بورصة الاسهم السعودية



استرجاع كلمة المرور المفقودة طلب كود تنشيط العضوية تنشيط العضوية أنظمة المنتدى
العودة   بورصة الاسهم السعودية > المنتدى الرئيسي > النـواحي الشرعية
النـواحي الشرعية   فتاوى أصحاب الفضيلة في أمور السوق والأمور الاقتصادية الأخرى والقوائم الشرعية للشركات



خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

إضافة رد
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-01-2012, 10:50 AM   #81
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 4/3/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "أسباب العقوبات"،

والتي تحدَّث فيها عن أسباب العقوبات العامة التي يُنزِلُها الله على الأمم، وذكر من أعظمها:
الشرك بالله، والظلم، وانتشار الفواحِش، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وغير ذلك من الأسباب، ودلَّل على ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة.



إن الحمد لله، نحمده ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل لا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.



فإن خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -،
وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.
ثم إن خيرَ الوصايا: الوصية بتقوى الله تعالى، فما جاوَرَت قلبًا إلا سلِم، ولا خالطَت عقلاً إلا رجِح،
وما تلبَّس بها أحدٌ إلا صلح،

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }
[الأحزاب: 70، 71].
أيها المسلمون:
كل البشر يسعَون إلى الحياةِ الهانِئة السعيدة، ويُسخِّرون كل إمكاناتهم وطاقاتهم لتجنُّب أسباب الشقاء والعذاب؛
فضلاً عن الفناءِ والهلاكِ، فإذا تحقَّق لهم خيرٌ حافَظوا عليه بكل الوسائل وخافوا من فواته أو نقصِه.
وكم من أمةٍ كانت آمنةً مُطمئنَّةً تُجبَى إليها ثمراتُ كلِّ شيءٍ، ويأتيها رزقُها رغدًا من كل مكانٍ،
لم يخفِق فيها قلبٌ من خوفٍ، ولم تتضوَّر نفسٌ من جوعٍ، فانقلبَت أحوالُها في طرفةِ عينٍ،
فإذا بالنعمةِ تزول، وإذا بالعافيةِ تتحوَّل، وإذا بالنِّقمةِ تحِلُّ.

وكم حكَى الزمانُ عن دولٍ وأممٍ وأفرادٍ وجماعات أتَت عليهم عقوباتٍ تستأصِلُ شأفتَهم، وتمحُو أثرَهم،
لا ينفعُ معها سلاحٌ ولا تُغني معها قوَّةٌ، وكلُّ أحدٍ من البشر له مدفعٌ ومنه حِيلة،
ولا ملجأَ من ربِّنا ولا منجَا منه إلا إليه، فهو القويُّ القاهِر، والعزيزُ القادِر،
وهو العظيمُ الذي لا أعظمَ منه.

ولله مع خلقهِ أيامٌ وسُنن؛ فأين ثمود وعاد؟ وأين الفراعِنةُ الشِّدادُ؟ أين من قدُّوا الأرضَ ونحَتوا الجبال،
وحازوا أسباب القوة واحتاطوا للنوائِب؟ لما نسُوا اللهَ أوقعَ بهم بأسَه، فصاروا بعد الوجودِ أثرًا،
وأصبحوا للتاريخ قصصًا وعِبرًا،

{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ
وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون }
[العنكبوت:40].
عباد الله:
إن سنةَ الله لا تُحابِي أحدًا، وليس لفردٍ ولا لمُجتمعٍ حصانةٌ ذاتيةٌ،
وحين تُقصِّرُ أمةٌ في توقِّي أسباب المصائب العامة فإن عليها أن تتقبَّل نتيجةَ التقصير،
والسعيدُ من اتَّعَظَ بغيره، وليست أمةٌ بمنأَى عن العذابِ إذا عقَدَت أسبابَه،
ولا في مأمنٍ من العقابِ إن سلَكَت سبيلَه وفتحَت للذنبِ أبوابَه،
ولذلك أكثرَ الله تعالى من وعظِ هذه الأمةِ بمصارعِ الأمم الغابِرة،
وحذَّر الآمنين من مكرِه الذين لا يُقدِّرون اللهَ حقَّ قدره، ولا يقِفون عند نهيِه وأمرِه،
فقال - عز وجل -:

{ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ
أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُون (45)
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِين (46)
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيم }،

وقال - عز وجل -:

{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُون (97)
أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُون (98)
أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون (99)
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا
أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون }
[الأعراف: 97- 100].
إن الأمنَ من مكر اللهِ كبيرةٌ من الكبائِر؛ عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال:
"الكبائِرُ: الإشراكُ بالله، والأمنُ من مكرِ الله،
والقنوطُ من رحمة الله، واليأسُ من روحِ الله"؛
رواه الطبراني والبيهقي.
ولهذا كان أعرفُ الخلقِ بربِّه وأخشاهم له - صلى الله عليه وسلم -
إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِف ذلك في وجهه،
فسُئِل عن ذلك فقال:

( ما يُؤمِّنُني أن يكون فيه عذابٌ، قد عُذِّبَ قومٌ بالريح،
ورأى قومٌ العذابَ فقالوا : {هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} )
[الأحقاف: 24])؛
متفق عليه.

أيها المسلمون:
لقد أخبرَ - عليه الصلاة والسلام - عن أنواع المصائب التي كان يخشَى أن تنزل بأمَّته،
وحذَّرَهم من أسبابِ نزولها،
فقال عليه الصلاة و السلام :

( يا معشر المُهاجِرين! خمسٌ إذا ابتُليتُم بهنَّ وأعوذُ بالله أن تُدرِكوهن: لم تظهر الفاحِشةُ في قومٍ قطُّ
حتى يُعلِنوا بها إلا فشَا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضَت في أسلافِهم الذين مضَوا،
ولم ينقُصوا المِكيالَ والميزانَ إلا أُخِذوا بالسنين وشِدَّة المَؤونَة وجَور السلطان عليهم،
ولم يمنَعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا،
ولم ينقُضوا عهدَ الله وعهدَ رسوله إلا سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخَذوا بعضَ ما في أيديهم،
وما لم تحكُم أئمتُهم بكتابِ الله ويتخيَّروا مما أنزلَ اللهُ إلا جعلَ اللهُ بأسَهم بينهم )
أخرجه ابن ماجه، والحاكمُ وصحَّحه، ووافقَه الذهبيُّ.

فظهورُ الفاحِشةِ في واقعِ المُسلمين وفي وسائل الإعلام، والتطفيفُ في المُعاملات،
ومنعُ الزكاةِ، وخِيانةُ الأمانة، ونقضُ العهود، وتحكيمُ الهوى ونبذُ الشريعة؛
تلك هي أكبرُ أسباب المصائب العامة التي إذا نزلَت بقومٍ لم يسلَم من وطأَتها أحدٌ.

ومن أسباب العقوبات العامة: ما أخبرَ عنه المُصطفى - صلى الله عليه وسلم -
بقوله:

( في هذه الأمةِ خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ )
فقال رجلٌ من المُسلمين: يا رسول الله! ومتى ذاك؟
قال:

( إذا ظهرَت القَيناتُ والمعازِف، وشُرِبَت الخُمور )؛
رواه الترمذي.

قال ابن القيم - رحمه الله -:
"المسخُ واقعٌ في هذه الأمةِ ولا بُدّ، وهو في طائفتين: علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله،
الذين قلَبوا دينَ الله وشرعَه، فقلبَ الله تعالى صُورَهم كما قلَبوا دينَه، والمُجاهِرين المُتهتِّكين
بالفسقِ والمحارِم، ومن لم يُمسَخ منهم في الدنيا مُسِخ في قبره أو يوم القيامة".
أيها المؤمنون:
إن المسؤولية في المُجتمع على كلِّ فردٍ فيه، وجاء الأمرُ باتقاءِ المصائب العامة مُوجَّهًا إلى كل أحدٍ،
كلٌّ بحسَبِه،
قال الله - عز وجل -:

{ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً }
[الأنفال: 25].

قال ابن عباس - رضي الله عنهما -:
"أمرَ اللهُ المؤمنين ألا يُقِرُّوا المنكرَ بين ظهرانَيهم، فيعُمَّهم اللهُ بالعذابِ،
يُصيبُ الصالحين منهم ما أصابَ الناسَ، يهلِكون مهلكًا واحِدًا، ويصدُرون مصادر شتَّى،
يبعثُهم الله على نيَّاتهم".
عباد الله:
إن اتقاءَ هذه المصائب العامة لا يكونُ إلا بتوقِّي أسبابها، والظلمُ من أعظم أسباب العذاب العام،
فبسببه هلَكَت الأممُ السالِفة والقرونُ الخالية، وبسببه تسقُط الدولُ، وتهلَك القُرى،

{ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا }
[الكهف: 59]،
{ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِين }
[الأنبياء: 11].

والله - عز وجل - يُمهِلُ ولا يُهمِلُ،
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( إن اللهَ ليُملِي للظالمِ حتى إذا أخذَه لم يُفلِته، ثم قرأ:
{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد}
[هود: 102])؛ )
أخرجه البخاري.
فاحذَروا ظلمَ العباد وهضمَ حقوق العُمَّال والضعفاء، فضلاً عن المظالمِ العامة التي يطالُ ضررُها الكثيرين.
ومن الظلمِ: خُذلان المظلوم والتخلِّي عن نُصرته؛ فإن ذلك مُؤذِنٌ بالعقوبة،
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( إن الناسَ إذا رأوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يديه أوشكَ أن يعُمَّهم الله بعقابٍ )؛
أخرجه الترمذي، وقال: حديثٌ صحيحٌ.
وأشدُّ الظلمِ ما يُسبِّبُ فواتَ الدين أو النفسِ أو العرضِ أو المالِ.
أيها المؤمنون:
والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المُنكر أمَنَةٌ من العذابِ،

{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُون }
[هود: 117]؛
فما أعظمَ بركةَ المُصلِحين، وما أقبحَ أثرَ الناسِ عليهم!
ومن سُنَّةِ اللهِ في عباده:
أن المُنكَر إذا فشَا فيهم ولم يُغيِّروه فإن العقوبةَ تشملُهم والعذابَ يعُمُّهم،
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( إن اللهَ - عز وجل - لا يُعذِّبُ العامةَ بعملِ الخاصَّة حتى يرَوا المُنكَرَ بين ظهرانَيهم،
وهو قادِرون على أن يُنكِروه فلا يُنكِروه، فإذا فعَلوا ذلك عذَّبَ اللهُ الخاصةَ والعامةَ )؛
أخرجه الإمام حمد، وحسَّنه الحافظُ ابن حجر.

وعن النعمان بن بشيرٍ - رضي الله عنه -،
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

(مثَلُ القائمِ على حُدود الله والواقعِ فيها كمثَل قومٍ اتَهَموا على سفينةٍ،
فأصابَ بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلِها مرُّوا على من فوقَهم،
فقالوا: لو أنَا خرَقنا في نصيبِنا خرقًا ولم نُؤذِ من فوقنا، فإن يترُكوهم وما أرادوا هلَكوا جميعًا،
وإن أخَذوا على أيديهم نجَوا ونجَوا جميعًا)؛
أخرجه البخاري.
وعن زينب بنت جحشٍ - رضي الله عنها -
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( لا إله إلا الله، ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقترَب،
فُتِح اليوم من ردمِ يأجُوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه )
- وحلَّقَ بأُصبعه الإبهام والتي تلِيها -.
قالت زينبُ: فقلتُ: يا رسول الله! أنهلَكُ وفينا الصالِحون؟ قال:
(نعم، إذا كثُر الخبَثُ)؛
متفق عليه، واللفظُ للبخاريِّ.

وأخرج الإمامُ أحمد، والترمذي وحسَّنه من حديثِ حُذيفةَ بن اليمان
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( والذي نفسي بيده؛ لتأمرنُّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المُنكَر،
أو ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عقابًا منه، ثم تدعُونَه فلا يُستجابُ لكم )
وقال - عليه الصلاة والسلام -:

( ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي ثم يقدِرون على أن يُغيِّروا
ثم لا يُغيِّروا إلا يُوشِكُ أن يعُمَّهم اللهُ منه بعقابٍ )؛
أخرجه الإمام أبو داود.
عباد الله:
ومن أسباب العقوبات العامة: كُفران النِّعم،

{ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون }
[النحل: 112]،
الجوعُ والخوفُ شبَحٌ يُرعِبُ كلَّ الأحياء، ولقد قال: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ) ولم يقُل: كفَرَت باللهِ؛
ذلك أن كُفران النِّعَم سبب الجُوع والخوف، وسببُ الفتن والاضطرابِ في الأمن والمعايِش،
وإنما تثبُت النعمةُ بشُكر المُنعِم.
وإن اللهَ تعالى أعطَى فأجزَل، وأنعمَ فتفضَّل،

{ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا }
[إبراهيم: 34]،
وقد وعدَ - سبحانه - وأوعدَ، فقال - وهو القادِر -:

{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد }
[إبراهيم: 7].
ومن كُفران النِّعَم: الإسرافُ والتبذيرُ، وإهانةُ الطعام، والطغيان، والتباهِي بما يجلِبُ سخطَ اللهِ ومقتَه.
أيها المسلمون:
ومن أسباب العقوبات العامة: الغفلةُ والإغراقُ في اللهو والعبَث؛ جاء في "المُسند"
عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه -
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( إذا رأيتَ اللهَ يُعطِي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يُحِبُّ، فإنما هو استِدراجٌ )
ثم تلا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى :

{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ
حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون }
[الأنعام: 44]».
قال الحسنُ - رحمه الله -: "مكِر بالقومِ - وربِّ الكعبة -، أُعطُوا حاجتهم ثم أُخِذوا".
وقال قتادة: "بغَتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذَ اللهُ قومًا قطُّ إلا عند سَكرتهم وغِرَّتهم ونِعمتهم".
فلا تغترُّوا باللهِ، إنه لا يغترُّ إلا القومُ الفاسِقون، وحاذِروا الترَفَ، والرُّكونَ إلى الدنيا والتسابُقَ فيها؛
فإنه الداءُ الذي أهلكَ الأممَ السابقة، وهو ما حذَّرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمتَه منه،
حين حذَّرَها من فتنةِ الدنيا والتسابُق فيها،
فقال:

( فواللهِ ما الفقرَ أخشَى عليكم، ولكن أخشَى أن تُبسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَت على من كان قبلَكم،
فتنافَسُوها كما تنافَسُوها، وتُهلِكَكم كما أهلكَتهم )؛
متفق عليه.
وقال: «إني مما أخافُ عليكم من بعدي ما يُفتَحُ عليكم من زهرة الدنيا وزِينتها»؛ متفق عليه.
ومن أعظمِ أسباب العقوبات العامة: انتشارُ الفواحِش والزنا، وأسباب الفُسوق المُؤدِّية إليها،
قال الله - عز وجل -:

{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا }
[الإسراء: 16]،
وقال - صلى الله عليه وسلم -:

( لم تظهَر الفاحِشةُ في قومٍ قطُّ حتى يُعلِنوا بها إلا فشَا فيهم الطاعونُ
والأوجاعُ التي لم تكن مضَت في أسلافهم الذين مضَوا )
أخرجه ابن ماجه، والحاكمُ وصحَّحه.
فحافِظوا على أمنِكم - أيها المؤمنون -، وحاذِروا غضبَ الجبَّار، وتوقَّوا أسبابَ غضبه لعلكم تتقُون.
باركَ الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكرِ الحكيم، أقول قولي هذا،
وأستغفر الله تعالى لي ولكم.



الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقه وامتِنانه،
وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الداعِي إلى رِضوانه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه،
وعلى آله وأصحابِهِ ومن تبِعَهم بإحسانٍ.
عباد الله:
والسببُ الذي ترجِعُ إليه كلُّ أسباب العقوبات العامة بعد الشركِ بالله: هو الذنوبُ والمعاصِي؛
فهي التي تُزيلُ النِّعَم، وتُحِلُّ النِّقَم، وتُحدِثُ في الأرضِ أنواعًا من الفساد في الماء والهواء،
والزروعِ والثِّمارِ، والمساكِن والأرزاق، والأمنِ وسائرِ الأحوال،
قال تعالى:

{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون }
[الروم: 41]،
وقال - سبحانه -:

{ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ
وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ
وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِين }
[الأنعام: 6]،
وقال - سبحانه -:

{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ }،

وقال - عزَّ من قائلٍ -:

{ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير }
[الشورى: 30].
وما المعاصي إلا خرابٌ للديارِ العامِرة، وسلبٌ للنِّعَم الظاهِرة والباطِنة، فبادِروا بالتوبةِ والاستِغفار؛
فذلك أمانٌ من العذابِ،

{ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون }
[الأنفال: 33]،
الاستِغفارُ سببٌ لرحمةِ الله ولُطفه،

{ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون }
[النمل: 46].
وكذا الإيمانُ والتقوى،

{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ }
[الأعراف: 96]،
أما إذا غيَّر العبادُ أو بدَّلوا فإن سننَ الله لا تُحابِي.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوالِ نعمتك، وتحوُّل عافيتِك، وفُجاءة نِقمتك، وجميعِ سخَطك.
هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا على النبي المُصطفى والرسول المُجتبى،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابتهِ الغُرِّ الميامين،
اللهم ارضَ عن الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدِين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر صحابةِ نبيِّك أجمعين، ومن سارَ على نهجِهم واتبع سنَّتهم يا رب العالمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين،
واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحرِهِ، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا،
اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ،
اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواءَ الدين،
اللهم وفِّق وليَّ عهده وسدِّده وأعِنْه على ما حُمِّل، واجعَله مُبارَكًا مُوفَّقًا لكل خيرٍ وصلاحٍ.
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم اجمَعهم على الحقِّ والهدى،
اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خَلَّتهم، وأطعِم جائعَهم، واحفَظ أعراضَهم.
اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين،
اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونَكَ.
اللهم كُن لإخواننا في سُورية، اللهم أصلِح أحوالَهم، واحقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم،
يا حيُّ يا قيُّوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان، واجمعهم على الحق يا رب العالمين،
اللهم انصرهم في فلسطين على الصهاينة المُحتلِّين، اللهم عليك بأعداءِ الدين فإنهم لا يُعجِزونَك،
اللهم عليك بالطُّغاة والظالمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونَكَ.

{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }
[البقرة: 201].
اللهم اغفر ذنوبنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا،
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميعُ الدعاء.
نستغفِرُ الله، نستغفِر الله، نستغفِرُ اللهَ الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيُّومَ ونتوبُ إليه،
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا
غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبقًا مُجلِّلاً عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ، تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد،
وتجعلُه بلاغًا للحاضرِ والبادِ.
اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق.
ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.
سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين،
والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 05-02-2012, 11:09 AM   #82
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى بتاريخ 11/3/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "المخالفات في الوقف والوصية"،

والتي تحدَّث فيها عن مُخالفاتِ بعض الآباء في تركتهم
وأنهم يقِفونها لحِرمان بعض الورثَة من الميراث، وبيَّن بالأدلة حُرمةَ هذا الفعلِ،
وحذَّر أهل الأوقاف من الوقوع في مخالفة الكتاب والسنةِ في مثلِ هذه الأمور.



الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين،
وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ أجمعين.


فيا أيها المؤمنون:
يقول ربُّنا - جل وعلا -:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }
[الأحزاب: 70، 71].

إنه الأمرُ للمؤمنين بأن يقولوا القولَ السديدَ، وأن ينهَجوا المنهجَ الرشيدَ.
ويا عباد الله:
إن من يتتبَّع بعضَ أحوالِ الناسِ في أروِقةِ المحاكم يجِدُ ما يأسَى له المُسلم من تصرُّفات بعض الآباء
في إيجاد أسباب العداوة بين ورَثَتهم؛ فكم يحصُل بسبب هذه التصرُّفات
بين الورَثَة من الخُصومة والتقاطُع والتشاتُم والمُرافَعات بسبب التصرُّفات المُخالِفة لشرع الله - جل وعلا -
في وقفِ المال، وفي الوصيَّة.

فمن ذلك: أن بعضَ الناسِ يُريدُ منعَ أولاده من التصرُّف في ماله بعد انتِقاله إليهم من بعد موته،
فيتَّجِهُ حينئذٍ إلى حِيلَةِ الوقفِ؛ قاصِدًا منعَ الورَثَة من التصرُّف في الموروثِ
ببيعٍ أو هِبةٍ أو تصرُّفٍ ناقلٍ للمُلكِيَّة.
وهذا مذمومٌ شرعًا على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لما يقعُ بسببه من مفاسِد
وإضرارٍ بالورَثَة، وقد ذكر شيخُ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - أن هذا الوقفَ
وقفٌ غيرُ مشروعٍ، وذكرَ ذلك مثلَه شيخُ الإسلام حفيدُه المُجدِّد الإمام عبدُ الرحمن بن حسن.

ثم قال في إرادة مثلِ هذا الوقفِ، قال: "فالواقفُ في الحقيقةِ يُريدُ أمرَين: تحريمَ ما أحلَّ الله لهم - أي:
للورثة - من بيعِه وهديَّته والتصرُّف فيه، والثاني: حِرمانَ زوجات الذكور، وأزواج الإناث،
فيُشابِهُ ما ذكر َه الله في سورة الأنعام".

معاشِر المُسلمين:
ومن تلك التصرُّفات الخاطِئة: أن يُفضِّل المُوقِفَ بعضَ الأولاد على بعضٍ في الوقفِ،
فذلك مما حرَّمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بقوله:

( اتقوا الله واعدِلوا بين أولادكم )

والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ.
ولكن لو أوقفَ على المُحتاجِ من ذرِّيَّته لوصفِه لا لشخصِه فلا بأسَ؛ لما ذكرَه البخاريُّ
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه وقَّفَ نصيبَه من دارِ عُمر سُكنًى لذوي الحاجةِ من آل عبدِ الله،
وقد وردَ أن الزُّبيرَ خصَّ المردودةَ من بناتِه دون المُستغنِيَة.

وكذا لو ذكرَ في وقفه تحضيضَ الأولاد على طلبِ العلمِ فخصَّه بطلبِ العلمِ لا بالشخصِ.

معاشِر المسلمين:
إن بعضَ الناسِ يُوقِفُ على أولادِ الظهورِ دون أولاد البُطون؛ أي: أنه ينُصُّ على حِرمان أولاد البناتِ؛
فالذي ينظُرُ في هذا الوقفِ بتمعُّنٍ يجِدُ أنه أرادَ حِرمانَ أولاد البناتِ في عاقِبَة الأمر،
إنما تستغِلُّ البنتُ الغَلَّة في حياتها، فإذا ماتت انقطعَ ما كان لها،
وهذا مما حرَّمَه الله - جل وعلا -.

والمُحقِّقون من أهل العلم المُلتزِمون بكتابِ الله - جل وعلا - وبسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -
دون تقليدٍ مذهبيٍّ قد نصُّوا على أن هذا الوقفَ من أوقافِ الجَنَفِ والإثمِ؛
فقد ألَّف شيخُ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في ذلك رسالةً مُستقلَّةً
في صدَدِ الردِّ على من أجازَ وقفَ الجَنَف والإثمِ الذي لا يرضاهُ أحدٌ لبناته،
ولا يرضاه أحدٌ لنفسه، أن يكون قاصِدًا لتفضيلِ بعضٍ على بعضٍ.

قال - رحمه الله -: "وأما مسألتُنا هذه فهي إذا أراد الإنسانُ أن يقسِمَ مالَه على هواهُ،
وفرَّ من قِسمةِ الله - جل وعلا -، وتمرَّد عن دين الله؛ مثلَ: أن يُريد أن امرأتَه لا ترِثُ من هذا النخلِ
ولا تأكلُ منه إلا حياةَ عينها، أو يُريد أن يُفضِّل بعضَ أولاده على بعضٍ فِرارًا عن وصيةِ الله بالعدل،
أو يُريد أن يحرِم نسلَ البناتِ، أو يُريد أن يُحرِّم على ورَثَته بيعَ هذا العقار لئلا يفتقِرُوا بعده".

ثم قال: "ويُفتي له بعضُ المُفتين أن هذه البدعةَ الملعونة - أي: مثل هذه الأوقاف - صدقةٌ تُقرِّبُ إلى الله،
ويُوقِفُ على هذا الوجهِ قاصِدًا وجهَ الله. فتأمَّل هذا بشراشِر قلبِك، ثم تأمَّل ما ذُكِر من الأدلة".

ثم قال - رحمه الله -: "فنقولُ: من أعظمِ المُنكرات وأكبرِ الكبائر: تغييرُ شرعِ الله ودينه،
والتحيُّل على ذلك بالتقرُّبِ إليه، وذلك مثلُ: إذا أراد أن يحرِم من أعطاه الله من امرأةٍ
أو امرأةِ ابنٍ أو نسلِ بناتٍ وغير ذلك، أو أن يزيد أحدًا عما فرَضَ الله له، أو أن يُنقِصَه من ذلك
ثم يُريد التقرُّب إلى الله بذلك مع كونِهِ مُبتعِدًا عن الله - جل وعلا -،
فالأدلةُ على بُطلان هذا الوقفِ وعَودِه مُطلقًا وقَسمه على قسمِ الله ورسوله أكثرُ من أن تُحصَر".
اهـ كلامُه المتينُ.
وقد ذكرَ مثلَ هذا الكلام بذاته: حفيدُه الشيخُ عبد الرحمن بن حسن، وغيرُهما من المُحقِّقين.

يقول الشيخُ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -: "لا يحِلُّ لأحدٍ أن يُوقِفَ وقفًا يتضمَّنُ المُحرَّم أو الظُّلمَ
بأن يكون وقفُه مُشتملاً على تخصيصِ أحدِ الورَثَة دون الآخرين".

ثم قال: "فإن العبدَ ليس له أن يتصرَّفَ في ماله بمُقتضى شهواته النفسية وهواه؛
بل عليه ألا يُخالِف الشرعَ ولا يخرُج عن العدلِ".

فاتقوا الله - عباد الله -، واعلموا أنه لا يُنجيكم إلا شرعُ الله - جل وعلا -،
فارتَضوا في قِسمةِ أموالكم بما ارتضاه الله - جل وعلا - لكم؛
تسعَدوا وتُفلِحوا في الدنيا وفي الآخرة.

أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.



أحمدُ ربي وأشكرُه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ.



فيا أيها المسلمون:

لقد تواتَر من كتاب الله - جل وعلا - وسنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - تعظيمُ شأن الأمانة،
وتحريمُ الخيانةِ فيها أو الإهمال في واجباتها.

فيا نُظَّار الأوقاف! لقد ابتُليتم ببلوًى عظيمة، فاتقوا الله - جل وعلا - في هذه المسؤولية العظيمة،
أدُّوها كما أمر الله - جل وعلا -.

احرِصوا على الأوقافِ وعلى الحِفاظِ عليها، وعلى تنميتها، وعلى صرفِها في مصارِفها بدون اجتِهادٍ،
وبدون تفضيلٍ لأحدٍ على أحدٍ.

اتقوا الله - جل وعلا - في الأوقافِ، وإياكم وأن تنظُروا إلى مصالِحكم عن طريق الأوقافِ؛
فتلك جِنايةٌ عظيمةٌ تجِدون مغبَّتها

{ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }
[الشعراء: 88، 89].

ألا وإن من أفضلِ الأعمالِ: الصلاةَ والسلامَ على النبي الكريم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم احفَظ المُسلمين في كل مكانٍ،
اللهم احفَظ المُسلمين في كل مكانٍ،
اللهم مُنَّ عليهم بالأمن والأمان،
والاطمئنانِ والاستِقرار، اللهم هيِّئ لهم من أمرِهم رشَدًا،
اللهم هيِّئ لهم من أمرِهم رشَدًا،
اللهم ولِّ عليهم خيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خيارَهم.
اللهم اغفِر للمُسلمين والمُسلمات، والمؤمنين والمُؤمنات، الأحياء منهم والأموات،
اللهم اغفِر لنا ولهم الذنوب، وكفِّر عنا وعنهم السيئات، وضاعِف لنا الدرجات.
اللهم إنا نسألُك أن تمُنَّ على المُسلمين بحياةٍ طيبةٍ في الدنيا وفي الآخرة،
اللهم مُنَّ علينا وعلى المُسلمين بحياةٍ طيبةٍ في الدنيا والآخرة.

اللهم اجعلنا ممن يلتزِمُ أوامرَ الله - جل وعلا - وهديَ رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.
اللهم وفّق وليَّ أمرنا لما تُحبُّه وترضاه، اللهم وفِّقه لما تُحبُّه وترضاه،
اللهم وفّقه ونائبَه لما تُحبُّه وترضاه يا رب العالمين.
اللهم أنت الغنيُّ ونحن الفقراء،
أنزِل علينا الغيثَ، اللهم أنزِل علينا الغيثَ، اللهم أنزِل علينا الغيثَ،
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا،
اللهم إنك تعلمُ حاجَتنا للمطر، اللهم فاسقِنا،
اللهم مسَّنا الضرُّ وأنت أرحمُ الراحمين،
اللهم مسَّنا الضرُّ وأنت أرحمُ الراحمين،
اللهم مسَّنا الضرُّ وأنت أرحمُ الراحمين.
اللهم إنا عبادُك فُقراءُ إليك، فأغنِنا بالمطر، اللهم أغنِنا بالمطر، اللهم ارحَمنا ببهائمِنا وضُعفائنا،
ولا تُؤاخِذنا يا ربِّي بما فعل السُّفهاءُ منَّا، اللهم لا تُؤاخِذنا بما فعلَ السُّفهاءُ منَّا،
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.
اللهم اسقِنا واسقِ ديارَ المُسلمين،
اللهم اسقِ ديارَنا وديارَ المُسلمين يا وليُّ يا غنيُّ يا حميدُ.
عباد الله:
اذكُروا اللهَ ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً.







  رد مع اقتباس
قديم 05-02-2012, 11:12 AM   #83
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 11/3/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان"تزكية النفوس وإصلاح القلوب"،

والتي تحدَّث فيها عن تزكية النفوس وإصلاح القلوب،
والطرق التي ينبغي على كل مسلمٍ سلوكها لتحصيل ذلك،
مُستشهِدًا في ذلك بالآيات والأحاديث والأقوال والآثار عن السلف والعلماء.



الحمد لله العليِّ الأعلى، أحمده - سبحانه -
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلقَ فسوَّى وقدَّر فهدَى،
وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله نبيُّ الرحمة والهُدى،
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه الأئمةِ الأبرارِ النُّجَبَا،
والتابعين ومن تبِعَهم إلى يوم البعثِ واللِّقاءِ والجَزَا.



فاتقوا الله - عباد الله -، واذكرُوا أنكم موقوفون عليه، مسؤولون بين يديه،

{ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)
وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }
[عبس: 34- 37].

عباد الله:
تزكيةُ النفوسِ وتقويمُها وإصلاحُ القلوبِ وتطهيرُها أملٌ سعَى إليه العُقلاء في كل الثقافات
وفي كل الحضارات منذ أقدم العُصور، فسلكوا إلى بلوغه مسالك شتَّى،
وشَرَعوا لأنفسهم مناهِج وطرائِق قِددًا، وحسِبُوا أن في أخذهم أنفُسهم بها إدراكَ المُنَى،
وبلوغَ الآمال في الحَظوةِ بالحياة الطيبة والعَيشِ الهانِئِ السعيد.

فمن تعذيبٍ للجسد بأمورٍ وأعمال مُضنِيةٍ أسمَوها: رياضاتٍ ومُجاهَدات، إلى إغراقٍ في الشهوات،
وانهِماكٍ في طلب اللذَّاتِ بإسرافٍ على النفسِ لا حُدود له، إلى عكوفٍ على مناهج فلسفيَّة
وتأمُّلاتٍ قائمةٍ على شطَحَاتٍ وخيالاتٍ لا سنَدَ لها من واقعٍ، ولا ظهيرَ لها من عقلٍ،
إلى غير ذلك من نزَعاتٍ وطرائِق لا يجِدُ فيها اللبيبُ ضالَّته، ولا يبلُغُ منها بُغيتَه.

غيرَ أن كل من أُوتي حظًّا من الإنصافِ، ونصيبًا من حُسن النظر والبصر بالأمور لا يجِدُ حرجًا
في الإقرار بأن السعادةَ الحقَّة التي تطيبُ بها الدنيا، وتطمئنُّ بها القلوبُ، وتزكُو النفوسُ هي تلك
التي يُبيِّنُها ويكشِفُ عن حقيقتها الكتابُ الحكيمُ والسنةُ الشريفةُ بأوضحِ العبارة
وأدقِّها وأجمعِها في الدلالة على المقصود.
عباد الله:
لقد أرسلَ الله رُسُلَه، وأنزلَ كُتبَه ليُرشِدَ الناسَ إلى سُبُل تزكيةِ أنفسهم وإصلاحِ قلوبهم،
وليُبيِّن لهم أن ذلك الأمر لن يتحقَّق إلا حين يُؤدُّون حقَّ الله عليهم في إخلاص العبودية له؛
إذ هي الغايةُ من خلقهِ لهم:
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }
[الذاريات: 56- 58].

وقد جاء في كتاب الله وسنةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيانُ الطريقِ إلى هذه التزكية
التي جعل اللهُ فلاحَ المرء مرهونًا بها، وجعل الخيبةَ والخُسران مرهونًا بضدِّها،
وهو: التَّدسِيَة؛ أي: تخبيثُ وتلويثُ النفس وإفسادُها بالخطايا؛
فقال الله تعالى:
{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا }
[الشمس: 7- 10]،
وقال - عزَّ اسمُه -:

{ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى }
[الأعلى: 14، 15]،

وقال - سبحانه - في خطابِ نبيِّه موسى - على نبيِّنا وعليه أفضل الصلاة وأكمل السلام -
حين أرسله إلى فرعون،
قال:
{ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17)
فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18)
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى }
[النازعات: 17- 19].

وإن هذا الكتابَ المُبارَك - يا عباد الله - الذي جعله الله روحًا تحيا به القلوبُ،
ونورًا تنجابُ به الظُّلُماتُ:
{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ
وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }
[الشورى: 52].

إن هذا الكتابَ ليُصرِّحُ أن أساسَ التزكية في الإسلام ورُوحها وعِمادَها ومِحورَها: توحيدُ الله تعالى،
وحقيقتُه - كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "أن يشهدَ العبدُ انفرادَ الربِّ - تبارك وتعالى -
بالخلق والحُكم، وأنه ما شاء كان، وما لم يشَأ لم يكُن، وأنه لا تتحرَّك ذرَّةٌ إلا بإذنه،
وأن الخلقَ مقهورون تحت قبضَته، وأنه ما من قلبٍ إلا وهو بين أصبعين من أصابعه
إن شاءَ أن يُقيمَه أقامَه، وإن شاءَ أن يُزيغَه أزاغَه.

فالقلوبُ بيده، وهو مُقلِّبُها ومُصرِّفُها كيف شاءَ وكيف أراد،
وأنه هو الذي آتَى نفوسَ المؤمنين تقواها، وهو الذي هداها وزكَّاها،
وألهمَ نفوسَ الفُجَّار فُجورَها وأشقاها، من يهدِ الله فهو المُهتَد، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له،
يهدِي من يشاءُ بفضله ورحمته، ويُضِلُّ من يشاءُ بعدلهِ وحِكمته، هذا فضلُه وعطاؤُه،
وما فضلُ الكريم بممنون، وهذا عدلُه وقضاؤه،
{ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ }
[الأنبياء: 23] ...
وفي هذا المشهَد يتحقَّقُ للعبدِ مقامُ
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
[الفاتحة: 5]
علمًا وحالاً، فيثبُتُ قدمُ العبدِ في توحيد الربوبية، ثم يرقَى منه صاعِدًا إلى توحيد الإلهية،
فإنه إذا تيقَّن أن الضُّرَّ والنفعَ والعطاءَ والمنعَ والهُدى والضلال والسعادةَ والشقاءَ،
كل ذلك بيد الله لا بيدِ غيره، وأنه الذي يُقلِّبُ القلوبَ ويُصرِّفُها كيف يشاء، وأنه لا موفِّقَ
إلا من وفَّقه وأعانَه، ولا مخذولَ إلا من خذلَه وأهانَه وتخلَّى عنه، وأن أصحَّ القلوبَ وأسلمَها
وأقومَها وأرقَّها وأصفاها وأشدَّها وأليَنها: من اتخَذَه وحده إلهًا ومعبودًا،
فكان أحبَّ إليه من كلِّ ما سِواه، وأخوفَ عنده من كل ما سِواه، وأرجَى له من كل ما سِواه.

فتتقدَّمُ محبَّتُه في قلبه جميعَ المحابِّ تبَعًا لها، كما ينساقُ الجيشُ تبَعًا للسلطان،
ويتقدَّم خوفُه في قلبه جميعَ المخوفات، فتنساقُ المخاوِفُ كلها تبَعًا لخوفه - سبحانه -،
ويتقدَّم رجاؤه في قلبه جميعَ الرجاء، فينساقُ كل رجاءٍ تبعًا لرجائه. فهذا علامةُ توحيد الإلهية في هذا القلب،
والبابُ الذي دخلَ إليه منه هو توحيدُ الربوبية ...
والمقصود: أن العبدَ يحصُل له في هذا المشهد من مُطالَعة الجنايات والذنوب وجريانها عليه
وعلى الخليلَ بمعونته، ولا وصول لمرضاته إلا بتوفيقه، فموارد الأمور كلها منه، ومصادِرها إليه،
وأزِمَّةُ التوفيقِ جميعُها بيديه، فلا مُستعان للعباد إلا به، ولا مُتَّكَل إلا عليه،
كما قال شُعيب - خطيبُ الأنبياء -:
{ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }
[هود: 88]". اهـ كلامُه.

وإن أثرَ التوحيد في التزكية - يا عباد الله -؛ بل في حياة المسلم لَيبدو جلِيًّا في توحيد الهدَف
والغاية واتفاقِ العلمِ والعمل، حتى يكون فهمُ المُسلم وعقيدتُه وعلمُه وعملُه وقصدُه واتجاهاتُ قلبه
ونشاطُه مُنتظمًا في سلكٍ واحدٍ، مُتوافقٍ مُؤتلفٍ لا تعارُضَ فيه ولا تضارُب، ويرتفعُ عن كاهلِ
الإنسان ذلك الضيقُ المُمِضُّ الذي يستشعِرُه حين تتعارَضُ في نفسه الأهداف، وتتناقضُ الأعمال.

ومما يُزكِّي النفوسَ - يا عباد الله -: تجيدُ الإيمان فيها على الدوام؛ إذ الإيمانُ يخلَقُ كما تخلَقُ الثياب،
ولذا كان صحابةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخُذ أحدُهم بيدِ الآخر فيقول:
"تعالَ نُؤمنُ ساعةً"، فيجلِسان فيذكُران اللهَ تعالى.

وفي ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه وطاعته والازدِلافِ إليه أعظمُ ما يُجدِّدُ الإيمان في نفس المؤمنِ
الذي يعلمُ أن الإيمانَ يزيدُ بالطاعة، وينقُصُ بالمعصية، فيعملُ على زيادة إيمانه بصدقِ الالتِجاءِ
إلى الله تعالى الذي تكونُ أظهرُ ثماره المُبارَكة تزكية النفوس،
كما جاء في الدعاء النبوي الكريم:

( اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها )

ومما يُزكِّي النفوس ويُصلِحُ القلبَ - يا عباد الله - أيضًا: دوامُ تذكُّر نعمِ الله التي أنعمَ بها على عباده،
وإحصاؤُها خارجٌ عن مقدور البشر،
كما قال الله تعالى:
{ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }
[النحل: 18].

فإن هذا التذكُّر لهذا النعَمِ يُورِثُ الذاكِرَ لها كمال تعلُّقٍ بربِّه، وتمامَ توجُّهٍ إليه، وخضوعًا وتذلُّلاً له - سبحانه -؛
فإن كل ما وهبَهُ من حياةٍ وصحةٍ ومالٍ وولدٍ وجاهٍ وغيرها إنما هو منَّةٌ منه، وفضلٌ وإِنعامٌ أنعمَ به
كيف ومتى شاء، ولو شاء لسلَبَ ذلك منه متى شاء؛ فإنه مالكُ الملكِ كلِّه، بيده الخيرُ يُؤتيه من يشاءُ،
ويصرِفُه عمَّن يشاءُ، ومعرفةُ ذلك ودوامُ تذكُّره باعِثٌ على معرفةِ العبدِ بعجزه
وضعفِه وافتِقاره إلى ربِّه في كل شؤُونه.

غيرَ أن تذكُّر النِّعَم لا بُدَّ من اقتِرانه بالعمل الذي يرضاه الله ويُحبُّه ويُثيبُ عليه يوم القيامة،
وحقيقتُه: فعلُ الخيراتِ، وتركُ المُنكرات، على هُدًى من الله، ومُتابعةٍ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
مع العنايةِ الخاصَّةِ بالفرائِض التي افترَضَها الله على عباده؛
إذ هي أحبُّ ما يتقرَّبُ به العبدُ إلى ربِّه، كما جاء في الحديثِ:

( إن الله تعالى قال: من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب،
وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه،
فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يُبصِرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها،
ورِجلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذَني لأُعيذنَّه )؛

أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" من حديثِ أبي هريرة - رضي الله عنه -.

ومما يُزكِّي النفسَ أيضًا - يا عباد الله -: أعمالُ القلوب؛
فإن القلبَ ملكُ الجوارِح تصلُح بصلاحه وتفسُد بفساده،
كما جاء في الحديثِ:

( ألا وإن في الجسد مُضغةً إذا صلَحت صلَح الجسدُ كله،
وإذا فسَدت فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب )؛
أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديثِ النُّعمان بن بشيرٍ - رضي الله عنه -.

ومن أهمِّها وأعظمِها: نيَّةُ المرء ومقصودُه من كلِّ عملٍ يعملُه،
فقد قال رسول الهُدى - صلواتُ الله وسلامُه عليه -:

( إنما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكل امرئٍ ما نوَى؛
فمن كانت هِجرتُه إلى الله ورسولِه فهِجرتُه إلى الله ورسولِه،
ومن كانت هِجرتُه لدُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ ينكِحُها فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه )؛
أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".

فاتقوا اللهَ - عباد الله -، واتخِذوا من كتاب ربِّكم وسنةِ نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم -
خير منهجٍ لتزكيةِ النفوسِ وإصلاحِ القلوبِ ابتغاءَ رِضوان الله على هُدًى من الله،
وتأسِّيًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واقتِفاءً لأثر الصفوةِ من عباد الله،

{ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ }
[الزمر: 18].

نفعَني الله وإياكم بهديِ كتابه، وبسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، أقول قولي هذا،
وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله الوليِّ الحميد، الفعَّال لما يُريد، أحمده - سبحانه - يخلُق ما يشاءُ ويفعلُ ما يُريد،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نتَّقي بها نارًا حرُّها شديد،
وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسوله صاحبُ الخُلُق الراشدِ والنهجِ السديد،
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.



فيا عباد الله:
إن النقصَ والتقصيرَ والخطأ لا ينفكُّ عنه إنسانٌ، ولا يسلَمُ منه إلا من عصمَه الله،
ولذا جاء الأمرُ بالتوبة للناس جميعًا
بقوله - سبحانه -:
{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }
[النور: 31].

والتوبةُ - يا عباد الله - من أعظمِ أسباب التزكيةِ للنفس والإصلاحِ للقلبِ؛ فإن عبوديةَ التوبة
- كما قال ابن القيم - يرحمه الله -: "من أحبِّ العبودياتِ إلى الله وأكرمِها عليه؛ فإنه - سبحانه -
يحبُّ التوابين، ولو لم تكن التوبةُ أحبَّ الأشياء إليه لما ابتَلَى بالذنبِ أكرمَ الخلقِ عليه، فلمحبَّته
لتوبةِ عبادهِ ابتلاه بالذنبِ الذي يُوجِبُ وقوعَ محبوبهِ من التوبةِ، وزيادةَ محبَّته لعبده؛
فإن للتوبة عنده - سبحانه - منزلةً ليست لغيرها من الطاعات، ولهذا يفرحُ - سبحانه -
بتوبةِ عبده حين يتوبُ إليه أعظمَ فرحٍ يُقدَّمُ، كما مثَّلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
بفرَحِ الواجدِ لراحِلَته التي عليها طعامُه وشرابُه في الأرضِ الدوِيَّةِ المُهلِكة بعدما فقدَها
وأيِسَ من أسباب الحياة، ولم يجِئ هذا الفرحُ - يا عباد الله - في شيءٍ من الطاعاتِ سِوى التوبة.

ومعلومٌ أن لهذا الفرحِ تأثيرًا عظيمًا في حال التائبِ وقلبه، ومزيدُه لا يُعبَّر عنه،
وهو من أسبابِ تقدير الذنوبِ على العباد؛ فإن العبدَ ينالُ بالتوبةِ درجةَ المحبوبيَّة فيصيرَ حبيبًا لله،
فإن الله يُحبُّ التوابين، ويُحبُّ العبدَ المُفتَّن التوَّاب، ويُوضِّحُه: أن عبوديَّة التوبة فيها من الذلِّ
والانكِسار والخُضوع والتملُّقِ لله والتذلُّل له ما هو أحبُّ إليه من كثيرٍ من الأعمال الظاهرة،
وإن زادَت في القدرِ والكمية على عبودية التوبة، فإن الذلَّ والانكِسار روحُ العبودية ومُخُّها ولُبُّها.
يُوضِّحُ ذلك: أن حُصول مراتب الذلِّ والانكِسار للتائبِ أكملُ منها لغيره، فإنه قد شاركَ من لم يُذنِب
في ذلِّ الفقر والعبوديةِ والمحبةِ، وامتازَ عنه بانكِسار قلبه، ولأجل هذا فإن أقربَ ما يكونُ العبدُ
من ربِّه وهو ساجِدٌ، كما أخبرَ بذلك نبيُّ الرحمة والهُدى - صلى الله عليه وسلم -؛
لأنه مقامُ ذلٍّ وانكِسارٍ بين يدَي ربِّه.

ويُوضِّحُ ذلك: أن الذنبَ قد يكونُ أنفعَ للعبدِ إذا اقترنَت به التوبةُ من كثيرٍ من الطاعات؛
فإنه قد يعملُ الذنبَ فلا يزالُ نُصبَ عينيه إن قامَ وإن قعَد وإن مشَى ذكَر ذنبَه،
فيُحدِثُ له انكِسارًا وتوبةً واستِغفارًا وندَمًا، فيكونُ ذلك سببَ نجاته،
ويعملُ الحسنةَ فلا تزالُ نُصبَ عينيه إن قامَ وإن قعدَ وإن مشَى،
كلما ذكَرَها أورثَتْه عُجبًا وكِبرًا ومِنَّة، فتكونُ سببَ هلاكِه.

فيكون الذنبُ مُوجِبًا لترتُّب طاعاتٍ وحسناتٍ ومُعاملاتٍ قلبيَّةٍ؛ من خوفِ الله والحياء منه،
والإطراقِ بين يديه، مُنكِّسًا رأسَه، خجِلاً، باكِيًا، نادِمًا، مُستقيلاً ربَّه.

وكلُّ واحدٍ من هذه الآثار أنفعُ للعبد من طاعةٍ تُوجِبُ له صولةً وكِبرًا وازدِراءً للناس ورؤيتَهم بعين الاحتِقار،
ولا ريبَ أن هذا المُذنِبَ خيرٌ عند الله وأقربُ إلى النجاةِ والفوزِ من هذا المُعجَبِ بطاعته، الصائلِ بها،
المانِّ بها وبحاله على الله - عز وجل - وعباده". اهـ كلامُه.

ألا وإن عمادَ التزكيةِ التي تُورِثُ الحياةَ الطيبةَ في الدنيا، والفوزَ بعيشِ السُّعداءِ في الآخرةِ،
وأساسُها ولُبُّها ورُوحُها: عبادةُ الله على بصيرةٍ، بألا يُعبَدَ - سبحانه - إلا بما شرَعه في كتابه،
أو صحَّ به الخبرُ عن رسوله - عليه الصلاة والسلام -،
وهذا يستلزِمُ الاستِمساك بسُنَّته - صلوات الله وسلامه عليه - والعضَّ عليها بالنواجِذ،
كما جاء في حديثِ العِرباضِ بن ساريةَ - رضي الله عنه -،
وفيه قولُه - صلى الله عليه وسلم -:

( إنه من يعِش منكم فسيرَى اختِلافًا كثيرًا،
فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدى، عضُّوا عليها بالنواجِذ،
وإياكم ومُحدثاتِ الأمور، فإن كل بدعةٍ ضلالةٌ )؛
أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه في "سننهم"،
والحاكم، وابنُ حبان في "صحيحه".

وجاء في الحديثِ الذي أخرجه مُسلمٌ في "صحيحه"، والنسائيُّ - واللفظُ له -
من حديثِ جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول في خُطبته:

( نحمَدُ الله ونُثنِي عليه بما هو أهلُه )
ثم يقول:

( من يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِي له، إن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله،
وأحسنَ الهديِ هديُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها،
وكلَّ مُحدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار .. )
الحديث.
وفي "الصحيحين" من حديثِ عائشة - رضي الله عنها -
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ )

وفي لفظٍ لمُسلمٍ - رحمه الله -:

( من عمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ )
أي: مردودٌ على صاحبِه، غيرُ مرضِيٍّ ولا مقبولٍ عند الله.
وهذا الحديثُ العظيمُ - كما قال أهلُ العلمِ - قاعدةٌ جليلةٌ، وأصلٌ عظيمٌ في ردِّ الابتِداعِ
وإبطال الإحداثِ في دين الله، يجبُ على كل لبيبٍ ناصحٍ لنفسه،
مُريدٍ للخيرِ لها أن يضعَه نُصبَ عينيه.
وما أحسنَ قول الصحابيِّ الجليلِ حُذيفة بن اليَمان - رضي الله عنه - ناصِحًا به،
ومُحذِّرًا أصحابَه القُرَّاء من مُجانَبة سبيل سلفِ الأمةِ وخِيارها، والتردِّي في ظُلمات البِدَع؛
حيث قال - رضي الله عنه -:
"كلُّ عبادةٍ لم يتعبَّدها أصحابُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فلا تعبَّدوها؛
فإن الأولَ لم يدَع للآخر مقالاً، فاتقوا الله - يا معشرَ القُرَّاء - وخُذوا طريقَ من قبلكم".
فاتقوا الله - عباد الله -، وحذارِ من الابتِداعِ في دين الله حَذَارِ.
وصلُّوا وسلِّموا على النبيِّ المُختار؛ فقد أمَرَكم بذلك ربُّكم
بقوله:
{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }
[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ،
وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خيرَ من تجاوزَ وعفا.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين،
ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم انصر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -
وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا،
وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء.

اللهم وفِّقه ووليَّ عهده وإخوانه إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمسلمين،
وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد، يا من إليه المرجِعُ يوم المعاد.

اللهم احفَظ المُسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احفَظ المُسلمين في سُورية،
اللهم احفَظ المُسلمين في سُورية، اللهم احفَظ المُسلمين في سُورية،
وفي كل بلاد الإسلام يا رب العالمين،
اللهم احقِن دماءهم، وكُن لهم، وارحَم عفَهم، واجبُر كسرَهم، واشفِ جرحاهم،
وارحَم موتاهم يا رب العالمين، وقِهِم شرَّ الفتن،
اللهم قِنا وإياهم شرَّ الفتن،
اللهم قِنا وإياهم شرَّ الفتن ما ظهرَ منها وما بطَن يا رب العالمين.

اللهم آتِ نُفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، اللهم أحسِن عاقبتَنا في الأمور كلها،
وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيكَ آمالَنا، واختِم بالصالحات أعمالَنا.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا،
وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك.

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
[الأعراف: 23]،
{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }
[البقرة: 201].

وصلِّ اللهم وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين،
والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 12-02-2012, 02:42 PM   #84
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى بتاريخ 18/3/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صلاح البدير - حفظه الله –
خطبة الجمعة بعنوان :
" لا يرفعُ البلاءَ إلا الدعاء " ،

والتي تحدَّث فيها عن الواجب على كل مسلمٍ تجاه الفتن والمِحن التي تدور ببلدان المسلمين،
وبيَّن أن أعظمَ مخرجٍ منها هو الدعاء وصدقُ الالتِجاء إلى الله تعالى.


الحمد لله، الحمد لله العظيم في قدره، العزيز في قهرِه، العليم بحال العبد في سرِّه وجهره،
يسمعُ أنينَ المظلوم عند ضعف صبره، ويجُودُ عليه بإعانته ونصره، أحمدُه على القدر خيرِه وشرِّه،
وأشكره على القضاء حُلوه ومُرِّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الآيات الباهرة،

}وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ {
[الروم: 25]،

وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله،
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما جادَ السَّحابُ بقطره،
وطلَّ الربيعُ بزهره، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله؛ فإن تقواه أقوى ظهيرٍ، وأوفَى نصيرٍ،

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون{
[آل عمران: 102].

أيها المسلمون:
الزمانُ صُروفٌ تجُول، ومصائِبُ تصُول، ومن نابَته نوبةٌ، وعرَته نكبَةٌ، وغشِيَته بلِيَّةٌ،
وحلَّت بساحته مِحنةٌ أو فِتنة، أو تسلَّط عليه ظالمٌ، أو نالَه عدوٌّ مُناوِئ، فليلُذْ بالله تعالى،
وليتوكَّل عليه، وليثق بمولاه، وليتحلَّ بعِصمة الصبر، وصريمة الجلَد، وعزيمةِ الاحتِساب،
وليتضرَّع بالفألِ الحسَن، والتوبةِ والإنابة، والرجوع إلى الله تعالى.

ومن لاذَ بالله تعالى هدأَ توجُّعه، وسكَنَ تفجُّعُه، والهلَعُ والجَزعُ لا ينشُران مطويًّا،
ولا يرُدَّان حتمًا مقضيًّا، ولا عزاءَ إلا التسليمُ والرِّضا،
والصبرُ على ما قدَّر الله وقضَى وكتبَ وأوجبَ وأمضَى.

أيها المسلمون:
أحسنُ الكلام في الشكوَى سُؤال المولَى زوالَ البَلوى، فاستدفِعوا أمواجَ البلاء بالتضرُّع والدعاء،
فليس شيءٌ أكرمُ على الله - عز وجل - من الدعاء، وأعجزُ الناسِ من عجِزَ عن الدعاء،
ولا يرُدُّ القدَرَ إلا الدعاءُ، فأكثِروا من الدعاء والمُناجاة؛ فإن الله يسمعُ دعاءَ من دعاه،
ويُبصِرُ تضرُّع من تضرَّع إليه وناداه، ومن سألَ اللهَ بصدقٍ وضراعةٍ كشفَ عنه بَلواه،
وحماه ووقاه وكفاه، وحقَّقَ له سُؤلَه ومُناه.

وما على الأرضِ مُسلمٌ يدعُو اللهَ بدعوةٍ إلا آتاه الله إياها، أو صرفَ عنه من السوءِ مثلَها،
أو ادَّخَر له من الأجرِ مثلَها ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رحِمٍ.

أيها المسلمون:
وأنتم ترَون ما حلَّ ببعضِ بلادنا العربية والإسلامية من الأحداث والاضطرابات،
والصِّداماتِ والنِّزاعات والمواجهات، والفتن والحُروب، والبلاء العظيمِ والشرِّ المُستطير،
لا تغفُلُوا عن التوجُّه إلى الله بصدقٍ وإنابة،
والدعاء لإخوانكم بالحفظِ والرعايةِ والصيانة والسلامة من تك الفتن والشُّرور.

وليس لنا إذا أحاطَت الحُتوف، ونزلَ الأمرُ المَخوفُ، واشتدَّ الكَربُ،
وعظُمَ الخَطبُ إلا اللهُ - جل في عُلاه -،
وقد كان سيدُ الخلقِ نبيُّنا وسيدُنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - يدعُو عند الكَربِ
بهذه الدعوات:

( لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ،
لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيم،
لا إله إلا الله ربُّ السماوات وربُّ الأرض وربُّ العرش الكريم )

وحسبُنا الله ونِعمَ الوكيل، قالَها إبراهيمُ - عليه السلام - حين أُلقِيَ في النار،
وقال نبيُّنا وسيدُنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا:

}إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل {
[آل عمران: 173].

فارفَعوا أكُفَّ الضراعة،
وتوسَّلوا إلى الله بلوان الطاعة أن يرَمَ إخوانكم المُستضعفين والمُضطهَدين والمَنكوبين في كل مكان،
ادعُوا دعاءَ الغريقِ في الدُّجَى،
ادعُوا وأنتم صادقون في الرَّجَا أن يجعل الله للمُسلمين من كل همٍّ فرَجًا، ومن كل ضيقٍ مخرَجًا.

اللهم اجعل للمُسلمين من كل همٍّ فرَجًا، ومن كل ضيقٍ مخرَجًا.

أيها المسلمون:
لا مخرجَ من أزماتنا إلا صِدقُ اللجَأِ إلى الله تعالى؛ فهو العظيمُ الذي لا أعظمَ منه،
والكبيرُ الذي لا أكبرَ منه، والقادِرُ الذي لا أقدرَ منه، والقويُّ الذي لا أقوى منه، العظيمُ أبدًا،
حقًّا وصِدقًا، لا يُعصَى كرهًا، ولا يُخالَفُ أمرُه قهرًا، ومن كان الله معه فمعه الجُند الذي لا يُغلَب،
والقوةُ التي لا تُرهَب، والعزيمةُ التي لا تذهَب، والعِزُّ الذي لا يُسلَب.

ومن كان مع الله في السرَّاء والضرَّاء، والشدَّة والرخاء، والعلانية والخفاء كان مُؤيَّدًا منصورًا،
وعادَ عدوُّه مُهانًا مدحورًا، صاغِرًا مقهورًا، مُصفَّدًا مأسورًا،

}وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ{
[الحج: 40].

بارك الله ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من البيِّنات والآيات والعِظات والحِكمة،
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ،
فاستغفروه، إنه كان للأوابين غفورًا.




الحمد لله، الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم، مُبدِع البدائع، وشارعِ الشرائع،
دينًا رضيًّا، ونورًا مُضيًّا، أحمده وقد أسبغَ البرَّ الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربه، ورجا العفو والغفران لذنبه،
وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله،
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعِه وحِزبه صلاةً وسلامًا دائمَيْن ممتدَّيْن إلى يوم الدين.



فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب،

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ {
[الأنفال: 29].

أيها المسلمون:
يا من تعيشُون في أمنٍ وافِرٍ، ورخاءٍ ظاهِر، وعافيةٍ ضافِية، ونعمةٍ صافِية،
يا من دفعَ الله عنكم فتنًا وشُرورًا، وأمرًا كان محذورًا، لا تكونوا ممن عمَّه فضلُ ربِّه فارتدَّ،
وأدركَه وابِلُ النِّعَم فاعوَجَّ، لا تكونوا أغفالاً من حُسن الادِّكار، وجليل الاعتِبار،
وأحسِنوا مُجاوَرة النِّعمَة؛ فمن غمِطَ النِّعمة استنزَلَ النِّقمة.

وتعوَّذُوا باللهِ تعالى من زوا نعمته، وتحوُّل عافيته، وحُلول نقمته،
واحمَدوا الله مولاكم على ما أولاكم من نعمةِ الأمن والرخاء والاستقرار، وحافِظوا عليها.

وانظُروا في أحوالكم الدينية؛ كيف فرَّط الكثيرُ منا في الأوامر، ووقعَ في المعاصِي والمخازِي والمناكِر؟!

وانظُروا في أمرِ الصلاة؛ كيف هجَرَها كثيرٌ من شبابِنا وفتياتِنا،وأهمَلَها كثيرٌ من أبنائِنا وبناتِنا؟!

وانظُروا إلى المساجِد في صلاة الفجر؛ كيف نامَ أكثرُ الناس عنها، وتساهَلوا فيها، وتسامَحوا فيها،
حتى صار ذلك لا يُعدُّ بينهم قدحًا ولا عيبا.

وقِيسوا على ذلك عظيمَ ما نحن عليه من الغفلةِ والصُّدود لتعلَموا كم نحن على خطرٍ من عقوبةٍ تحِلّ،
وعافيةٍ تزِلّ!

فاتقوا الله - أيها المسلمون-، وتدارَكوا ما أنتم فيه بالتوبة والإنابة، والتناصُح بينكم،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراقبة أولادكم في أمر الصلاة والدين والسلوك والأخلاق.

عباد الله:

إن الله أمرَكم بأمرٍ بدأَ فيه بنفسِه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحَةِ بقُدسه،
وأيَّه بكم - أيها المؤمنون - من جنِّه وإنسِه،
فقال قولاً كريمًا:

}إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{
[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على النبي المُصطفى المُختار،
اللهم وارضَ عن خلفائه الأربعة أصحابِ السنَّة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر آلِه وأصحابهِ أجمعين، والتابعين لهم وتابعِيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
وأذِلَّ الشرك والمشركين،
ودمِّر أعداءَ الدين، ودمِّر أعداءَ الدين، ودمِّر أعداءَ الدين يا رب العالمين.

اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها وعِزَّها واستقرارَها.

اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيته للبرِّ والتقوى،
اللهم وفِّقه ووليَّ عهده لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المُسلمين يا رب العالمين.

اللهم طهِّر المسجدَ الأقصى من رِجسِ يهود، اللهم طهِّر المسجدَ الأقصى من رِجسِ يهود،
اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادِرين،
اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجِزونك،
اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجِزونك،
اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجِزونك.

اللهم احفَظ أهلَنا في سورية، اللهم احفَظ أهلَنا في سورية ومصر واليمن وليبيا،
اللهم احفَظهم من كل سوءٍ وشرٍّ وفتنةٍ يا رب العالمين،
اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم،
وصُن أعراضَهم، وصُن أعراضَهم، واحفَظ أموالَهم، وادفَع عنهم الشُّرورَ والفتنَ،
اللهم ادفَع عنهم الشُّرورَ والفتنَ والمِحَن،
اللهم ادفَع عنهم الشُّرورَ والفتنَ والمِحَن يا أرحم الراحمين.

اللهم من أرادَنا أو أراد بلادَنا أو أرادَ بلاد السلام والمُسلمين بسوءٍ، اللهم فأشغِله في نفسه،
واحبِسه في بدنه، وعذِّبه في جسده، اللهم اكشِف سِرَّه، واهتِك سِترَه، وأبطِل مكرَه،
واكفِنا شرَّه، واجعلهُ عِبرَة يا رب العالمين.

اللهم عليك بالطُّغاة المُجرمين، اللهم عليك بالطُّغاة المُجرمين،
اللهم عليك بالطُّغاة المُجرمين الذين قتَلوا الأبرياء، وسفَكوا الدماءَ،
وعذَّبوا الشيوخَ والأطفالَ والنساء، يا سميعَ الدعاء.

اللهم يا عظيمَ العفوِ، يا واسِعَ المغفرة، يا قريبَ الرحمة، هَبْ لنا من لدُنك مغفرةً ورحمةً،
وأسعِدنا بتقواك، واجعلنا نخشاك كأننا نراك يا أرحم الراحمين.

اللهم ارحم موتانا، وعافِ مُبتلانا، واشفِ مرضانا، وانصُرنا على مَن عادانا يا ربَّ العالمين.

اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة،
لا سُقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا غرَقٍ.

اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك، اللهم اسقِنا واسقِ المُجدِبين،
وفرِّج عنَّا وعن أمة نبيِّنا وسيدِنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أجمعين.

عباد الله:
}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{
[النحل: 90].

فاذكروا الله العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم،
ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 12-02-2012, 02:48 PM   #85
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 18/3/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور سعود الشريم - حفظه الله –
خطبة الجمعة بعنوان:
" التحذير من السَّفَه في العقل و المال "،

والتي تحدَّث فيها عن السَّفَه ومعناه وصفات المُتخلِّقين به، وبيَّن
خطورته، مُحذِّرًا من مغبَّته، مُستدلاًّ على ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة،
ومن الواقع المُشاهَد.



الحمد لله العليِّ القدير، هو القاهرُ فوق عبادهِ ويُرسِلُ عليهم حفَظَةً

}لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{
[القصص: 70]،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله،
أرسلَه الله بالهُدى ودينِ الحقِّ ليُظهِرَه على الدينِ كلِّه ولو كرِهَ المُشرِكون،
فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصحَ الأمة،
فصلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين،
ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.


فإن الوصيةَ المبذولةَ لي ولكم - عباد الله - هي تقوى الله - سبحانه -؛
فهي سِلاحُ كلِّ مؤمنٍ، ودِثارُ كلِّ خائفٍ، وبُشرى كلِّ راغبٍ،

}فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {
[المائدة: 100].

أيها الناس:

يتفقُ الناسُ جميعًا مهما اختلَفَت مدارِكُهم أن العقلَ من أعظم نِعَم الله على العبدِ،
به يميزُ الخبيثَ من الطيبِ، والزَّينَ من الشَّيْن،
هو علامةٌ فارِقةٌ بين الآدميَّة وبين البهيميَّة والحجر الصَّلدِ، إنه لا يعرفُ قدرَ العقلِ إلا من وُهِبه،

}وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{

[النحل: 78].

وإنه لا يعلمُ مقدارَ العقلِ إلا من رأى فاقِدَه أو فقِدَ الاستِنارةِ به،
ومن وهبَه الله عقلاً لا أثرَ له في واقعِ حياته فهو كمثلِ الحِمارِ يحمِلُ أسفارًا،
أو كالعِيسِ في البَيْدَاءِ يقتلُها الظَّمَأ والماءُ فوق ظُهورِها محمولٌ.

لقد تسلَّلَت الاِزدِواجيَّةُ والتَّضادُّ لدى كثيرٍ من العقول، وما ذاك إلا لاضطرابِ وسائل التلقِّي التي يتعارَكُ
فيها الحقُّ والباطلُ، والزَّيْنُ والشَّيْنُ، في زمنٍ يتقدَّمُ الحقُّ فيه تارةً ويتسلَّلُ الباطلُ فيه تاراتٍ.

وإنه متى تسلَّل الخللُ إلى العقل لِواذًا فتجاذَبَته الخِفَّةُ والطَّيشُ والاضطرابُ في الرأيِ والفكرِ والأخلاق؛
فإنه السَّفَهُ ما مِنه بُدٌّ، والسفيهُ في مثل هذا: هو ظاهرُ الجهل خفيفُ اللُّبِّ، استمهَنَ عقلَه بالتقليدِ الأعمى،
والإعراضِ عن النظرِ به خللٌ في تفكيره، وخللٌ في لسانه، وخللٌ في قلمه، وخللٌ في أخلاقه،
يفِرُّ منه العُقلاءُ فِرارَ الصحيحِ من الأجربِ.

السَّفَهُ - عباد الله - ليس جنونًا ولا فُقدانًا للعقل؛ وإنما هو سوءُ استعمالٍ له أو تهميشُه
عن أداء دوره الذي خُلِق له، فكلُّ صاحبِ عقلٍ سارَ مع مُرادِ الله
ومُرادِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو العقلُ السلمُ، ومن ندَّ عن مُراد الله
ومُراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو السَّفيهُ وإن كان عقلُه يفوقُ عقولَ الدُّهاة.

ومن هنا وصفَ الله - جل وعلا - بالسَّفَه كلَّ من عانَدَه أو ندَّ عن شِرعتِه ومِنهاجِه،
كما قال تعالى:

}وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ{

[البقرة: 13]،

فوصفَهم بالسَّفَه مع كمال عقولهم ودهائِهم؛ لمُخالفتهم صِبغةَ الله، ولهذا توعَّد اللهُ كلَّ سفيهٍ
لا يُعمِلُ عقلَه فيما يُرضِي اللهَ - سبحانه -، أو يُعمِلُه فيما لا يُرضِي الله،
بقوله تعالى:

}أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ {
[الأعراف: 179].

والسَّفَه - عباد الله - آفةٌ تعتري الإنسانَ في أموره الدينية وأموره الدنيوية؛
أما الأمور الدينية فيكونُ ذلك بمُحادَّة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم –،
والنُّكوص عن شِرعة الله أو مُضادَّتها، أو الاستِهزاءِ بالله وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -،
أو السخريةِ بشيءٍ من أمور الدين، أو التهوين من شأن الشريعة الإسلامية
ووصفها بالتخلُّف أو النُّقصان أو عدم مُلاءمتها لواقع الحال، كلُّ ذلك سَفَهٌ وخَبالٌ،
كما قال تعالى:

}سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا {
[البقرة: 142]،

فقد وصفَ الله هؤلاء المُعترِضِين بالسَّفَه؛ لأن العاقلَ لا يعترِضُ على الله
ولا على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن ثمَّ يكون عزيزًا كريمًا،
بخلاف المُعترِض فإنه يُصابُ بالذلِّ والصَّغار،
كما قال تعالى:

}إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ{
[المجادلة: 20].

ولم يكن وصفُ السَّفَهِ - عباد الله - قاصرًا على مُعانَدة بعض سُفهاءِ الإنس
تجاهَ دينهم و أمتهم ومُجتمعهم، كلا؛ بل إن اللهَ - سبحانه - ذكرَ ذلك عن أمةِ الجنِّ أيضًا،
وذلك بقولهم:

}وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا {
[الجن: 4]؛

أي: يقول بُهتانًا وزُورًا.

فانظروا - يا رعاكم الله - كيف اتفقَت الجِنَّةُ والإنسُ على وصفِ من تخبَّطَ في أمور الدين،
ولتَّ فيها وعجَنَ بغير هُدًى من الله أنه سَفيهٌ ليس من العُقلاء في وِرْدٍ ولا صَدَرٍ،
وقد قال الله تعالى:

}وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ{
[البقرة: 130].

ولهذا - عباد الله - تكون مغبَّة السَّفَه في أمور الدين وخيمةً، فهي غيرُ قاصرةٍ على السفيهِ وحدَه؛
بل تعمُّ السفيهَ والعقلَ والمُجتمعَ كلَّه؛
فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما سُئِل: أنهلِكُ وفينا الصالِحون؟ قال:

( نعم، إذا كثُر الخبَثُ ).

ولهذا قال الله - جل وعلا -:

}وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{
[الأنفال: 25]،

فمن سَفَهِ السفيهِ أنه يجُرُّ الويلَ والهلاكَ لمُجتمعه جرَّاءَ سفَهِهِ وحماقاتِهِ،
وما كان خوفُ موسى - عليه السلام - من السَّفَه في أمور الدين إلا خشيةَ أن تعُمَّهم العقوبةُ من الله،
فكان كلامُ موسى لربِّه:

}قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا
فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ{
[الأعراف: 155].

وأما السَّفَهُ في الأمور الدنيوية - عباد الله - فيكون في التصرُّف في المال بما يُخالِفُ شرعَ الله،
أو بالتبذيرِ والإسرافِ فيه، ومن ذلكم: الاتِّجارُ والمُرابَحَة فيها بتهوُّرٍ
وعدم استِحضارِ حُرمتها وحُرمةِ أصحابها، فهذا سَفَهٌ ووضعٌ للأمور في غيرِ موضعِها،
ولهذا قال الله تعالى:

}وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا {
[النساء: 5].

لقد كثُر السَّفَهُ في الأموال، فاستهانَ البعضُ بالحقوق وتصرَّفوا بأموال الناس بلا ذِمَّةٍ ولا أمانة،
فاضطربَت الإِحَنُ والمُشاحَّةُ والدعاوَى، وكثُر الإعسارُ المُفاجِئُ، والخسائرُ المُتراكِمة،
ونشأَت الفتنُ بين المُساهِمين والمُستثمرين، فبغَى بعضُهم على بعضٍ، ولعَنَ بعضُهم بعضًا،
كلُّ ذلك بسببِ الطمعِ والجشَع، وضعفِ القناعَة المُولِّدة للسَّفَه الماليِّ؛
لأن للمال ثورةً كثورةِ الخَمرة تأخُذ شارِبَها حتى ينتشِي.

وجامِعُ الأمر في ذلكم: هو قولُه - صلى الله عليه وسلم -:

( من يأخُذ مالاً بحقِّه يُبارَك له فيه،
ومن يأخُذ مالاً بغير حقِّه فمَثَلُه كمثَلِ الذي يأكلُ ولا يشبَع )؛

رواه مسلم.

فليتَّقِ اللهَ أولئك الذين استأمنَهم الناسُ على أموالهم، وليُرابِحُوا فيها بما أحلَّ الله،
وألا يتهوَّروا ولا يُفرِّطوا، ولا يقعُوا في الرِّيبةِ والشُّبهَة، ولا يستغِلُّوا ثقةَ الناسِ بهم،
وليذكُروا قولَ النبي - صلى الله عليه وسلم -:

( من أخذَ أموالَ الناسِ يُريدُ أداءَها أدَّى اللهُ عنه،
ومن أخذَها يُريدُ إتلافَها أتلفَه الله )؛
رواه البخاري.

ثم إن من السَّفَه - يا رعاكم الله -: قتلَ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وكلما ازدادَ المرءُ قتلاً ازدادَ سَفَهًا،
وإن تعجَبوا - عباد الله - فعَجَبٌ سَفَهُ من يقتُلون شُعُوبَهم وبني جِلدَتهم ممن
وصفَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمثالَهم بأنهم سُفهاءُ الأحلام،
ومن أفعالهم: أنهم يقتُلون أهلَ الإسلام، ويدَعُونَ أهلَ الأوثان، كما يجري لبعضِ إخواننا ممن قُتِلوا
وعُذِّبُوا سَفَهًا بغير علم، وكم هي الحالُ المُؤرِّقةُ مع إخواننا في سورية
والذين يُواجِهون أشدَّ أنواعِ الجَور والقتل والوحشية التي لا يرضاه الله
ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يُقِرُّها دينٌ ولا مِلَّةٌ ولا عُرْفٌ، قتلٌ وغدرٌ وعِنادٌ،
وكلما قيل لهم: اتقوا الله ولِينوا بأيدي إخوانكم، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وتأبَّطوا أسلحتَهم،
وأصرُّوا واستكبَروا استِكبارًا.

وأمثالُ هؤلاء يصدُقُ فيهم قولُ ابن عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -:
" إذا سرَّك أن تعلمَ جهلَ العربِ فاقر قولَ الله تعالى:

}قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ
افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ {
[الأنعام: 140]"؛ رواه البخاري.

وبهذا المُناسَبة فإن الشكرَ موصولٌ لكل من كانت له يدٌ طُولَى في الإنكار على أولئك؛
من حكوماتٍ، وقادة، وعلماء، ومُفكِّرين، وشُعوب، وأخُصُّ منهم:
الدول التي سحَبَت سُفراءَها، ووقفَت ضدَّ الظلم والعُدوان، ومنهم: هذه البلاد بقيادتها.

فإلى مزيدٍ من الجهود وممارسة تضييق الخِناقِ ضدَّ هذا التصعيدِ السَّفيه في نَزيفِ الدماء،
وجمعِ الكلمة في اتخاذ خُطواتٍ مُتقدمةٍ تكون كفيلةً في حقنِ الدماءِ ورفع القتلِ والظلمِ.

بارَكَ الله في الجهود، وسدَّد الخُطى،

}وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {
[يوسف: 21]،

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{
[الأحزاب: 70، 71].

قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان،
وأستغفروا الله إنه كان غفَّارًا.



الحمد لله رب العالمين، ولا عُدوان إلا على الظالمين،
وأُصلِّي وأُسلِّمُ على عبده ورسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فإن المُجتمعات الجادَّة الواعِية هي تلكم المُجتمعات التي تُحسِنُ التعامُل المُتكامِل،
وتلمَّسُ مواقعَ الخللِ لدى بنِيها والمُنتَمين إليها؛ لتشكُر الناجِح وتُكرّمه، ولتُصلِح المُتعثِّر وتُقوِّمه،
ومن ذلكم: أخذُها على أيدي سُفَهائِها، وإصلاح شأنهم،
والقضاء على مظانِّ السَّفَه لئلا تغرقَ سفينةُ المُجتمع الماخِرة بقضِّها وقضيضِها.

السَّفيهُ آفةٌ في المُجتمع عالةٌ عليه؛ لأنه لا يعرفُ متى يجبُ أن يتكلَّم ولا متى يجبُ أن يسكُت.

السَّفيهُ يتطفَّلُ على كلِّ شيءٍ، ويتكلَّم ويهرِفُ في كل شيءٍ.

السَّفيهُ هو الرُّويبِضَةُ الذي يتكلَّمُ في أمرِ العامَّة، وينصِبُ نفسَه نِدًّا لذوي العلمِ والاختِصاصِ.

السَّفيهُ يسبِقُ طيشُه عقلَه، وغضبُه حلمَه، وغفلتُه يقظتَه، لا تزيدُه المُجاراةُ إلا هذَرًا،
ولا المُداراةُ إلا بطَرًا، ولا أمانُ العقوبةِ لا هرَفًا وتماديًا.

وأما السَّفيهُ في الأخلاقِ فدواؤُه السكوتُ، ومُتاركتُه بلا جوابٍ أشدُّ عليه من الجوابِ في الغالبِ،
سفيهُ الخُلُق إذا ردَدتَ عليه فرَّجتَ عنه، وإذا خلَّيتَه فإنه يموتُ كمَدًا،
قال عنه الشافعيُّ - رحمه الله -:

يُخاطِبُني السَّفيهُ بكلِّ قُبحٍ وأكرَهُ أن أكون له مُجيبًا
يزيدُ سفاهةً وأزيدُ حِلمًا كعودٍ زادَه الإحراقُ طِيبًا

فالسَّفيهُ - عباد الله - كالضَّرعِ إن حلبتَه درَّ، وإن تركتَه قرَّ.

وقد كان عُميرُ بن حبيبٍ ممن أدركَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فكان يقولُ لبَنِيه: بنِيَّ!
إياكم والسُّفهاء؛ فن مُجالستهم داءٌ، من يحلُم عن السَّفيه يُسَرُّ، ومن يُجِبْهُ يندَمُ،
ومن لا يرضَى بالقليلِ مما يأت به السَّفيهُ يرضَى بالكثيرِ.

ولا خيرَ في عقلٍ إذا العلمُ غائبٌ ولا خيرَ في علمٍ يكونُ بلا عقلِ
فلا بُدَّ من علمٍ وعقلٍ كلاهُما يصُدَّان عنَّا ذا السَّفاهَةِ والجهلِ

هذا وصلُّوا - رحمكم الله - على خيرِ البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله،
صاحبِ الحوض والشفاعة؛
فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسِه،
وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -،
فقال - جل وعلا -:

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا {
[الأحزاب : 56]،

وقال - صلواتُ الله وسلامه عليه -:

( من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها شرًا ).

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحابته والتابعين،
ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشرك والمُشركين،
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدينَ عن المَدينين،
واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك،
واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حيُّ يا قيُّوم،
اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكانٍ، اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكانٍ،
اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكانٍ،
اللهم كُن لإخواننا المُستضعفين في سُوريا، اللهم كُن لإخواننا المُستضعفين في سُوريا،
اللهم كُن لهم ولا تكُن عليهم، اللهم أعِنهم ولا تُعِن عليهم،
اللهم اشفِ مرضاهم، وفُكَّ أسراهم، وارحم موتاهم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أجعل شأن من ظلمَهم في سِفال، وأمرَه في وبالٍ،
يا حيُّ يا قيُّوم يا رب العالمين يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء،
اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين.

}رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار {
[البقرة: 201].

سبحان ربِّنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 19-02-2012, 09:42 AM   #86
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى بتاريخ 25/3/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله –
خطبة الجمعة بعنوان:
"أعمال يسيرة بأجور كبيرة"،

والتي تحدَّث فيها عن نعمةِ الله على عباده، ومدَى حبه لهم؛
حيث ضاعفَ لهم الأجور والحسنات على أعمالٍ يسيرةٍ؛
فقد ذكرَ بعضَ الأعمال الصالحة؛ من طهارةٍ، وصلاةٍ، وصيامٍ، وعُمرةٍ، وأذكارٍ،
وغير ذلك قليلةٌ في فعلِها ويسيرة ولكنها عند الله عظيمةٌ وجليلة.


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى؛ فمن اتقَى ربَّه ارتَقَى درجات، وطابَ مآلُه بعد الممات.

أيها المسلمون:

إذا أراد الله أن يُكرِم عبدَه بمعرفته وجمعِ قلبه على محبَّته؛ شرَحَ صدرَه لقَبول صفاته،
ومن صفاته - سبحانه -:
الكرم بكثرة الخير وجَزيلِ العطاء،
ومن نُعوته:
الشُّكر يشكُر القليلَ من العمل بمُضاعَفَة الثواب أضعافًا كثيرة،

}إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ{
[فاطر: 34].

وأقلُّ ما يُضاعِفُ به الحسنةَ عشرُ حسنات، وشكرَ المؤمنين بجنَّاتِ النعيم،
والمُسلمُ لا يحتقِرُ أيَّ عملٍ صالحٍ، فلا يدري ما الذي يُدخِلُه الجنةَ منه،
ومن وصايا النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:

( لا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا )؛
رواه مسلم.

قال ابن حجر - رحمه الله -: "ينبغي للمرءِ ألا يزهَدَ في قليلٍ من الخيرِ أن يأتيَه، ولا في قليلٍ من الشرِّ أن يجتنِبَه؛
فإنه لا يعلَم الحسنةَ التي يرحمُه الله بها، ولا السيئةَ التي سخَطُ عليه بها".

وخصَّ - سبحانه - أعمالاً يسيرةً بثوابٍ جزيلٍ مُضاعَفٍ عنده؛ فالتوحيدُ دينُ الفِطرة،
وجزاءُ أهله الجنة؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( من لقِيَ اللهَ لا يُشرِكُ به شيئًا دخلَ الجنةَ )؛
رواه مسلم.

ومن كان آخرَ كلامِهِ من الدنيا: لا إله إلا الله دخلَ الجنةَ.

وأثابَ - سبحانه - على فروعٍ في العباداتِ يتكرَّرُ عملُها في اليوم والليلة بتكفيرِ الخطايا
وفتحِ أبوابِ الجِنان؛ فجعلَ الطُّهورَ شطرَ الإيمان، والسِّواكَ مرضاةً له - سبحانه -،
ومن توضَّأَ فأحسنَ الوضوءَ خرجَت خطاياهُ من جسدِهِ حتى تخرُج من تحت أظفاره،
ومن فرَغَ من الوضوءِ وقال:

( أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُ الله ورسوله؛
إلا فُتِحَت له أبوابُ الجنةِ الثمانية يدخُلُ من أيِّها شاء )؛
رواه مسلم.

و( من توضَّأَ فأحسَنَ الوضوءَ،
ثم صلَّى ركعتين يُقبِلُ عليهما بقلبِهِ ووجهِهِ وجبَتْ له الجَنَّة )؛
رواه النسائي.

وجعلَ خُطوات الماشِي إلى الصلاة إحداهما تحُطُّ خطيئةً، والأخرى ترفَعُ درجةً،
والمُنادِي بالأذان يُغفَرُ له مدُّ صوته ويشهدُ له كلُّ رَطبٍ ويابِسٍ،
ومن سمِعَ المُؤذِّنَ وقال مِثلَ قوله كان له كأجرِه،

( وإذا قال المُؤذِّن: أشهدُ أن محمدًا رسول الله، فقال من سمِعَه: وأنا أشهدُ،
رضِيتُ بالله ربًّا، وبمُحمَّدٍ رسولاً، وبالإسلام دينًا؛ غُفِرَ له ذنبُه )؛
رواه مسلم.

ولفضلِ الصلاةِ وعُلُوِّ منزلتها كان ثوابُ الأعمال فيها عظيمًا؛ فمن غدَا إلى المسجدِ أو راحَ
أعدَّ الله له في الجنةِ نُزُلاً كلما غدَا أو راحَ، وصلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاةِ الفَذِّ بسبعٍ وعشرين درجة،
ومن صلَّى الصُّبحَ فهو في ذِمَّةِ الله وحِفظِهِ حتى يُمسِي.

ومن حافَظَ على صلاةِ العصر ضُوعِفَ له أجرُه مرتين؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( إن هذه الصلاةَ عُرِضَت على من كان قبلَكم فضيَّعُوها،
فمن حافَظَ عليها كان له أجرُه مرتين ( رواه مسلم.

ومن صلَّى العشاءَ في جماعةٍ فكأنَّما قامَ نصفَ الليل، ومن صلَّى الصبحَ في جماعةٍ فكأنَّما صلَّى الليلَ كلَّه.

وركعتان قبل الفجرِ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ومن صلَّى اثنتَيْ عشرة ركعة في يومٍ وليلةٍ
بنَى الله له بيتًا في الجنة، وركعتان في الضُّحَى تُؤدِّي شُكرَ نعمةِ جميع مفاصِلِ الإنسان.

وشرَعَ - سبحانه - أذكارًا في الصلاةِ جامِعة أُجُورُها مُضاعَفة؛
صلَّى رجلٌ خلفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلما رفعَ رأسَه من الركوعِ
قال: ربَّنا ولك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مُبارَكًا فيه،
فقال - عليه الصلاة والسلام -:

( رأيتُ بِضعةً وثلاثين مَلَكًا يبتدِرُونها أيُّهم يكتُبُها أول )؛
رواه البخاري.

والتأمينُ مع الإمام آخر الفاتِحة يُغفَرُ لصاحبِهِ إن وافقَ تأمينَ الملائكة.

( ومن قرأَ آيةَ الكُرسي عقِبَ كل صلاةٍ لم يمنَعه دخول الجنةِ إلا أن يموت )؛
رواه النسائي.

ومن قال حين ينصرِفُ من المغرب: اللهم أجِرني من النار. سبعَ مراتٍ؛
نجَّاه الله منها إن ماتَ من ليلته، وإن قالَها بعد الصُّبحِ ومات من يومه؛ نجَّاه الله منها.

وكتابُه - سبحانه - مُبارَكٌ، من دنا منه ارتفَع، ومن قرأَ حرفًا منه
فله بكلِّ حرفٍ حسنة، والحسنةُ بعشرِ أمثالها، و

}قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{
[الإخلاص: 1]

تعدِلُ ثُلُثَ القرآن، ومن أحبَّها دلَ الجنة؛ قال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله! إني أُحِبُّها.
فقال عليه الصلاة و السلام :

( حُبُّك إياها أدخَلَك الجنةَ )؛
رواه البخاري.

و( يُقال يوم القيامة لقارئِ القرآن:
اقرأ وارتَقِ ورتِّل كما كنتَ تُرتِّلُ في الدنيا؛
فإن منزِلَك عند آخر آيةٍ تقرؤُها )؛
رواه أبو داود.

والإسلامُ عظَّمَ أواصِرَ الأُخُوَّة والمودَّة بين المُسلمين، ورتَّبَ الأُجورَ الوَفيرةَ لمن قوَّاها؛
فما من مُسلِمَين يلتقِيَان فيتصافَحَان إلا غُفِر لهما.

و( إذا عادَ المُسلمُ أخاه المُسلمَ لم يزَل في خُرْفَة الجنة ).
قيل: يا رسول الله! وما خُرْفَة الجنة؟ قال:

( جَنَاها )
رواه مسلم.

والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ، ومن شهِدَ جنازةً حتى يُصلَّى عليها فله قِيراطٌ.
والقِيراطُ مِثلُ جبل أُحُد، ومن شهِدَها حتى تُدفَنَ فله قِيراطان.

ومن أحسنَ إلى المُسلمين ونصرَ دينَ الله نجَا وارتَقَى؛ فمن بنَى لله مسجِدًا بنى الله له بيتًا في الجنة،
ومن كفَلَ يتيمًا كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنة،

( والساعِي على الأرملَة والمِسكين كالقائمِ الذي لا يفتُر،
وكالصائمِ الذي لا يُفطِرُ )؛
متفق عليه.

والمُتصدِّقُ تعظُمُ صدقتُه عند الله؛ فالتمرةُ يأخُذُها - سبحانه - ويُربِّيها حتى تكونَ مِثلَ الجبل،
ومن أخفَى صدقتَه ولو قلَّت أظلَّه الله تحت ظِلِّ عرشِه.

ومن قال لصانِعِ المعروفِ: جزاكَ اللهُ خيرًا؛ فقد أبلَغَ في الثناءِ.

وإصلاحُ ذاتِ البَيْن من الرحِمِ وغيرها أفضلُ من درجةِ الصيامِ والصلاةِ والصدقة.

ولعظيمِ حُرمة المُسلم عند الله مَنْ أبعدَ عنه ما يُؤذِيه أدخلَه الله الجنةَ؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( لقد رأيتُ رجلاً يتقلَّبُ في الجنةِ في شجرةٍ قطَعَها من ظهر الطريقِ كانت تُؤذِي الناسَ )؛
رواه مسلم.

بل من أحسَنَ إلى البهائمِ فإن اللهَ يشكُرُه؛

( رأى رجلٌ كلبًا يلهَثُ من العَطَشِ فسقاهُ ماءً، فشكرَ اللهُ له فغفَرَ له )؛
رواه البخاري.

وتكرَّم - سبحانه - باصطِفاءِ كلماتٍ معدودةٍ من الأذكارِ جعلَ ثوابَها عظيمًا؛

فالحمدُ لله تملأُ المِيزان، ومن قالَ: سبحان الله العظيمِ وبحمده؛
غُرِسَت له نخلةٌ في الجنةِ.

وسُبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، خفيفتان على اللسان،
خفيفتان في المِيزان، حبيبتان إلى الرحمن.

ومن قال:

سبحان الله وبحمده في يومٍ مائةَ مرَّةٍ؛
حُطَّت خطاياه وإن كانت مِثلَ زَبَد البحرِ.

و«من قال: سبحان الله مائةَ مرَّة؛ كُتِبَت له ألفُ حسنة،
أو حُطَّت عنه ألفُ خطيئةٍ»؛
رواه مسلم.

ولا حول ولا قوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة، وسُبحان الله، والحمدُ لله،
ولا إله إلا الله، والله أكبرُ أحبُّ الكلام إلى الله؛

قال عنها - عليه الصلاة والسلام -:

( أحبُّ إليَّ مما طلَعَت عليه الشمسُ )؛
متفق عليه.

وقال لجُويرية - رضي الله عنها - وكانت تذكُرُ اللهَ من بعد الفجرِ إلى ارتِفاعِ الضُّحَى:

( لقد قلتُ بعدَكِ أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مرَّاتٍ لو وزِنَت بما قُلتِي مُنذُ اليوم لوَزَنتهُنَّ:
سُبحان الله وبحمده عددَ خلقِه، ورِضا نفسِه، وزِنةَ عرشِهِ، ومِدادَ كلماته )؛
رواه مسلم.

ومن صلَّى على النبي - صلى الله عليه وسلم - مرَّةً صلَّى الله عليه بها عشرًا.
ونِعمُ الله علينا تَتْرَى، نِعَمٌ نازِلة، وأخرى عند الخلقِ باقِية، ومن قال حين يُصبِحُ:

«اللهم ما أصبحَ بي من نعمةٍ فمنك وحدكَ لا شريك لك،
فلك الحمدُ ولك الشكر؛ فقد أدَّى شُكرَ يومه،
ومن قال مِثلَ ذلك حين يُمسِي فقد أدَّى شُكرَ ليلته»؛

رواه أبو داود.

والله - سبحانه - يُحبُّ المُسلِمَ ويُكرِمَه ويُدافِعَ عنه، وشَرَعَ أسبابًا لحِفظِه من أعدائِه؛
فأنزلَ آياتٍ قصيرةٍ تحفَظُ المرءَ في ليله ونهارِهِ ومنزلِهِ ومنامِه؛ فالمُعوِّذتان ما تحصَّنَ مُتحصِّنٌ
بمثلِهِما في صباحِهِ ومسائه، ومن قرأَ الآيتين من أواخر سورة البقرة كفَتَاه من كل شرٍّ،
ومن قرأَ آيةَ الكُرسي قبل نومِهِ؛ لم يزَلْ عليه من الله حافِظٌ حتى يُصبِح.

وشرعَ - سبحانه - أدعيةً من دعا بها ولو ماشِيًا حفِظَه الله من كل مكروهٍ؛

«فمن نزلَ منزلاً وقال:
أعوذُ بكلمات الله التامَّات من شرِّ ما خلَق لم يضُرَّه شيءٌ
حتى يرتحِلَ من منزلهِ ذلك»؛
رواه مسلم.

و«من خرجَ من داره فقال: بسم الله، توكَّلتُ على الله،
لا حول ولا قوة إلا بالله؛ قالت له الملائِكةُ: كُفِيتَ وُوفِيتَ،
وتنحَّى عنه الشيطانُ»؛
رواه الترمذي.

وبِدعاءٍ مع عملٍ صالحٍ من قالَه أدخلَه الله الجنةَ، وأعاذَه الله من النار؛ قال - عليه الصلاة والسلام -:

«من سألَ اللهَ الجنةَ ثلاثَ مرَّاتٍ قالت الجنةُ: اللهم أدخِله الجنةَ،
ومن استَجَارَ من النار ثلاثَ مرَّاتٍ، قالت النارُ: اللهم أجِره من النار»؛
رواه الترمذي.

واللهُ - سبحانه - يُنعِمُ على العبد بنِعَمه السابِغة،
وإذا تمتَّعَ بها وشكَرَ اللهَ عليها غفَرَ له ذنبَه؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( من أكلَ طعامًا فقال:
الحمدُ لله الذي أطعمَني هذا ورَزَقنيه من غير حولٍ مني ولا قوةٍ؛
غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِهِ )؛
رواه الترمذي.

وبسَطَ - سبحانه - نفَحَاتِه في مجالسِ الناسِ بعد لغَطِهم فيها لتكون صحائِفُهم بيضاء نقيَّة؛

( فمن جلَسَ في مجلسٍ كثُرَ فيه لغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسِهِ ذلك:
سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفِرُك وأتوبُ إليك؛
إلا غُفِرَ له ما كان في مجلِسِه ذلك )؛
رواه الترمذي.

واللهُ بمنِّهِ جعلَ أزمانًا فاضِلَةً، منها ما لا تُردُّ فيه دعوةٌ؛ ففي كل ليلةٍ يتفضَّلُ - سبحانه -
على عبادِهِ بإعطائِهم ما سَأَلُوه؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( إن في الليلِ لسَاعةً لا يُوافِقُها رجلٌ مُسلمٌ يسألُ اللهَ خيرًا من أمر الدنيا والآخِرة
إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة )؛
رواه مسلم.

و( في آخرِ كلِّ ليلةٍ ينزِلُ ربُّنا إلى السماءِ الدنيا، فيقول:
من يدعُوني فأستجيبَ له، ومن يسألُني فأُعطِيَه، من يستغفِرني فأغفِرَ له )؛
متفق عليه.

وتكرَّم في آخر ساعةٍ من الجُمُعة بإجابةِ دعواتِ عباده.

وفي كل عامٍ خصَّ ليلةَ القدرِ العملُ فيها خيرٌ من ألفِ شهر،
ومن قامَها إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه.

وصومُ يوم عرفة يُكفِّرُ سنتين، وصيامُ عاشوراء يُكفِّرُ السنةَ الماضِية،
وصيامُ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهرٍ كصِيامِ سنةٍ، وعُمرةٌ في رمضان تعدِلُ حجَّةً.

وفضَّلَ - جل وعلا - أماكنَ خصَّها بمزيدِ مُضاعفَةِ الحسنات؛
فصلاةُ المسجد الحرام خيرٌ من مائةِ ألفِ صلاةٍ،
وصلاةٌ في مسجدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - خيرٌ من ألفِ صلاةٍ،
وصلاةٌ في المسجدِ الأقصى عن خمسمائةِ صلاةٍ،
ومن تطهَّرَ في بيته ثم أتَى مسجدَ قُباء فصلَّى ركعتين كان له كأجرِ عُمرة.

وفي زمنِ الفِتَنِ وتلاطُمِ المِحَن يُضاعِفُ - عز وجل - ثوابَ الأعمال؛
فالقابِضُ على دينه في آخر الزمانِ له أجرُ خمسين من الصحابة،

( وعبادةٌ في الهَرْجِ - أي: الفتنِ - كهِجرةٍ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - )؛
رواه مسلم.

ومن عجَزَ عن عملٍ أو قولٍ لعُذرٍ وهو صادقُ النيَّةِ في ذلك أعطاه الله بكرمِهِ أجرَ العاملين وإن لم يعمَلْه؛

( فمن سألَ اللهَ الشهادةَ بصدقٍ بلَّغَه الله منازِلَ الشُّهَداء
وإن ماتَ على فِراشِه ) ؛
رواه مسلم.

ومن تمنَّى أن عندَه مالاً ليتصدَّقَ به نالَهُ أجرُ المُتصدِّقين، ومن أحبَّ أحدًا حُشِرَ معه
وإن لم يكُن مِثلَه؛ قال أنسٌ - رضي الله عنه -: "ما فرِحْنا بعد الإسلام فرَحًا أشدَّ
من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:

( إنك مع من أحببتَ ).

قال أنس: "فأنا أُحِبُّ اللهَ ورسولَه وأبا بكرٍ وعُمر،
وأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم".

وإذا سافرَ العبدُ أو مرِضَ كتبَ اللهُ بفضلهِ أجرَه صحيحًا مُقيمًا.

والهمُّ والحُزنُ يحُطُّ الخطايا والأوزار؛ بل لعظيمِ فضلِ اللهِ من همَّ بحسنةٍ
ولم يعمَلها كُتِبَت له حسنةٌ كامِلة، ومن همَّ بسيئةٍ فلم يعمَلْها كتبَها اللهُ عندَه حسنةً كامِلة.

وبعدُ، أيها المسلمون:
فالمُوفَّقُ من فَقِهَ كرمَ اللهِ وشُكرَه، وعمِلَ بمُقتضَى صفاتِه،
وسابَقَ إلى الصالحات ليكونَ من السابقين إلى دخول الجنات، ومن نوَّعَ أعمالَه الصالِحة
تنوَّعَت لذَّاتُهُ في الآخرة، والعملُ يتضاعَفُ بالإخلاصِ، ومن علامةِ قَبُولِ الحسنةِ الحسنةُ بعدها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

}إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا{
[النساء: 40].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم،
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أيها المسلمون:

من رحمةِ الله بعباده أن بعثَ إليهم رُسُلاً مُبشِّرين ومُنذِرين،
ولم يشُقَّ - سبحانه - على خلقِهِ بالابتِداعِ في الدين؛ بل بيَّن لهم ما يُحبُّه ويرتضِيه،
وعلَّقَ القَبولَ بإخلاصِ العمل وطاعةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في مُتابَعتِه،
ومن ابتدَعَ فقد كلَّفَ نفسَه ما لم يأذَن به الله، وعملُه مردودٌ ولا يجنِي منه سِوَى العَناءِ والإثمِ؛
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -:

"اتَّبِعوا ولا تبتدِعُوا؛ فقد كُفِيتُم".

وكان عُمرُ - رضي الله عنه - يهُمُّ بالأمر ويعزِمُ عليه، فإذا قِيلَ له:
لم يفعلهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ انتَهَى.

والمؤمنُ يجمعُ بين الإخلاصِ والاتباعِ، ويُكثِرُ من العملِ الصالحِ ما استطاعَ.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّهِ، فقال في مُحكَم التنزيل:

}إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا {
[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمدٍ،
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون:
أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين،
واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم اجعل أعمالَنا كلَّها صالِحة، واجعلها لوجهِك خالِصة، ولا تجعل لأحدٍ فيها شيئًا.

}رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {
[البقرة: 201].

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،
اللهم يا قويُّ يا عزيزُ يا عظيمُ يا ملِكُ يا قديرُ،
اللهم انصُر المُستضعَفين من المُسلمين في الشام،
اللهم كُن لهم وليًّا ونصيرًا، ومُعينًا وظَهيرًا،
اللهم أيِّدهم بجنودٍ من عندك يا ربَّ العالمين،
اللهم اربِط على قلوبِهم، وسدِّد رميَهم، وكُن معهم بملائكتِك يا رب العالمين.

واللهم أدِر دائرةَ السَّوءِ على عدُوِّك وعدوِّهم، اللهم اجعل كيدَهم في نُحورهم،
وألقِ الرُّعبَ في قلوبهم، واجعل بأسَهم بينهم، وجُندَهم وعتادَهم عليهم،
وشتِّت شملَهم، واجعلهم عِبرةً للمُعتبِرين يا عظيمُ يا قويُّ يا عزيزُ.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقَراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.

}رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ {
[الأعراف: 23].

اللهم وفِّق إمامنا لهُداك، واجعل عمله في رِضاك،
ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين لِما فيه رِضاكَ يا رب العالمين.

}رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {
[البقرة: 201].

عباد الله:

}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
[النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم،
ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 19-02-2012, 09:45 AM   #87
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 25/3/1433 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس - حفظه الله –
خطبة الجمعة بعنوان:
" غيابُ القيم في ظل الفتن "،

والتي تحدَّث فيها عن القِيَم والأخلاق الحميدة التي جاء بها الإسلام،
ورسولُ السلام - عليه الصلاة والسلام -، ونبَّه على ضرورة التمسُّك بها،
مُشيرًا إلى ما يحدُثُ في هذه الأيام من تطاوُلٍ على الذات العليَّة،
والمقامِ النبوي، وأيضًا مُندِّدًا بما يحدُثُ من بعضِ الحُكَّام الظلمةِ والطُّغاة
الذين سامُوا شعوبَهم سوءَ العذابِ، مُستشهِدًا في ذلك بالآيات الكريمة،
والأحاديث الصحيحة، وبعضِ الأشعار المُعبِّرة.



إن الحمد لله، نحمدُك ربي ونستعينُك ونستغفرُك ونُثنِي عليك الخيرَ كلَّه.

حمدًا وشُكرًا يا إلهي وخالِقِي وليس بذاكَ الشكرِ نُوفِي فضائِلَك

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نلهَجُ بها اعتقادًا واعترافًا،
ونرشُفُ من معينِها أزكَى المناقبِ عَلَلاً واغتِرافًا،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أسمَى العبادِ شمائلَ وأوصافًا،
اللهم فصلِّ وبارِك عليه، من نحَلَ البريَّةَ دُررًا من الشِّيَم أصنافًا، ومن بديعِ القِيَم أصدافًا،
وعلى آله الطيبين الطاهرين الأُلَى كانوا على الحقِّ أُلاَّفًا،
وصحابتِهِ الغُرِّ الميامين نُبلاً وألطافًا،
والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ يرجو من الرحمن جنَّاتٍ ألفافًا،
وسلِّم ربَّنا تسليمًا كثيرًا ما انهمَرَ غيثٌ وكَّافًا.



فيا عباد الله:

خيرُ ما يُوصَى به تنافُسًا واستِباقًا: تقوى الله - عز وجل - خوفًا وإشفاقًا؛
فتقوى الديَّان تعمُرُ القلبَ إشراقًا، وتُزكِّي الأركانَ ندًى وإيراقًا،
والروحَ خضوعًا وائتِلاقًا،

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{
[الأحزاب: 70، 71].

وما لبِسَ الإنسانُ أبهَى من التُّقَى وإن هو غالَى في حِسانِ الملابِسِ

وإن التُّقَى للمرءِ زادٌ ورِفعةٌ وخيرُ ضِياءٍ في ظلامِ الحنادِسِ

أيها المسلمون:
في مُلتَهَبِ القضايا العالمية الكاسِرة، والمِحَن السياسية الهاصِرَة،
والفِتنِ المُدلهِمَّةِ الكاسِرة تنبجِسُ قضيةٌ تأصيليَّةٌ جِدُّ مهمَّة، أصلُها ثابتٌ مُنيف،
وفرعُها باسِقٌ ورِيف، لها دلالاتٌ كعذبٍ رحيقٍ، ورَسمٌ وضِيءٌ رقيق،
كيف وقد قامَ الإسلامُ على جانبٍ منها متين، ورُكنٍ لسعادة البشريَّة ركين.

ولكن من أسَفٍ لاعِجٍ غاضَت أنهارُها، وانطَفَأت أنوارُها لدى كثيرٍ من
الناس دون خجلٍ أو إحساس، تلكُم - يا رعاكم الله - هي:
قضيةُ القِيَم المُزهِرَة، والشِّيَم الأخَّاذة المُبهِرَة التي أعتَقَت الإنسانَ من
طيشِه وغُرُوره إلى مداراتِ الحقِّ ونورِه، ومن أوهاقِ جهلِه وشُروره
إلى علياءِ زكائهِ وحُبُوره.

وأنَّى يخفَى على شريفِ علمِكم أن الإسلامَ وحده إياه لا غيرَه ولا سِواه هو
مَوئِلُ القِيَم والفضائل، والمهدُ البديعُ لشُمِّ المُثُلِ والخلائِل،

}قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{
[الأنعام: 161].

معاشر المسلمين:

وفي إرشاد العالَمِ إلى أعالي القِيَم، وقِمَم الشِّيَم جاء الإسلامُ بالمُساواة بين
الأجناس، والتراحُم بين الناس في تآلُفٍ وتعارُف ينبُذانِ التعادِيَ
والتخالُف، يقول الباري - جلَّ اسمُه -:

}يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ{

[الحجرات: 13].

وكذا شِيمةُ إحقاقِ الحقِّ وإن لم يُطَب؛ إذ به قِوامُ العالَمِ وأمنُه وانتِظامُه،
وقُطبُ رَحاهُ ومَرامُه،

}وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ{
[الإسراء: 105].

ومن مذخورِ تلك القِيَم ورِكازِها: الحثُّ على إقامةِ فُسطاطِ العدل،
ذلكمُ المَعينُ الرقراق الذي يُسعِدُ العبادَ، ويُخصِبُ البلاد، وتطمئنُّ بهيبتِهِ
القلوبُ، وتنجلِي به غياهِبُ الكُرُوب؛ بل تعدَّى الأمرُ العدلَ إلى الإحسانِ،
كما قال تعالى:

}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ {
[النحل: 90].

مُطلَقُ العدلِ والإحسانِ في الأسرة والمُجتمع والأوِدَّاء مع الرعيَّةِ
أو الأعداء؛ بل في العالمين على حدٍّ سواءٍ.

وإذا العدالةُ في العالَمين تحكَّمَت جاءَت لهم بنعيمِها النَّعماءُ

نالُوا الحقوقَ كبيرُهم كصغيرِهم فالكلُّ في بابِ القضاءِ سَواءُ
إخوة الإسلام:

أما دفعُ الظلمِ واجتِثاثُ أُصولِه، ودَحرُ جلاوِزَته وأُسطُوله، فقيمةٌ أصَّلَتها
الأديان، ودانَ بها بنُو الإنسان على اختلافِ مذاهِبهم ومشارِبهم،
وعزَّزَها الإسلامُ ونصرَها، وتوعَّدَ من خالَفَها وغمَرَها،

}وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا{
[طه: 111]؛

لأن الظلمَ يُتبِّرُ الديارَ، وعُقباه أشدُّ فتكًا من النار،
يقول - عليه الصلاة والسلام -:

( إن الناسَ إذا رأَوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يديه أوشكَ أن يعُمَّهم الله بعقابٍ منه )؛
رواه أبو داود والترمذي.

وقال - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه البيهقيُّ وابن حبان في "صحيحه"

( شهِدتُ في دار عبد الله بن جدعان حِلفًا لو دُعِيتُ إلى مثلِهِ في الإسلام لأجبتُ )

وهذا الحِلفُ ينتصِفُ إلى الوَضيعِ من الرفيعِ، وللمظلومِ من الظالِم،
ومن ذي المرتبة لذي المتربَة.

أما مُثُلُه وقِيَمُه - عليه الصلاة والسلام - أوانَ السِّلمِ والأمان،
والحربِ والطِّعان؛ فإنها دستورُ المبادِئِ النفائِس، والفرائِدِ العرائِس؛
عن بُريدَةَ - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم –
إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سرِيَّة أوصاه في خاصَّتِهِ بتقوَى الله ومن معه
من المُسلمين خيرًا، ثم قال:

( اغزُوا بسمِ الله، وفي سبيل الله، ولا تغُلُّوا، ولا تغدِروا،
ولا تُمثِّلُوا، ولا تقتُلوا وَليدًا )؛
رواه مسلم. وفي روايةٍ:

( ولا شيخًا ولا امرأةً ) .

الله أكبر، الله أكبر! إنها الأخلاقُ الإنسانية، والشمائلُ المُحمدية.

إذا غَزَا فالرِّفقُ يغزُو قبلَه والرِّفقُ أعتَى جحفَلٍ جرَّارِ

إخوة الإيمان:

وفي هذا الأوانِ العَصيبُ استِناخَ الظلمُ ليلاً حالِكًا في طُغاةٍ سامُوا شُعوبَهم
الظلمَ والاستِبداد، والطُّغيانَ والاستِعباد، وصمُّوا عن صوتِ الحقِّ
والرشاد، ولجُّوا في الجُحودِ والعِناد.

فيا للهِ! كيف ضاعَت القِيَم وغابَت الشِّيَم؟! أين النُّهَى والرأيُ الأسَدُّ؟!
حَتامَ الارتِكاسُ في مُستنقَع الطُّغيان والبطشِ الأشَدِّ! حتى غدَت تلك الرُّبَى
الشَّهباء والخمائِلُ الفَيحاء بين الأنقاضِ والأشلاءِ، وأهوالِ الدموعِ والدماءِ.

يا قومِ نادُوا طُغاةً عمَّهم أفَنٌ أن ليس هذا من الأخلاقِ والقِيَمِ

إن المبادئَ والأخلاقَ سُنَّتُها تبنِي الشُّعوبَ وترعَى حُرمةَ الأُمَمِ

وما وحشيَّةُ الإنسانِ وقسوتُه إلا مِرآةُ حِقدِه وانتِكاستُه،

}هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ{
[ص: 55].

نعم، لنا اللهُ مولانا نُؤمِّلُه عند الرخاءِ وفي الشِّدَّاتِ والنُّوَبِ

ربٌّ يغارُ ومن يطلُبهُ يُدرِكهُ لا أرضٌ تقِيهِ ولا قصدٌ إلى هَرَبِ

عباد الله:

شُرَفاءَ العالَم، عُقلاءَه وأحرارَه في كل مكانٍ! لقد تحتَّم وآن تعزيزُ القِيَم
وإعلاءُ الشِّيَم، وإحياءُ الذِّمَم بين بني الإنسان، والائتلافُ حول معاقِدِ الحقِّ
والعدلِ والأخلاقِ، لا حول الذَّوَاتِ والطوائِفِ والأعراقِ.

وأن يُحقَّقَ الإِخاءُ الإنسانيُّ والأمنُ العالَميُّ، المُجرَّدُ عن المطامِعِ
والدوافِع، المُبرَّأُ عن الأغراضِ المدخولةِ والمنافِع، وأن يكون لله احتِسابًا،
ولآصِرةِ الإنسانيةِ انتِسابًا، فلن يرسُو العالَمُ المنكوب في مرافِئِ العدلِ
والسلامِ إلا بدحرِ الظلمِ والعُدوان، وإن شذَّ من شذَّ ومانَ دون حُجَّةٍ
أو بُرهان.

وأن يكون الانتِصارُ للقِيَم طيَّ الأفكارِ والأرواحِ لا الأدراجِ ومهبِّ الرياح،
إلا يكُن فعلَى الدنيا العَفاء، وسطِّرُوا على أطلالِ الهيئاتِ والمجالسِ
والأُمَم عباراتِ الفناءِ.

ليس السلامُ ترنُّمًا يحلُو لِمَن عشِقَ السلامَ لجَرسِهِ يتسمَّعُ

إن السلامَ مواقِفٌ تُبنَى على أُسُس العدالةِ لا تُخانُ وتُقطَعُ

أين تجريمُ الإرهاب، وتحريمُ الإرعاب؟! أين شِيَمُ الإنصافِ والنُّصرةِ
والسلام التي أعلَنَت بياتًا شتائيًّا حَولاً كاملاً لا أمَدَ لانقِضائه،
وتحرُّكًا تقليديًّا لا أملَ لانطِوائِه، حِيالَ إخواننا المكلومين في سوريا.

نبكِي على تلك الرُّبَى في الشامِ حيثُ الجُرحُ غائِر

ونَهيمُ في أرجائِها بين المساجِدِ والمنائِر

فاللهُ المُستعان.

وإلى متى يستمرُّ الاستِبدادُ والطُّغيان المُمنهَجُ يحصِدُ أرواحَ الأطفال
والشيوخ، وأبطالَ العِزَّة والشموخ، ولا حول ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم.

هُمُ الذين لك اللهمَّ قد صبَرُوا وكلُّهم لك فيما كانَ مُحتسِبُ

فلا يُغَرَّ بما يلقَونَ طاغيةٌ فلن يكون لغيرِ المؤمنِ الغَلَبُ

فالصُّبحُ آتٍ وإن طالَ الدُّجَى زمنًا والغيثُ يُرجَى إذا ما اسودَّتِ السُّحُبُ
فلِزامًا على أصحابِ المُبادَرات والقرار غَذُّ السيرِ بمَضاءِ الصارمِ البتَّار،
لانتِشالِ البلَدِ الجريح، والوطنِ من مُدَى الخَديعة والاستِكبار الصريح،

}اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا {
[فاطر: 43].

يا ربِّ سلِّم أهلَها واحمِ المواطِنَ والمنازِلَ

واحفَظ بلادَ المُسلمين عن الميامِنِ والشمائِل

يا ربِّ صُن أعراضَهم ونُفوسَهم من كلِّ قاتِل

وغدًا إذا الحقُّ اعتَلَى حتمًا سيزهَقُ كلُّ باطِل
أمة الإسلام:

وفي ظلِّ تعزيزِ قِيَمنا الربَّانية الومَّاضة التي تتأبَّى على التدليسِ والمُوارَبَة
والتلبيسِ: العدلِ، والصدقِ والوفاءِ، والرِّفقِ والصفاء، والأمانةِ،
والإحسان، والإخاء، وسِواها من كرائمِ الشِّيَم الغرَّاء،
وإبَّان غرسِها أزاهِير ضوَّاعةً في أفئِدَة المُجتمعات والأجيال.

ستنطلِقُ بنا - بإذن الله - أشعةُ هدايةٍ وحياةٍ نحوَ أمةٍ عالمية مُترَعةٍ
بالوِفاقِ والازدِهار، مُتألِّقةٍ بمعاني الإباء والنصرِ الغِزار، في حًصَانةٍ ذاتيَّةٍ
فريدة عن متاهاتِ الضلالةِ والصَّغَار والقِيَم المنبوذَةِ الحِقار التي قَذَفَت بها
الشبكات والتِّقَانات، وكثيرٌ من مواقعِ التواصُل الأفِكات، في سباقٍ محمومٍ
من التقليعاتِ والتغريدات.

فالانتِصارُ للقِيَم سَنَنُ العَودة الظافِرَة بالأمة لنقودَ العالَمَ بفُولاذِيِّ الهِمَّة،
ونكون فيه كما أرادَ الله لنا الهُداةَ الأئمة، ونسُوقَه إلى أفياءِ السلامِ والعدلِ
بالخُطُمِ والأزِمَّة.



أيها المسلمون:

هل صيحةٌ في اللهِ تُوقِدُ عزمَنَا فندُقُّ ما حاكَ الضلالُ وزوَّرَا؟!

هل غضبةٌ للهِ تجمَعُ شملَنَا لنقُودَ هذا العالَمَ المُتحيِّرَا؟!


هذا الرجاءُ وذاكَ الأمَلُ، ومن اللهِ - سبحانه - نستلهِمُ سدادَ القول وصوابَ العمل،

}إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{
[يوسف: 100].

أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم،
فاستِغفروه وتوبوا إليه واشكُروه، إنه كان حليمًا غفورًا.


الحمد لله، زكَّى القلوبَ والأعمالَ بأسنَى القِيَم، وأشكُرُه - سبحانه - على إنعامه المِدرارِ الأَتَمّ،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مِعراجُنا إلى شُمِّ القِمَم،
وصلواتُ ربي الطيباتِ المُبارَكات على النبيِّ الكريمِ هادِي الأُمَم،
وآلهِ وصحابتهِ معادنِ المناقِبِ وأسمَى الشِّيَم،
والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ ما جلَّت الأنوارُ حالِكَ الظُّلَم، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



فاتقوا الله - عباد الله -، واستمسِكوا جميعًا بعُرى الخِصالِ الحميدة والقِيَم؛
تفوزوا الفلاحَ والمجدَ الأعَمَّ.

إخوة الإيمان:

القِيَمُ الإسلامية هي مِعراجُ الروح لبناءِ الشخصيةِ السَّوِيَّة العالمية؛
شخصيَّةٍ مُبارَكةٍ مُتماسِكة، راسِخةٍ مُتناسِقة، وجيهَةٍ غير مُتشاكِسة،
وأُسوتُنا المُصطفى - صلى الله عليه وسلم -، هو المُضمَّخُ من القِيَم بأعظمِ
الحظِّ والنصيبِ؛ كيف وقد ترقَّى بالإنسانية شطرَ الكمالات، والمعالِي المُشمخِرَّات.

وإننا لنُزجِي للعالَمِ الذي اعتسَفَ كثيرًا من القِيَم، وأبادَها كالرِّمَم؛
تذكيرًا بلُمَعٍ من شِيَمه الباهِرَة، وسيرتِه الطاهِرة؛ فقد كان - بأبي هو وأمي
- عليه الصلاة والسلام - كان الصِدقُ أليفَه، والحِلمُ حليفَه، والعدلُ طريقَه،
والتواضُع رفيقَه، وإحقاقُ الحقِّ رحيقَه، أما الأمانةُ فسجيَّتُه، والرحمةُ الفيَّاضة فشِيمتُه،
}وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ{
[الأنبياء: 107].

ملأتَ الكونَ أخلاقًا ونورًا وقد كانت معالِمُه يَبَابًا

إذا ما الطُّهرُ صافَحَنا شَذَاهُ غَدَا أصفَى الوَرَى قلبًا ثِيابًا

إذا ما الحِلمُ عطَّرَنا رُواهُ سَباكَ العفوُ صبرًا واحتِسابًا

ومن أهمِّ ما يُعزِّزُ القِيَم في وقتِ جَفافِ منابِعِها، ويُعلِي الشِّيَم في زمنِ
التطاوُلِ على مرابِعِها؛ تربيةُ النشءِ وتوجيهُ الجيل وشبابِ الأُمَّة على
التأسِّي والاقتِداءِ بالحبيبِ المُصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ووجوبِ
تعظيمِهِ ومحبَّتِه، وتوقيرِه وطاعتِه، وطبعُهُم على إجلالِه وإعظامِه،
وذَودُهم عن بُؤَرِ الجُنوحِ الفِكريِّ النَّزِق، والتمرُّدِ الأرعَنِ على الأُصول
والثوابتِ الشرعية، والقِيَم النبوية المرعيَّة.

فمن اللَّوعَة والأسَى، والخَطبِ الذي نجَمَ - وبحمدِ الله - ما عسَى: التطاوُلُ
على الذاتِ العليَّة، وجنابِ سيدِ البريَّة - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -.

إنا إذا سِيْمَ الرسولُ أذِيَّةً تُلفَى لدينا أُهبَةٌ وكِفاحُ

ودِماؤُنا دون الرسولِ رخيصةٌ ففِداؤُه المُهجاتُ والأرواحُ

ولكن بفضلِ اللهِ، ثم بفضلِ الله؛ وُئِدَت في مِهادِها؛ بل قبل ميلادِها،
مِصداقًا لقول الحق - تبارك وتعالى -:

}إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ{
[الحجر: 95].

ألا بُعدًا، وبُعدًا، ثم بُعدًا لمن يرمِي النبُوَّةَ بالسِّهَامِ

برِئْنَا من سَفَاهَتِهِ وعُذْنَا بربِّ الكونِ من سُوءِ الخِتامِ

وهذا، وإن الأمةَ لترفعُ التقديرَ أعبَقَه، والدعاءَ أصدقَه لمقام خادمِ
الحرمين الشريفين - أيَّدَه الله - كِفاءَ غيرتِه وانتِصارِه للمُقدَّسات، ومواقفِه
الصارِمةِ البَلْجاء حِيالَ إخوانه في بلاد الشام، وما نضَحَت به مشاعِرُه من
نُبْلٍ وصفاءٍ، وغَيرةٍ على قِيَم الحقِّ والعدلِ والاتِّحادِ والإخاءِ، ودعوتِه
الصادقةِ إلى حقنِ الدماءِ، وكذا مواقِفُه الحكيمةُ الحازِمة ممن تطاوَلَ على
المقام الإلهي، والجَنابِ المُصطفوِيّ.

اللهم فاجعل ذلك له في موازين الحسنات، ورفيعِ الدرجات،
إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعَوَات.

ولا غرْوَ أيها الإمام الهُمام، دُمتَ مُوفَّقًا مُؤيَّدًا مُسدَّدًا.

فعِندكم دينٌ وفيكم شِيَمٌ خَزرجِيَّاتٌ ومجدٌ لن يُرامَا

ونفوسٌ لم تُطِق صبرًا على ظالمٍ وتأبَى أن تُضامَا


هذا، وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على من سمَا في العالَمين قدرًا وجَنابًا:
خيرِ الوَرَى آلاً وصِحابًا، صلاةً تعبَقُ مِسكًا وتَطيابًا،
كما أمرَكم المَولَى العزيزُ الجليلُ في مُحكَم التنزيلِ،
فقال تعالى قولاً كريمًا لُبابًا:

}إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{
[الأحزاب: 56].

فصلِّ ربِّي وسلِّم كلَّ آوِنةٍ على المُشَفَّعِ وانشُر طِيبَه فِينا

وآلهِ الغُرِّ والأصحابِ ما حَفِظُوا عهدَ النبيِّ وبَرُّوه مُوفِّينا

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على الرحمة المُهداة، والنِّعمةِ المُسداة:
نبيِّنا وسيِّدنا وقُدوتنا محمدِ بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين،
وعن الصحابة والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشركين، ودمِّر الطُّغاةَ
والظالمين، وسائرَ المُفسدين والمُلحِدين وأعداء الدين، واجعل هذا البلدَ
آمنًا مُطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائرَ بلاد المُسلمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا،
وأصلِح أئمتَنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، اللهم وفِّقه
لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيتِه للبرِّ والتقوى، وهيِّئ له البِطانةَ الصالِحة
التي تدُلُّه على الخير وتُعينُه عليه، اللهم وفِّقه ونائِبَه وإخوانه وأعوانه
إلى ما فيه صلاحُ البلاد والعبادِ.

لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيم،
لا إله إلا الله ربُّ السماوات وربُّ الأرض وربُّ العرشِ الكريم،
حسبُنا الله ونِعمَ الوكيل، حسبُنا الله ونِعمَ الوكيل، حسبُنا الله ونِعمَ الوكيل.

إلهَنا، إلهَنا، إلهَنا! عزَّ جارُك، وجلَّ ثناؤُك، وتقدَّسَت أسماؤُك،
ولا إله غيرُك، منك الفَرَج، وأنت المُستعان، وإليك المُشتكَى،
ولا حول ولا قوةَ إلا بك.

اللهم ارفع عن إخواننا في بلاد الشام، اللهم ارفع عن إخواننا في بلاد الشام،
اللهم انصر إخواننا في سوريا، اللهم انصر إخواننا في سوريا،
اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم،
وصُن أعراضَهم وأموالَهم، وأدِم أمنَهم وأمانَهم يا ربَّ العالمين.

نَدرأُ بك اللهم في نُحور أعدائِهم، ونعُوذُ بك اللهم من شُرُورهم.

اللهم إنا نسألُك أن تغفِرَ لموتاهم، اللهم اغفِر لموتاهم،
اللهم اشفِ مرضاهم، اللهم عافِ جَرحاهم، اللهم عافِ مُبتلاهم يا رب العالمين.

اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين، اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين،
اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين الذين سفَكوا دماءَ المُسلمين،

الذين سفَكوا الدماء، ونَثَروا الأشلاء، ولم يرحَموا الشيوخَ والأطفالَ والنساءَ،
اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك،
اللهم أنزِل عليهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القوم المُجرمين.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ
ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا،
اللهم إنا خلقٌ من خلقِك، فلا تمنَع عنا بذنوبِنا فضلَك، اللهم إنا نستغفرُك
إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا.

}رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{

[البقرة: 201].

ربَّنا لا تُؤاخِذنا بما فعلَ السُّفَهاءُ منَّا، ربَّنا تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليم،
وتُب علينا إنك أنت التوَّابُ الرحيم، واغفر لنا ولوالدِينا ولجميعِ المسلمين
الأحياءِ منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

سبحان ربك رب العزَّة عمَّا يصِفون،
وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 26-02-2012, 03:22 AM   #88
معلومات العضو





جابر حراز غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

جزاك الله خير اخوي







  رد مع اقتباس
قديم 26-02-2012, 08:30 AM   #89
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خُطَبّتى الجمعة من المسجد النبوى بتاريخ 2/4/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان:
" المصائب الدنيوية .. الداء و الدواء "،

والتي تحدَّث فيها عن المصائب التي تُصيبُ المُسلمين في هذه الأزمان المتأخرة،
وبيَّن بعضَ أسبابها، ثم أتبَعَها بكيفية الوقايةِ منها،
وقد استندَ في تقرير ذلك إلى بعضِ الآياتِ والأحاديثِ.



الحمد لله حمدًا يليقُ بجلال وجهه وعظيمِ سُلطانه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه خليلُ الله ومُصطفاهُ من خلقه،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ.




فيا أيها المُسلمون:
خيرُ ما نتواصَى به جميعًا: تقوى الله - جل وعلا - وطاعتُه وطاعةُ رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛
فبذلك وحده الفلاحُ والخيرُ والصلاحُ والنجاحُ دُنيًا وأُخرى.

أيها المسلمون:

يتساءَلُ الكثيرُ منَّا عن أحوالنا ماذا أصابَنا؟ كيف ذهبَت تلك البرَكاتُ في الأرزاق؟
وأين المواسِمُ التي كانت فيها الأرضُ تُنبِتُ من جميع الخيرات؟

يتساءَلُ الكثيرُ منا عن سبب تغيُّر النفوس، ولماذا كثُرت الأحقاد،
وأين ما كان معهودًا بين الناس من المحبة والصفَا والتعاوُن والوفا؟

نتساءَلُ جميعًا بلسان الحالِ وبلِسان المقال: ما سببُ قِلَّة الأمطار، وجفافِ الآبار؟
نتعجَّبُ مما يُصيبُ الآفاقَ من الغُبار الذي لا ينقطِعُ أمَدُه، والذي لم يكن معروفًا عند أسلافِنا،
نستغرِبُ مما أصابَ المُسلمين من جشعِ بعض التجار وتعامُل الفُجَّار.

ناهِيك عن التساؤُلِ عن تسلُّط الأعداء ومكرهم بالمُسلمين، فالأمرُ حينئذٍ أعجبُ وأعجبُ؛
فلقد تلوَّن عِداؤُهم، وكثُر ضرَرُهم، وعمَّ شرُّهم حتى أصبحَ المُسلِمون لُقمةً سائِغةً للأعداء،
يُوجِّهونهم كيف شاؤوا، ويتصرَّفون بأمورِهم ودُنياهم كيف أرادوا.

وإن تتحدَّث عن أشياء غريبة فتحدَّث عن وقوع أوبِئةٍ عجيبةٍ لم تكن معروفةً من قبلُ
تُصيبُ الإنسانَ في هذا الزمان، وتَجتاحُ الحيوانَ.

تلك بعضُ المصائب التي أصابَت دُنيا الناسِ، فيا تُرى ما سببُ وقوعِها؟ وما الوقايةُ منها ومن أمراضِها؟

معاشر المسلمين:
إننا أمةٌ مرتبطةٌ برسالةٍ عظيمةٍ؛ فالجوابُ عن ماهيَّةِ الأسبابِ
وكيفية الخلاصِ من الشُّرور والمفاسِدِ والأضرارِ
لا يكونُ إلا ممن هو أعلمُ بالبشر وبما يُصلِحُهم ويُقوِّمُ حياتَهم،
{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }

[الملك: 14].
إن تلك المصائِبُ بمُختلف أشكالها، وإن المِحَن بمُختلَف صُورها إنما تقعُ بالمُسلمين
بسبب فُشُوِّ الذنوبِ والمُجاهَرةِ بالمعاصِي والفُجور.
فآيةٌ من كتابِ الله - وما أكثرُها من آياتٍ - تصِفُ لنا الداءَ والدواءَ،
وتكشِفُ لنا المخلَصَ من هذه المصائبِ،
إنها قولُه - جل وعلا -:
{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }

[الروم: 41]،
فهذه الآيةُ تكشِفُ للبشرِ عن ارتِباطِ أحوال الحياة وأوضاعها بأعمالهم، فيقعُ في الأرض الفسادُ والضررُ،
ويملأُها برًّا وبحرًا وجوّا جزاءً ما اكتَسَبوا من المعاصِي الظاهرة، والإعلانِ بها.
فحينما يكتوُون بنار هذا الفساد، ويتألَّمون لما أصابَهم منه في حياتهم،
فعلَّهم حينئذٍ يعزِمون على مُقاوَمَة هذا الفساد، ويرجِعون إلى لله - جل وعلا -
وإلى الأعمالِ الصالِحةِ، والمناهجِ القويمةِ، والتوبةِ الصادقة.
نعم، أيها المسلمون:
إن الفُجورَ والإعلانَ به يُوقِعُ بالبلاد والعباد الهلاكَ والبَوارَ،
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }

[الأنعام: 42].
فالمخاوِفُ بأنواعِها، والمصائبُ بشتَّى أشكالِها نتائجُ الإعلانِ بالمعاصِي والسيئات،
والفحشاءِ والمُنكرات، يقول ربُّنا - جل وعلا -:
{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }

[النحل: 112].
وفي "صحيح البخاري" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

( إن الفاجِرَ إذا ماتَ تستريحُ منه العبادُ والبلادُ والشجرُ والدوابُّ )

فالواجبُ على المُسلمين مُحاربةُ المعاصِي والمُنكرات،
والأخذُ على أيدي السُّفهاء الذين يُريدون أن يُغرِقوا سفينةَ الحياة الطيبة الطاهرة،
ألم يقل الله - جل وعلا -:
{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }

[المائدة: 78].
ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ حُذيفة يقول:

( لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتنهُوُنَّ عن المُنكَر،
أو ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يعُمَّكم بعذابٍ من عنده
ثم تدعُونه فلا يُستجَابُ لكم )

رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ، وله شواهِد.
وفي الحديثِ الآخر الذي رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي بأسانيد جيِّدة،
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( إن الناسَ إذا رأوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يديه
أوشكَ اللهُ أن يعُمَّهم بعقابٍ من عنده )

فاتقوا الله - عباد الله -، وأعلِنوها حربًا على كل فسادٍ وفاحِشةٍ ومُنكرٍ في بلاد المُسلمين.
أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ.



فيا أيها المسلمون:

إنه فرضٌ علينا جميعًا مُحاربةُ كل وسيلةٍ إعلامية تنشُرُ الإلحادَ والفسادَ في أرض المُسلمين،
والواجبُ علينا جميعًا التواصِي بطاعة الله - جل وعلا -، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر؛
فربُّنا - جل وعلا - علَّقَ الرحمةَ بنا بقوله:
{ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ }
[التوبة: 71].

أيها المسلمون:

إننا ندعُو اللهَ - جل وعلا - فلا نرى الاستِجابةَ في بعضِ أحوالنا،
وإنما ذلك بسببِ فُشُوِّ الذنوبِ والمعاصِي.
مرَّ إبراهيمُ بنُ أدهم في سُوقِ البصرة على أقوامٍ، فقالوا له: يا أبا إسحاق! إن الله - جل وعلا - أمرَنا بالدعاء،
ونحنُ ندعُو فلا يُستجابُ لنا. قال: "لأن قلوبَكم ماتت بأشياء: عرفتُم اللهَ - جل وعلا - فلم تُؤدُّوا حقَّه،
وقرأتُم القرآنَ فلم تعملُوا به، وادَّعَيتُم محبَّةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم تقتَدوا بسُنَّته
وقلتُم: إنكم مُشتاقون للجنَّة فلم تعمَلوا لها، وقتُم: إنكم تخافون من النار فلم تهرَبوا منها،
وأيقنتُم بالموتِ وأنه حقٌّ فلم تستعِدُّوا له، واشتغلتُم بعيوبِ الناسِ وتركتُم عيوبَكم،
أكلتُم نِعَمَ الله - جل وعلا - فلم تشكُروا له، ودفنتُم موتاكم فلم تعتبِروا؛ فأنَّى يُستجابُ لكم؟!".

فيا أيها المُسلِمون:

لنتواصَى جميعًا بكل سببٍ يُصلِحُ أحوالَنا الفاسِدة، ويُقوِّمُ مناهِجنا المُعوَجَّة،
وذلك إنما هو بالارتِباط بالله - جل وعلا - وجعلِ منهجِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُسيطِرًا علينا،
لا نَزيغُ عنه يَمنةً ولا يُسرةً.
ثم إن اللهَ - جل وعلا - أمرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهو: الصلاةُ والسلامُ على النبي الكريم.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا وسيدِنا وحبيبِنا وقُرَّة عيوننا: نبيِّنا محمدٍ،
وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، والأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ،
وعن جميعِ آل رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -،
وعن جميعِ الصحابةِ والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم أصلِح أحوالَنا بتقواَك، اللهم أصلِح أحوالَنا بتقواَك، اللهم أصلِح أحوالَنا بتقواَك،
اللهم قوِّم حياتَنا بسُنَّةِ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -،
اللهم قوِّم حياتَنا بسُنَّةِ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
اللهم احفَظ المُسلمين في سُوريا وفي كل مكانٍ،
اللهم فرِّج هُمومَهم، اللهم فرِّج هُمومَنا وهُمومَهم، واكشِف غُمومَنا جميعًا،
اللهم يسِّر لهم كلَّ خيرٍ، اللهم ارفَع عنهم كلَّ ضررٍ،
اللهم ارفَع عنهم كلَّ ضررٍ،
اللهم ارفَع عنهم كلَّ ضررٍ يا حيُّ يا قيُّوم.

اللهم أقِرَّ عيوننا بتحكيم هذا الدين في كلِّ مكانٍ.

اللهم عليك بأعداء المُسلمين فإنهم قد طغَوا وبغَوا،
اللهم عليك بأعداء المُسلمين،
اللهم من أرادَ بلادَ المُسلمين بسوءٍ فأشغِله في نفسه،
اللهم من أرادَنا وأرادَ المُسلمين بسُوءٍ فعليكَ به،
اللهم من أرادَ ديننا أو أخلاقَنا أو بلادَنا أو نُفوسَنا بضرٍّ اللهم فانتقِم منه،
اللهم فانتقِم منه، اللهم فانتقِم منه.

اللهم عليك بكلِّ مُعتدٍ ينشُرُ الإلحاد والفساد،
اللهم عليك بكلِّ مُعتدٍ ينشُرُ الإلحاد والفساد.
اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم،
اللهم حكِّم فيهم شرعَك،
اللهم أقِم فيهم بالأمر بالمعروف والنهيِ عن المُنكَر،
اللهم اجعله ظاهِرًا منصورًا،
اللهم اجعل هذه الشعيرةَ ظاهِرةً منصورةً يا حيُّ يا قيُّوم،
اللهم من أرادَها بسُوءٍ فأشغِله في نفسه، واكفِ المُسلمين شرَّهم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين لما تُحبُّه وترضاه،
اللهم اجعله شَوكةً في حُلُوقِ أعداءِ الإسلام والمُسلمين،
اللهم انصُر به دينَك، اللهم أعلِ به كلمتَكَ،
اللهم انصُر به وبوليِّ عهده هذا الدين،
وانصُر بهم شعيرةَ الأمر بالمعروف والنهيِ عن المُنكَر يا حيُّ يا قيُّوم.

اللهم اغفِر لكل مُسلمٍ ومُسلِمة، اللهم يسِّر لهم أمورَهم،
اللهم واكفِهم شرَّهم يا ذا الجلال والإكرام،
اللهم واكفِهم كلَّ شرٍّ يا حيُّ يا قيُّوم، وارزُقهم حياةً طيبةً سعيدةً في الدارَين.

اللهم أنزِل علينا المطرَ، اللهم أنزِل علينا المطرَ، اللهم أنزِل علينا المطرَ يا حيُّ يا قيُّوم،
يا ذا الجلال والإكرام.
يا غنيُّ يا حميدُ جفَّت أراضينا، وضعُفَت أبدانُنا، وماتَت بعضُ بهائِمنا؛
فارحَمنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ارحَمنا برحمةٍ تُغنينا بها عن رحمةِ مَن سِواكَ،
اللهم ارحمنا بها رحمةً تُغنينا بها عمَّن سِواك، اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا يا حيُّ يا قيُّوم.

نسألُك أن ترحَمَنا بضُعفائِنا، نسألُك أن ترحَمَنا ببهائِمِنا،
نسألُك ألا تُؤاخِذنا بما فعلَ السُّفَهاءُ منَّا يا حيُّ يا قيُّوم، يا غنيُّ يا حميدُ يا كريمُ.

عباد الله :

اذكُروا اللهَ ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً.







  رد مع اقتباس
قديم 26-02-2012, 08:33 AM   #90
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خُطَبّتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 2/4/1433 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان:
" الشام .. فضلها وتاريخها "،

والتي تحدَّث فيها عن الشام وفضلها من الكتاب والسنة، وذكرَ بعضَ الدلائل النبوية عنها،
ثم أشادَ بصبرِ وجلَد أهلِها على مرِّ العصور، ونبَّه إلى ضرورة التحلِّي بالصبر
على هذا الابتلاء مُعدِّدًا بعضَ فضائل الصبر.



الحمد لله، الحمد لله الذي تحُولُ بأمره الأحوال، يُداِلُ الأيام فكم من دُولٍ أدلَّ عليها ثم أدالَ،
وكم من زُمرةٍ تسلطَنَت وظنَّت خُلودَ سُلطانها فزلَّت ثم زالَت ومُلكُها زال،
أحمدُ ربي - سبحانه - وأُثنِي عليه وأشكُرُه وأتوبُ إليه وأستغفِرُه،
وأشهد أن لا إله إلا الله الكبيرُ المُتعال، يُمهِلُ من غيرِ إهمال، وهو شديدُ المِحال عظيمُ النَّكَال،
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أكرمُ الرسلِ وأتمُّ الرجال،
صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وصلَّى على الصحبِ والآل.



فإن خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -،
وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.
ثم إن خيرَ الوصايا: الوصيةُ بتقوى الله تعالى،
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }
[الأحزاب: 70، 71].

أيها المسلمون:

حين دحا الله الأرضَ وأجرى يدَ الخلقِ على الخليقة، جعل فيها بلادًا وذرأَ فيها بشرًا،
ثم اصطفى الله من هذه البلاد بلادًا، ومن البشر بشرًا،
{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ }
[القصص: 68]،

فكانت مكةُ والمشاعِرُ وطَيبةُ الطيبة، وكان شامًا منها بلادُ الشام.
واصطفى الله من البشر أنبياءَه ورُسُله، وقضى لبلاد الشام حظًّا وافرًا منهم،
فجعل أرضَها مدرجَ الأنبياء، ومُتنزَّلَ الوحيِ من السماء، هي أرضُ المحشَرِ والنشَر،
وحين يبعثُ اللهُ المسيحَ ابنَ مريم في آخر الزمان لا ينزلُ إلا فيها،
عند المنارة البيضاء شرقِيّ دمشق؛ رواه مسلم.

طُوبَى للشام! ملائكةُ الرحمن باسِطةٌ أجنحتَها عليها، إنها بلادٌ بارَكَها الله بنصِّ الكتاب والسنة؛
فهي ظِئرُ الإسلام وحاضِنَتُه، وعاصِمتُه حينًا من الدهر، سُطِّرَت على أرضها كثيرٌ من دواوين الإسلام،
ودُفِن فيها جموعٌ من الصحابةِ ومن عُلماء المُسلمين.

كم ذرَفَت على ثراها عيونُ العُبَّاد، وعُقِدَت في أفيائِها ألوِيَةُ الجهاد، وسالَ على دفاتِرِها بالعلوم مِداد،
وجرَت على ثراها دماءُ الشهداء: صحابةً وأخيارًا وأصفياء، وتداوَلَ الحُكمَ فيها ملوكٌ وسلاطين،
أضافوا للمجدِ مجدًا وللعِزِّ عِزًّا.
كُسِرَت على رُباها حملاتٌ صليبيةٌ تقاطَرَت عليها مائتي عام، قارَبَ أعدادُ الجُند فيها سُكَّانَ بلاد الشام كلِّها.
إذا عُدَّت حضاراتُ الإسلام ذُكِرَت الشام، وإذا ذُكِر العلمُ والفضلُ والفتوحُ ذُكِرَت الشام،
هي أرضُ الأنبياء، وموئِلُ الأصفياء،
وما زارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بلادًا خارجَ الجزيرة إلا بلاد الشام.
وفي آخر الزمان عندما تكون الملحَمَةُ الكُبرى يكونُ فُسطاط المُسلمين ومجمعُ راياتهم بأرضِ الغُوطَة
فيها مدينةٌ يُقال لها: دمشق، هي خيرُ مساكن الناسِ يومئذٍ؛
كما أخرجه الطبراني من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولقد أدركَ الصحابةُ - رضي الله عنهم - دعاءَ النبي - صلى الله عليه وسلم -:

( اللهم بارِك لنا في شامِنا، اللهم بارِك لنا في شامِنا )؛

رواه البخاري.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -:

( إذا فسدَ أهلُ الشام فلا خيرَ فيكم،
ولا تزالُ طائفةٌ من أمتي منصورةً على الناسِ
لا يضرُّهم من خذَلَهم حتى تقومَ الساعةُ )؛
رواه الترمذي.

فلم يلبَثُوا بعد رحيله - صلى الله عليه وسلم - إلا قليلاً، حتى توجَّهَت قلوبُهم إلى الأرض التي بارَكَها الله،
ووصَّى بها رسولُ الله، فخفَقَت إليها بيارِقُ النصر، ورفرَفَت في روابيها ألوِيةُ الجهاد،
وسُطِّرَت ملامِحُ من نورٍ، ونشرَ الإسلامُ رِداءَه على الشام، تُزجيه طلائعُ الإيمان،
يتقدَّمُهم خالدُ بن الوليد، وأبو عُبيدة بن الجرَّاح، وشرحبيلُ بن حسنة، وعمرو بن العاص،
ويزيدُ بن أبي سفيان، والقَعقاعُ بن عمرو، وضِرارُ بن الأَزوَر،
وفيهم ألفُ صحابيٍّ منهم مائةٌ ممن شهِدَ بدرًا، وتوالَى عليها الصحبُ الكِرامُ.

قال الوليدُ بن مُسلم:
"دخلت الشامَ عشرةُ آلافِ عينٍ رأَت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -".

عيونٌ بعد طُهر المدينة ترى نظرةَ الشام، ولا غَروَ؛ فقد اختارَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه،
ووصَّى بها الخُلَّصَ من أصحابه؛
قال - صلى الله عليه وسلم -:

( سيصيرُ الأمرُ إلى أن تكونوا جنودًا مُجنَّدةً،
جُندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق )

قال ابنُ حَوالةُ - رضي الله عنه -: خِر لي يا رسول الله إن أدركتُ ذلك. فقال:

( عليك بالشامِ؛ فإنها خِيرةُ الله من أرضه،
يجتبِي إليها خِيرتَه من عباده، فأما إن أبيتُم فعليكم بيَمَنكم،
واسقُوا من غُدُركم؛ فإن الله توكَّلَ لي بالشامِ وأهله )

أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود.

وصارَت الشامُ عاصِمةَ الإسلام، قامَت فيها أولُ ممالكِ الإسلام وأعدلُ ملوك الإسلام،
شعَّ منها نورُ العلم، وبُسِط فيها رِداءُ العدل، ونُشِرَت فيها قِيَمُ الحق والحرية،
وسطَّر المُسلمون هنالك أروعَ الأمثِلة في حُسن الجِوار، وكرمِ التعامُل مع الآخرين.

وحفِظَ المُسلمون لأهل الأديان ذِمَمهم، وتركُوا لهم مذاهبَهم ومعابِدَهم، فعاش الناسُ في تسالُمٍ وأمانٍ،
أحرارًا في أرضهم ومُعتقَدهم، ونالَت الشامَ بركةُ العدل، فرغَدَ عيشُها، ووفَرَ رِزقُها،
حتى قال عُمرُ بنُ عبد العزيز وهو مُتربِّعٌ على عرشها:

"انثُروا الحبَّ على رؤوس الجِبال حتى لا يُقال: جاعَ طيرٌ في بلاد المُسلمين".

وتكسَّرَت على رُباها جُيوشُ التَّتَر، وعلا فيها نورُ الإسلام وانتصَر،
حتى صارَ السائلُ يسألُ ابنَ تيمية - رحمه الله -:

"هل المُقامُ بالشام لظهور الإسلام بها أفضلُ أم بمكَّة والمدينة؟".

ثم مضَى الدَّهرُ، ودالَت الأيام، وظهرَ على الأمر فيها مَن بظهورِه استحَالَت حالُها؛
فما الشامُ بالشامِ التي تعهَد، صوَّحَ نبتُها، وذَبَلَ زهرُها، وضاقَ بأهلها العيشُ،
وترحَّلَ الأمنُ من مرابِعِها، واقتطَعَ الأعادي جُزءًا من أراضيها، وما زال في أرض الشام العُلماءُ والصالِحون،
ومنهم من تفرَّقَ في الديار؛ تفرَّقوا عن أوطانهم مطرودين، تُلاحِقُهم يدُ الظلمِ والبَغيِ،
عيُونُهم تفيضُ بالدمعِ، والغُرباءُ أكثرُ ما يكونون شفقةً على أهلهم وديارِهم،
وهم يرَون في الشاشات أماكن يعرِفونها من بلادهم، لهم فيها ذكرياتٌ وشُجونٌ، تقصِفُها الطائِرات،
وتدكُّها المدافِع.

أيها المسلمون:

الشامُ ترِكةُ الفاتحين من الصحابة والتابعين، ووديعةُ المُتقدِّمين من المُسلمين للمُتأخِّرين،
تاريخُها مُلهِم، وحاضِرُها مُؤلِم، وأهلُها لهم في الصبر حكايا تطُول عسَى صبرُهم إلى خيرٍ يَؤول.
وإننا في الوقتِ الذي نستحضِرُ فيه ذلك المجد وذلك التاريخُ القديم لنقفُ على جُرحَيْن غائِرَيْن
في بلاد الشام، دمِيَا فاعتلَّت بنزفِهما الأمةُ، كِلا الجُرحَيْن رَطبٌ، ومع ذلك تعملُ المناجِلُ فيهما عملَها:
جُرحُ فلسطين، وجُرحُ سُوريا، وبينهما نُدوبٌ هنا وهناك، وهي أيامُ تمحيصٍ وابتِلاءٍ.


أيها المسلمون:

كيف يستطيعُ إنسانٌ في هذه الأيام أن يتجاوَزَ مذابِحَ القِيَم في شامِنا الحبيب وهو يرى غدرَ القريب،
وخُذلان البعيد، وخِيانةَ الراعي للرعيَّة، مُقدَّراتُ الشعب ومُكتسباتُه تُوظَّفُ لسحقِه وإذلالِه،
وسِلاحُه الذي يدفعُ به غائِلَةَ العدُوِّ عاد على أوداجِ الشعبِ ذبحًا وتقطيعًا،
تُسحَقُ الأمةُ لمصلحةِ أفرادٍ ما بالَوا بها يومًا، لقد كُشِف المستورُ، وترنَّحَت الشعارات،
وتبيَّن أن العدوَّ الذي وراء الحُدود أرحمُ أحيانًا من العدو الذي في داخل الحُدود.
نساءٌ وأطفالٌ لم يحمِلوا حتى الحجرَ، نثَرَت صواريخُ الغدر حجارةَ منازلهم،
وتشظَّت تحت الرُّكام أجسادُهم، ترى الأذرُع مبتورة، والأجسامَ تحت رُكامِ المنازل مقبور،
في صُورٍ تُنبِئُ عن مقدار خواءِ نفوسِ مُرتكبيها من الإنسانية والمُثُل، وتجرُّدِ أفعالهم من الشِّيمَةِ والنُّبْلِ،
جرَت دماءُ الشاميين جرَيَان دجلة والفُرات، ليس على عدوٍّ ظاهرٍ؛
بل على يدِ مُدَّعِي بعثِ العروبة وحِراسةِ العرب على وجهٍ لا يحتملُ العُذر ولا تستُرُه المُبرِّرات.

أيها الشاميُّون الكرام:

سلاحُكم له كرامةٌ، فلا يُدنَّس بالنَّيلِ بهِ من إخوانكم، وقوتُكم ذُخرٌ للعرب،
فلا تتقوَّوا بها على أهلِيكم، واجعَلوا سلاحَكم لأهلِكم حامِيًا، وعن أرضِكم مُدافِعًا،
لا عُذرَ لكم أمام الله والتاريخِ أن تعود فَوهات البنادِق على صُدروكم، ويُذيقَ بعضكم بأسَ بعضٍ،
{ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا }
[النساء: 93]،

وحِّدوا الصفوف، واجمَعوا الكلمة، واستعِينوا بالله واصبِروا.

عباد الله:

إن فضلَ الشام وكونَها ثغرَ الإسلام يُحتِّمُ على المُسلمين التنادِي لنُصرة أهلها ودفعِ البَغيِ عنهم،
ورفعِ الضَّيْمِ عنهم، ولقد جعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صلاحَ الشام مِعيارًا لصلاح الأمةِ كلها،
مما يُحتِّمُ على المُسلمين - كلِّ المُسلمين - أن يدفَعوا بما استَطاعوا لكي لا تُغيِّرَ يدُ الفسادِ وجهَ الشام الجميل،
وتبقى كما تاريخُها إيمانٌ وعلمٌ وحضارةٌ ونورٌ، لا يجُوعُ فيها طيرٌ كما أراد عُمر،
ولا يُروَّعُ فيها بشرٌ؛ وفاءً للصحابة الفاتحين،
والعُلماء الأماجِد الذين توسَّدوا ثَرَى الشامِ في رَقدة الدنيا الأخيرة،
وقِيامًا بحقِّها كِفاءَ ما وهبَتْه العربَ والمُسلمين.

ولقد نادى العُقلاءُ الغيورون على مصالِحِ الأمة، وارتفعَ صوتُ خادمِ الحرمين الشريفين
من أولِ ساعةٍ يُنادِي بتحكيم الحقِّ والعدل، والمنطقِ والحِكمة والعقل،
وتقديمِ المصالحِ العامة العُليا على المصالحِ الشخصيةِ حقنًا لدماءِ المُسلمين،
وحِفظًا لوَحدة صفِّهم وأراضيهم، ودفعًا للخلافات الطائفية والمذهبية، وثباتًا على مواقفِ الدين والأخلاق،
ووقفَ - حفظه الله - صادِعًا بكلمةِ الحقِّ والعدلِ مع إخوانه وأصدقائِهِ الغَيورين.
فسدَّدَ اللهُ المساعِي، وأصلحَ الشأن، وجعلَ العواقِبَ إلى خيرٍ.

وإنَّا لنُؤمِّلُ في صُبْحٍ يَطوِي الليلَ الخانِقَ، وتتنفَّسُ له الأزهارُ، وتُشرِقُ به شمسُ الخلاص،
والأملُ بالله كبير أن تعُودَ إلى بُشراها الأيام، والسماءُ تُرجَّى حين تحتجِبُ.
عسى اللهُ أن يُبدِّلَ ليلَكم صُبحًا، وخوفَكم أمنًا، ولاءَكم عافيةً،
وأن يُولِّي عليكم خِيارَكم، ويكفِيَكم شرَّ شِرارِكم،
{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }
[يوسف: 21].

باركَ الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعَنا بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.



الحمد لله الوليِّ الحميد، يخلُقُ ما يشاءُ ويحكُمُ ما يُريد، وهو العدلُ يفعلُ ما يشاءُ ويحكُمُ ما يُريد،
بيده العطاءُ والمنعُ، والابتِلاءُ والمُعافاة، - سبحانه وتعالى وتقدَّسَ -
لا تخرُجُ أفعالُه وأوامرُه عن الحِكمةِ والرحمةِ والمصلحة، ونحن عبيدُه بنو عبيدِه بنو إمائِهِ،
ماضٍ فينا حُكمُه، عدلٌ فينا قضاؤُه، وهو - سبحانه - أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ الراحمين،
لا يقضِي لأوليائِه قضاءً إلا كان خيرًا لهم، ساءَهم ذلك القضاءُ أو سرَّهم،
وله الحِكمةُ البالِغةُ المحمودةُ في كل ما يجرِي على المُؤمنين حتى وإن كان القضاءُ في ظاهِرِه بلاءً وشرًّا،
فإن في طيَّاته من الحِكَم والمصالِحِ ما لا يُحصِيهِ إلا اللهُ،
{ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا
وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }

[البقرة: 216].

وإذا أيقنَ المؤمنون بهذه الحقيقةِ، وتعرَّفوا أوجُهَ الخير والرحمةِ فيما يُصيبُهم؛
امتلأَت قلوبُهم بالثباتِ والصبرِ، وبالرجاءِ والأملِ والثقةِ بوعدِ الله،
والاطمِئنانِ إلى حُسن تدبيرِه واختِيارِه،
{ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }

[النساء: 19].

إن الجُرحَ غائِر، والمُصابَ عظيم، والألمَ شديد، ولكنَّ الوعيَ الذي أحدَثَه هذا الدمارُ في الأمةِ كبير،
ولئن اشتَكَت الشامُ؛ فلقد تداعَى لها جسدُ الأمةِ بالحُمَّى والسَّهَر، وظهر التلاحُمُ بين المُسلمين،
وسرَت الحياةُ في جسدهم الواحِد، وضجَّت المساجِدُ بالدعاء، واستيقَظَت في الأمةِ مشاعِرُ دفينة،
مشاعِرُ كادَت أن تنطمِس، وكادَت أن تقضِيَ عليها شهواتُ الحياة،
ولطالَما حاولَ أعداءُ الإسلام تخديرَها بالمُلهِيات ووسائل الترفيهِ - زعَموا -.
وإذ بها تستيقظُ من جديدٍ، وتتأجَّجُ في القلوب، وهي ترى دماءَ الأحِبَّةِ تجري على أرضِ الشامِ المُبارَكة،
وعادَ الناسُ عودةً صادقةً إلى الدين، وبانَ صِدقُ الصادقين، وظهر خُذلان الخاذِلين،
واهتزَّت ثقةُ العالَمِ بمُنظَّمته الدولية، وتبيَّن أنها لا تتحرَّكُ إلا وفقَ مصالِحها الأنانية،
لا يُؤثِّرُ في قلوبِ أربابِها صريخُ الأطفال، وأنينُ الجرحَى والمُعذَّبين.

واستيقَنَت قلوبُ المؤمنين بقولِ الحقِّ - سبحانه -:
{ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }

[آل عمران: 160].
رُوِي عن عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - أنه أنشَدَ:

ولا تجزَع إذا ما نابَ خَطْبٌ فكَم لله من لُطفٍ خفِيِّ
وكم يُسْرٍ أتَى من بعد عُسْرٍ ففرَّجَ كُربةَ القلبِ الشَّجِيِّ
وكم أمرٍ تُساءُ به صباحًا وتأتيكَ المسَرَّةُ بالعَشِيِّ
إذا ضاقَت بك الأحوالُ يومًا فثِق بالواحدِ الفردِ العلِيِّ

أيها المؤمنون:

إن الله تعالى يُريد منَّا عند كل مُصيبةٍ أو نازِلةٍ أن نُكفكِفَ العَبَرات، وأن نمسحَ الأحزان،
وأن نُجدِّدَ التوبة، وألا نهِنَ ولا نيأَس، وأن نُدافِعَ القدرَ بالقدر،
{ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }

[آل عمران: 139].

معاشر المُسلمين:

إن التعرُّف على أوجهِ الخيرِ والرحمةِ في هذه الأحداث، والرضا بقضاء الله –عز وجل -
والتسليمِ لقدره لا يعني التواكُل والعَجز، والرِّضا بالفساد والذِّلَّة والمهانة،
وتركَ الأخذِ بأسبابِ النصرِ والعِزَّةَ والكرامَة، ولكنَّه يُقوِّي اليقينَ بوعد الله - سبحانه -،
والثقةَ بنصره، والاطمئنانَ إلى قضائِهِ وتدبيرِه.
الابتِلاءُ رفعةٌ وتطهيرٌ وتمحيصٌ، والشهادةُ اختيارٌ واصطِفاءٌ،
{ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى }

[القصص: 60].

الألمُ يُولِّدُ الأمل، وبقدر ما يشتدُّ الكربُ يحصُلُ اليقينُ بقُرب الفرَج، واعلَم أن النصرَ مع الصبر،
وأن الفرجَ مع الكَرب، وأن مع العُسرِ يُسرًا. بالصبرِ يكونُ المَدَدُ من السماء،
{ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ
هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ }

[آل عمران: 125].
وبالصبرِ يذهبُ أذى الأعداء،
{ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا }

[آل عمران: 120].

ولقد أثنَى اللهُ على الصابرين في البأساء والضرَّاء وحين البأس،
فقال - سبحانه -:
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }

[البقرة: 177].
إنه لا بُدَّ من الصبر ولا بَديلَ عنه، لا بدَّ من الصبرِ على ما تُثيرُه الأحداثُ من الألمِ والغَيظ،
ومن اليأسِ أحيانًا والقُنوط، لا بُدَّ من الصبرِ ومن المُصابَرة،
مُصابَرة الظالمين الذين يُحاوِلون جاهِدين أن يفُلُّوا من صبر المؤمنين.
وإذا كان الباطلُ يُصِرُّ ويصبِرُ ويمضِي في الطريقِ،
فما أجدرَ أهلَ الحقِّ أن يكونوا أشدَّ إصرارًا، وأعظمَ صبرًا،
{ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ
وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا }

[النساء: 104].
فيا أهل الشام!

{ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }

[الأعراف: 128].

إن الله - عز وجل - قد تكفَّلَ لنبيِّه بالشام وأهله، من تكفَّل الله به فلا ضيعَةَ عليه،
وإن وصفَ الشام في الكتاب والسنة بالبركة لمُبشِّرٌ بأنه لن يطُولَ فيها أمَدُ الفتنةِ والطُّغيان؛
لأنها موطِنُ برَكةٍ وأمنٍ وإيمانٍ
ولقد كان الشامُ مقبرةً لأعداءِ الأمةِ والكِبار؛ ففيها انكسَرَ الصليبيُّون والتتار،
وفيا يُغلَبُ الروم - كما في حديثِ المَلحَمة الكُبرى -، وفيها يُهلَكُ الدجَّال ومن تبِعَه من اليهود،
وقد جعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فسادَ الشام مُؤذِنًا بذهابِ الخير من الأمة،
وجعل صلاحَها مُبشِّرًا بصلاح أمرِ الأمةِ كلها،
وها هي اليوم تجِيءُ البُشريات والليالي بالأماني حافِلات.

وإننا لنُقسِمُ بالله - عز وجل - جازِمين مُوقِنين بما عوَّدَنا ربُّنا من نُصرة أوليائِهِ
والدفاع عنهم إذا أخَذوا بأسبابِ النصر، بأن الكربَ والشدَّةَ لن تطُول على قومٍ أنزَلوا حاجتَهم بالله،
وهتَفوا: يا اللهَ، ما لنا غيرُك يا اللهَ!
والله تعالى يقول:
{ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }

[آل عمران: 101]،

{ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }

[الروم: 47]،
{ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ }

[الصافات: 173]،
{ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ }

[الحج: 40]،
{ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }

[غافر: 51].

أيها المؤمنون:

إن انتظار الفرَجِ من أعظم العبادات، وإن اليأسَ من رحمةِ الله من كبائرِ الذنوبِ،
وعلى المؤمنين ن يملأَ قلوبَهم الفألُ بقُربِ الفرَجِ واليقينُ بنهايةِ الظالمين،
{ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا }

[مريم: 84].
ولقد يُريد اللهُ لعباده نصرًا وفرَجًا أعظمَ مما يظُنُّون، وتمكينًا أدوَمَ مما ينتظِرون،
{ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا }

[الطلاق: 3].

هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا على النبي المُصطفى والرسول المُجتبى،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين،
وصحابتهِ الغُرِّ الميامين، اللهم ارضَ عن الأئمة المهديين،
والخلفاء الراشدِين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر صحابةِ نبيِّك أجمعين، ومن سارَ على نهجِهم واتبع سنَّتهم يا رب العالمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين،
واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحرِهِ،
واجعل تدبيرَه دمارًا عليه يا قويُّ يا عزيزُ.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا،
اللهم وفِّقه لهُداك، اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك،
وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواءَ الدين،
اللهم وفِّقه ووليَّ عهده وسدِّدهم وأعِنْهم، واجعَله مُبارَكِين مُوفَّقِين لكل خيرٍ وصلاحٍ.

لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيم،
لا إله إلا الله ربُّ السماوات وربُّ العرشِ الكريم،
لا إله إلا أنت، عزَّ جارُك، وجلَّ ثناؤُك، وتقدَّسَت أسماؤُك،
اللهم يا مَن لا يُهزَم جُندُك، ولا يُخلَفُ وعدُك، ولا يُردُّ أمرُك، سُبحانك وبحمدِك.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَهم في سوريا،
اللهم اجمَعهم على الحقِّ والهدى، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خَلَّتهم،
وأطعِم جائعَهم، واحفَظ أعراضَهم، واربِط على قلوبهم، وثبِّت أقدامَهم،
وانصُرهم على من بغَى عليهم، اللهم فُكَّ حِصارَهم،
اللهم فرَجَك القريب، اللهم فرَجَك القريب، اللهم فرَجَك القريب.
اللهم إنا نستودِعُك إخواننا في سوريا، اللهم إنا نستودِعُك دماءَهم،
ونستودِعُك أعراضَهم، ونستودِعُك أعراضَهم يا مَن لا تضيعُ ودائِعُه،
اللهم إنا نستنزِلُ نصرَك على عبادك المُستضعفين المظلومين،
اللهم انتصِر لليتامَى والثَّكَالَى والمظلومين، اللهم رُحماكَ بهم رُحماك يا أرحم الراحمين،
ويا ناصِر المظلومين.

اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونَكَ،
اللهم إنا نستنزِلُ بطشَك على القوم المُجرمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان،
واجمعهم على الحق يا رب العالمين.


{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }

[البقرة: 201].
اللهم اغفر ذنوبنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا،
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميعُ الدعاء.
نستغفِرُ الله، نستغفِر الله، نستغفِرُ اللهَ الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيُّومَ ونتوبُ إليه.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا غدَقًا طبقًا مُجلِّلاً عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ،
تسقِي به العباد، وتُحيِي به البلاد، وتجعلُه بلاغًا للحاضرِ والبادِ.
اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ.
ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.
سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين،
والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 26-02-2012, 11:48 PM   #91
معلومات العضو





هولاكو السعودية غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

الله يجزاك كل خير








  رد مع اقتباس
قديم 04-03-2012, 10:10 AM   #92
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خُطبتى الجمعة من المسجد النبوى بتاريخ 9/4/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان:
" ذنوبٌ يسيرة إثمُها كبير "،

والتي تحدَّث فيها عن بعضِ الذنوبِ التي زمنُ فعلِها يسير لكنَّ إثمَها كبيرٌ؛
وذكرَ من أعظمها:
الشركَ بالله تعالى، وادِّعاء علم الغيب، أو تصديق الكهَّان والسحرة، وارتكاب الفواحِش والمنكرات،
وترك الطاعات الواجبات، إلى غير ذلك من المعاصِي المُستصغرة عند كثيرٍ من الناسِ.



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى؛ فالتقوى في مُخالفة الهوى، والشقاءُ في مُجانبة الهُدى.
أيها المسلمون:

تفضَّل الله على عباده بدينٍ كاملٍ شاملٍ لأمور الدنيا والدين، من تمسَّك به أنارَ الله قلبَه وقرَّبَه إليه،
ومن فرَّط فيه جُوزِيَ على عصيانه، والله - سبحانه - يُحبُّ الطاعةَ وأهلَها ويأمرُ بها،
ويُبغِضُ المعصيةَ وأهلها وينهَى عنها؛ بل ويغارُ - سبحانه - إن ارتُكِبَت مناهيه،
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( إن الله يغارُ، وغيرةُ الله أن يأتي المؤمنُ ما حرَّم اللهُ )؛
رواه البخاري.

وضررُ الذنوبِ كضرر السموم في الأبدان؛ منها ما تُخرِجُ المرءَ من مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإسلام،
ومنها ما تُخرِجُه من الإسلام، وكما أن الله تكرَّم على عباده بأعمالٍ يسيرةٍ ثوابُها عظيم،
حذَّرَهم من ذنوبٍ زمنُ فِعلِها يسيرٌ وإثمُها كبير؛
فناسٌ يُكبُّون في النار على وجوههم من حصائد ألسنتهم.

وأقبحُ ما تحرَّك به اللسانُ: دعوةُ غيره معه، ورفعُ الحوائجِ إلى غيره - سبحانه - من الأموات والأوثان؛
إذ هو يُحبِطُ الأعمالَ، ويُخلِّدُ صاحبَه في النار، ولا يُحصِّلُ الداعي ما أراد،
قال - سبحانه -:

{ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ }
[الأحقاف: 5].

والطعنُ في الله أو دينه أو رسوله نقصٌ في العقلِ، وفقدٌ للدين؛
قال - سبحانه -:

{ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)
لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }
[التوبة: 65، 66].

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله -: "الإنسانُ قد يكفُرُ بكلمةٍ يتكلَّم بها، أو عملٍ يعملُ به،
وأشدُّها خطرًا إراداتُ القلوبِ؛ فهي كالبحر الذي لا ساحلَ له،
ومن هذا البابِ: الاستهزاءُ بالعلمِ وأهله، وعدمُ احترامهم لأجله".
والله وحده هو المُعظَّمُ في القلوب، ومن زاحمَ غيرَ الربِّ في قلبه،
أو أظهرَ تعظيمَ غير الله على لسانه بالحلِف به؛ كمن يحلِفُ بالنبي - عليه الصلاة والسلام -،
أو بالنعمةِ، أو بالولدِ فقد أشركَ؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( من حلفَ بغير الله فقد كفرَ أو أشركَ )؛
رواه الترمذي.

ومن بدرَ منه فعلٌ من أفعال الشرك ولو يسيرًا؛ طوافٍ على الأضرحة، أو ذبحٍ لها،
أو نذرٍ لم يرَح رائحةَ الجنة.
ولعظيمِ قُبحِهِ لهضمِهِ لربوبية الله وتنقُّصه لألوهيته لا يغفِرُه الله بحالٍ؛
قال - جلَّ شأنُه -:

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }
[النساء: 48].

والساحرُ مُفسِدٌ للدين والدنيا، يُنازِعُ الربَّ في ربوبيته فيما يدَّعيه من نفعٍ أو ضرٍّ،
فكا حدُّه ضربَه بالسيف، ومن أتى إليه طالبًا إليه السحرَ فقد كفرَ؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( ليس منا من سحَرَ أو سُحِرَ له )؛
رواه البزار.

وتعليقُ التمائمِ شركٌ بالله، ولا تزيدُ العبدَ إلا وهنًا، ولن يُتِمَّ الله له ما أراد.
وعلمُ الغيبِ أخفاه الله حتى عن ملائكته؛
قال - عز وجل -:

{ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ }
[النمل: 65]،

ومن صدَّق من يدَّعِي علمَ الغيب من الكُهَّان ممن ينظرُ في الأبراج أو يقرأُ في الكفِّ
أو نحو ذلك فقد كفرَ؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( من أتى كاهنًا فصدَّقَه بما يقولُ فقد كفَرَ بما أُنزِلَ على مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم )؛
رواه أبو داود.

وإن سلِمَ العبدُ من الكُفر قولاً أو عملاً فإن الشيطان يؤُزُّه لما دُونَه من الكبائر،
فيدعُوه إلى إطلاق لسانه إلى ما حرَّم الله، وأعظمُها الوقيعةُ في عِرضِ المُسلِم؛
فحذَّر الله من غِيبتِه، وشبَّه غِيبتَه بأكل لحمه وهو ميت،
ويوم القيامة تكونُ للمُغتابِ أظفارٌ من نحاسٍ يخمِشُ بها وجهَه وصدرَه جزاءَ ما خمشَ أجسادَ المُسلمين.

وقولُ المُغتابِ لو خُلِطَ بماء البحر لأنتنَه؛ قالت عائشةُ للنبي - صلى الله عليه وسلم -:
حسبُك من صفيةَ أنها كذا - تعني: أنها قصيرة -،
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

( لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بماء البحر لمَزَجَته )؛
رواه أبو داود.

وقد صانَ السلفُ - رحمهم الله - ألسنتَهم عن هذه المعصيةِ؛ قال البخاري - رحمه الله -:
"أرجو أن ألقَى اللهَ ولا يُحاسِبُني أني اغتبتُ أحدًا".

والنمَّامُ قريبُ المُغتابِ، وعقوبتُه تُعجَّلُ عليه في قبره، وفي الآخرة توعَّده الله بحِرمانه من الجنة؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( لا يدخلُ الجنةَ قتَّات )
- أي: نمَّام -؛ متفق عليه.

وكما حرَّم الإسلامُ الحديثَ في غيبة المُسلمِ بما يكرَه نهى أيضًا عن التطاوُلِ عليه باللسان في حُضوره؛
فقال - صلى الله عليه وسلم -:

( سِبابُ المُسلم فُسوقٌ )؛
متفق عليه.
وقال:

( ولعنُه كقتلِه )؛
متفق عليه.

(ومن قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باءَ بها أحدُهما، إن كان كما قال وإلا رجعَت عليه)؛
رواه البخاري ومسلم.

ومن قذفَ عفيفًا في عِرضِه لعنَه الله في الدنيا والآخرة، وله عذابٌ عظيمٌ،
ومن اقتطعَ حقَّ امرئٍ مُسلمٍ بيمينه أوجبَ الله له النارَ وحرَّم عليه الجنةَ،
فقال رجلٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم -: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله.
قال:

( وإن قضيبًا من أراك )
يعني: وإن كان قدرَ المِسواك -؛ رواه مسلم.

ومن أطلقَ لسانَه باللعنِ حُرِم الشفاعة والشهادة لأحدٍ يوم القيامة؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( إن اللعَّانين لا يكونون شُهداء ولا شُفعاء يوم القيامة )؛
رواه مسلم.

ولكونِ الكذبِ من علاماتِ النفاقِ نهى الإسلامُ عنه ولو على سبيلِ الهَزلِ؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( ويلٌ للذي يُحدِّثُ بالحديثِ ليُضحِكَ به القومَ فيكذِب، ويلٌ له ويلٌ له )؛
رواه الترمذي.

ومن ادَّعى أنه رأى رُؤيا في منامه وهو كاذِبٌ كُلِّف يوم القيامة بعملٍ يعجِزُ عنه تنكيلاً به؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( من تحلَّم بحلمٍ لم يرَه كُلِّف أن يعقِد بين شعيرتين، ولن يفعَل )؛
رواه البخاري.

ومن سألَ ما عند الناسِ من أموالٍ وعنده ما يُغنيه فإنما يستكثِرُ من النار،
ومن استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم له كارِهون صُبَّ في أُذنيه الآنُك يوم القيامة وهو الرصاص المُذابُ -.

وإن صانَ المُسلمُ لسانَه فليصُن جوارِحَه، فهناك أفعالٌ دون الشركِ وقتُ فعلِها قليلٌ
ولكن ذنبَها عند الله كبيرٌ، وأعظمُها قتلُ المُسلِم، والله توعَّدَ قاتلَه بعقوباتٍ مُترادِفة؛
قال - سبحانه -:

{ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا }
[النساء: 93]،
وقال - عليه الصلاة والسلام -:

( لو أن أهلَ السماء والأرض اشتركوا في دمِ مُؤمنٍ لأكبَّهم الله في النار )؛
رواه الترمذي.

والمُسلمُ أكرمُ عند الله من الدنيا؛
قال - صلى الله عليه وسلم -:

( لَزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتلِ رجلٍ مُسلمٍ )؛
رواه الترمذي.

بل نهى أن يقتلَ المرءُ نفسَه؛ لأن الله خلقَه لعبادته؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( من قتلَ نفسَه بشيءٍ في الدنيا عُذِّبَ به يوم القيامة )
متفق عليه.

ولِيأمنَ المُسلمُ في حياته فكلُّ وسيلةٍ إلى القتلِ سدَّ في الإسلامُ ذريعتَها؛

( فمن أشارَ إلى أخيه بحديدةٍ فإن الملائكةَ تلعنُه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمِّه )؛
رواه مسلم.

ومن عادَى وليًّا من أولياء الله فقد آذنَه الله بالحربِ.
والزنا سبيلُه سيِّئٌ، ما وقعَ فيه امرؤٌ إلا ساءَ حالُه؛
قال - سبحانه -:
{ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلً }
[الإسراء: 32]،
والله قرَنَه مع الشرك والقتل.
قال الإمام أحمد - رحمه الله -:
"أعظمُ الذنوبِ عند اللهِ: الشركُ، ثم القتلُ، ثم الزنا".

والجزاءُ من جنسِ العمل؛ فمن عفَّ عفَّت نساؤُه، ولبشاعته كانت عقوبةُ المُحصَن الرجمَ حتى الموت.
وقليلُ الربا يُدنِّسُ المالَ الكثيرَ وينزِعُ بركتَه ويَحُلُّ بصاحبه الفقرُ؛
قال - سبحانه -:

{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا}
[البقرة: 276]،

والله لعنَ آكِلَه وأذِن بحربه، ومن حاربَه الله فقد هلكَ.
والسارقُ لعنَه الله لأخذِه حقوقَ الآخرين، وآكلُ مال اليتيم يأكلُ في بطنه نارًا،
ومن أخذَ أموالَ الناس يُريدُ إتلافَها أتلفَه الله، ومن اقتطعَ شِبرًا من الأرض ظلمًا خُسِفَ به إلى سبع أراضين.
ومن آوَى مُبتدعًا في الدينِ أو جانِيًا فقد لعنَه الله.

ومن دفعَ مالاً ليتوصَّل به إلى ما لا يحِلّ كان راشِيًا، والراشي والمُرتشِي
لعنَهما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال :

( ثلاثةٌ ربُّ العالمين خصمُهم يوم القيامة:
رجلٌ أعطى به - سبحانه - ثم غدَرَ، ورجلٌ باعَ حُرًّا فأكلَ ثمنَه،
ورجلٌ استأجرَ أجيرًا فاستوفَى منه ولم يُعطِه أجرَه )؛
رواه البخاري.

ومن شرِبَ الخمرَ لم تُقبَل منه صلاةُ أربعين يومًا، ولم يشرَبها في الجنة؛
بل ويُسقِيه الله من طينةِ الخَبالِ يوم القيامة. وهي: عرقُ أهل النار أو عُصارة أهل النار.

واللباسُ من نعم الله، وإذا عصَى الرجلُ ربَّه في ملبسه بالإسبال تعرَّضَ لعذابِ الله؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم الله يوم القيامةِ
ولا ينظُرُ إليهم ولا يُزكِّيهم ولهم عذابٌ أليم:
المُسبِلُ، والمَنَّانُ، والمُنفِّقُ سلعتَه بالحلِفِ الكاذِبِ )؛
رواه مسلم.

والمرأةُ إن تزيَّنَت بغير ما أذِنَ الله فيه؛ بأن وصلَت شعرَها أو وصلَت لغيرها،
أو نمصَت أو نُمِصَ لها فقد تعرَّضَت للعنةِ الله.

والله أوجبَ على الزوجةِ طاعةَ زوجها، وإذا دعا الرجلُ امرأتَه إلى فِراشه فأبَت أن تجِيءَ
لعنَتها الملائكةُ حتى تُصبِح، والعدلُ أساسُ المودَّة والرأفة،

( ومن كانت له امرأتان فمالَ إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّه مائلٌ )؛
رواه أبو داود.

وما خلا رجلٌ بامرأةٍ إلا كان الشيطانُ ثالِثَهما، ومن قطعَ رحِمَه قطعَه الله.

وأفعالٌ في العبادات من فرَّط فيها توعَّده الله بعقابٍ؛ فـ

( المارُّ بين يدي المُصلِّي لو يعلمُ ماذا عليه لكان أن يقِفَ أربعين خيرًا له من أن يمُرَّ بين يديه )؛
متفق عليه.

و( الذي يُسابِقُ الإمامَ يُخشَى أن يُحوِّلَ الله رأسَه رأسَ حمارٍ أو صورتَه صورةَ حمارٍ )؛
متفق عليه.

ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رفع البصر في الصلاة،
وقال:

( لينتهُنَّ عن ذلك أو لتُخطفَنَّ أبصارُهم )؛
رواه البخاري.

والمُسلمُ مُعظَّمٌ حيًّا وميتًا، وكسرُ عظمه وهو ميتٌ ككسرِه وهو حيٌّ، والجلوسُ على قبره من إهانته؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( لأن يجلِس أحدُكم على جمرةٍ فتُحرِقَ ثيابَه فتخلُصَ إلى جلدِه خيرٌ له من أن يجلِسَ على قبرٍ )؛
رواه مسلم.

وإذا عمِلَ العبدُ عملاً صالحًا سعى الشيطانُ في إفساده بالرياء أو السُّمعة أو إرادة الدنيا،
ومن وقعَ في ذلك كان عملُه هباءً.

والعبدُ يُعاقَبُ باعتقادِ قلبِه وإن لم يعمل أيذَ عملٍ؛ فمن اعتقدَ أن غيرَ الله ينفعُ أو يضُر،
أو عطَّل أسماءَه وصفاته فقد كفرَ، وآيةُ النفاقِ: بُغضُ الأنصار، وحبُّهم من الإيمانِ.

ومن قنطَ من رحمةِ الله الواسِعة فقد ضلَّ؛
قال - سبحانه -:

{ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ }
[الحجر: 56].

والعُجبُ بالنفس أو المالِ أو اللباسِ مُوجِبٌ للعقوبة؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( بينما رجلٌ يمشي في حُلَّةٍ تُعجِبُه نفسُه مُرجِّلٌ جُمَّتَه؛
إذ خسَفَ الله به، فهو يتجلجلُ إلى يوم القيامة )؛
متفق عليه.

والحسدُ مُظلمُ للقلبِ، مُفسِدٌ للحسناتِ، والكبرياءُ من خصائصِ صفاتِ الله من نازعَه فيها عذَّبَه،
ومن تكبَّر على الله أهانَه؛ قال فرعون كما جاء فى قول الله تعالى:

{ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى }
[النازعات: 24]،
فأغرقَه الله بالماءِ.

ومن استكبرَ على خلقه أهلكَه؛ فرِحَ قومُ عادٍ بقوتهم وقالوا :

{ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً }
[فصلت: 15]،
فأهلكَهم الله بريحٍ.

وبعدُ، أيها المسلمون:

فالدينُ أغلى ما يملِكُه المُسلم، وهو أصلُ الضرورات التي جاءَ الإسلامُ بحِفظِها،
فيجبُ على المُسلمِ أن يحفظَ لِسانَه وجوارِحَه، وما يعتقدُ بقلبِهِ مما يُضادُّه أو يُنقِصُه،
والإسلامُ دينُ الفِطرة، الدخولُ فيه بكلمةٍ مع علمٍ بمعناها وعملٍ بمُقتضاها،
وهو أيضًا أرقُّ شيءٍ وألطفُه، من ارتكبَ شيئًا من نواقضِه ولو بكلمةٍ زالَ عنه،
والسعيدُ من تمسَّكَ به وأحبَّه ومدحَه، ودعا غيرَه إليه، ومن ثبَّته الله على ذلك سعِد في دنياه وأخراه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

{ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا }
[النساء: 123].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أيها المسلمون:

النصيحةُ أصلٌ من أصول الدينِ؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( الدينُ النصيحة )؛
رواه مسلم.

والمُسلمُ ناصِحٌ لغيره مُحِبٌّ له الخيرَ، وإذا أُظهِرَت النصيحةُ في مُجتمعٍ سادَه الوِفاقُ والمودَّةُ والصلاح،
والخطيئةُ إذا خفِيَت لم تضُرَّ إلا صاحِبَها، وإذا ظهرَت فلم تُغيَّر ضرَّت العامَّةَ.
ومِفتاحُ حياة القلوبِ تدبُّر القرآن العظيمِ وتركُ الذنوبِ.
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه،
فقال في مُحكَم التنزيل:

{إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا}
[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق
وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين،
وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين،
واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم رُدَّهم إليك ردًّا جميلاً،
اللهم يا قويُّ يا عظيمُ يا كبيرُ يا مليكُ يا جبَّارُ يا مُهيمِن،
انصُر المُستضعفين من المُسلمين في الشامِ، اللهم كُن لهم وليًّا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا،
اللهم أيِّد لهم جنودَ السماء بقُدرتك، وهيِّئ لهم جنودَ الأرض بعِزَّتك،
اللهم سدِّد رميَهم، واجمع كلمتَهم، وسدِّد رأيَهم يا رب العالمين.

اللهم وأدِر دائرةَ السَّوءِ على عدوِّك وعدوِّهم، اللهم إنا نجعلُك في نُحورهم، وندرأُ بك من شُرورهم،
اللهم اجعل عتادَهم وجنودَهم عليهم يا ربَّ العالمين،
اللهم زلزِلِ الأرضَ من تحتهم، وفرِّق بين كملتَهم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء،
أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
[الأعراف: 23].

اللهم وفِّق إمامنا لهُداك، واجعل عمله في رِضاك،
ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعملِ بكتابك يا ذا الجلال والإكرام.

عباد الله:

{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
[النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم،
ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 04-03-2012, 10:13 AM   #93
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خُطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 9/4/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان :
" ستر الله على عباده "،

والتي تحدَّث فيها عن فضل الله على عباده بأنه يستر عليهم ذنوبهم ولا يفضحهم في الدنيا،
وأنه - جل وعلا - يُمهِلُهم ويلطُفُ بهم ويحلُم عليهم، ونبَّه إلى ضرورةِ أن يستر المُسلمُ أخاه
إذا وجدَه على معصية ولا يهتِك سترَه مع مُراعاة وجوب إسداء النصيحةِ له بألا يقعَ في المعاصِي،
وبيَّن أن المُجاهِرَ بالمعصيةِ أو المُحادّ لله ولرسوله يجبُ فضحُه ورفعُ أمره لوليِّ الأمر
ليرتدِع وليبتعِد الناسُ عن سلوك مسلكِه.



الحمد لله، الحمد لله مُوجِد كل موجود، ومُفيضِ الخيرِ والجُود، ذي القدرة الباهِرة، والقوة القاهِرة،
سُلطان الدنيا والآخرة، أحمده - سبحانه - وأشكره على ما منحَ من آلاء، وأجزلَ من عطاء،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ من آمنَ به وأسلَم، وفوَّضَ إليه الأمرَ وسلَّم،
وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله خاتمُ أنبيائه، وخِيرةُ أصفيائه،
صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه أقاموا السُّنَن، واستقاموا على السَّنَن،
والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقبَ الزمن، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -، والزَموا الصبرَ، واحذَروا الغدرَ، وخُذوا الناسَ بالعُذر؛ فالسعيدُ من هذَّبَ بالصبر رغبتَه، ودبَّر بالحزمِ أمرَه، فالصبرُ جُنَّةٌ واقية، وعِزَّةٌ باقية، وشفاءُ الصدور في التسليمِ بالمقدور، ومن ألِفَ الجزعَ قلبُه لم يرضَ عنه ربُّه، وعظُمَ عليه خَطْبُه، وأنكرَه صحبُه،

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }
[آل عمران: 200].

أيها المسلمون:

لا كراسي اعترافٍ في الإسلام، ولا صُكوكَ غُفرانٍ عند المُسلمين؛ فمن اقترفَ من عباد الله ذنبًا،
أو هتكَ بينه وبين ربِّه سترًا فليُبادِر بالتوبة من قريبٍ، والتائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له،
والمرءُ قد تغلِبُه نفسُه أو هواه أو شيطانُه، فيقعُ في المحظور، ويرتكِبُ الممنوع،
فمن ابتُلِيَ بذلك فليستتِر بسِترِ الله ولا يفضَح نفسَه، فكل الأمةِ مُعافَى إلا المُجاهِرين.

ومن المُجاهَرة: أن يعملَ الرجلُ عملاً، ثم يصبِح وقد سترَه الله فيقول: يا فلان!
قد عمِلتُ البارِحَةَ كذا وكذا، وقد باتَ يستُرُه ربُّه، ويُصبِحُ يكشِفُ سِترَ الله عليه.

وفي "الصحيحين" أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -،
فقال: يا رسول الله! إني عالجتُ امرأةً في أقصَى المدينة، وإني أصبتُ منها دون أن أمسَّها
- استمتاعٌ من غيرِ جِماعٍ -، فها أنا ذا، فاقضِ بما شِئتَ.
فقال له عمر: لقد سترَكَ الله لو سترتَ نفسَك،
قال: فلم يرُدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقام الرجلُ فانطلقَ،
فأتبَعَه النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً دعاه وتلا عليه هذه الآية:

{ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ }

[هود: 114].
فقال رجلٌ من القوم: يا نبيَّ الله! هذا له خاصَّة؟
قال:

( بل للناس كافَّةً ) .

معاشِر الأحِبَّة:

إذا وقعَ العبدُ في الذنب، وواقعَ المعصيةَ، فإن ربَّنا رحيمٌ ودودٌ لا يُعاجِلُ بالعقوبة،
ولا يُسارِعُ بالمُجازاة؛ بل يُضفِي عليه سِترَه، ويمنعُ اطِّلاعَ الناس عليه،
ويصرِفهم عنه حتى لا ينفضِح؛ رحمةً ن الله وفضلاً، ورأفةً منه وكرمًا.
وفي الحديث:

( إن اللهَ إذا سترَ على عبده عورتَه في الدنيا،
فهو أكرمُ من أن يكشِفَها في الآخرة،
وإن كشفَها في الدنيا، فهو أكرمُ من أن يكشِفَها مرةً أخرى )؛
رواه ابن ماجه، والترمذي، والحاكم.
وعند مُسلمٍ:

( لا سترَ الله على عبدٍ في الدنيا إلا سترَه يوم القيامة )،
وعند أبي داود والنسائي:

( إن الله حيِيٌّ سَتِّيرٌ يُحبُّ الحياءَ والسِّترَ ).

ويقول نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وآله وسلم -
كما في "صحيح البخاري" -:

( يدنُو أحدُكم من ربِّه فيقول: أعمِلتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم،
ويقول:عمِلتَ كذا وكذا، فيقول: نعم،
فيُقرِّرُه ثم يقول: إني سترتُ عليك في الدنيا،
وأنا أغفِرُها لك اليوم، فيغفِرُ له ذنوبَه )

بل إن من فضل الله ورحمته وكرمه:
أن العبدَ إذا وقعَ في المعصية دعاه ربُّه إلى الرجوع إليه والإنابةِ إليه:

{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا }
[الزمر: 53]؛

بل إنه يتفضَّلُ على التائبِ بإبدالِ سيئاته حسنات:

{ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }
[الفرقان: 70].

أيُّ فضلٍ ورحمةٍ وعفوٍ وإحسانٍ وتودُّدٍ يُكرِمُ ربُّنا به عبادَه؟! يُمهِلُهم إلى سنواتٍ وسنواتٍ لعلهم يرجِعون،
يبسُطُ يدَه بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل، ويبسُطُ يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار،
يفرحُ بتوبةِ عبده أشدُّ من فرحِ العبدِ نفسِه برجوعه إلى ربِّه.
سبحانك! أنت أرحم الراحمين، أنت الغفور الودود، وأنت الحنَّان المَنَّان.
أما خيرُ الخلقِ وأرحمُ الخلقِ بالخلقِ نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - فهو
عظيمُ الحياء، عفيفُ اللسان، حريصٌ على سَترِ العورات، وكتمِ المعايبِ والزلاَّت،
إذا رأى شيئًا في أصحابه أو سمِع شيئًا عرَّضَ بالتلميح، وألمحَ بالتنبيه،
فقال:

( ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا )،
و ( ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا وكذا ) .

وصِدِّيقُ الأمةِ وصادِقُها أبو بكرٍ - رضي الله عنه - يقول:
"لو لم أجِد للسارقِ والزاني وشاربِ الخمرِ إلا ثوبي لأحببتُ أن أستُرَه به"؛
رواه ابن أبي شيبة، وصحَّحَ سندَه الحافظُ ابنُ حجر.
هذا هو طريقُ الإسلام، وهذا هو نهجُه مع العُصاةِ والمُقصِّرين.

معاشر المُسلمين:

ثم بعد ذلك إنك لتعجَبُ ممن باتَ يستُرُه الله ثم هو يذهبُ ليهتِكَ سِترَ الله عليه،
يمُنُّ عليه ربُّه بالسَّتر فيأبَى ذلك ويرُدُّه.
هل رأيتَ أشدَّ وقاحةً من شابٍّ قد سترَه الله فيذهبُ يقُصُّ على رِفاقه ما سترَه الله عليه،
يذهبُ يكشِفُ سِترَ الله عليه.
ثم أنتم - يا أمة محمدٍ -، أنتم - يا عباد الله -! اجتهِدوا أن تستُروا العُصاة؛
فإن ظهورَ عوراتهم وهَنٌ في الإسلام،

(ومن سترَ مُسلِمًا سترَه الله يوم القيامة)؛
أخرجه البخاري.

ومن كشفَ عورةَ أخيه كشفَ الله عورتَه حتى يفضَحَه في بيته،
فلا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم.
وحينما الرجلُ بماعزٍ الأسلميِّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليُقيمَ عليه الحدَّ،
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( لو سترتَه بثوبِك كان خيرًا لك )

ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاوية - رضي الله عنه -:

( إنك إن اتبعتَ عوراتِ الناسِ أفسدتَهم أو كِدتَ أن تُفسِدهم )

المؤمنُ يستُرُ وينصَح، والمنافِقُ والفاجِرُ يهتِكُ ويُعيِّرُ ويفضَح؛
فمن أحبَّ إخوانَه سترَ عليهم عيبَهم، وحفِظَ عليهم غيبتَهم.
قال بعضُ السلف:
"لا يُعذِبُ الله قومًا يستُرون الذنوبَ".

السَّترُ - عباد الله -: إخفاءُ ما يظهرُ من زلاَّت الناسِ وعيوبهم وعوراتهم، وتجنُّبُ فضحِهم قولاً وعملاً،
همزًا وغمزًا، إشارةً وإيماءً. والعَورةُ: كلُّ ما يُستقبَحُ ظُهورُه للناسِ حِسِّيًّا كان أو معنويًّا
من الأفعال والأقوال والأبدان والهيئات والأحوال.
وتتبُّع العورات - حفظكم الله وحماكم - هو الاستشرافُ إليها، والفُضولُ في البحثِ عنها،
ومُتابعةُ ما يتعلَّقُ بها بنظرٍ أو سماعٍ أو غير ذلك، وسَترُ ذلك كلِّه يُطفِئُ نارَ الفساد،
ويُشيعُ المحبَّةَ، ويُثمرُ حُسنَ الظنِّ بالله وبالناسِ.

معاشر الإخوة:

المُجتمعُ المُسلمُ لا يخسَرُ بالسكوت عن تُهَم الناس والسَّتر عليها أو السَّتر على عيوبهم،
ولكنه يخسَرُ كلَّ الخسارة بإشاعة الاتهامات، وإذاعةِ السَّوءات،
وتحريضِ الضِّعافِ على الإقدامِ على الفواحِشِ، وارتكابِ المُوبِقات، ونزعِ الثقةِ من الثقات،
وارتفاعِ الطمأنينة من البيوت والاستقرار في المُجتمع.
يقول الحليميُّ - رحمه الله -:
"في هتكِ سرِّ أصحاب الآثام تهوينُ أمر الفواحِشِ على قلوبِ من يُشاعُ عنهم،
وقطعٌ للتوبةِ عن أصحابها، فلا تكونوا عونًا للشياطين على إخوانكم".

أيها الإخوة المُسلمون:

راشدُ أهل الفواحِش وقائدُهم: إبليس - عليه لعنة الله -؛
ففي التنزيل العزيز:

{ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ
إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ }
[الأعراف: 27]،
ويقول - عزَّ شأنه -:

{ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ }
[البقرة: 169].

فويلٌ للذين يُحبُّون أن تشيعَ الفاحِشةُ في الذين آمنوا، وويلٌ لهم مع تعدُّد وسائل النشر والفَضحِ،
وكسرِ أبوابِ الحِشمةِ والحياء؛ من صُحُفٍ ومجلاتٍ، ومسرحيَّاتٍ، وتمثيليَّات،
وقنواتٍ وتِقنيَّات، وشاشاتٍ، وهواتِف محمولة، وصفحات الشبكات، ومواقعها ومقاطِعها.

وويلٌ لهم في أنواعِ الملابِسِ الفاضِحَة، والهيئاتِ المُشينة في سُفورٍ وفُجور، نشرٌ للفضائح،
وإشاعةٌ للقبائِح، في سُرعة انتِقال، وسَعة انتشار، من غيرِ دينٍ يمنَع، ولا خُلُقٍ يردَع،
لِقالَة السوء سمَّاعون، ولإشاعة الفساد نقَّالون، يتلذَّذون بالإذاعة، ويُسرُّون بالإشاعة،
يتصدَّرون المجالسَ بالتجريح، ويتفكَّهون بتبادُل المقاطِع، لا يمَلُّون من التكرار،
ولا يفتُرون من رصدِ الزلاَّت، يرَون المحاسِنَ أضعافَ المساوئِ فلا يحفَظونها، ولا ينقُلُونها،
والسَّقَطات والعَورات يُدوِّنونها ويفرَحون بها، ويتفكَّهون بها ويُغرِّدون.

وقد علِمتُم أنه لا يدفعُ إلى تتبُّع العوراتِ والعثَراتِ وتلمُّس السَّقَطات والفلَتَات
لا يدفعُ إلى ذلك إلا سُوءُ الظنِّ وسُوءُ الطويَّة؛ بل يقودُ ذلك إلى الدخول في النيَّاتِ والمقاصِد،
فلا حول ولا قوة إلا بالله.
انظروا - رحمكم الله - وحماكم ماذا فعلت هذه الوسائل والتقنيَّات بإساءة الظُّنون بالولاة
والعُلماء وأهلِ الرأي والكُبَراء وذوي الهيئات وسائر المُؤمنين والمُؤمنات، مما أدَّى إلى تغيير القلوب،
وفُشُوِّ الشحناء. إنك إن تتبَّعتَ عوراتِ المُسلمين أفسدتَهم أو كِدتَ تُفسِدُهم.

اجترأوا على حُرُمات إخوانهم، وانطلقَت بالسوءِ ألسِنتهم، في حديثٍ عن المعاصِي والمعايِبِ،
وتسهيلٍ للوقوع فيها، وإرشادٍ لطرائقها، وتهوينٍ من خطرِها، وتقليلٍ من فظائعها.
وذلكم - وربِّكم - من عظائمِ الأمور وأبوابِ الشُّرور، يُظهِرون مُجتمعَ أهل الإسلام
وكأنَّه كلَّه مُجتمعُ فُحشٍ وجرائمَ ونقائصَ، مما لا يليقُ بصلاح القلوب، ونقاءِ السرائر.
فاستُروا - رحمكم الله - العوراتِ، وتستَّروا على العُصاة.
يقول الحسنُ - رحمه الله -:
"من سمِعَ بفاحشةٍ فأفشاها فكأنَّما أتاها".



- يا عبد الله -:

إذا سترتَ فإياك أن تُوبِّخ أو تُعيِّر، فذلك ممنوعٌ ممنوع؛ فقد نهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
أن تُثرَّبَ الأمةُ الزانيةُ مع أمره بجلدِها، فيجلِدُها الحَدَّ ولا يُثرِّب؛ أي: لا يُعيِّرُ بالذنبِ ولا يُوبِّخ.

وإياك - حفِظَك الله - أن تجعلَ السَّترَ وسيلةً لإذلال المستور، واستغلاله، وتعيره بذنبِه؛
بل احرِص - رعاك الله - أن يكون ذلك وسيلةً لإصلاحه واستِجلابِ مودَّته
وإعانتهِ على البُعد عن دُرُوبِ السوءِ ومواطِن الرَّيبِ.

اللهم استُر عوراتنا، اللهم استُر عوراتنا، وآمِن روعاتنا، وأجِرنا من خِزيِ الدنيا وعذابِ الآخرة،
اللهم لك أسلمنا، وبك آمنَّا، وعليك توكَّلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصَمنا، وإليك حاكَمنا،
فاغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا،
أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

{ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ
وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا
وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

[النور: 16- 21].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -،
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله، الحمد لله نصبَ الأدلةَ على ربوبيته وألوهيته، وأسبغَ علينا من سحائبِ فضله وكرمه ونعمته،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تُبلِغُ الفردوسَ في جنَّته،
وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أشرفُ خلقه وأكرمُ بريَّته،
صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين عِترتِه، والغُرِّ الميامين صحابته،
والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ وسارَ على نهجه وسُنَّته، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، معاشر الإخوة:

اعلموا أن السَّترَ وحِفظَ السرِّ لا يُنافِي النصيحةَ، والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المُنكر، ولا يُعارِضُه؛
بل يجبُ على الساتِرِ أن ينصحَ المستورَ عليه، وأن يُبصِّرَه بعيوبه، وأن يأمرَه بالمعروف الذي قصَّر فيه،
وينهاه عن المنكر الذي وقعَ فيه، سالِكًا في ذلك مسلكَ الحكمةِ والوعظِ الحسن.

أما من عُرِف بالأذى واشتُهِر بالفساد فيُؤذَنُ التحذير منه، كما يُؤذَنُ بالتشهير بمن يُعلِنُ فَجورَه،
ويتعدَّى ضررُه، ويُخشَى أثرُه، ويُجاهِرُ بجريمته ومعصيته؛ من السحرة والكُهَّان والمُشعوِذين،
ومُروِّجي المُخدِّرات ومُهرِّبيها، ومُهدِّدي الأمن، وناشِري الانحرافات العقدية والفكرية،
فكل هؤلاء وأمثالهم يجبُ التحذيرُ منهم والدلالةُ عليهم؛ نُصحًا للأمة،
وحِفظًا للأعراض والدماء وأمن البلاد والعباد.

يقول الإمام النووي - رحمه الله -: "يُشترطُ أن يكون المستور عليه ليس معروفًا بالأذى والفساد؛
لأن السَّترَ عليه يُطمِعُه في الإيذاء والفساد، وانتِهاك المُحرَّمات، وجَسارة غيره على مثلِ فعلِه،
وإنما يُرفعُ أمرُه إلى وليِّ الأمر". اهـ كلامُه - رحمه الله -.

ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، واحفَظوا حُرُمات المؤمنين والمؤمنات،
واستُروا العَورات، وأقيلُوا العثَرات، واغفِروا الزلاَّت.

ثم صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛
فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله، وهو الصادقُ في قِيلِه:

{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى،
وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين،
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
وأذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزةَ الدين، واخذُل الطغاة والملاحِدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمَّتنا وولاة أمورنا،
واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك،
واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك،
واجمَع به كلمةَ المسلمين على الحق والهُدى يا رب العالمين،
اللهم وفِّقه ونائِبَه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.

اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -،
واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية،
ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير.

اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم احفظ إخواننا في سوريا،
اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم.
سوريا بوابة الحرية، ومِصباحُ الصباح، وعنوان الشجاعة، ورمزُ الثبات،
وصورة البسالة، إخواننا أهلُنا في سوريا، يتصدَّون بإيمانهم لمُجنزراتِ الظلمِ، ودبابات الطغيان،
يُسطِّرون سيرةً أذهلَت هذا العالمَ المُتخاذِل عالمَ الظلم والمصالح الضيِّقة، والحسابات الجائِرة.

صورةُ بَسالة وعِزَّة أخجلَت القريبَ والبعيدَ، عامٌ كاملٌ وهم أعِزَّةٌ كِرام، يُقاوِمون الظلمَ،
ويأبَون الخُنُوعَ، إنهم أحفادُ خالد بن الوليد - رضي الله عنه - الذي ماتَ على فِراشه عزيزًا مُنتصِرًا
وليس في جسدِه شِبرٌ إلا وفيه ضربةٌ من سيف، أو طعنةٌ برُمح، أو رميةٌ من سهم.

أحفادَ خالد! خرجتُم من تحت الأنقاض في شُموخٍ وعِزَّة، وارتفاعِ جِباه، فلا نامَت أعيُن الجُبَناء،
فسلامُ الله عليكِ يا سُوريا، وسلامُ الله عليكِ يا درعَا، وسلمُ عليك يا حِمص،
ويا حماة، ويا حلب الشَّهباء، ويا دمشق الشام، سلامُ الله عليكم أجمعين،
سلامُ الله عليكِ يا أرض البركات والأنبياء، حفظَكِ الله وأعزَّكِ، وأقرَّ بالنصرِ عينَكِ،
وأبقاكِ رمزًا وذُخرًا لراية الحق، وحُماة الدين، ومقبرةً للطُّغاة.

اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، واحفَظ أعراضَهم،
وأطعِم جائِعَهم، اللهم واشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِ طريدَهم، اللهم فُكَّ حِصارَهم،
واربِط على قُلوبهم، وثبِّت أقدامهم، وانصُرهم على من بغَى عليهم.

اللهم واجعل لهم من كل همٍّ فرَجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية،
اللهم أعِنهم ولا تُعِن عليهم، وانصُرهم ولا تنصُر عليهم.
اللهم عليك بالطُّغاة الظلَمة في سُوريا، اللهم عليك بالطُّغاة الظلَمة في سُوريا،
اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في الطُّغيان،
اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك اللهم اجعل تدبيرَهم في تدميرهم،
واجعل دائرةَ السوء عليهم يا قويُّ يا عزيزُ.

اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبوابَ القبول والإجابة، وتقبَّل طاعاتنا ودعاءَنا،
وأصلِح أعمالنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتُب علينا، واغفر لنا، وارحمنا يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك ربِّ العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين،
والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 11-03-2012, 10:27 AM   #94
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوي بتاريخ 16/4/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صلاح البدير - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان:
" الجُرح النازِف : الشام "،

والتي تحدَّث فيها عن جراحات المُسلمين في العديد من البُلدان،
لا سيَّما بلاد الشام؛ حيث ذكرَ ما يُكاد للمُسلمين هناك من مكائد،
وخططٍ تُحاكُ ضدَّهم.



الحمد لله، الحمد لله النافِذِ أمرُه، العزيز نصرُه، يقضِي ما يشاءُ ويحكُمُ ما يُريد، الأمرُ له والخلقُ بيديه،
والاستعانةُ به، والتفويضُ إليه، ولا اعتمادَ إلا عليه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كاشِفُ البلاء، وقامِعُ أهل الظلمِ والجَور والاعتِداء،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله سيدُ الأولياء، وخاتمُ الأنبياء،
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه معادن التقوى وينبوع الصفا،
صلاةً تبقَى وسلامًا يترَى.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب،

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون }
[آل عمران: 102].

أيها المسلمون:

في أوضحِ صُور المُكاشَفة والمُجاهَرة قضايا أمتِنا بين المُؤامرة والمُتاجَرة،
وأهلُ السَّمسرة لا يُصغُون إلى مآسِي أهلِ الإسلام إلا بمسمَعٍ أصمّ، والذين يُروِّجون أسلحَةَ القتلِ والدمار،
ويُتاجِرون بدم الأبرياء، ويتلاعَبون بمصيرِ الشعوب لا شيءَ يعنيهم
سوى المصالحِ والمطامِع والعقود والصفقاتِ.

أما مشاهِدُ القتلِ والتمثيلِ، والتشويه والتعذيب، ورائحةُ الدم التي تخرُجُ من أروِقةِ الموت
فلا تُحرِّكُ منهم المشاعِر، ولا تُؤرِّقُ منهم الضمائر.

وصرخاتُ الأبرياء، وصيحاتُ النساء، وشلالاتُ الدماء، وقِطعُ الأشلاء لا ترقَى عندهم
لخسارةِ عقدٍ أو صفقةٍ أو غنيمةٍ أو استثمارٍ، حتى صار الظالمُ يُشايِعُ الظالمَ،
والقتلُ يُوالِي القاتِلَ، والمُستبِدُّ يُطابِقُ رأيَ المُستبِدّ، ولم يعُد لحكوماتٍ تقودُ المحافِلَ الدولية
ضميرٌ حيٌّ يحمِلُ على إحقاقِ العدلِ، ورفعِ الظلم، وإرساء السلام،
ونزعِ فتيلِ الحُروبِ والنزاعات والصراعات.

وها هي بلادٌ تُعاني من ويلاتِ الحروب منذ عشراتِ السنين، وبلادٌ تُعاني
من ويلات الفقر والجهل والمرض ردحًا من الزمن، وبلادٌ تُعاني فتنةَ الانقسامات والشِّقاقات
عقودًا من الدهر؛ فماذا قدَّمَت تلك الدول التي تدَّعي قيادةَ العالَم، وحفظَ الأمن، ورعايةَ السِّلم؟!
ماذا قدَّمت لتلك الدول وقضاياها؟!

ولو كانت هناك إرادةٌ صادقةٌ، وعدلٌ إنصافٌ لما أعجزَ حلُّها، ولا أعوَزَ أمرُها.
ويُشعَل فتيلُ الحروب في بلادٍ متى كانت مصالحُ تلك الدول تقتضِي إشعالَها،
وتُفرضُ خياراتُ التقسيمِ عليها متى كانت مصلحةُ تلك الدول تقتضِي تقسيمَها.

وتُطلَقُ يدُ زعماء ورُؤساء يسُوسون شعوبَهم بالسيفِ والحَيف، والظلم والجَور،
والتجويعِ والترويعِ، والإرهابِ والإرعاب، والنار والحِصار،
والبَطشِ والقتلِ ما دام ذلك الزعيمُ يضمَنُ لتلك الدول مصالِحَها، ويُقتلُ آلافُ البشر من شعوبِ العالَم،
ويذهبُون ضحايا صِراع طُغاةٍ جبابِرةٍ على السُّلطة والحُكم والثروةِ والمال.
والحروبُ في العالَم تزداد، والصراعات تتضاعَف، والسِّلمُ يتضاءَلُ؛
لأن قِيَم العدل والحقِّ والإنصاف لم تكن يومًا حاكِمةً في قضايا عالَم اليوم،
والعالمُ لم يفشَل يومًا في حلِّ قضاياه ولم يعجِز إلا لأن من يقُودُه لا يُريد لتلك القضايا أن تنقضِي،
ولا لتلك الحروب أن تنتهي.

وإننا نُناشِدُ القادةَ والساسةَ، وأنصارَ العدل، ومُحبِّي السلام في العالَم أن يأخُذوا بعالَمنا
من مُستنقعَات الحروب والصراعاتِ، والبُؤس والفقر، والجهل والدمار والخرابِ إلى ساحةِ السِّلم والأمن،
والعدلِ والرحمةِ والإنصافِ، وأن يرحَموا الشعوبَ من ويلات الحُروب،
وإلا فلا بُدَّ أن يأتي يومٌ يصطَلِي فيه بالنار من أشعلَها، وبالحروب من أوقدَها، ويقعَ في الألغام من زرعَها.

ولا يحيقُ المكرُ إلا بمن مكَرَ، ولا يقعُ في حُفرته إلا من حفَر، سُنَّةٌ ماضِية، وحقيقةٌ قاضِية،

{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }
[يوسف: 21].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ،
فاستغفروه؛ فقد فاز المُستغفِرون، وسعِد الآيِبون.



الحمد لله العظيمِ في قدره، العزيز في قهرِه، يسمعُ أنينَ المظلوم عند ضعف صبره،
ويجُودُ عليه بإعانته ونصره، أحمدُه على القدر خيرِه وشرِّه، حُلوِهِ ومُرِّهِ،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رافِعَ لما وضعَ، ولا واضِعَ لما رفع،
ولا مانِعَ لما أعطَى، ولا مُعطِيَ لما منَع، وما شاءَ ربُّنا صنَع،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله إمامُ المُجاهِدين، وقُدوةُ الصابرين،
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه خلفاء الدين وحُلفاء اليقين
صلاةً وسلامًا دائمَيْن ممتدَّيْن مُتلازِمَيْن إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله؛ فقد نجَا من اتَّقى، وضلَّ من قادَه الهوَى،

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }
[الأحزاب: 70، 71].
أيها المسلمون:
إن العينَ لتدمَع، وإن القلبَ ليحزَن، وإنا على مُصابِك يا شامُ لمحزُونون.

عظُمَ البلاءُ ولا مُغيثَ لشامِنا ربِّي أنت المُرتجَى لبلائِنا

كلُّ جُرحٍ سوف يبرَا فامتطِي يا شامُ صبرًا
أهلَنا في الشام صبرًا إن بعد العُسر يُسرًا
أهلَنا في الشام صبرًا إن بعد الصبر نصرًا

أيها الطُّغاةُ الظلَمَة! بحَيفِكم تورَّطتُم، ولحَتفِكم تأبَّطتم،
وبدماء الأبرياء تلطَّختُم، فثيابُ الذلِّ تلفُّكم، وأكفانُ الهزيمةِ تحفُّكم.

يا قاتِلُ لا مهربَ ولا مناصَ، ستُقادُ إلى ساحةِ القِصاص، يا ظالِمُ يا مُبير،
أبشِر بسُوءِ المصير، يا غادِرُ ستُغادِر، فصولتُك آفِلة،
وجولتُك خاسِرة، يلُفُّك الخُذلان، ويحُوطُك الخُسران،

{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }
[الحج: 39]،

وإن الله ليُملِي للظالِم حتى إذا أخذَه لم يُفلِته،
ونصرُ الله قريبٌ، وآمالُ الظالِم تخيبُ،

{ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }
[الحج: 40].

اللهم احفَظ أهلَنا في سورية من الفتن والشرور والمِحَن يا رب العالمين،
اللهم احفَظ أهلَنا في الشام من الفتن والمِحَن والشرور يا رب العالمين،
اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم،
اللهم وصُن أعراضَهم، اللهم صُن أعراضَهم، واحفَظ أموالَهم، وادفَع عنهم مكرَ الماكرين،
وعُدوانَ الظالمين يا رب العالمين،
اللهم اشفِ مرضاهم، وداوِ جرحاهم، وتقبَّل موتاهم في الشُّهداء يا سميعَ الدعاء.

اللهم عليك بالطُّغاة المُجرمين، اللهم عليك بالطُّغاة المُجرمين الذين قتَلوا الأبرياء،
وسفَكوا الدماءَ، وعذَّبوا الشيوخَ والأطفالَ والنساء، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك،
اللهم اهزِمهم يا قوي، زلزِلهم يا قادِر، أنزِل عليهم عذابَك ورِجزَك وبأسَك
الذي لا يُردُّ عن القوم المُجرمين يا سميعَ الدعاء.

يا سميعَ الدعاء، يا سميعَ الدعاء نجِّ إخواننا المُستضعفين في الشام عاجلاً غير آجلٍ يا رب العالمين،
اللهم عجِّل بالفَرَجِ والنصر لهم يا رب العالمين.

اللهم طهِّر المسجدَ الأقصى من رِجسِ يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين،
والصهاينة الغادِرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجِزونك.
اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها واستِقرارَها،
اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى،
وخُذ بناصيته للبرِّ والتقوى،
اللهم وفِّقه ووليَّ عهده لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين يا رب العالمين،
اللهم واجزِ خادمَ الحرمين الشريفين خيرَ الجزاء وأوفاه على نُصرته لأهلنا المُستضعفين في الشام.

اللهم يا عظيمَ العفوِ، يا واسِعَ المغفرة، يا قريبَ الرحمة، هَبْ لنا من لدُنك مغفرةً ورحمةً،
وأسعِدنا بتقواك، واجعلنا نخشاك كأننا نراك يا أرحم الراحمين.

اللهم ارحم موتانا، وعافِ مُبتلانا، واشفِ مرضانا،
وانصُرنا على مَن عادانا يا ربَّ العالمين.
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا غرَقٍ.

اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك،
اللهم اسقِنا واسقِ المُجدِبين،
وفرِّج عنَّا وعن أمة نبيِّنا وسيدِنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أجمعين.
عباد الله:
إن اللهَ أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه،
وأيَّه بكم - أيها المؤمنون من جنِّه وإنسِه -،
فقال قولاً كريمًا:

{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }
[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على النبي المُصطفى المُختار، وآله الأطهار، وصحابته الأبرار،
اللهم وارضَ عن خُلفائه الأربعة، أصحاب السُّنَّة المُتَّبعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.







  رد مع اقتباس
قديم 11-03-2012, 10:29 AM   #95
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 16/4/1433 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان:

" العسر مع اليسر "،

والتي تحدَّث فيها عن الفتن والمِحَن التي تمرُّ بها أمةُ الإسلام وبلادُه،
وبيَّن أن تلك الفتن لن تدوم طويلاً؛ حيث ذكر الأدلة الدامغة من الوحيَيْن التي تُبيِّن أن بعد العُسر يُسرًا،
وأن الفرجَ مع الكرب، وأن الله مُزيح الهمِّ ومُزيل الغمِّ.



الحمد لله الذي يجعل بعد العُسر يُسرًا، أحمده - سبحانه - حمدًا يزيدُنا به نعَمًا وخيرًا،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يخلُقُ ما يشاءُ ويختارُ المُتفرِّدُ في الكون نهيًا وأمرًا،
وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله خيرُ الخلق طُرّا وأعظمُهم بِرًّا،
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ،
وعلى آله وصحبه أصوبِ السالكين إلى الله وأهداهم سَيرًا.



فاتقوا الله - عباد الله -، واذكرُوا أن للمتقين في الدنيا حياةً طيبةً،
ولهم في الآخرة جناتٍ تجري من تحتها الأنهار.
أيها المسلمون:
تيسيرُ العسير، وتذليلُ الصعب، وتسهيلُ الأمور أملٌ تهفُو إليه النفوس، وتطمحُ إلى بلوغ الغايةِ فيه
والحَظوةِ بأوفى نصيبٍ منه، وإدراكِ أكملِ حظٍّ ترجُو به طِيبَ العيشِ الذي تمتلكُ به أزِمَّةَ الأمور،
وتتوجَّهُ به إلى خيراتٍ تستبِقُ إليها، وتنجُو من شُرورٍ تحذَرُ سوءَ العاقبة فيها.

ولذا فإن من الناسِ من إذا أصابَه العُسر في بعض أمره رأى أن شرًّا عظيمًا نزلَ بساحته،
وأن الأبوابَ قد أُوصِدَت دونه، والسُّبُلَ سُدَّت أمامه، فتضيقَ عليه نفسُه، وتضيقَ عليه الأرضُ بما رحُبَت،
ويسوءَ من ظنِّه ما كان قبلُ حسنًا، ويضطربَ من أحواله ما كان سديدًا ثابتًا مُستقِرًّا،
وربما انتهى به الأمرُ إلى ما لا يحِلُّ له ولا يليقُ به من القولِ والعمل.

أما المتقون الذين هم أسعدُ الناس وأعقلُهم فإن لهم في هذا المقام شأنًا آخر،
وموقفًا مُغايِرًا بما جاءَهم من البيِّناتِ والهُدى من ربِّهم، وبما أرشدَهم إلى الجادَّة فيه
نبيُّهم - صلوات الله وسلامه عليه -، إنهم يذكُرون أن ربَّهم قد وعدَهم وعدَ الصدقِ الذي لا يتخلَّف،
وبشَّرَهم أن العُسرَ يعقبُه يُسرٌ، وأن الضيقَ تردُفُه سَعَة، وأن الكربَ يخلُفُه فرَجٌ؛
فقال - سبحانه -:

{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا }
[الشرح: 5، 6]،
وقال - عزَّ اسمه -:

{ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا }
[الطلاق: 7].

وهو موعودٌ مُقترِنٌ بشرط الإتيان بأسبابٍ عِمادُها وأساسُها وفي الطليعةِ منها:
التقوى التي هي خيرُ زاد السالكين، وأفضلُ عُدَّة السائرين إلى ربِّهم،
ووصيةُ الله تعالى للأولين والآخرين:

{ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ }
[النساء: 131].

وهي التي تبعثُ المُتَّقي على أن يجعل بينه وبين ما نهى الله عنه حاجزًا يحجُزُه،
وساترًا يقِيه، وزاجِرًا يزجُرُه، وواعِظًا في قلبه يعِظُه ويُحذِّرُه.
فلا عجبَ أن تكون التقوى من أظهرِ ما يبتغي به العبدُ الوسيلةَ إلى تيسير كلِّ شُؤونه،
وتذليلِ كل عقبةٍ تعترِضُ سبيلَه أو تحُولُ بينَه وبين بلوغِ آماله،

{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا }
[الطلاق: 4].

ومع التقوى يأتي الإحسانُ في كل دروبِه؛ سواءٌ منه ما كان إحسانًا إلى النفس بالإقبال
على الله تعالى والقيام بحقِّه - سبحانه - في توحيده وعبادته بصرفِ جميعِ أنواعِها
له وحده - سبحانه - محبَّةً وخوفًا ورجاءً وتوكُّلاً وخضوعًا وخشوعًا وإخباتًا وصلاةً
ونُسُكًا وزكاةً وصيامًا وذِكرًا وصدقةً؛ إذ هو مُقتضى شهادة أن لا إله إلا الله التي تعني:
أنه لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، وتلك هي حقيقةُ التصديقِ بالحُسنى:

{ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى }
[الليل: 5- 7].

ومما يبسُطُ مدلولَ هذا ويُوضِّحُه: أن يعلمَ المرءُ أن الله تعالى قد اتَّصَفَ بصفاتِ الكمال،
وأنه - كما قال الإمامُ ابنُ القيِّم - رحمه الله -: "يُجازِي عبدَه بحسبِ هذه الصفات؛
فهو رحيمٌ يحبُّ الرُّحَماء، وإنما يرحمُ من عباده الرُّحَماء، وهو ستِّيرٌ يحبُّ من عباده السّتر،
وعفوٌّ يحبُّ من عباده من يعفُو عنهم، وغفورٌ يحبُّ من يغفِرُ لهم، ولطيفٌ يحبُّ اللُّطفَ من عباده،
ويُبغِضُ الفظَّ الغليظَ القاسِي الجَعظَرِيَّ الجوَّاظ، رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ، حليمٌ يحبُّ الحلمَ،
برٌّ يحبُّ البِرَّ وأهلَه، وعدلٌ يحبُّ العدلَ، قابِلُ المعاذِير يحبُّ مَن يقبَلُ معاذيرَ عباده،
ولذا فهو يُجازي عبدَه بحسبِ هذه الصفاتِ وجودًا وعدمًا؛ فمن عفا عفا عنه، ومن غفرَ غفرَ له،
ومن رفقَ بعباده رفقَ به، ومن رحِمَ خلقَه رحِمَه، ومَن أحسنَ إليهم أحسنَ إليه". اهـ.

ومن هذا الإحسانِ - يا عباد الله -: التيسيرُ على المُعسِر إما بإنظاره إلى ميسرةٍ،
وإما بالحطِّ عنه، كما جاء في الحديثِ:

( ومن يسَّرَ على مُعسِرٍ يسَّرَ الله عليه في الدنيا والآخرة )؛
أخرجه مسلم في "صحيحه".
فإذا جمعَ إلى ذلك: التضرُّعَ إلى خالقه ودعاءَه بما كان يدعُوهُ به الصفوةُ من خلقه؛
كدُعاء نبيِّه موسى - عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام -:

{ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26)
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي }
[طه: 25- 28]،

وكذلك دعاءُ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يدعُو به عند تعسُّر الأمور،
وذلك قولُه:

( اللهم لا سهلَ إلا ما جعلتَه سهلاً، وأنت تجعلُ الحَزْنَ إذا شئتَ سهلاً )

مُلتزِمًا في ذلك آدابَ الدعاءِ وسُننَه؛ من إخلاصٍ لله، ومُتابعةٍ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
وابتداءٍ بحمده - سبحانه - والثناءِ عليه، والصلاة والسلام على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -،
واستِقبالٍ للقبلة، وإلحاحٍ في الدعاءِ، وعدمِ الاستِعجالِ فيه بأن يقول: دعوتُ فلم يُستجَب لي،
ومع سُؤال الله وحده دون سِواه، واعترافٍ بالذنبِ، وإقرارٍ بالنِّعمة،
وتوسُّلٍ إليه بأسمائه الحُسنى وصفاتِهِ العُلَى، أو بعملٍ صالحٍ سلَفَ له،
أو بدعاءِ رجلٍ صالحٍ حيٍّ حاضرٍ، ورفعِ اليدين، والوضوءِ إن تيسَّرَ،
وإطابةِ مطعمه بأكل الحلال الطيِّب واجتِنابِ الحرام الخبيثِ، واجتِنابِ الاعتِداءِ في الدعاءِ بألاَّ يدعُوَ بإثمٍ،
ولا بقطيعةِ رحِمٍ، وبألاَّ يدعُوَ على نفسه ولا على أهله أو ماله أو ولده،
وبعدم رفعِ الصوت فوق المُعتاد وفوق الحاجة.

هنالك تُرجَى الإجابة، وتُستمطَرُ الرحمةُ الربانية، ويُرتَقَبُ اليُسرُ، ويُفرَحُ بفضل الله وبرحمته،

{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }
[يونس: 58].

نفعَني الله وإياكم بهديِ كتابه، وبسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،
إنه هو الغفور الرحيم.



إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستغفرِه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله،
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



فيا عباد الله:
جاء في بَسطِ مدلولِ قولِ الله تعالى:

{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا }
[الشرح: 5، 6]

قولُ بعضِ أهل العلم بالتفسير: "هذه إشارةٌ عظيمةٌ أنه كلما وُجِدَ عُسرٌ وصعوبةٌ؛
فإن اليُسرَ يُقارِنُه ويُصاحِبُه، حتى لو دخلَ العُسر جُحرَ ضبٍّ لدخلَ عليه اليُسرُ فأخرجَه،
كما قال تعالى:

{ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا }
[الطلاق: 7]،
وفي تعريفِه بالألف واللام الدالةِ على الاستغراقِ والعموم دليلٌ على أن كل عُسرٍ
وإن بلغَ من الصعوبةِ ما بلغَ ففي آخره التيسيرُ مُلازِمٌ له". اهـ.

وإنها لَبشارةٌ عظيمةٌ - يا عباد الله - لمن أصابَه العُسرُ، ونزلَ به الضُّرُّ، وأحاطَ به البلاءُ،
واشتدَّ عليه الكربُ من أهل الإسلام قاطِبةً،
ومن أهل الشام خاصَّةً الذين سِيموا سُوءَ العذاب بغيًا وعَدوًا وظُلمًا؛

{ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ }
[فاطر: 43].
فليُبشِروا باقترابِ النصرِ، وتنفيسِ الكربِ، وتفريجِ الشدَّة، وكشفِ الغُمَّة، ورفعِ البلاءِ،
والعافيةِ من البأساء والضرَّاء.
ألا فاتقوا الله - عباد الله -، وأحسِنوا الظنَّ بالله،
وثِقُوا بوعده الحق الصادقِ الذي لا يتخلَّفُ ولا يتبدَّلُ أن مع العُسرِ يُسرًا.
واذكروا على الدوامِ أن الله تعالى قد أمَرَكم بالصلاةِ والسلامِ على خير الورَى،
فقال - جل وعلا -:

{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }
[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ،
وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خيرَ من تجاوزَ وعفا.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين،
اللهم دمِّر الطُّغاةَ والمٌفسدين يا رب العالمين، وألِّف بين قلوب المسلمين،
ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -
وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا،
وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ،
ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء،
واجزِه خيرَ الجزاء عن مواقفِهِ الإسلاميةِ الحكيمةِ الحازِمةِ مع قضايا المُسلمين كافَّةً
ومع قضيةِ المُسلمين في سُوريةَ خاصَّةً يا رب العالمين.
اللهم إنا نجعلُك في نحور أعدائك وأعدائنا يا رب العالمين،
اللهم إنا نجعلُك في نُحورهم ونعوذُ بك من شُرُورهم،
اللهم إنا نجعلُك في نُحورهم ونعوذُ بك من شُرُورهم،
اللهم اكفِنا شرَّ أعدائِك وأعدائِنا بما شِئتَ،
اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شِئتَ،
اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شِئتَ.
اللهم اكشِف عن أهل سُورية ضُرَّهم، ونفِّس عنه كربَهم، ويسِّر عُسرَهم،
وفرِّج ضِيقَهم، واستُر عوراتهم، اللهم استُر عوراتهم وآمِن روعاتهم،
اللهم استُر عوراتهم وآمِن روعاتهم، ونجِّهم مما يخافون يا رب العالمين،
واكفِهم بما شئتَ شرَّ أعدائهم، واكفِهم بما شئتَ شرَّ أعدائهم، وارحَم ضعفَهم،
اللهم ارحَم ضعفَهم، واجبُر كسرَهم، واشفِ جرحاهم، اللهم اشفِ جرحاهم،
واكتُب أجرَ الشُّهداء لقتلاهم، وفُكَّ قيدَ أسراهم، وأطعِم جائِعَهم، واستُر عارِيَهم، وقِنا وإياهم شرَّ الفتن،
اللهم قِنا والمُسلمين جميعًا شرَّ الفتن ما ظهر منها وما بطَن يا رب العالمين.
اللهم أحسِن عاقبتَنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة،
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا،
وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ،
والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيكَ آمالَنا، واختِم بالصالحات أعمالَنا.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك.

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
[الأعراف: 23]،

{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }
[البقرة: 201].
وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين،
والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 18-03-2012, 02:06 PM   #96
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوي بتاريخ 23/4/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان :
" قصص عن عواقب الظلم "،

والتي تحدَّث فيها عن الظلمِ وعواقبه الوخيمةِ في الدنيا والآخرة،
وذكر العديدَ من القصص والعِبَر التي تُبيِّن عواقِبَ الظلَمَة في الدنيا.



الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ.



فيا أيها المُسلمون:

إن الحياة الطيبةَ لا تكونُ إلا بتقوى الله - جل وعلا -،
وإن السعادةَ في الدارَين لا تحصُلُ إلا بالتمسُّك بتلك التقوى،
فاستمسِكوا بتقوى الله - جل وعلا - ليلاً ونهاراً، سرًّا وجهرًا.

إخوة الإسلام:

من أصول الإسلام: مُحاربةُ الظلمِ بشتَّى صوره ومُختلَف أشكاله، وإن المُتتبِّع لأحوال الناس
مع ظهور حبِّ الدنيا وتمكُّنها في النفوس يجِدُ مُمارساتٍ تحمِلُ الظلمَ لآخرين في نفوسهم
وأعراضهم وأموالهم، وإن أعظمَ ما يحمي الإنسانَ من الظلمِ ويدرأُ عنه شُرورَ الوقوع فيه:
تذكُّر عاقبتَه الوخيمة في الدنيا، ومآلَه الشنيعَ في الآخرة.

إخوة الإسلام:

يجبُ أن نعلمَ أن التسلُّط على الخلقِ وظُلمَهم مسلكٌ يُؤدِّي بصاحبه إلى أشنعِ حالٍ وأسوأِ مآلٍ،
سنةٌ لا تتبدَّلُ ولا تتحوَّلُ، وإن مصارعَ الظلمَة في القديمِ والحديثِ لأصدقُ برهانٍ،
وأعظمُ بيانٍ لمن كان له قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهو شهيدٌ.

معاشر المسلمين:

إن دعوةَ المظلوم سهامٌ لا تُخطِئ، وسلاحٌ على الظالمِ لا يُبقِي وإن طالَ الدهرُ،
قال - صلى الله عليه وسلم - لمُعاذ بن جبلٍ - رضي الله عنه - حين بعثَه إلى اليمن :

(.. واتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ )؛

متفق عليه.
وفي "السنن" بسندٍ حسنٍ
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( دعوةُ المظلومِ تُحمَلُ على الغَمام، وتُفتحُ لها أبوابُ السماوات،
ويقول الربُّ - جل وعلا -: وعزَّتي! لأنصُرنَّكِ ولو بعد حينٍ )

وإن من سُوء عاقبةِ الظلمِ أن دعوةَ المظلومِ مُستجابةٌ حتى ولو من الفاجرِ أو الكافرِ؛
روى أحمد في "مسنده" بسندٍ حسنٍ
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( لا تُردُّ دعوةُ المظلومِ ولو كان فاجِرًا ففُجورُه على نفسه ) .
وفي حديثٍ آخر عنده - رحمه الله - بسندٍ حسنٍ:

( اتَّقوا دعوةَ المظلوم وإن كان كافرًا؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ )

وصدقَ القائلُ حينما قال :

لا تظلِمنَّ إذا ما كنتَ مُقتدرًا فالظلمُ ترجِعُ عُقباهُ إلى النَّدَمِ
تنامُ عيناك و المظلومُ مُنتبِهٌ يدعُو عليكَ و عينُ الله لم تنَمِ

فاتَّقِ الله يا مَن لا تُقيمُ لدماءِ المُسلمين حُرمة، ولا لأعراضهم صيانة، ولا لأموالهم وزنًا وحماية.
من أزجَرِ ما نُقِل في التاريخ: قصةٌ عن خالد بن عبد الله البَرمَكيِّ وولده في حوارٍ بينهما وهُما في السجنِ،
فيقول له: يا أبَتَاه! لقد كُنَّا بعد العِزِّ والمُلكِ صِرنا في القَيْدِ والحبس.
فقال له: يا بُنيّ!
دعوةُ مظلومٍ سَرَت بليلٍ غفَلنَا عنها والله لم يغفَل عنها.

وذكرَ العلماءُ - رحمهم الله - أن مالكَ بن دينارٍ الزاهدَ العابِدَ حُمَّ أيامًا - أي: وجَدَ حرارةً في بدنه -،
ثم وجدَ خِفَّةً فخرجَ لبعضِ حاجته، فمرَّ بعضُ أصحاب الشُّرط بين يديه قومٌ،
قال: فأعجَلوني فاعترضتُ في الطريقِ، فلحِقَني إنسانٌ من أعوانه فقنَّعَني أسواطًا - أي: ضرَبَني أسواطًا -
كانت أشدَّ عليَّ من تلك الحُمَّى. فقلتُ: قطَعَ اللهُ يدَكَ،
فلما كان من الغدِ غدوتُ إلى الجسرِ في حاجةٍ لي فتلقَّاني ذلك الرجلُ مقطوعةً يدُهُ يحمِلُها في عُنقِهِ.

فيا مَن تظلِمُ وتبطِشُ! تذكَّر موقِفَك بين يدَي الله - جل وعلا -،
واخشَ على نفسِكَ من دعوةِ صالحٍ تسري بليلٍ والناسُ نِيامٌ،
إن لم تكن خائفًا من موقفِكَ من الله - جل وعلا -.

فإن بعضَ الناس إنما يخافُ على نفسه في الدنيا، ولهذا جعل الله له زاجِرًا في دنياه قبل أُخراه؛
روى الطبراني بسندٍ رِجالُهُ رجالُ الصحيح: أن رجلاً نالَ من عليٍّ - رضي الله عنه -،
فنهاهُ سعدُ بن أبي وقَّاصٍ، فلم ينتَهِ عن ذلك،
فقال سعدٌ: أدعُو الله - جل وعلا - عليك. فدعَا عليه،
فما برِحَ حتى جاءَ بعيرٌ نادٌّ فخبَطَه حتى ماتَ.
وأوردَ أبو نُعيمٍ في "الحلية"، وابنُ الجوزي في بعضِ كُتبه:
أن سُليمان التيميَّ العابِدَ الحافظَ كان بينه وبين رجلٍ شيءٌ،
فنازعَه فتناولَ الرجلُ سُليمان فغمَزَ بطنَه، فدعا عليه سُليمانُ فجفَّت يدُ الرجلِ.

أخي المُسلم:

اسمَع هذه العِبرةَ فاتَّعِظ وازدَجِر؛ حكى ابنُ أبي الدنيا أن رجلاً من مُناوِي عُثمان - رضي الله عنه -
آلَى على نفسه أن يلطِمَ وجهَ عُثمان الشريف. وفي القصَّة قال:
فدخلتُ مع صاحبي وإذا رأسُ عثمان في حجر امرأته، فقال لها صاحبي: اكشِفي وجهَه.
فقالت: لِمَ؟ قال: ألطُمُ حُرَّ وجهِهِ. قالت: أمَا تذكُرُ ما قال فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؟!
قال فيه كذا وكذا - ثم عدَّدَت مزاياه العظيمة -، قال: فاستحيَى صاحبي بعد ذلك فرجعَ،
فقلتُ لها أنا: اكشِفي عن وجههِ. قال: فذهَبَت - أي: امرأةُ عُثمان - تدعُو عليَّ،
ومع ذلك قال: فلطَمتُ وجهَهُ.
فقالت: ما لكَ يبَّسَ الله يدَكَ، وأعمَى بصرَك، ولا غفرَ لك ذنبَكَ.
قال: فواللهِ ما خرجتُ من البابِ حتى يبَسَت يدِي، وعمِيَ بصري، وما أرى اللهَ أن يغفِرَ لي ذنبِي.
ثم رُؤِيَ يطوفُ في الكعبة ويتألَّى على الله عقوبةً له، فيقول وهو أعمَى:
اللهم اغفِر لي، وما أراكَ تفعلُ!

ومن القصص التي فيها زجرٌ عن الظلمِ: ما أخرجه البخاري عن جابر بن سمُرة قال:
شكا أهلُ الكوفةِ سعدًا إلى عُمر حتى قالوا: إنه لا يُحسِنُ يُصلِّي.
فقال سعدٌ: أما أنا فإني كنتُ أُصلِّي بهم صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا أخرِمُ عنها،
أركُدُ في الأَوليَيْن وأحذِفُ في الأُخرَيَيْن. قال عُمر: واللهِ ذاك الظنُّ بك يا أبا إسحاق.

ثم بعثَ عُمر - وهو الخليفةُ العادلُ الذي لا تأخُذُه عاطفةٌ عن الحق والتتبُّع -،
أرسلَ عُمر رجالاً يسألون عنه في مجالسِ الكوفة، فكانوا لا يأتون مجلِسًا إلا أثنَوا عليه خيرًا،
وقالوا معروفًا، حتى أتَوا مسجدًا من مساجِدِهم فقال رجلٌ - يُقال له: أبو سَعدة -،
فقال: اللهم إذ سألتُمُونا فإنه كان لا يعدِلُ في القضية، ولا يقسِمُ بالسَّوِيَّة، ولا يسيرُ بالسرِيَّة!
وهكذا الظالمُ إذا تبِعَ هواه انطلَقَ لسانُهُ بما يهوَى، وانطلَقَت جوارِحُه بما تهوَى نفسُه الأمَّارة.
فقال سعدٌ: اللهم إن كان كاذِبًا فأعمِ بصرَه، وأطِل فقرَه، وعرِّضْه للفتن.
قال عبدُ الملك - راوي الحديث -: فأنا رأيتُه يتعرَّضُ للإماءِ في السِّكَكِ،
فإذا قيل له: انتَهِ يا أبا سَعدة! قال: كبيرٌ فقيرٌ مفتونٌ أصابَتني دعوةُ سعدٍ.

يا مَن ينسَى دعوةَ المظلوم! لتكُن مثلُ هذه الأمثِلَة زاجِرًا لك ورادِعًا لنفسك
عن ظُلم الخلق في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم.

حُكِي أن رجلاً من قتَلَة الحُسين بن عليٍّ - رضي الله عنه، وعن أبيه، وعن أمِّه،
وعن آل البيت جميعًا -
رمَى الحُسين بسهمٍ. فقال الحُسين: يا هذا! إيتنِي بماءٍ أشربُه،
فلما رماهُ هذا الرجلُ حالَ بينَه وبين الماءِ، فقال الحُسينُ: اللهم أظمِئْهُ.

فرُؤِيَ هذا الرامي وهو عند موته في الاحتِضار وهو يصيحُ من الحرِّ في بطنِهِ،
ويصيحُ من البردِ في ظهره، فبين يدَيْه المراوِحُ والثلجُ وخلفَه المُصطَلَى،
وهو يقول: أسْقُوني أهلَكَني العطشُ، فيُؤتَى بإناءٍ عظيمٍ فيه السَّوِيْقُ - وهو الماءُ واللبنُ،
لو شرِبَه خمسةٌ لكفاهم -، فيشربَه جميعًا، ثم يعودُ
فيقول: أسْقُوني أهلكَني العطشُ، ثم انقدَّ بطنُهُ كانقِداد البَعير.

فيا مَن تظلِمُ الناسَ! اللهُ أكبرُ عليك، إن الظالمَ تدورُ عليه الدوائرُ،
وتحُلُّ به المثُلاتُ وإن طالَ الدهرُ، وامتدَّ الزمانُ؛
يقول - صلى الله عليه وسلم -:

( إن اللهَ ليُملِي للظالمِ حتى إذا أخَذَه لم يُفلِتْهُ )،

ثم قرأَ:

{ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }
[هود: 102].

فكُن - أيها المُسلمُ - مُتباعِدًا عن ظُلم الخلقِ، مُحاذِرًا النَّيْلَ منهم بقولٍ أو فعلٍ أو إعانةٍ على ظُلمٍ.
أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.



أحمدُ ربي وأشكُرُه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ.



فيا أيها المسلمون:

وصيةُ الله لنا جميعًا هي وصيةُ الله لأولين والآخرين، وهي: تقواه - جل وعلا -،
ولُزومُ طاعته، والبُعد عن معاصِيهِ.
يا مَن يظلِمُ الناسَ في أموالهم فيأخُذها قهرًا، أو يمنَعُ دَينًا، أو يحبِسُ حقًّا،
يا مَن يُماطِلُ الناسَ في أموالهم! اسمَع هذه المواعِظ،
وكُن لنفسِك خيرَ واعِظٍ قبل أن تحُلُّ بك دعوتُهم،
وتُحيطَ ببدنِكَ أو مالِك أو ولدك عاقبةُ نجواهم لخالقهم؛
ففي الحديثِ القُدُسيِّ:

( يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُهُ بينكم مُحرَّمًا، فلا تظالَموا )

ثم إن اللهَ - جل وعلا - أمرَنا بما تزكُو به حياتُنا، وتسعَدُ به أُخرانا، ألا وهو:
الإكثارُ من الصلاةِ والسلامِ على الحبيبِ النبيِّ.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدِنا ونبيِّنا وحبيبِنا وقُرَّةِ عيوننا: نبيِّنا محمدٍ،
وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ،
وعن سائرِ الآلِ والصحابةِ أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام، نسألك أن تحفظَ المُسلمين في كل مكان،
اللهم احفَظ المسلمين في كل مكان،
اللهم أنزِل حفظَك وكلأتَك على المُسلمين،
اللهم احفَظهم بحِفظِك، واكلأهم برعياتك.
اللهم انصُرهم على من بغَى عليهم، اللهم انصُرهم على من بغَى عليهم،
اللهم انصُرهم على من بغَى عليهم يا قويُّ يا عزيزُ.
اللهم عليك بأعداءِ المُسلمين،
اللهم أبطِل مكرَهم،
اللهم اجعل الدائرةَ عليهم،
اللهم اجعل الدائرةَ عليهم.
اللهم يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام،
احفَظ المُسلمين في الشام، احفَظ المُسلمين في أفغانستان، احفَظ المُسلمين في العراقِ،
احفَظ المُسلمين في فلسطين، احفَظ المُسلمين في ليبيا، احفَظ المُسلمين في مصر،
احفَظ المُسلمين في تُونس، وفي كل مكانٍ يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ارفع كُرُباتهم،
اللهم نفِّس غمَّهم، اللهم نفِّس غمَّهم، اللهم أدخِل عليهم الأمنَ،
اللهم حقِّق لهم الأمنَ والأمان، اللهم حقِّق لهم الأمنَ والأمان،
اللهم حقِّق لهم ما يصبُون من الأمنِ والأمان يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم احفَظ بلادَ المُسلمين من كل سُوءٍ ومكروهٍ،
اللهم احفَظ المُسلمين في بلاد الحرمين من كل سُوءٍ ومكروهٍ،
اللهم اجعل بلادَ المُسلمين قويةً عزيزةً منيعةً على الأعداءِ يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احفَظ خادمَ الحرمين، اللهم أيِّده بتأييدك،
اللهم أطِل عُمره يا حيُّ يا قيُّوم على الطاعةِ والتقوى،
اللهم انصُر به دينَكَ، وأعلِ به كلمتَك.
اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم،
اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.
اللهم أسعِدنا بتقواك، اللهم أسعِدنا بتقواك،
اللهم مُنَّ علينا بفضلِك،
اللهم اغفِر لنا ذنوبَنا،
اللهم كفِّر عنا سيئاتنا، اللهم كفِّر عنا سيئاتنا، اللهم كفِّر عنا سيئاتنا،
وأدخِلنا الجنةَ مع الأبرار، يا عزيزُ يا غفَّار.







  رد مع اقتباس
قديم 18-03-2012, 02:08 PM   #97
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 23/4/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور سعود الشريم - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان :

" ذم الإنتقام "،

والتي تحدَّث فيها عن وجوب خلوِّ الصدر وسلامته من الغَشَش والدَّخَن،
وبراءة النفس من نَزعة التشفِّي والانتقام، وذكرَ أن الانتقام مذمومٌ في الإسلام في الجُملة،
ولا يُحمَد بحالٍ إلا إذا انتُهِك الحُرُمات،
وذكرَ الأدلةَ على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.



إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوبُ إليه،
ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل لا هادِيَ له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }
[آل عمران: 102]،

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }
[النساء: 1]،

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }
[الأحزاب: 70، 71].



فيا أيها الناس :

إن سلامةَ الصدر وخُلُوَّه من الغَشَش والدَّخَن، وبراءةَ النفس من نَزعَة التشفِّي
وحب الانتِصار من المُخطِئ تلبيةً لرغبَاتِ النفس المُنتشِيَة في مُعالَجة الخطأ بالقوةِ الضارِبةِ
لهِي سِمةُ المؤمنِ الصالحِ الهيِّن الليِّن، الذي لا غِلَّ فيه ولا حسَدَ؛
إذ ما قيمةُ عيش المرءِ على هذه البَسيطةِ وقلبُه مُلبَّدٌ بحبِّ الذات، مُتفنِّنًا في الفَظَاظَةِ والغضَاضَة والغِلظَة،
يُعزِّزُ من خلالها قسوةَ قلبه، وضِيقَ عطَنه، فيُصبِحُ سيِّئَ الطبع، سافِلَ الهمَّة، شرِهَ النفس،
يأنَفُه الناسُ عند كل مرصَدٍ.

كثيرون هم الذين يبحَثون عن مصادر العِزَّة والفلاح مع كثرتها، وتنوُّع ضرُوبها، وقِلَّة المُؤنة في تحصيلها،
دون إجلابٍ بخيلٍ ولا رَجِلٍ، إنما رِكابُها شيءٌ من قوة الإرادة،
وذمٍّ للنفسِ عن تجرُّع حُظوظها المُتمثِّلة في الأنانية؛ فطِيبُ النفسِ، وحُسن الظنِّ بالآخرين،
وقَبول الاعتذار، وإقالَةُ العَثرة، وكظمُ الغيظ، والعدلُ في النَّصَف أو العقوبة، كلها معاييرُ نقاءٍ وصفاءٍ،
وعلاماتٌ للنفسِ الراقيةِ المُتشبِّثةِ بهديِ الإسلام الراقِي في التعامُل مع النفس ومع الآخرين.
ومتى ما خرجَ الانتصارُ للنفسِ ممن أخطأَ في حقِّها أو ظلمَها عن تلك الصور والمعايير؛
فإنه الولوجُ في دائرة حبِّ الانتقامِ، ولا شكَّ.

وإذا اصطبَغَت النفسُ بحبِّ الانتقام ووقعَت في أتونه؛
فإن الغِلظةَ والجَبَروت والبطشَ والإسرافَ والحَيف هي العلاماتُ البارِزةُ التي تحكُمُ شخصيةَ المرءِ
الذي سيُشارُ إليه بالبَنَان على أنه رمزُ الظلمِ والنَّذَالة والوحشيَّة؛ لأن المعروفَ عن الانتقام أنه:
إنزالُ العقوبةِ مصحوبةً بكراهيةٍ تصِلُ إلى حدِّ السَّخَط، والحقد، والإسرافِ في العقوبة.
الذي يُفرِزُه جنونُ العظمة وحبُّ القهر، كما قال فرعون:

{ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى }
[غافر: 29]،

وكما جاء عن قوم عاد:

{ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً }
[فصلت: 15].

الانتقامُ يُذكَرُ غالبًا في معرِضِ الذمِّ؛ لكونه مقرونًا بالقسوةِ والغِلظةِ وموت الضمير،
وعامةُ الناسِ لا يعرِفون منه إلا هذا المعنى.

وعندما حضَّنا الإسلامُ على العفوِ والتسامُحِ وكظمِ الغيظِ لم يُرِد لنا أن نكون ضُعفاء، ولا جُبَناء،
ولا أن يغرِسَ في نفوسِنا الذِّلَّةَ والهَوَان، كلا؛ فإنما أرشدَنا إلى ذلكم ليُبيِّن لنا
أن اللِّينَ والسماحَة هُما أفضلُ وسيلةٍ لاستلالِ السَّخِيمةِ والكُرْهِ من قلبِ من أساءَ إلينا.

ولذا فإن الانتقامَ مع ما فيه من القسوة والجبَروت فإنما هو علامةُ ضعفٍ لا قوةٍ،
والضعفُ هنا يكمُنُ في أن الغِلظةَ والتشفِّي لهُما السيطرةُ في قلبِ المُنتقِم على التسامُح والاعتِدال،
فمن هُنا صارَ المُنتقِمُ ضعيفًا؛ لأن سجِيَّة الشرِّ والحُمق والهوى هي الغالبةُ أمام نَزوَته ورغبته،
وهذا سببُ الضعفِ لدى المُنتقِم؛
لأن التشفِّي طرفٌ من العَجزِ ليس بينه وبين الظالمِ إلا سترٌ رقيقٌ وحجابٌ ضعيفٌ.

ولقد كان من أميَز سِمات النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ،
وأن رِسالتَه إنما هي رحمةٌ للعالمين،

كما قال تعالى:

{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }
[الأنبياء: 107]،

وهذه الرحمةُ والشَّفَقةُ واللِّينُ التي أزهَرَت في فُؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم -
هي ما جعلَتْه يتلقَّى الثناءَ من العليِّ الأعلى من فوق سبعِ سماواتٍ:

{ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ }
[القلم: 4]،

{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }
[آل عمران: 159].

ومن هنا نُدرِكُ أن المُنتقِمَ كالأعمَى، لا يُدرِكُ ويُحِسُّ إلا بنفسه، المُنتقِمُ ليس أهلاً للعدل ولا للإنصافِ؛
لأن همَّتَه في تحقيق هدفه وشفاءِ غيظه، ليس إلا، فهو عدوُّ عقله؛
لأنه يشينُ حُسنَ الظَّفَر فيقبُحُ بالانتِقام دون أن يتزيَّن بالعفو أو القصد.

المُنتقِمُ بليدُ الإحساسِ، قد تجرَّدَ من العاطفة، إذا استُغضِبَ زَأرَ، وإذا زأَرَ افترَسَ،
وإذا افترسَ أوجعَ، وإذا كان القتلُ يُعدُّ من أنكَى جِراحات الحياة،

فإن الله - جل وعلا - قال فيه:

{ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا }
[الإسراء: 33].

غيرَ أن المُنتقِمَ من الناس لا يقِفُ عند هذا الحدِّ، ولن يُدرِكَ عقلُه ولُبُّه
قولَ الله تعالى:

{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ }
[النحل: 126]،

فهذه الآيةُ دلَّت على الانتِصار من الظالمِ، لكنها في الوقتِ نفسِهِ بيَّنَت أن العفوَ أخيَرُ وأفضلُ،

{ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ }
[الشورى: 40]،

ومن أراد أن يلِجَ التقوى من أسهل أبوابها فليعمل بقول الله - جل وعلا -:

{ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }
[البقرة: 237].

لقد ضربَ الانتقامُ والتشفِّي بأطنابِه في قلوب بعضِ الناسِ،
وقد ظهرَ ذلك جلِيًّا في تعامُل الأبِ مع ابنِه أو أخيه، أو الزوجِ مع زوجته، فلربما ضربَها،
أو حبسَها، أو علَّقَها فلا هي زوجة ولا هي مُطلَّقة، وأذاقَها صُنوف الهوان والذلِّ والإيلام،
كلُّ ذلك انتِقامًا وبَطشًا وانتِصارًا لرُجولةٍ زائفةٍ، وقلبٍ مُلتاثٍ، وقولوا مثلَ ذلكم في تعامُل جارٍ مع جارِهِ،
أو مُديرٍ مع موظَّفٍ، أو أُسرةٍ مع خادمها، أو ما شابَهَ ذلكم من أمثلةِ تبلُّدِ الإحساسِ والدُّونيةِ
في التعامُلِ مع الآخرين بعيدًا عن مبادِئِ الدِّين الحنيفِ والأخلاقِ الحميدة.

وليتَ أمثالَ هؤلاء يُدرِكون جيِّدًا أن أفضلَ وسيلةٍ للانتِقام ممن أساؤوا إليهم:
هي ألا يكونوا مثلَهم في الإساءة؛ ليزدادوا حقارةً لأنفسهم، وامتِهانًا لسَجَايَاهم؛
فقد جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقال: يا رسول الله! إن لي قرابةً أصِلُهم ويقطعُوني، وأُحسِنُ إليه ويُسيؤُون إليَّ،
وأحلُمُ عنهم ويجهَلون عليَّ.
فقال:

( لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ،
ولا يزالُ معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دُمتَ على ذلك )؛
رواه مُسلم.

والمعنى: فكأنما تُلقِمُهم الرَّمادَ الحارَّ في أفواههم.
وقد قال جعفرُ الصادقُ - رحمه الله تعالى -:
" لأَن أندمَ على العفوِ عشرين مرةً أحبُّ إليَّ من أن أندمَ على العقوبةِ مرةً واحدةً ".

وقد جرَت سنةُ الله أن من انتقَمَ ممن هو دونه انتقَمَ منه من هو فوقَه، وسُنَّةُ الله لا تُحابِي أحدًا.
ولأجل هذا - عباد الله - فإن لذَّة العفو أطيبُ من لذَّة التشفِّي، وذلك أن لذَّة التشفِّي يلحقُها ذمُّ الندَم،
ولذَّةَ العفو يلحقُها حمدُ العاقبة،
وقد قال الله - جل وعلا -:

{ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ }
[الشورى: 37]،

وهذا دليلٌ على أن الانتِقام يقبُحُ على الكِرامِ.

ومن طَبعُهُ الانتقامُ فهو كالغَيمِ الذي لا يُرجَى صحوُه، يغضبُ من الجُرمِ الخفِيِّ، ولا يُرضيهِ العُذرُ الجَلِيُّ،
حتى إنه ليُبصِرُ الذنبَ ولو كان كسَمِّ الخِيَاطِ، ويعمَى عن الحسناتِ ولو كانت كجِبال تِهامة،
له أُذُنان يسمعُ بإحداهما البُهتان، ويصُمُّ بالأخرى عن الاعتِذار،
وله يَدَان يبسُطُ أحدُهما للانتِقام ويقبِضُ الأُخرى عن الحِلمِ والصفحِ،
مثَلُه كمثَلِ من قال اللهُ عنه:

{ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ }
[البقرة: 205، 206].

فهل يعِي هذا أولئك الجبَّارون المُنتقِمون المُسرِفون الذي يسومون أقوامَهم سُوءَ العذاب،
فيُذبِّحون أبناءَهم، ويُرمِّلون نساءَهم، ويُيتِّمون أطفالَهم، أولئك الذين باعُوا الضميرَ،
ونحَروا الرحمةَ، وأخذَتهم العِزَّةُ بالإثمِ، فعلَوا في الأرضِ، وجعلوا أهلَها شِيَعًا،
وقالوا مقولةَ فرعون الأول:

{ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ }
[الأعراف: 127].

غيرَ أن المؤمنين الصابرين يُردِّدون قولَ الله تعالى:

{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36)
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ }
[الزمر: 36، 37].

باركَ الله ولكم في الكتابِ والسنةِ، ونفعَني وإياكم بما فيهما من الآياتِ والذكرِ والحِكمة،
قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان،
وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.



فاتقوا الله - عباد الله -، واعلموا أن لله الأسماءَ الحُسنى التي هي غايةٌ في الحُسن والجمال،
ومنها الصفاتُ العُلَى التي تليقُ بجلالهِ وعظيمِ سُلطانه؛ فمن صفاته - سبحانه وتعالى -:
الانتقام الذي يقصِمُ به ظهورَ الجبابرةِ بعد الإعذارِ والإنذارِ؛ فقد قرَنَ انتقامَه بعِزَّته،
فقال - جل وعلا -:

{ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ }
[إبراهيم: 47]،
وقال - سبحانه -:

{ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ }
[المائدة: 95].

والانتقامُ في شريعتنا الغرَّاء مذمومٌ في الجُملة، غيرَ أن ثمَّةَ انتقامًا محمودًا شرعَه الله لنا
لإيجاد مبدأ التوازن بين المصالحِ والمفاسِدِ، وعدمِ الإخلالِ بها عن منازلها التي أُنيطَت بها
لتحقيقِ مصالحِ العباد ودرء مفاسِدهم، وهذا الانتقامُ المحمودُ إنما يكون لمن انتهَكَ محارِمَ الله،
وذلك بالحُدود والتعزيرات والعقوبات المشروعة؛
فقد قال - سبحانه -:

{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ
وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }
[النور: 2]،

فنهانا - سبحانه - عن الرحمةِ في حُدوده وإقامةِ شِرعتِه وفقَ ما أرادَه لنا - سبحانه وتعالى -.
وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت:

" ما ضربَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا بيده قطُّ،
ولا امرأةً، ولا خادِمًا إلا أن يُجاهِدَ في سبيل الله،
وما نِيلَ منه شيءٌ قطُّ فينتقِمُ من صاحبه إلا أن يُنتهَكَ شيءٌ من محارمِ الله،
فينتقِمُ لله - عز و جل – "؛

رواه مسلم.

فالانتقامُ لغير محارمِ الله معرَّةٌ، كما أن الحِلمَ والبُرودَ أمام محارِمِ الله خيانةٌ عُظمى.
هذا وصلُّوا - رحمكم الله - على خيرِ البرية، وأزكى البشرية:
محمد بن عبد الله، صاحبِ الحوض والشفاعة؛
فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسِه ، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -،
فقال - جل وعلا -:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }
[الأحزاب : 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمد، صاحبِ الوجهِ الأنور، والجَبين الأزهَر،
وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر صحابةِ نبيِّك - صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين،
ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.

اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا،
وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كلِّ شرٍّ.

ونسألُك اللهم نعيمًا لا ينفَد، وقُرَّةَ عينٍ لا تنقطِع،

ونسألُك اللهم لذَّةَ النظر إلى وجهك الكريم،
والشوق إلى لقائك في غير ضرَّاء مُضِرَّة، ولا فتنةٍ مُضِلَّة برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك،
واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حيُّ يا قيُّوم،

اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،

اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،

اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين.
اللهم لا تحرِمنا خيرَ ما عندك بشرِّ ما عندنا يا ذا الجلال والإكرام،

اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَكَ يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام،
يا رب العالمين.

{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }
[البقرة: 201].

سبحان ربِّنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 25-03-2012, 12:59 PM   #98
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى بتاريخ 30/4/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله –
خطبة الجمعة بعنوان :
" الظلم ظلمات يوم القيامة "،

والتي تحدَّث فيها عن الظلمِ وعواقبه الوخيمة؛
حيث دلَّل على سوء عاقبة كلِّ ظالمٍ وأن أنفاسهم في الظلم معدودة، ومُدَّتهم في الحياة محدودة،
وأرشَدَ إلى ضرورة الاعتبار بمن سبَقُوا من الطُّغاة والظالمين؛
من أمثال: فرعون، وأبرهة، وقوم صالح، وغيرهم من الأقوام الظالمين السالفين،
وذكر طرفًا من مُعاناة النبي - صلى الله عليه وسلم - من ظلم قومِه له، ومدى صبره -
عليه الصلاة والسلام - على ذلك .



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى؛ فتقوى الله طريقُ الهُدى،
ومُخالفتُها سبيلُ الشقا.

أيها المسلمون:

فضَّل الله الإنسانَ وكرَّمَه وهيَّأ له أسبابَ الطمأنينة ليعبُدَه وحده - سبحانه - كما أمَر،
ومعاشُ الناس لا يستقيمُ إلا بالدين، وبهِ سعادتُهم في الآخرة،
ومن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -:

( اللهمَّ أصلِح لي ديني الذي هو عصمةُ أمري،
وأصلِح لي دُنيايَ التي فيها معاشي،
وأصلِح لي آخرتي التي فيها معادي )؛

رواه مسلم.

وأساسُ الدينِ: العدلُ فيما بين العباد وبين خالقهم بإفراد العبادةِ له،
وبينهم وبين المخلوقين بعدم بغيِ بعضِهم على بعضٍ؛ إذ الظلمُ أصلُ كلِّ شرٍّ،
وفسادٌ للدين والدنيا، والله نزَّهَ نفسَه عن الظلمِ وجعلَه بين العباد مُحرَّمًا؛
فقال:

( يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا؛ فلا تَظَالَموا )؛
رواه مسلم.

وكان أبو إدريس الخَولانيُّ - رحمه الله –
راوي الحديثِ إذا حدَّثَ بهذا الحديثِ جَثَى على رُكبتَيْه.

واللهُ أخبرَ أنه لا يُحبُّ الظالِمَ، ونفى عنه الفلاح، ووعدَ بقطعِ دابرِه،
ولا يدُومُ على نُصرته أحدٌ،
قال - سبحانه -:

} وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ {

[البقرة: 270].

بل يُسلِّطُ اللهُ عليه ظالمًا أقوى منه،
كما قال - سبحانه -:

} وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ {
[الأنعام: 129].
قال ابن كثير - رحمه الله -:

"أي: نُسلِّطُ بعضَهم على بعضٍ، ونُهلِكُ بعضَهم ببعضٍ،
وننتقمُ من بعضِهم ببعضٍ؛ جزاءً على ظُلمهم وبغيِهم".

والله توعَّدَه بسُوء المُنقلَبِ،
فقال:

} وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ {
[الشعراء: 227].
قال شُريحٌ - رحمه الله -:

"إن الظالمَ ينتظرُ العقابَ، والمظلومَ ينتظرُ النصرَ".

والظالمُ أيامُه في الدنيا معدودةٌ، ولكنَّ الله يُمهِلُه؛
قال - جلَّ شأنه -:

} فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا {
[مريم: 84].

ومن طالَ عُدوانُه زالَ سُلطانه؛
قال - جل وعلا -:

} وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ {
[الأنبياء: 11].

قال ابن القيم - رحمه الله -:

"إذا أراد اللهُ أن يُهلِكَ أعداءَه ويمحقَهم قيَّضَ لهم الأسبابَ التي
يستوجِبُون بها هلاكَهم ومحقَهم، ومن أعظمها - بعد كُفرهم -:
بغيُهم وطغيانُهم ومُبالغتُهم في أذى أوليائه،
ومُحاربتهم وقتالهم والتسلُّط عليهم".

واللهُ ذكرَ في كتابه ظالمين وسُوءَ عاقبتِهم، وأخبرَ أنه جعلهم عبرةً لغيرهم؛
ففرعون طغَى وعاثَ في الأرض فسادًا؛

قال - سبحانه - عنه:

} إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ
يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ {
[القصص: 4].
بل تطاوَلَ على الربِّ وأنكرَه
وقال:

} أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى {

[النازعات: 24]،

وافتخرَ بجرَيَان الماء من تحت قدمَيْه وكان يقول:

} أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي {

[الزخرف: 51].

والله له بالمِرصاد، يُمهِلُه ولم يُهمِله، فأجرَى الماءَ من فوقه وأغرقَه به،
وقال له ساعةَ هلاكه:

} فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً {

[يونس: 92].

وأخبرَ أن تلاطُمَ أمواج البحر من فوقه حين هلاكه كان أمرًا مهُولاً،
فقال:

} فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى {

[النازعات: 25، 26].

وشُعيبٌ - عليه السلام - دعا قومَه إلى الإسلام، ونهاهُم عن ظُلم الناس،
وقال لهم:

} أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ
وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ {
[هود: 85]،
فسخِروا به وقالوا له:

}أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ {
[هود: 87]،

فأرسلَ الله عليهم نارًا أحرقَتهم وأحرقَت أموالَهم التي اكتسبُوها بالظُّلم،
قال - سبحانه -:

} فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ {

[الشعراء: 189]؛

أي: النار المُحرِقة النازلةِ عليهم من السماء

} إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ {.

وثمودُ كان ذنبُهم مع الشركِ عقرَ بهيمةٍ جعلَها الله لهم آيةً،
فأرسلَ عليهم صيحةً قطَّعَت قلوبَهم.
قال شيخُ الإسلام - رحمه الله -:

"فمن انتهَكَ محارِمَ الله واستخفَّ بأوامره ونواهيه،
وعقرَ عبادَه وسفكَ دماءَهم كان أشدَّ عذابًا منهم".

وإذا وقعَ بالمؤمنين شدَّةٌ وبلاءٌ، وكربٌ وعناءٌ، فاللهُ لطيفٌ في قدَرِه،
حكيمٌ في تدبيره، قادٌ على نُصره عباده، ولكن لحكمةٍ يبتليهم؛
قال - جل وعلا -:

} ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ {

[محمد: 4].

وهو - سبحانه - قويٌّ في مُدافعته عن عباده المؤمنين؛
قال - جلَّ شأنُه -:

} إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا {

[الحج: 38].
قال ابن كثير - رحمه الله -:

"يدفعُ عن عباده الذين توكَّلُوا عليه وأنابُوا إليه شرَّ الأشرار وكيدَ الفُجَّار،
ويحفظُهم ويكلؤُهم وينصُرهم".

وهذه المُدافَعةُ بحسبِ إيمان العبدِ بمولاه؛ فمن زادَ إيمانُه قوِيَت مُدافعةُ الله له.
قال قتادةُ - رحمه الله -:

"والله ما يُضيِّعُ اللهُ رجلاً قطُّ حفِظَ له دينَه".

والمسلمُ يأخذُ بأسبابِ النصر ودفعِ الظلمِ والقهرِ بحُسن الظنِّ بالله بأنَّ الله
سينصُره، واعتقاد ما دلَّت عليه أسماؤه وصفاتُه - سبحانه -؛
من القوة والقُدرة، والعظمةِ والعِزَّة، وبالإيمان بما جاء في القرآنِ من
وعدِ الله بنُصرة المؤمنين:

}وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ{

[الروم: 47]،

وبالإكثار من التعبُّد والاستغفارِ والإنابةِ إلى الله؛
قال - سبحانه -:

} إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ {

[محمد: 7]،

والثقةِ بقرب ساعة الفَرَجِ؛

} أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ {

[البقرة: 214].

وأن يُوقِنَ أن التوكُّلَ على الله أساسُ النصرِ:

} إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ
مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ {
[آل عمران: 160].

وتوحيدُ الكلمةِ على الحق ونبذُ النزاع قوةٌ على الأعداء؛
قال تعالى:

} وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ {

[الأنفال: 46].
والصبرُ مفتاحُ الفَرَج، ويتأكَّد عند حُلول المِحَن والمصائب،
والدعاءُ أقوى سلاحٍ ضدَّ العدو؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:

( واتَّقِ دعوةَ المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حِجابٌ )؛

متفق عليه.
قال ابن عقيلٍ - رحمه الله -:

"يُستجابُ للمظلوم بسُرعةٍ".

والفَألُ هديُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد قُوتِلَ وحُوصِرَ،
وجُرِح وأُوذِي، ومُكِرَ به وأُخرِجَ، وكِيدَ به وسُمَّ وسُحِر،
ومات له ستةٌ من أولاده، وكان يقول مع كل ذلك:

( يُعجِبُني الفَألُ ).

فسُئِلَ عنه، فقال:

( كلمةٌ طيبةٌ )؛

متفق عليه.

والمُسلمُ مُوقِنٌ بنصر الله، ويحرُم عليه الرُّكون إلى الظالمين؛
قال - سبحانه -:

} وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ {

[هود: 113].

والله بقُدرته ينصُرُ الضعيفَ ولو تكالَبَت عليه الشدائدُ أو خُذِل؛
قال - عز وجل -:

} وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {

[يوسف: 21].

ونُصرة الله للمؤمنين إنما هي بالإيمان والتقوى،
وهو - سبحانه - ناصرٌ عبادَه وإن قلَّ عددُهم وعَتادُهم، فالقوةُ لله جميعًا؛
قال - سبحانه -:

} كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ {

[البقرة: 249].

وهو - سبحانه - قد ينصُرُ عبادَه بلا قتالٍ، كما في غزوة الأحزاب،
قال - جل وعلا -:

}وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ
وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا{

[الأحزاب: 25]،

وقد ينصُرُهم بإلقاء الرُّعبِ في قلوبِ الأعداء، كما حصلَ ليهود بني النَّضِير،
كما قال تعالى:

} مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ
فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ {

[الحشر: 2].

وقد يُرسِلُ الله جنودًا من عنده لإهلاك المُعتدين؛ فأبرهةُ أتى بجيشٍ من
اليمن لهدمِ الكعبةِ، مُصطحِبًا معه أقوى الحيوانات - الفيل -،
فسلَّطَ اللهُ عليه أضعفَ الحيوانات - الطيورَ -، وجعلَ كيدَهم في تضليلٍ.

وإذا حصلَ قتلٌ وجراحٌ في المُسلمين - كما في أُحُدٍ - فالعاقبةُ لهم؛
قال - سبحانه -:

}فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ {

[هود: 49].



أيها المسلمون:

فلَئِن خُذِل المُسلمون فهم المُنتصِرون، ولئن قُتِلوا فهم الغالِبون، ولئن
شُرِّدوا فهم المُؤيَّدون، وما تعلَّقَ أحدٌ بالله فخُذِل، وما لجأَ إليه أحدٌ إلا نُصِر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

}وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ {

[القصص: 5، 6].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم،
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أيها المسلمون:

التاريخُ مليءٌ بالعِظاتِ والعِبَر، زاخِرٌ بالحَوادِثِ والقصص، وفي معرفةِ
أحوال الأُمم وعاقبة الظلم والظالمين عِبرةٌ لأُولي الألباب، والسعيدُ من
وُعِظَ بغيره، وسِيَرُ المُسرفين، وعاقبةُ الظالمين، ومآلاتُ المُجرمين عِبرةٌ
لمن عرفَ الله حقَّ المعرفة، وآمنَ بأنه على كل شيءٍ قديرٌ؛
قال - عز وجل -:

}فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ
وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ{

[العنكبوت: 40].

ونهايةُ كل ظالمٍ وإن طالَتْ آتِيةٌ، والنصرُ مع الصبر، والفَرَجُ مع الكربِ،
والعُسرُ يعقُبُه يُسرٌ؛
قال - سبحانه -:

} فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا {

[الشرح: 5، 6].

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه،
فقال في مُحكَم التنزيل:

}إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا {

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمدٍ،
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون:
أبي بكرٍ، وعمر، وعُثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الصحابةِ، وعنَّا معهم بكرمِك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين،
واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم انصُر المُستضعفين من المُؤمنين في الشام،
اللهم كن لهم وليًّا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا، اللهم احقِن دماءَهم، واشفِ مرضاهم،
وفُكَّ أسراهم، واستُر عوراتهم، وآمِن روعاتهم.

اللهم كن على من آذاهم، اللهم زلزِل الأرضَ من تحت أقدامهم،
واجعلهم عِبرةً للمُعتبرين، وعِظةً للمُتَّعِظين.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم رُدَّهم إليك ردًّا جميلاً.

اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.

اللهم وفِّق إمامنا لهُداك، واجعل عمله في رِضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور
المسلمين للعملِ بكتابك، وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام.

عباد الله:

}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {

[النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم،
ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 25-03-2012, 01:02 PM   #99
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 30/4/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله –
خطبة الجمعة بعنوان :
" الفقر و علاجه في الإسلام "،

والتي تحدَّث فيها عن مشكلةٍ عامَّةٍ في كل مُجتمعٍ من قديم الزمان،
ألا وهي: مشكلة الفقر والفقراء، وبيَّن أنَّ الإسلام جاء بالحلول الكثيرة لها،
ولم يُهمِلها، وذكرَ العديدَ من الحلول التي كفَلَها الإسلام لحل هذه المشكلةِ وعلاجِها.



الحمد لله، الحمد لله فالقِ الإصباح، وجاعلِ الليل سكَنًا ، القائمِ بأرزاق خلقه ،
فما لأحدٍ منهم عنه غِنًى، الخلائقُ كلهم إليه فُقراء، وله - سبحانه – وحده الغِنَى، الدوامُ له - عزَّ شأنه -،
ولهم همُ الفناءُ، أحمده - سبحانه – وأشكره على جزيلِ نعَمِه وآلائه سِرًّا وعلَنًا،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ من حقَّ توحيدَه فأتى يوم القيامة آمِنًا،
وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله دعا إلى الله،
وأقام المِلَّة، وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، وما ضعُفَ وما وَنَى،
صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار سادتنا وأئمتنا،
والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الفَناءِ،
وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما سجَى ليلٌ وأضاءَ سَناء.



فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -،
وإياكم والغفَلات، واحذَروا الأماني الكاذِبات؛ فريبُ المَنون كامنٌ في الحَرَكات والسَّكَنات،
وما أقربَ الحياة منالممات، قصَمَت المنايا مديدَ الأعمار، وهدمَ تعاقبُ الليالي مشيدَ الديار،
فأصبحَت الأحوال خبرًا، والأحاديثُ عِبَرًا،

} مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى {

[يوسف: 111]،

فاستعِدُّوا - رحمكم الله - ليوم الحِسابِ؛ فذلكم يومٌ ما أطولَه،
وحسابٌ ما أثقلَه، وحاكمٌ ما أعدلَه،

}يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6)
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ{

[الزلزلة: 6- 8].

أيها المسلمون:

قضيةٌ مألوفة، وظاهرةٌ في المُجتمعات معروفة، مُشكلةٌ في جميع الأُمم والأعصار،
والحضارات والأمصار، مسألةٌ لا يخلو منها مُجتمع، ولا تنفَكُّ منها دولةٌ،
مهما بلغَ تقدُّمُها وثراؤها، وحُسن إدارتها وسياساتها.

مُشكلةٌ ذاتُ أباعدٍ اجتماعيةٍ، وامتداداتٍ سُلوكية، وجودها في أمةٍ أو دولةٍ
ليس مثلَبَةً ولا عيبًا، ولكن نِسيانُ ذلك وإهمالُه، أو عدمُ النظر في أسبابه،
والسعيِ في علاجه هو المَعيبُ وفيه المسؤولية؛ ذلكم: هو الفقرُ والفُقراء.

لقد عرفَت البشريةُ الفقرَ منذ أزمان التاريخ المُتطاوِلة، وأعصارِه
المُتعاقبة، وحاولَت البشريةُ في مسيرتها الطويلة بمِلَلها ومذاهبِها
ومُفكِّريها وأنظمتها أن تحُلَّ مشكلةَ الفقر، وأن تُخفِّفَ من مُعاناة الفُقراء
بالترغيبِ والترهيبِ تارةً، وبالمواعظِ والوصايا تارةً، وبالتنظيرِ
والمِثاليات تارةً، وأحيانًا بمبادئَ مُتطرفةٍ ذات اليمين وذات اليسار،
ناهِيكُم بما أثارَه ويُثيرُه الهدَّامون من الإثارات الطبَقِية، والنَّعَرات المذهبية؛
بل إن المبادئ الهدَّامة والتوجُّهات السيئة تبني أوكارَها وتُقيمُ أفكارَها في
رُبوع الفقر والحِرمان والضياع. هذا بعضُ التصوُّر والتصوير.

أما في دين الإسلام، دينِ العقيدة والشريعة، والعبادة والمُعاملة،
والدين والدولة، دين تِبيان كلِّ شيءٍ،

} وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {

[النحل: 89]،

الدينُ الذي يُخرِج الناسَ من الظلمات إلى النور، ومن الظلمِ إلى العدلِ،
ومن الفقرِ إلى الغِنَى الدينُ الذي يُصلِحُ الدنيا بالدين؛

} فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى {

[طه: 123]،

} كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ {

[إبراهيم: 1].

معاشر الإخوة:

من رواسِخِ ديننا وثوابتِه: أن لكل مُشكلةٍ حلاًّ، ولكل داءٍ دواءً؛
فالذي خلقَ الداءَ خلقَ الدواءَ، ومن قدَّرَ المرضَ قدَّرَ العلاجَ،
فالمرضُ قدر الله، والعلاجُ والشفاءُ بقدر الله، وإذا كان الفقرُ قدرًا وبلاءً
فإن مُقاومته والسعيَ في الخلاص منه قدرٌ وعلاجٌ كذلك.

الإسلامُ أقرَّ حقوقَ الفقراءِ وضمِنَها وحفِظَها وحماها، ووجَّه بالدفاع عنها
منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا؛ صيانةً للمُجتمع، وحِفظًا للأُسَر،
وإشاعةً لروح الإخاء، وسلامةً للدين، واستقامةً للخُلُق.

أيها المسلمون:

الفقرُ في نظر الإسلام بلاءٌ ومُصيبةٌ، تعوَّذَ منها، ووجَّهَ بالسعي للتخلُّص
منها، ليس في مدحِ الفقراء آيةٌ في كتاب الله، ولا حديثٌ صحيحٌ في سنة
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؛
بل لقد استعاذَ النبيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - من الفقر،
وجعله قرينًا للكُفر:

( اللهم إني أعوذُ بك من الكُفر والفقر )؛

رواه أبو داود وغيره.

وفي الحديثِ الآخر:

( اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقِلَّة والذِّلَّة، وأعوذ بك أن أظلِمَ أو أُظلَم )؛
رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه،

والحاكمُ من حديثِ أبي هريرة - رضي الله عنه -،
ورمَزَ له صاحبُ "الجامع الصغير بالحسن".

وعمر - رضي الله عنه - يقول:

" لو كان الفقرُ رجلاً لقتلتُه ".

ونبَّه القرآنُ الكريمُ إلى أن الجوعَ عذابٌ ساقَه الله إلى بعض الأُمم الكافرةِ بنِعَمه:

}وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ{

[النحل: 112]،

وفي المُقابِل؛ فقد امتنَّ الله على قُريشٍ بأن أطعمَهم من جُوعٍ، وآمنَهم من خوفٍ.

وفي الحديثِ:

( إن الرجلَ ليُحرَمُ الرِّزقَ بالذنبِ يُصيبُه )،

وفي المُقابِلِ كذلك - عباد الله - فإن الغِنَى نعمةٌ، يمُنُّ الله بها على من يشاء من عباده؛
بل لقد امتنَّ الله بذلك على حبيبه وخليله محمدٍ - صلى الله عليه وآله وسلم -،

فقال - عزَّ شأنه -:

} وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى {

[الضحى: 8]،

ومحمدٌ - عليه الصلاة والسلام - لما سألَ ربَّه الهُدى والتُّقَى سألَ معه الغِنَى،
فقال:

( اللهم إني أسألُك الهُدى، والتُّقَى، والعفافَ، والغِنَى )؛

رواه مسلم.

ودعا لعبد الرحمن بن عوفٍ في صحابةٍ آخرين - رضي الله عنهم -،
دعا لهم بالبركةِ في تجارتهم، ودعا لخادمه أنسٍ - رضي الله عنه -
فقال:

( اللهم كثِّر مالَه ) .

وقال - عليه الصلاة والسلام -:

( ما نفعَني مالٌ كمالِ أبي بكرٍ ) ؛

أخرجه أحمد، وابن ماجه من حديثِ أبي هريرة - رضي الله عنه -.

وعند البخاري:

( اللهم إني أسألُك علمًا نافعًا، ورِزقًا طيِّبًا، وعملاً صالحًا مُتقبَّلاً ).

وحسبُكم قولُه - عزَّ شأنه -:

}فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا{

[نوح: 10- 12].

معاشر الأحِبَّة:

إذا كان الأمرُ كذلك؛ فإن الفقرَ - نعوذُ بالله منه -: حالٌ يكون معها المرءُ
عاجِزًا عن تلبيةِ حاجاته؛ من الغذاءِ، والكِساءِ، والدواءِ، والسكنِ،
والتعليمِ، وفُرصِ العمل. الفقرُ: عدمُ الدَّخْل أو نقصٌ فيه، يعجَزُ معه الفقيرُ
عن تحقيق مُتطلَّباته من العيش اللائقِ بكرامةٍ وحُسن رعايةٍ.

في حالة الفقرِ لا يستطيعُ الفقيرُ القيامَ بمناشِطِ الحياة وحيويتها،
ومن ثمَّ تبرُزُ صُورٌ من انتشار الأمراض، وسوء التغذية، والوفيات،
ونقصِ التعليم وقلَّة فُرصه، واستخدام الأطفالِ.

نعم - معاشر الإخوة -؛ من حقِّ الفقيرِ أن يتهيَّأ له مُستوًى من المعيشةِ
مُلائِمٌ لحاله يُعينُه على أداء فرائضِ الله، ومطلوباتِ الشرع، وأعباءِ
الحياة، ويَقيهِ من الفَاقَةِ والحِرمان.

أيها المسلمون:

وأولُ ما يتوجَّهُ إليه النظرُ في حلِّ هذه المُشكلة وعلاجِها وتقليل آثارها
مما تُؤكِّدُه توجيهاتُ ديننا هو: مُطالبةُ كلِّ مسلمٍ قادرٍ، مُطالبَتُه بالعملِ،
كما لا بُدَّ من إيجاد فُرص العمل؛ فالعملُ هو الوسيلةُ الأولى والسلاحُ
المَضَّاءُ - بإذن الله وعونه - للقضاء على هذه المُشكلة. العملُ - بتوفيق
الله - هو جالبُ المال، وعامِرُ الأرض. العملُ أساسُ الاقتصاد والإنتاج،
والغِنَى، والعَفاف، والكفاف، والثَّراء. العملُ مجهودٌ شرعيٌّ كريمٌ يقومُ به
العبدُ من عباد الله ليعمُرَ أرضَ الله الذي استُخِلِفَ في عِمارتها بنفسه ومع غيره.

إن ديننا يُقرِّرُ ويُؤكِّد أن الله خلقَ الأرضَ، وبارَكَ فيها، وقدَّرَ فيها أقواتَها،
وأودعَ في ظهرها وبطنها البركات المذخُورة، والخيرات المنشورة ما
يكفي جميعَ عباد الله عيشًا هنيئًا مريئًا،

} وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ {

[الأعراف: 10]،

} وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا{

[الإسراء: 70].

وفي توجيهات الإسلام: أن هذه الخيرات والبركات والأرزاق المبثوثة
لا تُنالُ إلا بجُهدٍ يُبذَل، وعملٍ يُؤدَّى، وسعيٍ دَؤُوبٍ،

} هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ {

[الملك: 15]،

} فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ {

[الجمعة: 10]،

} وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ {

[المزمل: 20].

فمن سعَى وانتشرَ في الأرض، وضربَ في أرجائها مُبتغيًا فضلَ الله
ورِزقه؛ فإنه أهلٌ لنوالِهِ، ومن قعدَ وتكاسَلَ وتمنَّى الأماني؛ كان جديرًا بأن يُحرَم،

( لو أنَّكم توكَّلون على الله حقَّ توكُّله لرزَقَكم كما يرزقُ الطيرَ تغدُو
خِماصًا، وترُوحُ بِطانًا ).

معاشر الإخوة:

العملُ في الإسلام عبادةٌ، وما تعدَّى نفعُه وامتدَّ أثرُه فهو أفضلُ عند الله
وأزكَى مما كان قاصِرًا نفعُه على صاحبِه، وأبوابُ العملِ مفتوحةٌ في
الإسلام على كل مصاريعها، يختارُ منها الراغبُ ما يُلائمُ قُدرتَه وكفاءَته
وخبرتَه وموهبتَه؛ «فالتاجرُ الصدوقُ الأمينُ مع النبيين والصدِّيقين
والشُّهداء»؛ رواه الترمذي، والحاكم بإسنادٍ حسنٍ.

( وما أكلَ أحدٌ طعامًا خيرًا من أن يأكل من عملِ يده )؛

رواه البخاري.

( وما من مُسلمٍ يغرِسُ غرسًا، أو يزرعُ زرعًا
فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ إلا كان له به صدقة )؛

رواه البخاري.

وكان أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يتَّجِرون في البرِّ
والبحر، ويعملون في نخيلهم، والقدوةُ بهم.
وسُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ الكسبِ أفضلُ؟
قال:

( عملُ الرجلِ بيده، وكلُّ بيعٍ مبرورٍ )؛

رواه أحمد .

عباد الله:

وثمَّة نظراتٌ حول العمل عند بعض الناس لا بُدَّ من الوقوف عندها ذاتُ
مِساسٍ كبيرٍ في المُعالَجة:

النظرةُ الأولى:

موقفٌ قاصِرٌ ضارِبٌ جُذورَه منذ أيام الجاهليَّة الأولى إلى
عصرِنا هذا - مع الأسفِ -، ذلك هو: الاستهانةُ بالعمل، أو ببعض أنواع
العمل، ولا سيَّما عند العرب الذين يحتقِرون الأعمال اليدوية، وبعضَ
الحِرَف والمِهَن، وهذا - وربِّكم - ليس من الدين، ولا من الأصالة،
ولا العقل الراجِح.

فدينُكم رفعَ قيمةَ العمل أيًّا كان نوعُه من وجوه الكسبِ الحلال،
ونهَى وحذَّرَ وشنَّع على البِطالة والعجزِ والاتِّكال على الآخرين؛
فكلُّ كسبٍ حلالٍ فهو عملٌ شريفٌ عظيمٌ مأجورٌ صاحِبُه،

وفي الحديثِ الصحيحِ:

( لئن يأخُذ أحدُكم حبلَه، فيأتي بحزمةِ الحَطَبِ على ظهره، فيبيعُها،
فيكُفُّ بها وجهَه خيرٌ من أن يسألَ الناسَ أعطَوه أو منَعُوه ).

نعم، هذه هي مهنةُ الاحتِطابِ؛
فهل تُرى أحدًا يزدَريها بعد هذا التوجيهِ النبويِّ الكريمِ؟!

وأنبياءُ الله أفضلُ خلق الله ومُصطَفوه كلُّهم قد رعَوا الغنَمَ، وفيهم: صانِعُ
الحديد، والنجَّار، والخيَّاط، والبَزَّاز، والحرَّاث، وموسى - عليه السلام –
رعَى الغنَمَ، وآجَر نفسَه عشر سنين عند الرجل الصالح، ونبيُّنا محمدٌ –
صلى الله عليه وسلم - رعَى الغنمَ لقُريش، وسافَرَ بالتجارةِ.

وأئمةُ الإسلام وعلماؤه كان فيهم البزَّارُ، والقفَّالُ، والحَذَّاء، والزَّجَّاج،
والخرَّاز، والحطَّاب، والجَصَّاص، والخيَّاط، والخوَّاص، والقطَّان،
والموَّاز، وغيرُهم مما لا يكادُ يُستثنَى من مهنٍ مُباحةٍ. فكفى بذلك شرفًا،
وكفى بهم قُدوةً وأُسوةً.

النظرةُ الثانية:

من الناسِ من يدَعُ العملَ لأنه لم يتيسَّر له في بلده وعند أهله.
سبحان الله - عباد الله -، يُؤثِرُ البَطالَةَ والحاجةَ والحِرمان على السعيِ
والسَّعَة والعفافِ والغِنى؟! وما علِموا أن أرض الله واسِعةٌ، ورِزقَ الله في
المشيِ في مناكبِها والضربِ في أرجائها، رِزقُ الله غيرُ محدودٍ بمكانٍ،
ولا محصورٍ بجهةٍ.

ونحن في هذه البلاد الطيبةِ المُبارَكةِ يفِدُ إلينا إخوانٌ لنا من بلادٍ شقيقةٍ
وصديقةٍ، وفَدوا إلينا من أصقاع الدنيا يُسهِمون معنا في بناء بلدنا،
وإعمارها، ويسعَون في تحصيل أرزاقهم، ويكِدُّون من أجل أهلِيهم
وأطفالِهم. فعلى الرَّحبِ والسَّعَة.

ويعلمُ الله كم نسعَدُ حين نرى أبناءَنا يُشارِكونهم ويُنافِسُونهم التنافُسَ الشريفَ،

} وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً {

[النساء: 100]،

} وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ {

[المزمل: 20].

وسُئِلَت أمُّ مسلمة عن تفرُّق أولادها،
فقالت بلغة الأم المُربِّية العاقلة الحكيمة: باعَدَت بينهم هِمَمُهم.

النظرةُ الثالثة:

فئاتُ من الناس يزهَدون في العمل مُعتمِدين على الصدقات والزَّكَوات
والتبرُّعات والأُعطِيات، وقد يتزَلَّفُ مُتزلِّفٌ لدى الأغنياء والوُجَهَاء
والكُبَراء أشبَه بالمُتسوِّل والشَّحَّاذ لتكون يدُهُ هي السُّفْلَى،
يستجْدِي المِنَحَ والعطايا، قويًّا قادرًا لا تحلُّ له الصدقاتُ ولا الزَّكَوات.



عباد الله:

فإن الإسلام لم يجعل لمُتبطِّلٍ كسولٍ حقًّا في صدقات المُسلمين وإحسانهم،
وما ذلك إلا ليدفعَ القادرين للعمل والكسبِ الحلال، وما فتحَ عبدٌ على
نفسهِ بابَ مسألةٍ إلا فتحَ الله عليه بابَ فقرٍ.

اللهم إنا نعوذُ بك من العجزِ والكسلِ، والجُبن والبُخل، والمأثَمِ والمغرَم،
وغلبَةِ الدَّيْن وقهرِ الرجال، ونعوذُ بك من الفقر إلا إليك، اللهم أغنِنا
بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سِواك،
وأغنِنا بفضلِك عمَّن أغنيتَه عنَّا.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

}وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي
هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ{
[يوسف: 65].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهديِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -،
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله، الحمد لله هادي من استَهداه، ومُعطِي عبدَه فوقَ ما يتمنَّاه،
أحمده - سبحانه - وأشكرُه على جزيلِ ما أولاه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معبود بحقٍّ سِواه،
وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه قرَّبَه وأدناه، وأره من عظيمِ ملكُوته ما أراه،
صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله الطيبين السادة،
وأصحابه المُكرَّمين السَّرَاة،
والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ وسلَّم تسليمًا كثيرًا لا حدَّ لمُنتهاه.

أيها المسلمون:

وعلى الدولة في الإسلام مسؤوليتها في تهيئةِ فُرص العمل وطرق
المعاشِ، وإيجاد الوسائل والتجهيزات والإعدادات، إن وظيفةَ الدولة في
دين الإسلام وظيفةٌ إيجابيةٌ واسِعةٌ شاملةٌ، وظيفتُها: حمايةُ الذين يملِكون
والذين لا يملِكون.

والمُجتمعُ في نظرِ الإسلام مُتاربِطٌ مُتماسِكٌ، جسدٌ واحدٌ إذا اشتكَى منه
عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسَدِ بالسَّهَر والحُمَّى. العلاقةُ بين أفراده
ومُؤسَّساته ليست علاقة إنتاج، أو علاقة عرضٍ وطلبٍ، إنها أعمقُ من
ذلك وأقوى، إنها علاقةُ عقيدةٍ وفكرٍ وعاطفةٍ، ووحدة نظامٍ وشريعةٍ،
جسدٌ واحدٌ يُمِدُّ ويستمِدُّ، وينفعُ وينتفِعُ.

والدولةُ هي رأسُ المُجتمع، وهي جهازُه الذي يرعَى هذا الترابُط ويُحافِظُ
عليه ويصُونُه، ويُؤكِّدُ لُحمتَه، ويرعَى ثمرَتَه،

(كلُّكم راعٍ وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيته، فالإمامُ راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيَّته،
والرجلُ راعٍ في أهلِهِ وهو مسؤولٌ عن رعيَّته .)
الحديث.

الدولةُ تُحقِّقُ العدلَ، وتدعُو إلى الخيرِ، وتتَّخِذُ من الأساليب والوسائل
والإجراءات ما يُعالِجُ الفقرَ، ويُخفِّفُ آثارَه، ويضمنُ العيشَ الكريمَ لكلِّ
مُحتاجٍ، ويُحقِّقُ التكافُل بين المُجتمع، وهي: وسائل وأساليب وإجراءاتٌ
تختلفُ باختلاف الأزمِنةِ والبيئاتِ والأحوال والنوازِل والمُستجَدَّاتِ والموارِد.

وللاجتهاد وحُسن السياساتِ والإدارات في هذا مدخلٌ واسعٌ من الإعداد
والتدريب، وتوجيه كل أحدٍ إلى ما يُحسِنُه، مع الأجرِ العادلِ وتشجيعِ
المُحسِنِ ومُكافأته، ومُجازاة المُسيءِ ومُعاقبتِه، في سياساتٍ تصُونُ
ثروات الأمة، وتزيدُ في إنتاجِها، وتُحسِّنُ مُستوى خدماتها، وتحفَظُ
طاقاتها، وتُقدِّرُ جهودَ أبنائِها في مواهبهم، وقُدراتهم، وكفاءاتهم،
ومُؤهِّلاتهم، في بناءٍ حضاريٍّ، وإدارةٍ مُنظَّمة، وسياساتٍ مُحكَمة؛
عِمارةً للأرض، وتطبيقًا للشرع، وتوظيفًا للطاقات في توازنٍ
بين حقوق الإنسان وواجباته.

وهذا وليُّ أمرنا خادمُ الحرمين الشريفين - حفظه الله وأعزَّه، وأمدَّ في
عُمره على طاعته -، وقد جعل الإصلاحَ شَعارَ حُكمه، كان من أحد معالمِ
مسيرته الإصلاحية المُظفَّرة: تفقُّدُه لبعض أحياء الفُقراء ومساكنهم؛
ليقِفَ على صُور المُعاناة.

ثم أتبَعَ ذلك بقراراتٍ وسياساتٍ وإنشاء مُؤسَّساتٍ تتولَّى مُعالجةَ ذلك،
وأصدرَ توجيهاته لرجال الدولة لتنفيذِ ذلك ومُتابعتِه.



عباد الله:

فإن كان من تنبيهٍ فهو: أن الحياةَ الإسلامية بمناشِطِها وأعمالها ووظائفها
هي حياةٌ نظيفةٌ نزيهةٌ، لا تُقِرُّ العبَثَ، ولا تسمحُ بالفساد والتحلُّل، وصرفِ
المالِ والطاقات فيما لا يحِلُّ، لا ليلاً ولا نهارًا، لا في لهوٍ ولا مُجونٍ
ولا سُوء استغلالٍ.

ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فدينُكم يُطارِدُ الفقرَ بأحكامِه وتشريعاته
وتوجيهاته، والمُسلمُ يستقبِلُ صباحَه باكِرًا مُتوضِّئًا مُتطهِّرًا مُصلِّيًا طيبَ
النفسِ، مُستقيمَ الخُلُق، حافظًا لنفسه وماله وأهله ووقته.

هذا، وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة:
نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله،
وهو الصادقُ في قِيلِه:

} إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا {

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى،
والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين،
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،
واحمِ حوزةَ الدين، واخذُل الطغاة والملاحِدة وسائر أعداء الملَّة والدين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمَّتنا وولاة أمورنا،
واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك،
واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك،
واجمَع به كلمةَ المسلمين على الحق والهُدى يا رب العالمين،
اللهم وفِّقه ونائِبَه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.

اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -،
واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين،
واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.

اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية،
ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير.

اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم،
واحقِن دماءَهم، اللهم احفَظهم واحقِن دماءَهم،
واحفَظ اعراضَهم، وأطعِم جائِعَهم، اللهم واشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم،
اللهم وانصرهم على من بغَى عليهم، اللهم واربط على قلوبهم، وثبِّت أقدامهم،
اللهم واجعل لهم من كلِّ همٍّ فرَجًا، ومن كل ضيقٍ مخرَجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً،
اللهم أعِنهم ولا تُعِن عليهم، وانصُرهم ولا تنصُر عليهم.

اللهم عليك بالطُّغاة الظلَمة في سُوريا،
اللهم عليك بهم فإنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في الطُّغيان،
اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم اجعل تدبيرَهم في تدميرهم،
واجعل دائرةَ السوء عليهم يا قويُّ يا عزيزُ.

سبحان ربك ربِّ العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين،
والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 01-04-2012, 12:23 PM   #100
معلومات العضو
على باب الكريم





عفيفي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى بتاريخ 7/5/1433 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صلاح البدير - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان:

" فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم "،

والتي تحدَّث فيها عن فضائل الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -،
وبيان ما وردَ بشأنِها من آياتٍ وأحاديث،
وذكر أن دليلَ محبَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - كثرةُ ذِكره والصلاة عليه.


الحمد لله، الحمد لله الذي شرحَ صُدورَ أهل الإسلام بالهُدى،
ونكَتَ في قلوب أهل الطُّغيان فلا تعِي الحكمةَ أبدًا،
وأشهد أن لا إله إلا الله شهادةَ من آمنَ به ولم يُشرِك به أحدًا،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله،
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه حبلِ الهُدى وينبوع التُّقَى، صلاةً تبقَى وسلامًا يترَى.


فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب،

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }

[الحديد: 28].

أيها المسلمون:

لقد اصطفَى الله نبيَّنا وسيدَنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لتحمُّل أعباء الرسالة وتبليغ الشريعة؛
فهو النبيُّ المُعظَّم، والرسولُ المُكرَّم، سيدُ ولد آدم بالاتفاق، وخيرُ أهل الأرض على الإطلاق،
الجوهرةُ الباهِرة، والدُّرَّةُ الزاهِرة، وواسِطةُ العِقدِ الفاخِرة.

عبدُ الله ورسولُه ونبيُّه، وصفِيُّه ونجِيُّه، ووليُّه ورَضِيُّه، وأمينُه على وحيِه وخِيرتُه من خلقِه،
الذي لا يصِحُّ إيمانُ عبدٍ حتى يُؤمنَ برسالته ويشهَدَ بنبوَّته.

سيدُ المُرسلين والمُقدَّم لإمامتهم، وخاتَمُ النبيين وصاحِبُ شفاعتِهم، أولُ من تنشقُّ عنه الأرضُ يوم القيامة،
وأولُ شافعٍ يوم القيامة، وأولُ من يجُوزُ الصراطَ من الرُّسُل بأمته يوم القيامة،
وأكثرُ الأنبياء تابِعًا يوم القيامة، صاحبُ اللواء المعقود، والمقام المحمود، والحوض المورود،
عبدُ الله المُصطفى، ونبيُّه المُجتبَى، ورسولُه المُرتَضَى.
يقول عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -:

"ما خلقَ الله وما ذرأَ وما بَرَأَ نفسًا أكرمَ عليه من محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -،
وما سمِعتُ اللهَ أقسمَ بحياةِ أحدٍ غيره".
قال ابنُ كثيرٍ - رحمه الله تعالى -:

"وأقسمَ بحياته، وفي هذا تشريفٌ عظيمٌ، ومقامٌ رفيعٌ، وجاهٌ عريضٌ".

أيها المسلمون:

وإظهارًا لفضله - صلى الله عليه وسلم - وعظيمِ شرفه، وعلوِّ منزلته ومكانته، وإرادةً لتكريمه ورفعِ ذِكرِه،
وتنويهًا بمِنَّة رسالته ونعمَةِ بعثتِه، وتذكيرًا بوجوبِ حُبِّه واتَّباعِه؛
شرعَ الله الصلاةَ على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، وجعلَها قُربةً جليلةً وعبادةً عظيمةً،
قال - جلَّ في عُلاه -:

{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }

[الأحزاب: 56].

للخلقِ أُرسِلَ رحمةً ورحيمًا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليمًا

أيها المسلمون:

وينالُ العبدَ من ثوابِ الله وكرامته، ومغفرته وصلاته بسببِ صلاته
على أشرف الخلق - صلى الله عليه وسلم - ما يشاءُ اللهُ أن ينالَه؛
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

( من صلَّى عليَّ واحدةً صلَّى الله عليه عشرًا )؛

أخرجه مسلم.

وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه عشرَ صلوات،
وحطَّ عنه عشرَ خطيئات، ورُفِعَت له عشرُ درجَاتٍ )؛

أخرجه أحمد، والنسائي، وابن حبان.

وعن عبد الله بن عامر بن ربيعَة، عن أبيه
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( ما مِن مُسلمٍ يُصلِّي عليَّ إلا صلَّت عليه الملائِكةُ
ما صلَّى عليَّ، فليُقِلَّ العبدُ من ذلك أو ليُكثِر )؛

أخرجه أحمد، وابن ماجه.

أيها المسلمون:

والإكثارُ من الصلاةِ على النبي - صلى الله عليه وسلم - سببٌ لغُفران الخَطايا وزَوال الهُموم والبَلايا؛

فعن أُبَيِّ بن كعبٍ - رضي الله عنه - قال: قلتُ: يا رسولَ الله!
إني أُكثِرُ الصلاةَ عليك، فكم أجعلُ لك من صلاتي؟- أي: دُعائي -.
قال:

( ما شئتَ ) .
قلتُ: الرُّبُعَ؟
قال:

( ما شئتَ، فإن زِدتَ فهو خيرٌ لك )
قلتُ: النَّصفَ؟
قال:

( ما شئتَ، فإن زِدتَ فهو خيرٌ لك ) .
قلتُ: فالثُّلُثَيْن؟
قال:

( ما شئتَ، فإن زِدتَ فهو خيرٌ لك )
قال: أجعلُ لك صلاتي كلُّها؟
قال:

( إذًا تُكفَى همَّك، ويُغفَرُ لك ذنبُك )
أخرجه أحمد، والترمذي.

أيها المسلمون:

وجاءت السنةُ بتأكيد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجُمعة؛
فعن أبي أُمامة - رضي الله عنه -
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

( صلاةُ أمتي تُعرَضُ عليَّ في كل يومِ جُمعة؛
فمن كان أكثرَهم عليَّ صلاةً كان أقربَهم منِّي منزلةً )؛

أخرجه البيهقي.
وقال الحافظ ابنُ حجر - رحمه الله تعالى -: "لا بأسَ بإسناده".

وعن أَوسِ بن أَوْسٍ - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( إن من أفضلِ أيامِكم يوم الجُمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه قُبِض،
وفيه النَّفخةُ، وفيه الصَّعقةُ، فأكثِروا عليَّ من الصلاة فيه؛
فإن صلاتَكم معروضةٌ عليَّ ).

قالوا: يا رسولَ الله! وكيف تُعرَضُ صلاتُنا عليك وقد أرِمتَ؟ - يعني: بلِيتَ -.
فقالَ:

( إن الله - عزَّ وجلَّ - حرَّم على الأرضِ أجسادَ الأنبياء )؛

أخرجه أحمد، وأبو داود.

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
"رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سيدُ الأنام، ويوم الجُمعة سيدُ الأيام؛
فللصلاةِ عليه في هذا اليوم مزِيَّةٌ، ومن شُكره وحمده وأداء القليلِ من حقِّه - صلى الله عليه وسلم -:
أن نُكثِرَ الصلاةَ عليه في هذا اليوم وليلته".
اهـ كلامُه - رحمه الله تعالى - بشيءٍ من التصرُّفِ.

أيها المُسلمون:

ويُستحبُّ استِفتاحُ الدعاءِ بحمد الله وتمجيدِه، والثناءِ عليه،
ثم الصلاة على رسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وخَتمُه بهما؛
فعن فَضَالَة بن عُبَيْد قال: سمِعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يدعُو في صلاتِه،
لم يُمجِّدِ اللهَ، ولم يُصلِّ على النبي - صلى الله عليه وسلم -،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( عجِلتَ أيها المُصلِّي )
وعلَّمَهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم سمِعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يُصلِّي، فمجَّدَ الله وحمِدَه،
وصلَّى على النبي - صلى الله عليه وسلم -،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( ادعُ تُجَب، وسَل تُعطَ )؛

أخرجه الترمذي.

أيها المسلمون:

والأذانُ من شعائرِ الإسلام ومعالمِه الظاهِرة، وعلاماته البارِزَة،
فكان من تشريف الله لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - أن شُرِعَت الصلاةُ عليه عقِبَه؛
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -
أنه سمِعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:

( إذا سمِعتُم المُؤذِّنَ فقولوا مِثلَ ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ؛
فإنه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلُوا اللهَ لي الوسيلةَ،
فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجُو أن أكون أنا هُو؛
فمن سألَ ليَ الوسيلةَ حلَّت له الشفاعَة )؛
أخرجه مسلم.

أيها المسلمون:

وصلاةُ المؤمنين على النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلامُهم عليه معروضةٌ عليه؛
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( لا تجعَلوا بُيوتَكم قُبورًا، ولا تجعَلوا قبري عيدًا،
وصلُّوا عليَّ فإن صلاتَكم تبلُغُني حيثُ كُنتم )
.
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( إن للهِ ملائكةً سيَّاحين في الأرض، يُبلِّغوني من أمتي السلامَ )؛

أخرجه أحمد، والنسائي.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

( ما من أحدٍ يُسلِّمُ عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ رُوحي حتى أرُدَّ إليه السلامَ )؛

أخرجه أحمدُ، وأبو داود.

ومن الخُرافات التي يعتقِدُها بعضُ العَوامِّ:
أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يمُدُّ يدَه لمن يُسلِّمُ عليه عند قبره، وأن ذلك قد حصَلَ لبعض الأولياء!
وكلُّ هذا باطِلٌ وخُرافةٌ لا أصلَ لها،
وكلُّ ما قِيلَ من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مدَّ يدَه لبعض من سلَّم عليه.
فغيرُ صحيحٍ؛ بل هو وهمٌ وخيالٌ لا أساسَ له من الصِّحَّةِ.

أيها المسلمون:

ومن لوازِمِ محبَّتِه - صلى الله عليه وسلم -: أن تتحرَّك الألسُنُ بالصلاة والسلام عليه كلما ذُكِر،
وإن من الجَفَاءِ وقِلَّة الوفاء، ومن التقصير وقِلَّة التوقير: أن يُذكَرَ سيدُ البشَر - صلى الله عليه وسلم -،
فتُحجِمَ الألسُنُ عن الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم -؛
فعن الحُسين بن عليٍّ - رضي الله عنهما -
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( البخيلُ الذي ذُكِرتُ عنده فلم يُصلِّ عليَّ )؛

أخرجه أحمد، والترمذي.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( رغِمَ أنفُ رجلٍ ذُكِرتُ عنده فلم يُصلِّ عليَّ )؛

أخرجه الترمذي.

أيها المسلمون:

إن المجالِسَ اللاهية، والاجتماعات السَّاهِية، والنوادي اللاغية نقصٌ على أربابها،
وحسرةٌ على أصحابها، وقد جاءَ في القوم يجلِسون ولا يذكُرون اللهَ،
ولا يُصلُّون على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

( ما جلَسَ قومٌ مجلِسًا لم يذكُرُوا اللهَ فيه، ولم يُصلُّوا على نبيِّه؛
إلا كان عليهم تِرَةٌ، فإن شاءَ عذَّبَهم وإن شاءَ غفرَ لهم )؛

أخرجه الترمذي.

ومعنى: «تِرَةٌ» أي: حسرةٌ ونَدامةٌ.
وعند ابن حبان:
« ما قعَدَ قومٌ مقعدًا لا يذكُرون اللهَ فيه، ولا يُصلُّون على النبي؛
إلا كان عليهم حسرةً يوم القيامة، وإن أُدخِلوا الجنةَ للثوابِ ».

فطيِّبوا مجالِسَكم بذكر الله - عزَّ وجل -، والتفقُّه في دينه،
وتعلُّم سنةِ نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وسيرته وهديهِ وطريقته، وأخلاقه وشمائِلِه،
واقتَدوا به واتَّبِعوه؛ تنالُوا عِزَّ الدنيا وشرفَها، وثوابَ الآخرة ونعيمَها.
واحذَروا مجالِسَ الغناءِ والطَّرَب، والشِّيشةِ والدُّخان والمُخدِّرات والمُسكرات،
واحذَروا المقاهِي المليئةَ بالمُنكراتِ والمُوبِقات، وفاحِشِ الأفلام والقَنَوات.

أيها المسلمون:

وتُشرعُ الصلاةُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - كتابةً، كلما كُتِبَ اسمُه الشريفُ،
ويُكرِّرُ ذلك كلما تكرَّرَ اسمُه - صلى الله عليه وسلم -، ولا يُسأمُ من تكريرِ ذلك عند تكرُّرِه،
وليجتنِبِ المُسلمُ كتابةَ الصلاةِ على النبي - صلى الله عليه وسلم - منقوصة
رامِزًا إليها بحرفٍ أو حرفين، كمن يكتُب: (ص)، أو (صلم)، أو (صلعم)؛
لأن ذلك غيرُ لائقٍ بحقِّه - صلى الله عليه وسلم -.

قال الحافظُ العراقيُّ - رحمه الله تعالى -:

واجتنِبِ الرَّمزَ لها والحَذْفَا
منها صلاةً أو سلامًا تُكفَى

فصلَّى الله وسلَّم على نبيِّ الرحمة صلاةً وسلامًا مُمتدَّيْن دائِمَيْن إلى يوم الدين.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ،
فاستغفروه؛ فقد فاز المُستغفِرون.



الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيه وامتِنانه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رِضوانه،
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله حقَّ تُقاته، وسارِعوا إلى مغفرته ورِضوانه،

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون }

[آل عمران: 102].

أيها المسلمون:

الصلاةُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - من سُنن الإسلام وشعائرِ أهله،
وللصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - صِفاتٌ كثيرةٌ وصِيَغٌ مُتنوِّعة جاءت على لسانه،
وبواسِطة بيانِه - صلى الله عليه وسلم -، فالتزِموا بها كما جاءَت في السنة الصحيحة،
واحذَروا الصِّيَغَ المُبتدَعَةَ، والصلوات المُخترَعَة التي لا تخلُو من عقيدةٍ فاسِدة، أو غُلُوٍّ مَقيت،
واحذَروا ما يفعلُهُ بعضُ الغُلاة الذين رفَعوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
فوقَ منزلته ورُتبتِه التي أنزلَه الله إياها.

ومن اعتقدَ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يعلمُ الغيبَ مُطلقًا، أو أن وُجودَه سابِقٌ لهذا العالَم،
أو أن الله أولَ ما خلقَ مُحمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -، أو أن الكونَ خُلِقَ من نوره، أو لأجله،
أو أنه خُلِق من نور العرشِ؛ فقد اعتقَدَ كذِبًا وباطلاً،
ومن دعا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - من دون الله أو نادَاه،
أو استغاثَ به بعد موته في قضاء حاجته، أو كشفِ كُربَته؛ فقد أتَى شِركًا، وفعلَ غُلُوًّا.

والغُلُوُّ لا يصدُرُ إلا من جاهلٍ قصُرَ فهمُه عن مقاصِدِ الشريعةِ ومعرفةِ دلائلِ نُصُوصها،
وجهِلَ حُدودَها التي يجبُ عليه الوقوفُ عندها،
أو من صاحبِ هوى تعدَّى ما شُرِع إلى التشبُّه بأقوامٍ أُشرِبوا حبَّ البِدعةِ والاختراعِ في الدين،
وتمسَّكوا بأحاديث موضوعةٍ ومكذوبةٍ وضعَها الزَّنادِقةُ كيدًا للإسلام وأهلِه.
فتمسَّكوا بالسُّنَن المرويَّة الصحيحة، واحذَروا البدعَ المُضِلَّة؛ تسعَدوا سعادةَ الدَّارَيْن.
ثم صلُّوا وسلِّموا على نبيِّ الرحمة، وبشير السَّطوةِ والعذاب، الشافعِ المُشفَّعِ يوم الحِسابِ.

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ،
وارضَ اللهم عن خُلفائه الأربعة، أصحاب السُّنَّة المُتَّبعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودِك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصُر عبادكَ الموحِّدين،
وانصُر عبادكَ الموحِّدين، وانصُر عبادكَ الموحِّدين، يا رب العالمين.

اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها وعِزَّها واستِقرارَها يا رب العالمين.

اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيته للبرِّ والتقوى،

اللهم وفِّقه ووليَّ عهده لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين يا رب العالمين.

اللهم مُنَّ على جميع أوطان المُسلمين بالأمن والاستقرار والسلام يا رب العالمين.

اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا،

اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا، ومُؤيِّدًا وظهيرًا،

اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، وصُن أعراضَهم، واحفَظ أموالَهم،
وادفَع عنهم مكرَ الماكرين، وعُدوانَ الظالمين يا رب العالمين،

اللهم اشفِ مرضاهم، اللهم اشفِ مرضاهم، وعافِ جرحاهم، وتقبَّل موتاهم في الشُّهداء،
وتقبَّل موتاهم في الشُّهداء، وتقبَّل موتاهم في الشُّهداء يا سميعَ الدعاء.

اللهم عليك بالطُّغاة المُجرمين، اللهم عليك بالطُّغاة المُجرمين الذين قتَلوا الأبرياء،
وسفَكوا الدماءَ، وعذَّبوا الشيوخَ والأطفالَ والنساء،

اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اهزِمهم يا قوي،
اللهم زلزِلهم يا قادِر، اللهم أنزِل عليهم عذابَك ورِجزَك وبأسَك الذي لا يُردُّ عن القوم المُجرمين.

اللهم عجِّل بالفَرَجِ والنصرِ لإخواننا يا رب العالمين.

اللهم طهِّر المسجدَ الأقصى من رِجسِ يهود،

اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادِرين،

اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجِزونك يا رب العالمين.

اللهم يا عظيمَ العفوِ، يا عظيمَ العفوِ، يا عظيمَ العفوِ، يا واسِعَ المغفرة، يا واسِعَ المغفرة،
يا قريبَ الرحمة، يا قريبَ الرحمة، يا قريبَ الرحمة، هَبْ لنا من لدُنك مغفرةً ورحمةً،
وأسعِدنا بتقواك، واجعلنا نخشاك كأننا نراك يا أرحم الراحمين.

اللهم ارحم موتانا، وعافِ مُبتلانا، واشفِ مرضانا، وفُكَّ أسرانا،
وانصُرنا على مَن عادانا يا ربَّ العالمين.

اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،

اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا غرَقٍ.

اللهم إنا خلقٌ من خلقك، اللهم إنا خلقٌ من خلقك، اللهم إنا خلقٌ من خلقك،
فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك،

اللهم اسقِنا واسقِ المُجدِبين،
وفرِّج عنَّا وعن أمة نبيِّنا وسيدِنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أجمعين.

عباد الله:

{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }

[النحل: 90].
فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُركم، واشكُروه على نِعَمه يزِدكم،
ولذكرُ الله أكبرُ، والله يعلمُ ما تصنَعون.







  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطبة الجمعة من المسجد الحرام بعنوان :نعمه الأمن فى ظل توحيد الله عفيفي المنتـدى الــعـــــــام 0 28-03-2011 11:28 AM
لوحات رقمية على باب المسجد الحرام،،، نبت الغربية المنتـدى الــعـــــــام 7 14-11-2009 12:21 AM
استمتع برؤية مسجد الحرام و المسجد النبوي ومساجد اخرى وكأنك بداخله المصريه111 المنتـدى الــعـــــــام 23 29-07-2008 10:56 PM
المسجد النبوى غليص 555 المنتـدى الــعـــــــام 5 13-06-2007 07:55 PM
ارض للبيع بجوار المسجد الحرام semsemy98 منتـدى العـقـار و البناء و المنزل 0 12-04-2005 12:59 AM




الساعة الآن 10:33 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.