أهل الهُدى ليقتدِيَ بنا مَن بعدَنا".

ولا معصوم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،

والخللُ في حياة الفرد والمجتمع الإسلامي والتفلُّت من أحكام الإسلام مردُّه وسببُه التقصير في القدوة بالرسول - صلى الله عليه وسلم -.

أيها المسلم:

جاهِد نفسَك بتطبيق الاقتداء بنبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم -،

واعرِض أمورَك كلها على سنته، وابذُل الوسعَ والطاقةَ للعمل بهديه وتعلُّم سيرته المباركة لاتباع طريقته،

قال الله تعالى:

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

[آل عمران: 31].

وتمسَّكوا بما كان عليه الصحابة - رضي الله عنهم -؛

فمن خالفهم فقد خسِر وضلَّ سواء السبيل، قال الله تعالى:

(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى

وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)

[النساء: 115]،

وما لا يُدرَك كلُّه فلا يُترَك ما يقدر عليه المسلم.

وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تخفى لمن طلبَها وحرِص عليها؛

فقد حفِظ الله القرآن والسنة.

وأما الناشئةُ الصغار من الذكور والإناث فهم لا يُدرِكون من القدوة إلا ما يرون ويسمعون من الآباء والأمهات والإخوة والمُعلِّمين والزملاء ومن هو أكبر منهم والمجتمع،

فإن رأوا أو سمِعوا خيرًا اقتدَوا بمن خالطَهم فسعِدوا،

وإن رأوا أو سمِعوا شرًّا تأثَّروا بذلك الشر، وكثيرًا ما يستمر معهم طوال حياتهم.

والشباب هم قوة الأمة وثروتها الحقيقية،

وعلى كل أحدٍ أن يُوفِّر لهم القدوةَ الحسنة،

وخاصةً في المرحلة الأولى من العُمر، فهم لا يعرفون الخيرَ من الشر،

ولا يستقِلُّون بأنفسهم ليدرُسوا تاريخَ من يصلُح الاقتداء به،

فهم كالفُروخ في أوكارها يُؤتَى إليها بطعامها وشرابها.

ألا فليتقِ اللهَ الآباء والأمهات والإخوة والمُعلِّمون وأفرادُ المجتمع وكل مسؤولٍ فيما يخصُّه،

ليتقوا اللهَ في الناشئة الصغار، ليكونوا قدوةً لهم في كل خير،

وليُبعِدوهم عن كل شر؛ فقد كثُرت المُؤثِّرات الضارة على الشباب،

انتشرت الفضائيات بما فيها، وتيسَّرت غُرف الإنترنت بما فيها من الشر والخير،

وتنوَّعت الجوالات، وكثُر الشر والمعاصي.

فوجِّهوا شبابَ الأمة إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، واستثمِروا لهم أوقاتَهم في العمل النافع،

وعلِّموهم الانتفاع بالمصنوعات، ليأخذوا النافع ويتركوا الضار،

ويبتعِدوا عن الشرور، وليكون عندهم مناعةٌ وتمييزٌ بين الخير والشر.

فاتقوا الله - أيها المسلمون -، اتقوا الله تعالى،

وعلى كل مسلمٍ العملُ بالأسباب، والتوفيق والهداية بيدِ ربِّ الأرض والسماوات، بيد مُقلِّب القلوب،

قال الله تعالى:

(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى

وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)

[المائدة: 2].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،

ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم،

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فاتقوا الله - أيها المسلمون - حقَّ التقوى، اتقوه في السر والعلَن؛

فإنه - بارك وتعالى - قائمٌ على كل نفسٍ بما كسبت.

أيها المسلمون:

إن الله أمركم بعمل الأسباب، إن الله أمركم وحثَّكم على العمل الصالح واكتساب العلم النافع؛

فإن العلم النافع والعمل الصالح عليه مدارُ السعادة في الدنيا وفي الآخرة،

قال الله - تبارك وتعالى -:

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ

وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

[التوبة: 105].

فإذا عمِلتم الأسباب فقد قمتم بما أمركم الله به، وما وراء ذلك فالله - تبارك وتعالى - يتولاَّه،

والله - عز وجل - يقول:

(إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)

[الكهف: 30].

فيا أيها المسلمون:

وجِّهوا همَّتكم إلى إصلاح قلوبكم وأعمالكم ونفوسكم،

ثم ابذلوا جُهدَكم ووسعَكم في إصلاح شباب الأمة كلٌّ على قدر استطاعته؛

فإن الأمةَ هي بصلاح شبابها، وإن ما تكون فيه الأمة من شرٍّ وبلاء هو بسبب انحرافٍ في شبابها، فاتقوا الله - أيها المسلمون -.

أيها الناس:

أنتم ترون وتسمعون وتشاهدون ما حلَّ بالمسلمين من المصائب،

فعليكم بالدعاء بأن يُصلِح الله أحوالَ المسلمين.

أدعو اللهَ - عز وجل - أن يحقِن دماء المسلمين،

وأن يصُونَ ويحفظَ أعراضَهم وأموالَهم، وأن يُفقِّههم في الدين،

وأن يتوبَ عليهم أجمعين، وأن يُصلِح أمورهم،

وأن يكفِيَهم شرَّ كل ذي شرٍّ فإنه على كل شيءٍ قدير، وهو الغفَّار التواب.

فاصدقوا اللهَ - تبارك وتعالى - في الدعاء؛ فإنه - تبارك وتعالى - قريبٌ مجيب،

واسألوا الله لأنفسكم ولجميع المسلمين التوبةَ إلى الله؛

فإنه ما وقع بلاءٌ إلا بذنب، وما رُفِع إلا بتوبة.

وإذا وُكِل العبادُ إلى أنفسهم فإنهم من الهالكين.

أسأل الله - تبارك وتعالى - أن يحفظ المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم،

وأن يُصلِح أحوالهم، وأسأل الله أن يتوبَ علينا وعليهم أجمعين،

وأن يُفقِّهَنا وإياهم في الدين، وأن يُعيذَنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،

ومن شر كل ذي شرٍّ إنه على كل شيء قدير.

اللهم استُر عوراتنا وآمِن روعاتنا يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وشياطينه وذريته وجنوده يا رب العالمين،

اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وذريته يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.

اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا،

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى،

اللهم وفِّقه لهُداك واجعل عمله في رضاك،

اللهم أصلِح به البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير.

اللهم وأصلِح بِطانتَه، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحبُّ وترضى،

ولما فيه الصلاحُ للبلاد والعباد،

ولما فيه الخيرُ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين.

اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم،

واهدِهم سُبل السلام، وأخرِجهم من الظلمات إلى النور،

اللهم اكشِف كل كُربةٍ عن المسلمين يا رب العالمين،

اللهم تُب علينا وعليهم يا أرحم الراحمين.

(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا)

[البقرة: 286].

اللهم إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تُصلِّي وتُسلِّم صلاةً وسلامًا كثيرًا دائمَين أبدَين على نبينا نبي الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم -،

وارضَ عن أصحابه أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين،

وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ يا رب العالمين، وعن سائر الصحابة أجمعين.

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى

وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا

وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)

[النحل: 90، 91].

واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم،

واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 09-07-2011, 10:24 AM   #17
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 7/8/1432 هـ


خطبتى الجمعة من المسجد النبوى


الإجازة ويقظة الأولياء

لفضيلة الشيخ الدكتور صلاح البدير



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صلاح البدير - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "الإجازة ويقظة الأولياء"،

والتي تحدَّث فيها عن الإجازات وتساهل الكثير من الأولياء في ترك أولادهم بلا رقيبٍ ولا حسيب،

وحذَّر من الغفلة عن رعاية الأولاد؛

لما في ذلك من الخيانة لما استرعاهم الله عليه من حفاظ الأولياء على أهليهم وأولادهم.



الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم،

أحمده حمدًا يُوافِي ما تزايَد من النعم، وأشكره على ما أولَى من الفضل والكرم،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تعصِمُ من الزيغ وتدفعُ النقَم،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمةً للعالمين من عُربٍ وعجَم،

صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً تبقى وسلامًا يترَى إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسب، وطاعته أعلى نسَب،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

[آل عمران: 102].

أيها المسلمون:

القصور في فهم مقاصد الأمور يحملُ على فعل ما يقبُح وترك ما هو أليَقُ وأجملُ وألزَم،

ومن قصُر فهمُه عن إدراك مقاصد الإجازة وأهدافها ملأها عبثًا وصخَبًا،

وأشعلَها طيشًا وسفهًا، ومن أدرك المُراد أنِفَ من خمول الدَّعَة ومهانة التفريط،

وحمل رايةَ الجِدّ، وقطعَ أسبابَ العجز،

واستثمَر إجازتَه بادئًا وعائدًا فيما يُعليه ويُرقِّيه في أمر الدنيا والدين.

أيها المسلمون:

ولئلا تكون الإجازة منبعًا للمعار، ومجمعًا للأخطار، وطريقًا للمهالك والمضارّ؛

يتوجَّبُ تذكيرُ كل وليٍّ بأن يكون يقِظًا حذِرًا، مُتحفِّظًا مُحترسًا، مُتنبِّهًا مُحترِزًا،

قد حصَّن أسرتَه، وحمى عورتَه، وحرسَ شرفَه،

وصانَ عِرضَه عن اللئام الفجَرة والخونَة المكرَة؛

فإن لشياطين الإنس انتشارًا وانبعاثًا وخطفَة،

وأخذةً في غفلة، وخَتلاً في سهوة، وخِداعًا في خُفية.

وأكثرُ الصبيان والصغار أغمارُ أغرار، وأحداثٌ أطهار،

لا فطنةَ لهم ولا تجربة، ولا تحوُّط لديهم ولا احترازًا،

وفي الناس سِباعٌ عادية، وذئابٌ ضارية، وأجادلُ خاطفة،

تنتظرُ غيابَ الوليِّ الحامي، وغفلةَ الأبِ الحانِي؛

فكونوا - أيها الآباء والأمهات - في الإجازات وفي سائر الأوقات حُرَّاسًا أُمنَاء،

وأولياء أوفيَاء، وفُطناء وحُكماء، وصونوا أبناءَكم وبناتكم عن العاديات المُوبِقة،

والأخطار المُحدِقة، واجتنِبوا التفريطَ والتشاغُل،

وحاذِروا التقصير والتساهل الذي لا تُؤمَنُ لواحِقُه وتوابِعُه،

وتوالِيَه وعواقِبه؛ بَيدَ أن عاقبتَه بوار، وخاتمتَه خَسار.

أيها المسلمون:

ومن ترك أهلَه وأولادَه ونساءَه وقِعادَه يقتحِمون الناسَ من غير تثبُّت،

ويُخالِطون الآخرين دون تعقُّل، ويخرجون من البيوت دون تحفُّظ، ويمكثُون بعيدًا دون رقابة،

ويُصاحِبون من رغِبوا دون مُسائَلة؛ فقد قذَفهم في مُهلِكةٍ مُردِية،

ورماهم في مدارج الانحراف والضياع.

أيها الأولياء:

حُوطوا أُسركم بسِياج الرعاية والعناية، والرقابة والصيانة،

والتربية والتقويم، واكسُوها برداء الحبِّ والحُنوِّ والشفقة،

والجُودِ والكرم والإحسان، واغمُروها بروح الفرح والمرَح،

والقُرب والوُدِّ والحَوار والجوار، واحفظوها بالطاعة والاستقامة والتقوى والإيمان؛

حتى لا تكون نهبًا لأهل الدنايا، وهدفًا لشرار الخلق، ومرتعًا للأراذِل الساقطين.

والله سائلٌ كل عبدٍ عما استرعاه أدَّى أم تعدَّى؛

فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«إن الله سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاه حفِظَ أم ضيَّع، حتى يسألَ الرجلَ عن أهل بيته»؛

أخرجه ابن حبان.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة،

ونفعني وإياكم بما فيهما من البينات والحكمة، أقول ما تسمعون،

وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتِنانه،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه،

صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله وراقِبوه، وأطيعوه ولا تعصُوه،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)

[التوبة: 119].

أيها المسلمون:

ومن الآباء والأولياء من تتهاوَى إرادتُه، وتتوارَى قيادتُه، وتتضاءَلُ إدارتُه،

ويضعُف أمام محبةِ الزوجة والأولاد وإلحاحهم،

ويستجيبُ لرغباتِهم ولو كانت معصيةً لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -،

ويُقدِّمُ محبوبَهم على محبوبِ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -،

وذلك عنوانُ الفتنة وعلامة الخُسران، قال - جلَّ في عُلاه -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ

عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)

[المنافقون: 9]، ويقول - جلَّ في عُلاه -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)

[التغابن: 14].

قال مجاهد: "ما عادَوهم في الدنيا،

ولكن حملهم مودتُهم على أن أخذوا لهم الحرام، فأعطَوه إياهم".

قال القرطبي - رحمه الله -:

"والآيةُ عامةٌ في كل معصيةٍ يرتكِبُها الإنسانُ بسبب الأهل والولد،

وخصوص السبب لا يمنعُ عمومَ الحكم".

فاتقوا الله - أيها المسلمون -،

وتيقَّظوا من الغفلة، وقوموا بواجب المسؤولية،

وأكثِروا من الدعاء بصلاحِ الأهل والأولاد والذرية،

والعصمةِ من مُضِلاَّت الفتن ونزَغات الشياطين.

وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى،

فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا.

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد،

وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين،

والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،

وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين،

وانصر عبادك المُوحِّدين، وانصر إخواننا المُستضعفين والمظلومين،

والمنكوبين والمُشرَّدين والمُنقطعين،

ودمِّر الطغاة والظلَمة والمُعتدين يا رب العالمين.

اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها،

وعِزَّها واستقرارها، ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين.

اللهم من أراد المسلمين بسوءٍ أو شرٍّ أو فتنةٍ فأشغِله بنفسه،

واجعل كيدَه في نحره، وتدبيرَه تدميرَه، اللهم اكشِف أمره،

واهتِك سِتره، واكفِنا شرَّه، واجعله عبرَة، اللهم اقتُله بسلاحه،

اللهم اقتُله بسلاحه، اللهم اقتُله بسلاحه، وأحرِقه بناره يا رب العالمين.

اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود،

اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود،

اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادرين،

اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم لا ترفع لهم راية،

ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآيةً يا رب العالمين.

اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين،

اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ أوطان المسلمين،

اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ أوطان المسلمين يا رب العالمين.

اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا،

وانصرنا على من عادانا برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى

وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

[النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم،

ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 09-07-2011, 10:30 AM   #18
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 7/8/1432 هـ


خطبتى الجمعة من المسجد الحرام خطبتى الجمعة من المسجد الحرام

تزكية النفوس وإصلاح القلوب

لفضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "تزكية النفوس وإصلاح القلوب"،

والتي تحدَّث فيها عن تزكية النفوس وإصلاح القلوب،

والطرق التي ينبغي على كل مسلمٍ سلوكها لتحصيل ذلك،

مُستشهِدًا في ذلك بالآيات والأحاديث والأقوال والآثار عن السلف والعلماء.



الخطبة الأولى

الحمد لله العلي الأعلى، أحمده - سبحانه -

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوَّى وقدَّر فهدى،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله نبي الرحمة والهُدى،

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد،

وعلى آله وصحبه الأئمة الأبرار النُّجَباء،

والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم البعث والنشور والجزا.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله -؛ واذكروا أنكم موقوفون عليه، مسؤولون بين يديه

(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)

وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)

[عبس: 34- 37].

عباد الله:

تزكيةُ النفوس وتقويمُها،

وإصلاحُ القلوب وتطهيرُها أملٌ سعى إليه العُقلاء في كل الثقافات وفي كل الحضارات منذ أقدم العصور،

فسلكوا إلى بلوغه مسالك شتَّى، وشرعوا لأنفسهم مناهجَ وطرائقَ قِددًا،

وحسِبوا أن في أخذهم أنفسهم بها إدراكَ المُنى،

وبلوغَ الآمال في الحَظوة بالحياة الطيبة والعيش الهانئ السعيد.

فمن تعذيبٍ للجسد بأمورٍ وأعمالٍ مُضنِية أسمَوها:

رياضات ومُجاهدات، إلى إغراقٍ في الشهوات وانهماكٍ في طلب اللذَّات بإسرافٍ على النفس لا حدَّ يحُدُّه،

إلى عُكوفٍ على مناهجَ فلسفية وتأملاتٍ قائمةٍ على شطَحاتٍ وخيالات لا سند لها من واقعٍ،

ولا ظهيرَ لها من عقلٍ، إلى غير ذلك من نزَعاتٍ وطرائقَ لا يجدُ فيها اللبيبُ ضالَّتَه، ولا يبلغُ منها بُغيتَه.

غير أن كل من أُوتِي حظًّا من الإنصاف،

ونصيبًا من حُسن النظر والبصر بالأمور لا يجدُ حرجًا في الإقرار بأن السعادة الحقَّة التي تطيبُ بها الدنيا،

وتطمئنُّ بها القلوب وتزكُو النفوس هي تلك التي يُبيِّنُها ويكشِفُ عن حقيقتها الكتابُ الحكيم والسنةُ الشريفة بأوضح عبارةٍ وأدقِّها وأجمعها في الدلالة على المقصود.

عباد الله:

لقد أرسل الله رسلَه وأنزل كتبَه ليُرشِد الناس إلى سُبُل تزكية أنفسهم وإصلاح قلوبهم،

وليُبيِّن لهم أن ذلك الأمر لن يتحقَّق إلا حين يُؤدُّون حقَّ الله عليهم في إخلاص العبودية له؛

إذ هي الغايةُ من خلقه - سبحانه - لهم:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)

مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)

[الذاريات: 56- 58].

وقد جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -

بيانُ الطريق إلى هذه التزكية التي جعل الله فلاحَ المرء مرهونًا بها،

وجعل الخيبةَ والخُسران مرهونًا بضدِّها، وهو: التدسِية؛

أي: تخبيثُ وتلويثُ النفس وإفسادُها بالخطايا، فقال - سبحانه -:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)

[الشمس: 7- 10]،

وقال - عزَّ اسمه -:

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)

[الأعلى: 14، 15]،

وقال - سبحانه - في خطاب نبيِّه موسى - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - حين أرسله إلى فرعون:
(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17)

فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى)

[النازعات: 17- 19].

وإن هذا الكتاب المبارَك الذي جعله الله روحًا تحيا به القلوب،

ونورًا تنجابُ به الظلمات:

(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ

وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

[الشورى: 52]،

إن هذا الكتاب ليُصرِّحُ أن أساس التزكيةِ في الإسلام وروحها وعمادَها ومحورَها توحيدُ الله تعالى.

وحقيقتُه - كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -:

"أن يشهدَ العبدُ انفرادَ الربِّ - تبارك وتعالى - بالخلق والحكم،

وأنه ما شاء كان وما لم يشَأ لم يكن، وأنه لا تتحرَّك ذرَّةٌ إلا بإذنه،

وأن الخلقَ مقهورون تحت قبضَته،

وأنه ما من قلبٍ إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يُقيمَه أقامَه،

وإن شاء أن يُزيغَه أزاغَه، فالقلوب بيده وهو مُقلِّبها ومُصرِّفها كيف شاء وكيف أراد،

وأنه هو الذي آتَى نفوس المؤمنين تقواها، وهو الذي هداها وزكَّاها،

وألهمَ نفوسَ الفُجَّار فجورَها وأشقاها، من يهدِ الله فهو المُهتَد،

ومن يُضلِل فلا هادي له، يهدي من يشاء بفضله ورحمته،

ويُضِلُّ من يشاء بعدله وحكمته، هذا فضُه وعطاؤه وما فضلُ الكريم بممنون،

وهذا عدلُه وقضاؤه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء: 23] ...

وفي هذا المشهد يتحقَّقُ للعبد مقامُ

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]

علمًا وحالاً؛ فيثبُت قدمُ العبد في توحيد الربوبية،

ثم يرقى منه صاعدًا إلى توحيد الإلهية،

فإنه إذا تيقَّن أن الضرَّ والنفع والعطاءَ والمنعَ والهُدى والضلال والسعادةَ والشقاء؛

كل ذلك بيد الله لا بيد غيره، وأنه الذي يُقلِّبُ القلوب ويُصرِّفها كيف يشاء،

وأنه لا مُوفَّق إلا من وفَّقه وأعانَه، ولا مخذولَ إلا من خذَلَه وأهانَه وتخلَّى عنه،

وأن أصحَّ القلوب وأسلمَها وأقومَها وأرقَّها وأصفاها وأشدَّها وأليَنها:

من اتخذَه وحده إلهًا ومعبودًا، فكان أحبَّ إليه من كل ما سواه،

وأخوفَ عنده من كل ما سواه، وأرجَى له من كل ما سواه؛

فتتقدَّمُ محبتُه في قلبه جميعَ المحابِّ،

فتنساقُ المحابُّ تبعًا لها كما ينساقُ الجيشُ تبعًا للسلطان،

ويتقدَّمُ خوفًُه في قلبه جميعَ المخوفات فتنساقُ المخاوفُ كلها تبعًا لخوفه،

ويتقدَّمُ رجاؤه في قلبه جميعَ الرجاء، فينساقُ كل رجاءٍ تبعًا لرجائه.

فهذا علامةُ توحيد الألوهية في هذا القلب،

والباب الذي دخل إليه منه هو: توحيد الربوبية ...

والمقصود: أن العبد يحصلُ له في هذا المشهد من مُطالعَة الجنايات والذنوب وجريانِها عليه وعلى الخليقة بتقدير العزيز الحكيم وأنه لا عاصمَ من غضبه وأسباب سخَطه إلا هُو،

ولا سبيلَ إلى طاعته إلا بمعُونته، ولا وصول إلى مرضاته إلا بتوفيقِه؛

فمواردُ الأمور كلها منه، ومصادرُها إليه، وأزِمَّةُ التوفيقِ جميعُها بيديه،

فلا مُستعانَ للعباد إلا به، ولا مُتَّكَل إلا عليه، كما قال شعيب خطيب الأنبياء:

(وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)

[هود: 88]". اهـ.

وإن أثر التوحيد في التزكية - بل في حياة المسلم -

ليَبدو جليًّا في توحيد الهدف والغاية واتفاق العلم والعمل؛

حتى يكون فهمُ المسلم وعقيدتُه وعلمُه وعملُه وقصدُه واتجاهاتُ قلبه ونشاطُه منتظمًا في سلكٍ واحد،

مُتوافقٍ مُؤتلِف، لا تعارُض فيه ولا تضارُب،

ويرتفعُ عن كاهل الإنسان ذلك الضيقُ المُمِضُّ الذي يستشعِرُه حين تتعارضُ في نفسه الأهداف،

وتتناقضُ الأعمال.

ومما يُزكِّي النفوس أيضًا: تجديدُ الإيمان فيها على الدوام؛

إذ الإيمانُ يخلَقُ كما تخلَقُ الثياب،

ولذا كان صحابةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذُ أحدُهم بيد الآخر فيقول:

"تعالَ نُؤمن ساعة"، فيجلِسان فيذكُران الله تعالى.

وفي ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه وطاعته والازدلاف إليه أعظمُ ما يُجدِّدُ الإيمانَ في نفس المؤمن الذي يعلَمُ أن الإيمان يزيدُ بالطاعة وينقُص بالمعصية،

فيعمل على زيادة إيمانه بصدق الالتجاء إلى الله تعالى الذي تكون أظهرُ ثِماره المُباركة تزكيةُ النفوس كما جاء في الدعاء النبوي الكريم:

«اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها».

ومما يُزكِّي النفسَ ويُصلِحُ القلب: دوامُ تذكُّر نعم الله التي أنعمَ بها على عباده؛

فإن إحصاءها خارجٌ عن مقدور البشر، كما قال تعالى:

(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)

[النحل: 18]،

فإن هذا التذكُّر لهذه النعم يُورِثُ الذاكِر لها كمالَ تعلُّقٍ،

وتمامَ توجُّهٍ إليه، وخضوعًا وتذلُّلاً له - سبحانه -؛

فإن كل ما وهبَه من حياةٍ وصحةٍ ومالٍ وولدٍ وجاهٍ وغيرها إنما هو منَّةٌ منه،

وفضلٌ وإنعامٌ أنعمَ به كيف ومتى شاء،

ولو شاء لسلَبَ ذلك منه متى شاء؛

فإنه مالكُ الملك كله، بيده الخيرُ يُؤتيه من يشاء ويصرِفُه عمن يشاء.

ومعرفةُ ذلك ودوامُ تذكُّره باعثٌ على معرفة العبد بعجزه وضعفه وافتقاره إلى ربه في كل شؤونه،

غير أن تذكُّر النعم لا بد من اقترانه بالعمل الذي يرضاه الله ويُحبُّه ويُثيبُ عليه يوم القيامة،

وحقيقتُه: فعلُ الخيرات، وتركُ المنكرات على هُدًى من الله،

ومتابعةٍ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -،

مع العنايةِ الخاصةِ بالفرائضِ التي افترضَها الله على عباده؛

إذ هي أحبُّ ما يتقرَّبُ به العبدُ إلى ربه، كما جاء في الحديث:

«إن الله تعالى قال: من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب،

وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه،

ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه،

فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يُبصِرُ به،

ويدَه التي يبطِشُ بها، ورِجلَه التي يمشي بها،

ولئن سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذَني لأُعيذنَّه»؛

أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

ومما يُزكِّي النفسَ أيضًا: أعمالُ القلوب؛

فإن القلبَ ملكُ الجوارح، تصلُح بصلاحه وتفسُد بفساده، كما جاء في الحديث:

«ألا وإن في الجسد مُضغةً إذا صلَحت صلَح الجسدُ كله،

وإذا فسَدت فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب»؛

أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما -.

ومن أهمها وأعظمها: نيةُ المرء ومقصودُه من كل عملٍ يعمله؛

فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى؛

فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله،

ومن كانت هجرتُه لدُنيا يُصيبُها، أو امرأةٍ ينكِحُها فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه»؛

أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".

فاتقوا الله - عباد الله -،

واتخذوا من كتاب ربكم وسنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - خيرَ منهجٍ لتزكية النفوس وإصلاح القلوب، ابتغاءَ رضوان الله، واقتفاءً لأثر الصفوة من عباد الله:

(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)

[الزمر: 18].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -،

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله الوليِّ الحميد، الفعَّالِ لما يُريد، أحمده - سبحانه - يخلقُ ما يشاء ويفعلُ ما يُريد،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله صاحب الخُلق الراشد والنهجِ السديد،

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد، فيا عباد الله:

إن النقص والتقصير والخطأ لا ينفكُّ عنه إنسان، ولا يسلمُ منه إلا من عصمَه الله،

ولذا جاء الأمرُ بالتوبة للناس جميعًا بقوله - سبحانه -:

(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

[النور: 31].

والتوبة - يا عباد الله - من أعظم أسباب التزكية للنفس والإصلاح للقلب؛

فإن عبودية التوبة - كما قال ابن القيم - رحمه الله - من أحبِّ العبوديات إلى الله وأكرمها عليه،

فإنه - سبحانه - يحبُّ التوابين،

ولو لم تكن التوبةُ أحبَّ الأشياء إليه لما ابتَلَى بالذنبِ أكرمَ الخلق عليه،

فلمحبته لتوبة عبده ابتلاه بالذنب الذي يُوجِبُ وقوعَ محبوبه من التوبة، وزيادة محبته لعبده.

فإن للتوبة عنده - سبحانه - منزلةً ليست لغيرها من الطاعات،

ولهذا يفرحُ - سبحانه - بتوبة عبده حين يتوبُ إليه أعظمَ فرحٍ يُقدَّر،

كما مثَّله النبي - صلى الله عليه وسلم - بفرَح الواجِد لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في الأرض الدويَّة المُهلِكة،

بعدما فقدَها وأيِسَ من أسباب الحياة، ولم يجِئ هذا الفرح في شيءٍ من الطاعات سوى التوبة.

ومعلومٌ أن لهذا الفرح تأثيرًا عظيمًا في حال التائب وقلبه،

ومزيدُه لا يُعبَّر عنه، وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد؛

فإن العبد ينالُ بالتوبة درجةَ المحبوبية، فيصيرَ حبيبًا لله،

فإن الله يحبُّ التوابين، ويحبُّ العبدَ المُفتَّن التواب،

ويُوضِّحُه: أن عبودية التوبة فيها من الذل والانكسار والخضوع والتملُّق لله والتذلُّل لله ما هو أحبُّ إليه من كثيرٍ من الأعمال الظاهرة وإن زادت في القدر والكمية على عبودية التوبة؛

فإن الذل والانكسار روح العبودية ومخُّها ولبُّها،

يُوضِّحه: أن حصول مراتب الذل والانكسار للتائب أكملُ منها لغيره،

فإنه قد شاركَ من لم يُذنِب في ذل الفقر والعبودية والمحبة، وامتاز عنه بانكسار قلبه.

ولأجل هذا فإن أقربَ ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجد؛

لأنه مقامُ ذلٍّ وانكسار بين يدي ربه، ويُوضِّحُه:

أن الذنبَ قد يكون أنفعَ للعبد إذا اقترنَت به التوبة من كثيرٍ من الطاعات،

وهذا معنى قول بعض السلف: "قد يعملُ العبدُ الذنبَ فيدخل به الجنة،

ويعمل الطاعةَ فيدخل بها النار". قالوا: وكيف ذلك؟

قال: "يعمل الذنبَ فلا يزالُ نُصبَ عينيه إن قامَ وإن قعدَ وإن مشى ذكر ذنبَه،

فيُحدِثُ له انكسارًا وتوبةً واستغفارًا وندمًا، فيكون ذلك سببَ نجاته،

ويعمل الحسنة فلا تزالُ نُصبَ عينيه إن قامَ وإن قعدَ وإن مشى،

كلما ذكرَها أورثَته عُجبًا وكِبرًا ومنَّةً، فتكون سببَ هلاكه.

فيكون الذنبُ مُوجِبًا لترتُّب طاعاتٍ وحسناتٍ ومعاملاتٍ قلبية؛

من خوف الله، والحياء منه، والإطراقِ بين يديه،

مُنكِّسًا رأسه خجِلاً باكيًا نادمًا مُستقيلاً ربَّه،

وكل واحدٍ من هذه الآثار أنفعُ للعبد من طاعةٍ تُوجِبُ له صولةً وكبرًا وازدراءً بالناس،

ورؤيتهم بعين الاحتقار.

ولا ريبَ أن هذا المُذنِبَ خيرٌ عند الله وأقربُ إلى النجاة والفوز من هذا المُعجَبِ بطاعته،

الصائلِ بها، المانِّ بها وبحاله على الله - عز وجل - وعباده،

وإن قال بلسانه خلافَ ذلك فالله شهيدٌ على ما في قلبه،

ويكادُ يُعادِي الخلقَ إذا لم يُعظِّموه ويرفعوه ويخضَعوا له،

ويجدُ في قلبه بُغضةً لمن لم يفعل به ذلك، ولو فتَّش نفسَه حقَّ التفتيش لرأى فيها ذلك كامنًا". اهـ.

هذا؛ ويجبُ التنبُّه - يا عباد الله - إلى ما في تفسير كثيرٍ من الناس للتوبة من قصورٍ ونقصٍ عن فهم المعنى المُراد؛

فإن كثيرًا من الناس - كما قال ابن القيم - رحمه الله -:

"إنما يُفسِّر التوبةَ بالعزم على ألا يُعاوِدَ الذنبَ، وبالإقلاع عنه في الحال،

وبالندم عليه في الماضي، وإن كان في حقِّ آدمي فلا بد من أمرٍ رابعٍ هو التحلُّل منه،

وهذا الذي ذكروه بعشُ مُسمَّى التوبة؛ بل شطرُها،

وإلا فالتوبةُ في كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -

كما تتضمَّن ذلك تتضمَّن أيضًا: العزمَ على فعل المأمور والتزامه،

فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبًا حتى يُوجَد منه العزمُ الجازمُ على فعل المأمور والإتيان به.

فإن حقيقة التوبة: الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يُحبُّ وترك ما يكره،

فهي رجوعٌ من مكروهٍ إلى محبوب؛ فالرجوع إلى المحبوب جزءُ مُسمَّاها،

والرجوعُ عن المكروه هو الجزءُ الآخر، ولهذا علَّق - سبحانه -

الفلاحَ المُطلقَ على فعل المأمور وترك المحظور بها فقال:

(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

[النور: 31]؛

فكل تائبٍ مُفلِح، ولا يكون مُفلحًا إلا من فعل ما أُمِر به، وترك ما نُهِي عنه،

وقال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الحجرات: 11]،

وتاركُ المأمور ظالم، كما أن فاعلَ المحظور ظالم،

وزوالُ اسم الظلم عنه إنما يكون بالتوبة من الأمرين معًا؛ أي: من ترك المأمور ومن فعل المحظور".

فاتقوا الله - عباد الله -، وتوبوا إلى الله ابتغاءَ رضوان الله،

وتأسِّيًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - القائل:

«يا أيها الناس! توبوا إلى الله؛ فإني أتوبُ في اليوم إليه مائةَ مرة»؛

أخرجه مسلم في "صحيحه".

وصلُّوا وسلِّموا على خير خلق الله: محمد بن عبد الله؛

فقد أمركم الله بذلك في كتابه؛ حيث قال:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد،

وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،

وعن سائر الآل والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،

وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير من تجاوزَ وعفا.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمِّر أعداء الدين،

وسائرَ الطغاة والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين،

ووحِّد صفوفهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -

وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا،

وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانة الصالحة،

ووفِّقه لما تحب وترضى يا سميع الدعاء،

اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين،

وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، يا من إليه المرجع يوم التناد.

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا،

وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا،

واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك،

وفُجاءة نقمتك، وجميعَ سخطك.

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[الأعراف: 23]،

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201].

وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 17-07-2011, 01:46 PM   #19
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 14/8/1432 هـ


خطبتى الجمعة من المسجد النبوى



أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

لفضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم"،

والتي تحدَّث فيها عن بعض أخلاق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -

وما حلاَّه به مولاه - سبحانه - من صفاتٍ حميدةٍ ينبغي لكل مسلمٍ أن يتأسَّى به ويقتدي،

وأشار إلى شيءٍ من حقوقه - عليه الصلاة والسلام - على أمته، وما يجب عليهم تجاهه.



الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره،

ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،

من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، وراقِبوه في السر والنجوى.

أيها المسلمون:

كرَّم الله بني آدم وفضَّلهم على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً،

واجتبَى منهم من خصَّه بالنبوة والرسالة،

واصطفَى من أولئك أفضلَهم نبينا محمدَ بن عبد الله صفوةَ بني هاشم،

وهاشمٌ خِيَر قريش، فهو خيرٌ من خيارٍ،

اختاره الله لهذه الأمة لهدايتها إلى دين الله القويم وصراطه المستقيم،

فكانت حياتُه - عليه الصلاة والسلام - عبادةً وشكرًا، ودعوةً وحلمًا،

وابتلاءً وصبرًا، تحلَّى فيها بخُلُقٍ سامٍ وفألٍ محمود،

شمائلُه عطِرةٌ وسيرتُه حافلة.

قال ابن القيم - رحمه الله -:

"اضطرارُ العباد فوق كل ضرورةٍ إلى معرفة الرسول وما جاء به،

وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر".

ما من خيرٍ إلا دلَّ الأمة عليه، وما من شرٍّ إلا حذَّرَها عنه،

قال عن نفسه - عليه الصلاة والسلام -:

«ما يكن عندي من خيرٍ فلن أدَّخِره عنكم»؛

متفق عليه.

قضى قريبًا من شطر زمن رسالته يدعو لأمرٍ واحدٍ هو أعظمُ أمرٍ أمَر الله به،

من لم يستجِب له فيه خلَّده الله في النار وحرَّم الجنةَ عليه،

استفتَحَ رسالتَه به وقام على جبل الصفا وقال لقريش:

«قولوا: لا إله إلا الله تُفلِحوا».

مكثَ عشر سنواتٍ في مكة لا يدعو إلى شيءٍ سواه،

ثم دعا إلى بقية الشرائع معه إلى مماته،

ووعدَ من حقَّق هذا الأمر بدعوةٍ منه مُستجابةٌ له يوم القيامة؛

فقال: «لكل نبيٍّ دعوةً مُستجابة، فتعجَّل كل نبيٍّ دعوتَه،

وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة،

فهي نائلةٌ - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يُشرِك بالله شيئًا»؛

متفق عليه.

كثيرُ التعبُّد لله، قام بالطاعة والعبادة خيرَ قيام،

قدَماه تتشقَّقُ من طول القيام،

في ركعةٍ واحدةٍ قرأ البقرة وآل عمران والنساء،

وكان جميلَ الصوت في تلاوة القرآن، قال البراء - رضي الله عنه -:

"سمعتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العِشاء:

(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) [التين: 1]

فما سمعتُ أحدًا أحسنَ صوتًا أو قراءةً منه"؛ متفق عليه.

خاشعٌ لله يُصلِّي وفي صدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء،

ولسانُه لا يفتُر عن ذكر الله، قالت عائشةُ - رضي الله عنها -:

"كان يذكر الله على كل أحيانه"؛

رواه مسلم.

وقال ابن عمر - رضي الله عنه -:

"إن كنَّا لنعُدُّ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -

في المجلس الواحد مائةَ مرةٍ: ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ،

إنك أنت التواب الرحيم".

يُحبُّ الصلاة ويُوصِي بها؛ قال أنس - رضي الله عنه -:

كانت عامةُ وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - حين موته:

«الصلاةَ، وما ملكَت أيمانُكم»،

قال: حتى جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

يُغرغِرُ بها صدرُه وما يكادُ يُفيضُ بها لسانُه

-أي: يُوصِي بها حتى فاضَت روحُه -؛ رواه أحمد.

وكان يحثُّ صغارَ الصحابة على نوافل الصلوات،

قال لابن عمر وهو فتى:

«نِعم الرجلُ عبد الله لو كان يُصلِّي من الليل»؛

متفق عليه.

يقينُه بالله عظيم، مُوقِنٌ بأن كلام الله فيه شفاء،

إذا مرضَ يُرقِي نفسَه بكلام الله، قالت عائشة - رضي الله عنها -:

"كان إذا اشتكَى يقرأ على نفسه بالمُعوِّذات وينفُث"؛

متفق عليه.

مُعظِّمٌ للرسل من قبله؛ قال له رجل: يا خير البرية،

فقال: «ذاك إبراهيم»؛ رواه مسلم.

ونهى عن إطرائه وتعظيمه؛ فقال:

«لا تُطروني كما أطرَت النصارَى ابنَ مريم،

فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ الله ورسوله»؛

رواه البخاري.

يدعو كلَّ أحدٍ إلى هذا الدين ولو كان المدعو صغيرًا،

زار غلامًا يهوديًّا فقعدَ عند رأسه وقال له: «أسلِم»، فأسلَم الغلام؛ رواه البخاري.

يتواضَعُ للصغير ويغرِسُ في قلبه العقيدة؛ قال لابن عباس:

«يا غلام! إني أُعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك،

احفظ الله تجِده تُجاهَك، إذا سألتَ فاسأل الله،

وإذا استعنتَ فاستعِن بالله»؛

رواه الترمذي.

يتلطّفُ في تعليم صحابته ويُظهِر ما في قلبه من حبِّه لهم؛

أخذ بيدِ مُعاذ وقال له:

«والله إني لأُحبُّك، أُوصيك يا معاذ لا تدعنَّ في دُبُر كل صلاةٍ أن تقول:

اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك»؛

رواه النسائي.

لا يُعنِّفُ ولا يتكبَّر؛ بل صدره مُنشرحٌ لكل أحد؛ دخل رجلٌ وهو يخطُب،

فقال: يا رسول الله! رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينُه،

قال: فأقبَل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

وترك خطبتَه حتى انتهَى إليَّ، فأُتِي بكرسيٍّ حسبتُ قوائمَه حديدًا،

قال: فقعد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

وجعل يُعلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبتَه فأتمَّ آخرها؛ رواه مسلم.

رفيقٌ بالشباب مُشفقٌ عليهم، قال مالك بن الحويرث:

أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن شَبَبةٌ مُتقاربون،

فأقَمنا عنده عشرين ليلة، فظنَّ أنَّا اشتقنَا أهلَنا، وسألَنا عمن تركنا في أهلنا، فأخبرناه،

قال: وكان رفيقًا رحيمًا، قال:

«ارجعوا إلى أهليكم، فعلِّموهم ومُروهم، وصلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي»؛

متفق عليه.

دَمثُ الأخلاق ليس بفاحشٍ ولا مُتفحِّشٍ في الألفاظ، وحياؤه

أشد من العذارء في خدرها، عفُّ اليد لم يضرب أحدًا في حياته؛

قالت عائشة - رضي الله عنها -:

"ما ضربَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا قطُّ بيده،

ولا امرأةً ولا خادمًا، إلا أن يُجاهد في سبيل الله،

ولم ينتقم لنفسه؛ بل يعفو ويصفَح،

وإذا خُيِّر بين أمرين أخذ أيسَرهما ما لم يكن إثمًا".

طلْقُ الوجه؛ قال جرير بن عبد الله:

"ما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطُّ إلا تبسَّم".

واصلٌ لرحمه، صادقٌ في حديثه، قاضٍ لحوائج المكروبين؛

قالت له خديجة:

«إنك لتصِلُ الرَّحِمَ، وتصدُق الحديث، وتحمِلُ الكلَّ،

وتكسِبُ المعدوم، وتَقري الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحق».

بارٌّ بوالدته؛ زار قبرها فبكى وأبكى من حوله، وقال:

«استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذَن لي،

واستأذنتُه في أن أزور قبرَها فأذِن لي»؛

رواه مسلم.

يُوصِي بالجار ويحُثُّ على حُسن جواره وإكرامه، قال لأبي ذرٍّ:

«إذا طبختَ مرقةً فأكثِر ماءَها وتعاهَد جيرانك»؛

رواه مسلم.

رقيقُ القلب رفيقٌ بمن تحته؛ خدَمه أنسٌ عشر سنين،

فما قال له أفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ صنعَه لم صنعتَ، ولا ألا صنعتَ.

رحيمٌ بالضعفاء والمرضى؛

أمر من يُصلِّي بهم أن يُخفِّف صلاتَه من أجلهم.

رؤوفٌ بالناس شديد الحِلم؛ بالَ أعرابيٌّ جهلاً منه في مسجده،

فتناولَه الناس، فقال لهم:

«دَعوه حتى يقضِي بولَه، وهَريقوا

على بوله سجلاً من ماءٍ أو ذنوبًا من ماء؛

فإنما بُعِثتُم مُيسِّرين ولم تُبعَثوا مُعسِّرين»؛

رواه البخاري.

كثيرُ البذل والعطاء، لا يردُّ سائلاً ولا مُحتاجًا، قال حكيمُ بن حزامٍ - رضي الله عنه -:

سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني،

ثم سألتُه فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني؛ متفق عليه.

كريمُ اليد واسعُ الجُود؛ جاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلَين،

ورأى رجلٌ عليه بُردةً فقال: اكسنيها ما أحسنها، فأعطاه إياها؛ رواه البخاري.

طيبٌ لا يأكل إلا طيبًا، يتوارى عن أي شُبهةٍ في المطعَم أو المشرَب، قال:

«إني لأنقلبُ إلى أهلي فأجِدُ التمرةَ

ساقطةً على فراشي فأرفعها لآكلَها،

ثم أخشى أن تكون صدقةً فأُلقيها»؛

متفق عليه.

يُجِلُّ صحابته ويُعظِم مكانتهم وإن كانوا حديثي السن،

قال عن أسامة بن زيد - وهو لم يتجاوز حينذاك الثامنة عشرة من عمره -:

«أُوصيكم به فإنه من صالحيكم»؛

رواه مسلم.

وإذا مرِضَ أحدهم عادَه وحزنَ لمُصابه،

زار سعد بن عبادة فوجدَ مرضَه شديدًا فبكى.

وفيٌّ مع صحابته، لم ينسَ فضلَهم وإيثارهم، آخر يومٍ صعد فيه المنبر قال:

«أُوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرِشي - أي: جماعتي وموضع ثقتي -،

وعَيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقِيَ الذي لهم،

فاقبَلوا من مُحسِنهم وتجاوزوا عن مُسيئهم»؛

رواه البخاري.

وحفظَ لخديجةَ مواقفها العظيمة وبذلَها السخيّ وعقلَها الراجِح،

فكان يذكرها بالخير بعد وفاتها ويصِل أقرباءها ويُحسِن إلى صديقاتها.

وأمر بسدِّ كل خَوخةٍ - أي: باب -

من البيت يُفتَح على المسجد النبوي سوى باب أبي بكرٍ - رضي الله عنه - وفاءً له.

ومع عِظَم أعباء ما أُوكِل إليه من الرسالة كان جميلَ المعشَر مع أهله مُتلطِّفًا معهم،

فإذا دخل بيتَه يكون في مهنتهم، وإذا حضرَت الصلاة خرج إلى الصلاة.

رقيقٌ مع أولاده وأحفاده مُكرمٌ لهم، إذا دخلت ابنتُه فاطمةُ

يقوم لها ويأخذ بيدها ويُجلِسُها في مكانه الذي كان يجلسُ فيه.

وكان يضعُ الحسنَ على عاتقه فيقول:

«اللهم إني أُحبُّه فأحِبَّه»؛

متفق عليه.

وخرج على صحابته وبنتُ ابنته أمامةُ على عاتقه،

فصلَّى بها فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها؛ متفق عليه.

وصف عثمانُ - رضي الله عنه - معاملتَه لصحابته فقال:

صحِبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر والحضَر،

وكان يعودُ مرضانا، ويتبَعُ جنائزنَا، ويغزو معنا،

ويُواسينا بالقليل والكثير؛ رواه أحمد.

ذاقَ من الحياةِ مُرَّها ولأواءها؛ قالت عائشة - رضي الله عنها -:

دخلت عليَّ امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسأل،

فلم تجِد عندي شيئًا غير تمرةٍ واحدة؛ متفق عليه.

وربطَ على بطنه الحجرَ من الجوع؛ قال عمر - رضي الله عنه -:

لقد رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يظلُّ اليومَ يتلوَّى،

ما يجدُ من الدَّقَل - أي: التمر الرديء - ما يملأ به بطنَه؛ رواه مسلم.

لاقَى من المِحن والشدائد أشقَّها؛ نشأ يتيمًا، وأُخرِج من بلده،

وحُوصِر في الشِّعبِ ثلاث سنين، واختفَى في غارٍ،

ومات له ستة من الولد، وتبِعَه قومُه في مُهاجَره وقاتلوه،

ومكرَ به أهلُ النفاق، وسُقِي السمُّ، وعُمِل له السحر، وكان يقول:

«أُخِفتُ في الله وما يُخافُ أحد، وأُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أحد».

ومع ما لاقاه من تلك المصائب وغيرها كان مُتفائلاً في حياته ويقول:

«يُعجِبني الفألُ والكلمةُ الحسنة»؛

متفق عليه.

أعرضَ عن الدنيا ورجا ما عند الله؛ فكان يقول:

«ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها»،

ففارقَ الحياةَ ولم يُخلِّف شيئًا من حُطامها؛ قالت عائشة - رضي الله عنها -:

تُوفِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

وما ترك دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء.

وصفَه عليٌّ - رضي الله عنه - بقوله: لم أرَ قبله ولا بعده مثلَه.

وبعدُ، أيها المسلمون:

فنبينا - صلى الله عليه وسلم - قد أدَّى أمانةَ الرسالة ونصحَ لأمته، وقال:

«مثَلي ومثَلُكم كمثَل رجلٍ أوقدَ نارًا فجعل الجنادبُ

والفراشُ يقعن فيها وهو يذُبُّهن عنها،

وأنا آخِذٌ بحُجَزكم عن النار، وأنتم تفلَّتون من يدي»؛

رواه مسلم.

ومن وفاء الأمة له: أداء حقوقه؛ من الإيمان به والتصديق بما جاء به، فقال:

«لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني

ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به إلا كان من أصحاب النار»؛

رواه مسلم.

ومن حقه - صلى الله عليه وسلم -: تقديمُ حبه على جميع المحاب،

قال: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»؛

متفق عليه.

ومن واجبات الأمة في جنابه: طاعته فيما أمر،

واجتنابُ ما عنه نهى وزجَر، قال - عليه الصلاة والسلام -:

«كل أمتي يدخلون الجنةَ إلا من أبَى».

قالوا: يا رسول الله! ومن يأبَى؟

قال: «من أطاعني دخل الجنةَ، ومن عصاني فقد أبَى»؛

رواه البخاري.

ومن أصول الشهادة له بالرسالة: ألا يُعبَد الله إلا بما شرع،

قال: «إياكم ومُحدثات الأمور».

ومن محبته: قراءة سيرته ومعرفة هديه في كل حين،

ونشر دعوته في الآفاق،

وأن يدعو المسلمُ لما دعا إليه من التوحيد وأوامر الدين ومحاسنه وفضائله،

ومن جعل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قدوتَه في عباداته ومعاملاته نالَ الفلاحَ والرضا.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)

[الأحزاب: 21].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم،

ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون،

وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،

وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله،

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أيها المسلمون:

سعادةُ الدارَين بطاعته - عليه الصلاة والسلام -،

وعلى قدر متابعته تكون الهداية والعزَّة والنجاة، قال - عز وجل -:

(وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور: 54].

ومن أطاعه صلُح دينُه وحسُنت دنياه وانشرَحَ صدره،

ومن أحبَّ أن يكون رفيقَه في الآخرة فليكن مُقتفيًا أثرَه،

مُستنًّا بسنته، مُعرِضًا عما يُناقِضُ الشهادةَ له بالرسالة أو يُنقِصُها،

قال - سبحانه -:

(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)

[النساء: 69].

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا)

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد،

وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين،

وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،

ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،

اللهم احقِن دماءهم، ورُدَّهم إليك ردًّا جميلاً.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201].

اللهم إنا نسألك التوفيقَ والسعادة في الدنيا والآخرة،

اللهم احشُرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[الأعراف: 23].

اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك،

ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا رب العالمين.

عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

[النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم،

ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 17-07-2011, 01:59 PM   #20
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

التاريخ 14/8/1432 هـ

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام


معالم الهدى في أجواء الفتن

لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد



ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "معالم الهدى في أجواء الفتن"،

والتي تحدَّث فيها عن بعض المعالم والإضاءات التي ينبغي على كل مسلمٍ أن يسير مُهتدِيًا بها،

مُلتزِمًا بما جاء فيها من الأخبار الشرعية الحاثَّة على ذلك،

وقد أعطى في آخرها بعضَ الوصايا المهمة لاجتناب طرق الفتن والضلالة.



الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله المُتفرِّد بكمال القدرة،

لا إله إلا هو الواحد القهَّار لا يقدُر أحدٌ قدرَه،

أستغفره وأستهديه كم صفَحَ وكم غفَر وكم أقالَ من عثْرَة،

وأُثني عليه بما هو أهلُه وأشكرُه على سوابغِ نعمٍ لا تُحصَى عددًا وآلاءٍ لا يُحاطُ بها كثرة،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً خالصةً مُخلِصة أرجو بها النجاةَ بدُ الله ورسوله عبدٌ لا يُعبَد ورسولٌ لا يُكذَّب بل يُطاع ويُتَّبَع ويُسمَع له في العُسر واليُسر والمنشَط والمَكرَه،

صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى أصحابه الكرام وآله السادة العِترة،

والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ ممن اجتنَبَ نهيَه واتبعَ أمره وسلَّم تسليمًا دائمًا عشيَّةً وبكرة.

أما بعد:

فأُوصيكم - عباد الله - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -؛

فأكرم الناس عند الله أتقاهم، وأكرم الخلق على الله نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - رسول الله ومُصطفاه وخليلُه ومُجتباه، وقد أمره بقوله - عز شأنه -:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)

[الأحزاب: 1].

فاتقوا الله - رحمكم الله -، واسمعوا وأطيعوا؛ فطُوبى لمن سمِع فوعَى،

ثم طُوبَى لمن تذكَّر لحدَه يوم يُوضَع فيه وحده، يوم يُنفَخ في الصور،

ووُضِع الكتاب، وتقطَّعَت الأسباب، فشخَصَت الأبصار؛

فإما إلى جنةٍ وإما إلى النار،

(وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)

هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

[الجاثية: 28، 29].

أيها المسلمون:

إن من منَّة الله على أهل الإسلام: أن وحَّد لهم مصدرَ التلقِّي،

فلا تذبذُب ولا اضطراب في تلقِّي حقائق العقائد والأحكام وسُبل الهدى،

المصدر: هو الوحي المعصوم الثابت من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه،

وما صحَّ من سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -،

يُؤمنُ أهل الإسلام بكل ما ثبتَ به اللفظ وصحَّ به الخبر فيما هو شاهد وفيما هو غائب،

ما عقَلناه وما جهِلناه، ما أحطنا بحقائقه وما لم نُحِط،

ومن طلبَ الحق في أمور الدين من الأحكام والعقائد والهُدى من غير هذا المصدر فقد ضلَّ سواء السبيل.

ومن ظنَّ أنه يعتمِد على فهمه في هذه النصوص والأخبار دون النظر في فهمِ السلف الصالحين وأهل العلم الأثبات الراسخين، وأن فهمَه مُقدَّمٌ على فهومهم فقد سلكَ المسالكَ المُعوَجَّة.

يُقال ذلك - أيها المسلمون - ويُقرَّر حين يكون الحديثُ عن الفتن وتبيُّنها وأخبار الملاحِم وأنباء الحوادث الكُبرى،

أخبارٌ وأنباءٌ تتعلَّق النفوس بها وتبحث عن تأويلها وأوقات حُدوثها ومواعيد وقوعها،

ومما يستدعِي الإيضاحَ والبيان: أن من قواعد البشر التعلُّق بالغيبيات والتشوُّف لاستشراف المستقبل والتتبُّع لمعرفة أنباء مخبوء الغيب؛

من تأويل النوازل، وتفسير الأحداث، وأعمار الدول، وفناء الأمم؛

بل تراهم يتعلَّقون بالرُّؤى والمنامات وأنباء الغيب،

حتى إنهم ليلجئون إلى الكهَّان والمُنجِّمين والمُشعوِذين والمُعبِّرين وأضرابِهم بُغيةَ استكشاف ما وراء الحُجُب؛

ذلك أن العلة بما سيكون والتطلُّع لحوادث المستقبل أمرٌ تنجذِب إليه النفوس؛

فهو حلوُ المذاق، عذبُ الطعم، وفي مقدمة ذلك: أحاديث الفتن والملاحِم وأخبار آخر الزمان، تتشوّق لها نفوسهم، وتتشوَّف لها رغباتُهم، وتمتدُّ إلى سماع أخبارها أعناقُهم.

غير أن الله - سبحانه - طوَى عن الخلق حقائق الغيب،

وضربَ دونه الأسداد، وحجَبَه عن أكثر العباد،

وفتحَ لهم بابًا يكون لهم فيه نفعُهم في أمور دينهم ودنياهم،

لا يدخل عليهم ضرر، ولا يشغلهم عن مهماتهم ووظائفهم.

أيها المسلمون:

وهذا بيانٌ لمعالم هُدى يتبيَّنها المسلم وهو ينظر في أحاديث الفتن ويستمِعُ إليها ويقرأُ عنها؛

فمن معالم الهُدى: أن نبينا محمدًا - صلى الله عليه وآله وسلم - يُخبِرنا عن حلول الفتن واضطراب الأحوال وأنباء الهَرْج والمَرج وحوادث آخر الزمان وأشراط الساعة،

فليس من أل التخويف والإنذار وحده، ولا لمجرد الإخبار باقتراب الزمان وتغيُّر الناس وحُلول الهَرْج والمَرْج؛

بل لأجل الاشتغال بالعمل وبذل مزيدٍ من الصالحات.

ألم تروا إلى نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - حين سُئِل عن الساعة، فقال للسائل:

«ماذا أعددتَ لها؟»،

وفي لفظٍ: «ويلكَ؛ ما أعددتَ لها؟».

فتأمَّلوا هذا التوجيهَ النبوي من المعلِّم الهادي - صلى الله عليه وسلم -،

فقد صرفَ السائلَ إلى ما يعنيه ويُفيده.

يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله -:

"والحكمةُ من هذه الأحاديث والأنباء إيقاظُ الغافلين،

والحثُّ على التوبة، والاستعداد؛

فهذه الأخبار مواعظُ تزجُر القلوب لتُقبِل على علاَّم الغيوب - جل وعلا -".

فالعبدُ الحازمُ المؤمنُ من إذا سمِع ما صحَّ من هذه الأخبار قادَه ذلك إلى العمل والحَزم والاستعداد،

والخُسران والدَّمار لمن أعرضَ واشتغل بالتأويلات والتخييلات الصارفة،

فهي أخبارٌ وأنباءٌ لزيادة الإيمان وإقامة الحُجَّة ومزيد العمل والعبادة.

وتأمَّلوا هذا التوجيهَ النبوي في قوله - عليه الصلاة والسلام - وهو يذكُر الفتن:

«فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبرُ فيهن مثلُ قبضٍ على الجمر،

للعامل فيهن مثلُ أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم».

قالوا: يا رسول الله! أجر خمسين منهم؟

قال: «أجر خمسين منكم»؛

أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والطبراني في "الكبير"

و"الأوسط" من حديث أبي ثعلبَة الخُشنيِّ - رضي الله عنه -.

وفي حديث معقِل بن يسار - رضي الله عنه - في "صحيح مسلم"

عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال

: «العبادة في الهَرْج كهجرةٍ إليَّ».

قال أهل العلم: "أي: العبادة في وقت اختلاف الناس واشتغالهم"،

قالوا: "وعظُم الفضل لأن الناس يغفلونَ عنها ويشتغِلون بها،

ولا يتفرَّغ إلا من رحِم الله وعصَم".

وتأمَّل ما تفعلهُ وسائلُ الإعلام في صرفِ الناس وانشغالهم بمُتابعتها ليلاً ونهارًا،

يشغلُ بها المُبتَلى نفسَه وفِكرَه وأصحابه في تحليلات وتعليلات وتخييلات وهو ليس فيها من قبيلٍ ولا دبيرٍ؛

هل هذا خير أم انصراف المرء إلى الإحسان في عمله ومسؤولياته المُؤتَمن عليها والمسؤولٍ عنها والمُحاسَب عليها.

شغلَ نفسَه بقراءة الصحف وسماع المِذياع ومُشاهَدة القنوات ومُتابعة المواقع،

ومن انشغلَ بما لا يعنيه انصرف عما يعنيه.

ولعلَّ المُتأمِّل يُدركُ لماذا شبَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - العبادَة بالهجرة؟

قال أهل العلم:

"لأن الهجرة فرارٌ بالدين من المكان المَخوف المُضطرب إلى المكان الآمِن الذي يُقيم فيه المسلمُ دينَه".

والعبادةُ في أزمان الفتن فرارٌ من هذه الموجات،

فرارٌ إيجابي وليس انهزامًا وسلبية؛ بل هو البناءُ والعمل،

اشتغالٌ بالعمل الصالح والعبادة والإصلاح ونُصرة الدين وجمع الكلمة والتحذير من الفُرقة،

في أبوابٍ من عمل الخير وأنواعٍ من العبادات الواسعة مفتوحة؛

من صلواتٍ، وصدقاتٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وعمرةٍ، وزيارةٍ، وإحسانٍ في المعاملات،

وصدقٍ في العلاقات، وصفاءٍ في القلوب، وحبٍّ في الخير، والنُّصح،

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

من كل ما يُحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة،

من أعمالٍ مالية وبدنية وقولية وقلبية، وما فتحَ الله من أنواع الأعمال والطاعات،

ولكل عملٍ بابٌ من أبواب الجنة.

فشمَّر الصالحون المُوفَّقون عن ساعد الجدِّ، وتلمَّسوا أبوابَ الخير والنجاة والثبات،

واتقَوا الفتن، واجتنَبوا أبوابَ الشر،

«وإذا قامَت القيامة وفي يد أحدكم فَسيلة فليغرِسها».

أيها المسلمون:

ومن معالم الهُدى في أوقات الفتن وسماع أخبار الملاحِم:

التأنِّي في الفهم والتأويل، والتأنِّي في تنزيل الأخبار على الوقائع والأحداث،

يقول عبد الله: "إنها ستكون هنَّاتٌ وأمورٌ مُشتبِهات؛ فعليك بالتُّؤدة،

فلأَن تكون تابعًا في الخير خيرٌ من أن تكون رأسًا في الشر".

فالعاقل الزاكي من يُدرِك الأمور بعقله وبصيرته،

والجاهلُ يندفِعُ بعاطفته وغفلته، العاقل المُتثبِّت يلزمُ الهدوء والسكينة والاعتدال،

ويجتنبُ العجلَة والخفَّة، لا يقنَط عند المُصيبة، ولا يضطرِبُ عند النازِلة،

ولا يتعدَّ حدود الشر ولا سيما ذوو الرأي والريادة ومن هم في مقام الرئاسات والتوجيه وذوي الشأن.

ولقد قال الحبيبُ المُصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - لأصحابه - وقد سمِعوا اضطرابًا في المدينة -:

«لن تُراعوا».

وتأمَّلوا ثبات أبي بكر - رضي الله عنه - عند موت النبي - صلى الله عليه وسلم -،

وهل هناك مُصابٌ جلَلٌ أعظمُ منه؟! لقد جمع الله لأبي بكر - رضي الله عنه - الصبرَ والثباتَ واليقينَ،

يقول أنس - رضي الله عنه -:

"خطَبَنا رسول الله أبو بكر - رضي الله عنه - وكنا كالثعالب،

فما زال يُشجِّعُنا حتى صِرنا كالأسود"، ثم كان من أبي بكر ما كان؛

من بعثِ جيش أسامة، وحروب الرِّدَّة ومانِعي الزكاة، فثبَّتَ الله به الدين والأصحابَ،

وقوَّى العزائم، وحفِظَ الإسلام.

ومن التثبُّت: التروِّي وعدم التعجُّل في إعطاء الرأي أو إبداء الحكم أو التفسير؛

بل قد لا يلزمُ إبداء الرأي ولا التكلُّم في كل نازلة، فما كل رأيٍ يُجهَر به،

ولا كل ما يُعلَم يُقال، ولا كل ما يصلُح للقول يُقال عند كل أحد.

وقد قال بعض الحكماء:

"إن لابتداء الكلام فتنةً تروق، وجِدَّةً تُعجِب، ومن سكت لا يكاد يندَم،

ومن تكلَّم لا يكاد يسلَم، والعجِل يقول قبل أن يعلَم، ويُجيبُ قبل أن يفهَم،

ويعزِم قبل أن يُفكِّر، ويمضِي قبل أن يعزِم، وخَميرُ الرأي خيرٌ من فَطيره،

والخطأُ زادُ العَجول، ورُبَّ رجلٍ واسعِ العلمِ بحرٍ لا يُزاحَم، لكنه قصير النظر،

يُؤتَى من جُرأته وتسرُّعه وقلَّة أناتِه وتدبُّره".

ومن معالم الهدى - يا عبد الله -: إن كنتَ ممن لم يتبيَّن له موقفٌ واضحٌ من تلقاء نفسه،

أو من توجيه علماء خُبراء ثقات؛ فلتعتزِل الخوضَ في ذلك والاشتغال به،

ولتلتفِت إلى خاصَّة نفسك، وفي مثل ذلك جاء الحديث الصحيح في "سنن أبي داود" عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المُظلِم،

يُصبِح الرجلُ فيها مؤمنًا ويُمسِي كافرًا،

ويُمسِي مؤمنًا ويُصبِح كافرًا، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم،

والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي».

قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «كونوا أحلاسَ بيوتكم».

وفي خبرٍ آخر في "سنن الترمذي":

«أمسِك عليك لسانَك، وليسَعْك بيتُك، وابكِ على خطيئتك».

وعند أبي داود أيضًا: «إن السعيدَ لمن جُنِّب الفتن،

إن السعيدَ لمن جُنِّب الفتن، إن السعيدَ لمن جُنِّب الفتن، ولمن ابتُلِي فصبَر».

ومن أظهر مظاهر الاعتزال: كفُّ اللسان؛ فقد أخرج ابن ماجه في "سننه"

عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

«تكون فتنة تستنظِفُ العرب - أي: تقتلهم -،

قتلاها في النار، اللسانُ فيها أشدُّ من وَقع السيف».

وكم للإعلام في ذلك بوسائله من ضحايا وهَلْكى وقتلَى؟!

وفي هذه الأجواء والظروف جاء توجيه الشرع الحكيم بأن يأخذ الإنسان ما يعرف ويترك ما يُنكِر؛

ففي "صحيح البخاري" - رحمه الله - عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -

قال: شبَّك النبي - صلى الله عليه وسلم - أصابعَه وقال:

«يا عبد الله بن عمرو! كيف بك إذا بقيتَ في حُثالةَ الناس؟!».

قلتُ: يا رسول الله! كيف ذلك؟ قال:

«إذا مرَجَت عهودهم وأماناتُهم، وكانوا هكذا» -

وشبَّك يونس أصابعَه -. قلتُ: ما أصنع عند ذلك يا رسول الله؟ قال:

«اتق الله - عز وجل -، وخذ ما تعرف ودع ما تُنكِر،

وعليك بخاصَّتك، وإياك وعوامَّهم».

معاشر المسلمين:

ومن معالم الهُدى: ألا تُربَط كل حادثةٍ كبرى أو نازلةٍ عامة أو واقعةٍ غريبة بنصٍّ شرعي أو خبرٍ سمعيٍّ،

فقد تحصُل الواقعة وتنزلُ النازلة ولا يُقابلُها نص، وقد يرِد النصُّ ولم يقع تأويله بعدُ،

وقد حدثَت في تاريخ الأمة الطويل أحداثٌ جِسام وواقِعاتٌ عِظام لم يتكلَّف السلف مُقابلَتها بالنصوص؛

فقد ضربَ الحَجَّاجُ الكعبةَ بالمنجنيق، وأخذ القرامِطةُ الحجرَ الأسود،

وجرَت حروبُ التتار، والحروب الصليبية، واحترقَ المسجدُ الأقصى،

فلا ينبغي تكلُّف البحث والتعسُّف في التأويل والانشغال بالتفسير،

وإنما المطلوب العمل، والأخذ بالأسباب، ومُدافعةُ الأقدار بالأقدار،

وحفظُ الدين وحمايةُ أهل الإسلام، وأخذُ الحيطَة والحَذَر،

(وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ)

[النساء: 104].

ومن معالم الهُدى - يا عباد الله -: الثقةُ بأهل العلم وتقديرُهم،

والعلمُ بأن براءة الذمَّة وسلامة الدين تحصُل بالرجوع إليهم وسؤالهم؛

فيجبُ توقيرُهم وحفظُ حقوقهم وتجنُّب الانتقاص من أقدارهم،

أو الحطّ من منازلهم ومقاماتهم وإن كانوا غيرَ معصومين.

وحينما حذَّر معاذٌ - رضي الله عنه - من زيغَة الحكيم قال:

"ولا يَثنِينَّك ذلك عنه؛ فلعله أن يرجع، وتلقَّ الحقَّ إذا سمعتَه؛ فإن على الحق نورًا".

ومما يحفظُ حقَّهم: البُعد عن مجالس الجِدال ومجالس الوقيعة - وبخاصةٍ -

في أوقات الفتن التي يكثُر فيها القيلُ والقال.

وأيُّ فتنةٍ أشد حين ينتقصُ الناسُ من علمائهم والراسخين منهم والربانيين ليُعجَب كل ذي رأيٍ برأيه،

فيُشمِّر عن ساعده، ويحسُر عن ساقه ليقول: ها أنذا، لا يلتفتُ بعضُهم إلى بعض،

ولا يرى بعضُهم لبعضٍ حقًّا ولا منزلةً ولا علمًا ولا رأيًا، يتقدَّمُ الأصاغرُ على الأكابر،

كلهم يزعُم أنه المُتكلِّم في مصالح الأمة، وأنه الذي يفهمُ واقعَها،

وكلهم يرى أنه الأحقَّ ليقود السفينة.

ناهيكُم بالمُتعجِّلين المُتكلِّفين ممن لا يُراعِي ما يرعاه القوم من الأصول وضبط القواعد وشدِّ المعاقِد؛

فهذا الغافلُ في شأن وأهل العلم الأثبات في شأنٍ،

وقد جعل الله لكل قومٍ قدرًا، فالحَذَر الحَذَر من مُناكفَة أهل العلم والحِكمة،

فأيُّ خُذلانٍ ألا يعرفَ المرءُ مقدارَ أهل العلم وعُمق علومهم وقلةَ تكلُّفهم ونورَ بصائرهم،

وكل ذلك يحتاجُ إلى مُراوضةٍ وإلى تمسُّكٍ بأدب الإنصاف؛

لتكون الرحمةُ والإصلاح وحُسن التقويم وتزكيةُ النفوس واحترامُ العقول.

وبعدُ - حفظكم الله ورحمكم -:

فإن حقيقة الفتنة: كل ما يكشِفُه الابتلاء والامتحان،

ويتبيَّن به حالُ المسلم؛ من خيرٍ أو شرٍّ أو خوفٍ أو أمنٍ أو ثباتٍ أو اضطراب،

وهذه الفتنُ تنشأُ من فهمٍ فاسدٍ أو نقلٍ كاذبٍ أو غرضٍ مُنحرف أو هوًى مُتَّبع،

والفتنُ يقعُ فيها ضعيفُ البصيرة قليل العلم،

لا سيما إذا اقترنَ بذلك سوءُ القصد وغلبةُ الهوى،

فهنا الفتنةُ العظمى والمُصيبةُ الكبرى، والأمةُ تخرج - بإذن الله - بعد الإيمان به والاعتصام بحبله،

تخرج بالتفكير المُستنير، والنظر الثاقب، وفقهِ الأسباب والمُسبَّبات،

والعواقِب والمُقدِّمات، وإتيان البيوت من أبوابها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ

وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)

[النساء: 83].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد - صلى الله عليه وسلم -،

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله جعل الدنيا دار ممرٍّ واعتبار، والآخرةَ دار جزاءٍ وقرار،

أحمده - سبحانه - وأشكره على ثواب نعمِه وفضله المِدرار،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الغفَّار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المُصطفى المُختار،

صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله السادة الأطهار،

وأصحابه البرَرة الأخيار،

والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ وعلى طريق الحق والهُدى سار،

وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن من معالم الهُدى في أجواء الفتن: السمعَ والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، ولزومَ جماعة المسلمين، والاجتماع على الدين،

والحذرَ من الفُرقة وشقِّ صفِّ الأمة المُجتمِع؛ فالجماعةُ رحمة والفُرقة عذاب،

وأكثرُ ما تتجلَّى عواملُ الفُرقة في أجواء الفتن والاضطراب في مسلكَيْن:

البغي وسوء التأويل.

أما البغي: فبمُجاوزة الشرع،

وأما التأويل: فبتفسيرٍ من غير مُستنَد شرعيٍّ صحيح.

أيها المسلمون:

هذه معالمُ هُدى يدخلُ بعضُها في بعض، ويدلُّ بعضُها على بعض،

ويُفسِّرُ بعضُها بعضًا، ويُنبِّهُ ما ذُكِر منها على ما لم يُذكَر،

مع ما يجمعُ هذه المعالم مما يجبُ من محبة المسلمين والشفقة عليهم والنُصرة لهم؛

ففي الحديث عند مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

«إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمتَه على خير ما يعلمُه لهم،

ويُنذِرهم شرَّ ما يعلمُه لهم، وإن أمتُكم هذه جُعِل عافيتُها في أولها،

وسيُصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمور، وتجيءُ فتنةٌ فيُرقِّقُ بعضُها بعضًا،

وتجيءُ الفتنة فيقول المؤمنُ: هذه هذه،

فمن أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويدخل الجنة فلتأتِه منيَّتُه

وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخر، وليأتِ الناسَ الذي يحبُّ أن يُؤتَى له».

والوصيةَ الوصيةَ - عباد الله -، الوصيةَ الوصيةَ في الإخلاص، والإحسان،

والنُّصح، والصدق، وترك ما يَريب، والتثبُّت فيما يُسمع ويُنقَل،

وعدم الاغترار بالكثرة في الموافقة والمخالفة،

والحذَرَ الحَذَر من الاندفاع والحماس غير المُنضبِط،

مع لزوم الرفق والأناة والصبر وحفظ اللسان وصدق اللجوء إلى الله، والتوبة،

والإنابة، والدعاء، والاستغفار، وحُسن التوكُّل، والاعتصام بالكتاب والسنة.

وليُعلَم أن الصبر في الأزمات، والحلمَ في النكبَات، والتثبُّت إذا ترادَفَت الضوائق،

والأناة إذا تكاثَرت العوائق، كل أولئك فرسانٌ - بإذن الله - لا تكبو،

وصوارم لا تنبُو، وجنودٌ لا تُهزَم، وحصونٌ لا تُهدَم،

واستجماعُ ذلك كله - بعون الله - لا تزيغُ معه الأبصار، ولا تطيشُ به الأحلام،

ولا تضِلُّ فيه الأفهام؛ بل تتبيَّن الأمور بحقائقها، والأحداثُ بدوافعها.

ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فمن علِمَ الله من قلبه الصدقَ والنصحَ والإخلاصَ وإرادة الصلاح والإصلاح وفَّقه وسدَّده وثبَّته وأنارَ بصيرتَه،

(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)

[يوسف: 90].

ألا صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيكم محمدٍ رسول الله،

فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال - وهو الصادق في قيله - قولاً كريمًا:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى،

والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين،

وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،

وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،

وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،

واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا،

واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك،

واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين،

واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين،

اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانهم وأعوانهم لما تحب وترضى،

وخُذ بنواصيهم للبر والتقوى.

اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك،

وبسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين،

واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.

اللهم وأبرِم لأمة الإسلام أمرَ رشدٍ يُعَزُّ فيه أهل الطاعة، ويُهدَى فيه أهل المعصية،

ويُؤمَر فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم، واجمع على الحق والهدى والصلاح كلمَتهم،

وولِّ عليهم خيارَهم واكفِهم شِرارهم، وابسُط الأمنَ والرخاءَ في ديارهم،

وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بَطَن، وأعِذهم من المُضِلاَّت.

اللهم وارفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمِحَن،

وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطن عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يُعجزونك، اللهم أنزِل بهم بأسك الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأُ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201].

سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين،

والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطبة الجمعة من المسجد الحرام بعنوان :نعمه الأمن فى ظل توحيد الله عفيفي المنتـدى الــعـــــــام 0 28-03-2011 11:28 AM
لوحات رقمية على باب المسجد الحرام،،، نبت الغربية المنتـدى الــعـــــــام 7 14-11-2009 01:21 AM
استمتع برؤية مسجد الحرام و المسجد النبوي ومساجد اخرى وكأنك بداخله ام روان المصريه111 المنتـدى الــعـــــــام 23 29-07-2008 10:56 PM
المسجد النبوى غليص 555 المنتـدى الــعـــــــام 5 13-06-2007 07:55 PM
ارض للبيع بجوار المسجد الحرام semsemy98 منتـدى العـقـار و البناء و المنزل 0 12-04-2005 12:59 AM








الساعة الآن 12:45 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.