بورصة الاسهم السعودية







استرجاع كلمة المرور المفقودة طلب كود تنشيط العضوية تنشيط العضوية أنظمة المنتدى
العودة   بورصة الاسهم السعودية > المنتدى الرئيسي > المنتدى الإسلامي
المنتدى الإسلامي   فتاوى أصحاب الفضيلة في أمور السوق والأمور الاقتصادية الأخرى والقوائم الشرعية للشركات



خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-09-2011, 12:40 PM   #41
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف بتاريخ 25/10/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "طرق إصلاح الأمة عند الفتن"،
والتي تحدَّث فيها عن الفتن التي ملأت أرجاء الدنيا في هذه الآونة،
وبيَّن أبرز أسبابها، مع التنبيه على أهم طرق الإصلاح في هذه الفتن المُدلهِمَّة.



الحمد لله، الحمد لله الذي وسِعَ كل شيءٍ رحمةً وعلمًا،
وأفاضَ على خلقه من خزائنه جودًا وكرمًا، لا نفادَ لفضله،
ولا انقطاع لمعروفه أبدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإلهُ الحقُّ المعبودُ في الأرض والسما،
أشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله أفضلُ الخلق عربًا وعجمًا، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الذين نصروا الدين ببذلِ النفوس والأموال والأولاد، ففازوا بخيرَي الدنيا والآخرة، وبصَّروا الناس بالحق والهدى بعد العمى.
أما بعد:
فاتقوا الله - عز وجل - بالمُسارعة إلى أمره، واجتناب نهيِه؛
يُصلِح لكم أعمالكم، ويُحسِن لكم عواقِبَ أموركم، ويرفع درجاتكم.
عباد الله:
حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزَن الأعمال،
واستعدُّوا لما أمامكم من الأهوال؛ فمن حاسبَ نفسَه خفَّ حسابُه،
وضاعفَ الله له ثوابَه، ومن اتبعَ هواه كثُرت سيئاتُه وقلَّت حسناتُه،
وأرداه الهوى باتباع الشهوات في حضيض الدركات،
قال الله تعالى:
(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)
[الكهف: 28]،
وقال تعالى:
(إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى)
[طه: 15، 16]،
وقال تعالى:
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
[القصص: 50]،
وقال تعالى:
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ
وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)
[الجاثية: 23].
فالمُتَّبِع للهوى المُعرِض عن السنة المُخالفُ للهدي المحمدي قد أهلك نفسَه، وأفسَد قلبَه، وأفسدَ في الأرض،
قال الله تعالى:
(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)
[المؤمنون: 71]رضأر
، وقال تعالى:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)
[البقرة: 204، 205].
وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«تُعرضُ الفتنُ على القلوبِ كعرض الحصير عودًا عودًا،
فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتت فيه نُكتةٌ سوداء،
وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتت فيه نُكتةٌ بيضاء،
حتى تعود القلوبُ على قلبين: قلبٍ أسود مربَّاد كالكوزِ مُجخِّيًا،
لا يعرفُ معروفًا ولا يُنكرُ منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه،
وقلبٍ أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض»؛
رواه مسلم.
ومعنى قوله: «أسود مربَّاد» أي: تراكَمَت عليه الخبائث، فاستحالَ لونُه إلى لونٍ قبيحٍ.
ومعنى: «كالكوزِ مُجخِّيًا» أي: منكوسًا،
لا يصِلُ إليه الهدى كما أن الماء لا يصِل إلا الكوز المنكوس.
ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -:
«إلا ما أُشرِبَ من هواه»
أي: أن هذا القلب مُتبِعٌ لهواه، فالمعروف ما أحبَّه هواه، والمنكرُ ما أبغضَه هواه،
لا يزِنُ الأمورَ بميزان الشرع الحنيف ولا القرآن ولا السنة.
والفتنُ التي تُعرضُ على القلوب: فتنُ الشهوات، وفتنُ الشُّبهات، والبدعُ والضلالات،
والفرقُ بين القلب الحي والقلب الميت كالحي والميت.
والفِرقُ التي ظهرت في هذه الأمة الإسلامية سمَّاها السلفُ الصالح أهلَ الأهواء؛
لاتباعهم الأهواء، ومُجانبتهم هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وما كان عليه الصحابة - رضي الله عنهم - من الاعتقاد الصحيح، والتمسُّك بالعدل والوسطية.
وقد وقع ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
«افترقَت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة،
وافترقَت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة،
وستفترقُ هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة،
كلُّها في النار إلا واحدة».
قيل: من هي يا رسول الله! قال:
«من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
وأولُ فرقةٍ ظهرت فرقةُ الخوارج الذين كفَّروا الصحابة وقاتلوهم،
وخرجوا على الخليفة الراشد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -،
وعمَدوا إلى آيات وأحاديث في الكفار فتأوَّلوها على المسلمين،
وضلُّوا في فهم الأدلة، وفسَّروها على غير وجهها الصحيح، فاستحلُّوا الدمَ الحرام والمالَ الحرام،
وكفَّروا من شهِدَ الله له بالإيمان؛ فانفتَحَ على الأمة الإسلامية بابٌ من الفتن لا يُغلَق إلا بقوة السلطان،
وبأدلة السنة والقرآن، كما فعل الصحابة - رضي الله عنهم - بهذه الطائفة التي ذمَّتها أدلةُ الكتاب والسنة؛
مثل: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
«سيخرج قومٌ في آخر الزمان حُدثاءُ الأسنان، سُفهاءُ الأحلام،
يقولون من قولِ خير البرية، يقرأون القرآن لا يُجاوِزُ إيمانُهم حناجِرَهم،
يمرُقون من الدين كما يمرُقُ السهمُ من الرمِيَّة»؛
رواه البخاري ومسلم من حديث علي - رضي الله عنه -.
ثم ظهرت بقيةُ الفِرق في الأمة، ولكل فرقةٍ وارِث إلى ما شاء الله تعالى.
ومن أسلمَ قِيادَه للهوى، وساقَه الشيطان فلا تسأل عن هلَكَته،
ومن تاب تابَ الله عليه، ومن اعتصمَ بالقرآن والسنة فقد هُدِي إلى صراطٍ مستقيم.
أيها المسلمون:
أمَا وقد استبانَ خطرُ الأهواء، وعُلِمَ أضرارُ البدع المُحدثَةِ التي تهدِمُ الدين،
وشاهدَ المسلمون دمار المجتمعات بارتكابِ المُحرَّمات،
واتباع الشهوات؛ لم يبقَ طريقٌ مُنجٍ إلا الصراط المستقيم،
ولن يحمِيَ الأمة إلا التمسُّك بالكتاب، ولن يجمع القلوب إلا الحق،
قال تعالى:
(وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
[آل عمران: 101]،
وقال تعالى:
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
[آل عمران: 103].
وعن العِرباضِ بن سارية - رضي الله عنه -
قال: وعَظَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظةً بليغة ذرفَت منها العيون،
ووجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظةُ مودِّعٍ،
فأوصِنا، قال
«أُوصيكُم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ،
فإنه من يعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا؛
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسَّكوا بها،
وعضُّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومُحدثات الأمور؛
فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة»؛
رواه الترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيح".
ولقد أتى على أمةِ الإسلام أزمنةٌ أصابَها فيها فتنٌ وخُطوبٌ وكروبٌ وأمورٌ عِظام،
لم يُنقِذها الله منها غلا بالرجوع لدينها والتمسُّك بهدي نبيها محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فاستقبَلَت حياتَها قويةً مُتعاوِنة مُتحابَّة، مُصلِحة، عزيزة الجانب، مُتمسِّكةً بشرع الله تعالى، وفي هذا الزمان أصابَها من الفتن والشدائد والبلاء ما ترون وتسمعون.
ودرءُ الأخطار عن أمة الإسلام، والسعيُ في الإصلاح، وحقنُ دمائها مسؤوليةُ وُلاة أمور المسلمين وعلمائهم ومُفكِّريهم وعُقلائهم، ولن يُصلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلحَ أولَها.
وأهمُ الأمور في طريق إصلاح الأمة: تحقيقُ توحيد لرب العالمين؛ فالتوحيدُ الخالصُ لله تعالى أساسُ الأعمال، وأساسُ كل إصلاح، وأساسُ الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، وقد فسَّر التوحيدَ أهلُ البدع والضلال بما كان عليه المُشرِكون في الجاهلية، فسمَّى دعاءَ الموتى، والاستغاثةَ بالصالحين، ورفع الحاجات لهم، وطلبَ الخيرات، ودفعَ الشرور والكُرُبات من أهل القبور، وصرَفوا للموتى والصالحين النُّذور، وسجدوا وطافوا بهذه القبور، فسمَّى أهلُ البدع ذلك كلَّه توسُّلاً وطلبًا لشفاعتهم، وذلك كلُّه إبطالٌ للتوحيد، ودعوةٌ للشرك بالله - تبارك وتعالى -.
وللأسف أنهم يستدلُّون بآياتٍ هي دليلٌ عليهم لا دليلٌ لهم؛ مثل: قوله - تبارك وتعالى -:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)
[المائدة: 35]،
والوسيلةُ هنا التي أمرَ الله بابتغائها: هي كلُّ عملٍ صالحٍ يتقرَّبُ به العبدُ إلى الله تعالى مما شرعَه الله وشرَعَه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما دلَّ على ذلك آيةٌ أخرى:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)
[الإسراء: 57].
قال الله - تبارك وتعالى - في هذا الشرك الذي سمَّوه توسُّلاً، والذي يُخلِّدُ صاحبَه في النار،
قال الله تعالى:
(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)
[الجن: 18]،
وقال تعالى:
(وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ
فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ
وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ
يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
[يونس: 106، 107].
والشفاعةُ حقٌّ؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يشفَع، والصالحون يشفعون، ولكن الشفاعة لأهل التوحيد لا للمُشركين، قال - صلى الله عليه وسلم -:
«أحقُّ الناس بشفاعتي: من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»؛
رواه البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
الأمر الثاني مما يُصلِحُ الله به الأمة ويدفعُ عنها النوازِل: إقامةُ الصلاة كاملة الأركان والواجبات والأفعال والأقوال، قال - صلى الله عليه وسلم -:
«صلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّي»؛
رواه البخاري ومسلمٌ من حديث مالكِ بن الحُويرِث - رضي الله عنه -.
ولو قارنَ كلُّ مسلمٍ صلاتَه بصلاة رسول الله - عليه الصلاة والسلام - لظهرَ له النقصَ في صلاته؛ فعلى كل مسلمٍ أن يُكمل النقصَ في صلاته، وسيرى صلاحَ ذلك في أحواله كلها.
الأمرُ الثالثُ مما يُصلِحُ الله به الأمة: الحكمُ بشرع الله في مُجتمعات المسلمين؛ فما أفسدَ أحوالَ المُجتمعات الإسلامية إلا القوانينُ المُستوردة،
قال الله تعالى:
(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
[المائدة: 50].
وقد رأينا كلَّ خيرٍ في بلادنا بتحكيم الشريعة الإسلامية، أدامَ الله حُكمَها،
وما حمانا الله من عواصفِ الفتن المُدمِّرة إلا بشريعتنا الغرَّاء السَّمحَة العادلة الشاملة.
أيها المسلمون:
إن كل مسلمٍ ضائقٌ صدرُه بما يجري من الفتن وسفك الدماء في تلك البُلدان التي أُصيبَت بهذا البلاء - ولا سيَّما في سوريا -، فنُنكِر سفكَ دماء المسلمين، وهدمَ مساجدهم،
واعتقالَهم بغير حقٍّ، وكلُّ أحدٍ على وجه الأرض مما له عقلٌ يستنكِرُ ما يقومُ به حُكَّامُ سوريا ضدَّ شعبٍ أعزل، وكان العقلُ والشهامةُ وكرمُ الطبع يُوجِبُ أن يستجيبَ حُكَّامُ سوريا لنداء خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - لإيقاف هذا النزيف الدموي، والانتهاء من إبادة الشعب السوري؛
ما له من الفضل عليهم في المواقف الصعبة التي مرُّوا بها، ولكن تمادَوا في الظلم والعُدوان، وسفَكوا الدمَ الحرام، وانتهَكوا الحُرمات، وهدَموا المساجد.
فجزى الله خادمَ الحرمين الشريفين على كلمته التي سيبقى صدَاها يُندِّدُ بسفك الدماء والإرهاب، فكما أن الإسلام يقِفُ في وجه إرهاب الفرد الظالم المُعتدي، كذلك يستنكِرُ ويُندِّد بإرهاب الدولة.
ونرجو الله أن يُوفِّقَ خادمَ الحرمين الشريفين الملكَ عبد الله بن عبد العزيز، وقادةَ العالم الإسلامي لمُواصلة الجهود والعمل بالطُّرق المناسبة لإيقاف هذه الإبادة للشعب السوري؛ فالأمرُ لا يُطاقُ السكوتُ عليه.
فادعُوا الله - تبارك وتعالى - أن يُخرِج المسلمين من كُرباتهم ومِحَنهم، وأن لا يُسلِّطَ عليهم من لا يخافُ اللهَ فيهم ولا يرحمُهم من هؤلاء الظالمين المُعتدين وأمثالهم ممن لا يخافُ اللهَ - تبارك وتعالى -، ولا يرقُبُ في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمَّة، ولا يشعرُ بصلةٍ بينه وبين المسلم.
قال الله - تبارك وتعالى -:
(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ)
[النور: 31]،
وقال - تبارك وتعالى -:
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
[التوبة: 71].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم،
ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، اتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
أيها المسلمون:
إن كل مسلمٍ لو فكَّر في حسناته وفكَّر في سيئاته، وأن عليه من الله حافظًا
يكتب سيئاته كما يكتُب حسناته، ولا يظلِمُ اللهُ مثقالَ ذرَّةٍ
(وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)
[النساء: 40]،
لو فكَّر في أن الله - تبارك وتعالى - يكتبُ ما يعمل لقلَّت سيئاتُه،
وكثُرت حسناتُه؛ فإنه إذا حاسبَ نفسَه قلَّ حِسابُه، ويسَّر الله له الحساب، ويسَّر عليه كل شيء،
قال الله - تبارك وتعالى -:
(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)
[ق: 18]،
وقال - عز وجل -:
(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ)
[الانفطار: 10، 11].
وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -:
«إن اللهَ كتبَ الحسنات والسيئات»؛
رواه البخاري ومسلم.
عباد الله:
إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال - عزَّ من قائل -:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56].
فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين.
اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيِّك.
اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه، اللهم احفظنا وذرياتنا من إبليس وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم وُلاةَ أمورنا.
اللهم وفِّق عبدكَ خادمَ الحرمين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم انصُر به دينَك، وأعلِ به كلمتَك، اللهم أعِنه على ما فيه الصلاحُ لشعبه والخيرُ للمسلمين يا رب العالمين، اللهم وفِّق نائبَيه لما تحبُّ وترضى، ولما فيه عزُّ الإسلام وصلاحُ البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير، يا رب العالمين.
اللهم اغفِر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، واغفر لنا ذنوبنا.
اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزيِ الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم إنا نعوذ بك من سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء، ومن درَك الشقاء، وجَهد البلاء، اللهم إنا نعوذُ بك من شماتة العباد.
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا، وأعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين.
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)
[النحل: 90، 91].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم،
واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس


قديم 24-09-2011, 12:43 PM   #42
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 25/10/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "حسن الظن بالله وآثاره"،
والتي تحدَّث فيها عن حُسن الظن بالله تعالى،
وبعض آثاره وثمراته، مُنبِّهًا على خطر إساءة الظن بالله؛
لما في ذلك من الوعيد الشديد والعقاب الأليم يوم القيامة،
مُستدلاًّ على ذلك بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.



الحمد لله الهادي لمن استهداه، الكافي من تولاَّه، أحمده - سبحانه - حمدًا نبتغي به وجهَه ورِضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا ربَّ غيرُه ولا إله سِواه، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أفضلُ نبيٍّ هداه ربُّه واصطفاهُ واجتباه، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه صلاةً وسلامًا تزكُو بهما النفوس وتسمُو وتطيبُ بهما الحياة.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، وتوبوا إليه واستغفِروه
(يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)
[نوح: 11، 12].
عباد الله:
ديدَنُ أُولي الألباب ونَهجُ المتقين وشأنُ عباد الرحمن: إحسانُ الظنِّ بربهم الأعلى لا حَيْدَة عنه، ولا مَيْل عن سبيله، ولا توقُّف فيه ولا نُكوص عنه، ولا عجبَ أن يكون لهم هذا النهج، وأن يُعرَف لهم هذا المسلَك وهذا التعامُل مع ربهم؛ فقد جاءهم منه - سبحانه - ما يبعَثُ على الاستمساك به والعضّ عليه بالنواجِذ، وذلك في الحديث الذي أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«قال الله: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكَرني ..»
الحديث.
وفي الحديث الذي أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«لا يمُوتنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسِنُ الظنَّ بالله تعالى».
وهذا مُبايِنٌ أعظم المُبايَنة، ومُخالفٌ أشد المُخالَفة لطريق الظانِّين بالله ظنَّ السَّوْء، أولئك الذين نعى اللهُ عليهم هذا وشدَّد عليهم فيه النكير، فقال - سبحانه - فيما قصَّ علينا من أنباء غزوة أُحُد وما كان فيها من أحداثٍ وعِبَر:
(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ
وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ
يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ
إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ
وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
[آل عمران: 154].
إنه حديثٌ عن فِئة أهل شكٍّ ورَيبٍ في الله - عزَّ وجل -، لم يغشَها النُّعاس الذي بعثَه الله يوم أُحُد بسبب ما كانت عليه - أي: هذه الفِئة - من قلقٍ وجزَعٍ وخوف، تظنُّ بالله غيرَ الظنِّ الحق الذي يجبُ أن يُظنَّ به - سبحانه -، كما قال - عزَّ اسمُه -:
(بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا)
[الفتح: 12].
وهكذا اعتقدَت هذه الفِئَة أن مُشركي قريش لما ظهَروا أن هذا الظهر هو الفَيصلُ، وأن اللهَ لا ينصُر رسولَه، وأن أمره سيضمَحِلّ، وأنه يُسلِمُه إلى القتل.
وفُسِّر - كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: بأن ما أصابَهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمة له فيه، ففُسِّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يُتِمَّ أمر رسوله، ويُظهِره على الدين كله.
وهذا هو ظنُّ السوء الذي ظنَّه المُنافِقون والمُشركون به - سبحانه وتعالى - في سورة الفتح؛
حيث يقول:
(وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ
الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)
[الفتح: 6].
وإنما كان هذا ظنَّ السوء وظنَّ الجاهلية الذي نُسِب إلى أهل الجهل وظنَّ غير الحق؛ لأنه ظنٌّ لا يليقُ بأسمائه الحُسنى وصفاته العُليا وذاته المُبرَّأة من كل سوء، بخلاف ما يليقُ بحكمته وحده وبتفرُّده بالربوبية والألوهية، وما يليقُ بوعده الصادق الذي لا يُخلِفُه، وبكلمته التي سبَقَت لرُسُله أن ينصُرَهم ولا يخذُلَهم، ولجُنده بأنهم هم الغالبون.
فمن ظنَّ بالله أنه لا ينصُر رسولَه ولا يُتِمُّ أمره ولا يُؤيِّده، ولا يُؤيِّد جُندَه، ولا يُعلِيهم ويُظفِرُهم بأعدائه ويُظهِرهم عليهم، وأنه لا ينصُر دينَه وكتابَه، وأنه يُديلُ الشركَ على التوحيد،
والباطلَ على الحق إدالةً مُستقرَّةً يضمحِلُّ معها التوحيدُ والحقُّ اضمحلالاً لا يقومُ بعده أبدًا؛ فقد ظنَّ بالله ظنَّ السوء، ونسبَه إلى خلاف ما يليقُ بكماله وجلاله وصفاته ونُعوته،
فإن عزَّته وحكمةَ إلهيته تأبَى ذلك، وتأبَى أن يُذِلَّ حِزبَه وجُنده، وأن تكون النُّصرةُ المُستقرَّة والظَّفَر الدائم لأعدائه المُشركين به العادِلين به.
فمن ظنَّ به ذلك فما عرَفَه ولا عرفَ أسماءه ولا عرَفَ صفات كماله،
وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرَفَه ولا عرَفَ ربوبيته ومُلكَه وعظمَتَه، وكذلك من أنكر أن يكون ما قدَّر اللهُ من ذلك وغيره لحكمةٍ بالغة وغايةٍ محمودة يستحقُّ الحمدَ عليها، وأن ذلك إنما صدَرَ عن مشيئةٍ مُجرَّدةٍ عن حكمةٍ وغايةٍ مطلوبةٍ هي أحبُّ إليه من فَوتها،
وأن تلك الأسباب المكروهة المُفضِيَة إليها لا يخرج تقديرُها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يُحبُّ - وإن كانت مكروهةً له -، فما قدَّرها سُدًى، ولا أنشأها عبثًا، ولا خلقها باطلاً،
(ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)
[ص: 27].
وأكثرُ الناس يظنُّون بالله غيرَ الحق ظنَّ السوء فيما يختصُّ بهم،
وفيما يفعلُه - سبحانه - بغيرهم، ولا يسلمُ من ذلك إلا من عرفَ اللهَ وعرفَ أسماءَه وصفاتِه، وعرفَ مُوجِبَ حمده، وعلِمَ حكمته؛ فمن قنطَ من رحمته، وأيِسَ من روحه فقد ظنَّ به السوء.
ومن جوَّز عليه أن يُعذِّب أولياءَه مع إحسانهم وإخلاصهم،
ويُسوِّي بينهم وبين أعدائه فقد ظنَّ به السوء.
ومن ظنَّ به أنه يترك خلقَه سُدًى مُعطَّلين من الأمر والنهي،
ولا يُرسِلُ إليهم رُسلَه، ولا يُنزِّلُ عليهم كتبَه؛ بل يترُكهم هملاً كالأنعام؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السوء.
ومن ظنَّ أنه لن يجمَع عبيدَه بعد موتهم للثواب والعِقاب في دارٍ يُجازَى فيها المُحسِن بإحسانه والمُسيءُ بإساءته، وليُبيَّن لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، وليُظهِر للعالمين كلهم صدقَه وصدقَ رُسله،
وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السوء.
ومن ظنَّ أنه يُضيعُ عليه عملَه الصالحَ الذي عمِلَه خالصًا لوجهه الكريم على امتثال أمره، ويُبطِله عليه بلا سببٍ من العبد، وأنه يُعاقِبُه بما لا صنيعَ فيه ولا اختيار ولا قُدرةَ ولا إرادةَ في حصوله؛ بل يُعاقِبُه على فعله هو - سبحانه - به، أو ظنَّ أنه يجوز عليه أن يُؤيِّدَ أعداءَه الكاذبين عليه بالمُعجِزات التي يُؤيِّدُ بها أنبياءَه ورُسُله، وأن يُجرِيَها على أيديهم يُضلُّون بها عبادَه، وأنه يحسُنُ منه كلُّ شيءٍ حتى أن يُعذِّبَ من أفنى عمرَه في طاعته فيُخلِّدَه في الجحيم أسفل سافلين، ويُنعِّمَ من استنفذَ عمرَه في عداوته وعداوة رُسله ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليِّين، وأن كلا الأمرين في الحُسن سواءٌ عنده؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السوء.
ومن ظنَّ به أنه أخبرَ عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهرُه باطلٌ وتشبيهٌ وتمثيل، وتركَ الحقَّ ولم يُخبِر به، وإنما رمزَ إليه رموزًا بعيدة، وأشارَ إليه إشاراتٍ بالألغاز، وأراد من خلقه أن يُتعِبوا أذهانَهم وقُواهَم وأفكارَهم في تحريف كلامه عن مواضِعه، وتأويله على غير تأويله، من ظنَّ به - سبحانه - ذلك فقد ظنَّ به ظنَّ السوء.
ومن ظنَّ به أنه إذا صدَقَه في الرغبةِ والرهبةِ، وتضرَّع إليه وسألَه، واستعانَ به، وتوكَّلَ عليه، أنه يُخيِّبُه ولا يُعطيه ما سألَه؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السوء، وظنَّ به خلافًَ ما هو أهلُه.
فأكثرُ الخلق - بل كلُّهم -
كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -:
"أكثرُ الخلق - بل كلُّهم - إلا من شاء الله منهم - يظنُّون بالله غيرَ الحق ظنَّ السوء؛ فإن غالبَ بني آدم يعتقِدُ أنه مبخوسُ الحق، ناقِصُ الحظ، وأنه يستحقُّ فوق ما أعطاه الله، ولسانُ حالِه يقول: ظلمَني ربي، ومنعني حقي، ونفسُه تشهَدُ عليه بذلك، وهو بلسانه يُنكِرُه، ولا يتجاسَرُ على التصريح به، ومن فتَّشَ نفسَه وتغلغلَ في معرفة دفائنِها وطواياها رأى ذلك فيها كامِنًا كُمُونَ النار في الزناد، فمُستقِلٌّ ومُستكثِر".
ففتِّش نفسَك: هل أنت سالمٌ من ذلك؟!
فإن تنجُ منها تنجُو من ذي عظيمةٍ
وإلا فإني لا إِخالُكَ ناجيًا
فليعتنِ اللبيبُ الناصِحُ نفسَه بهذا الموضع، وليتُب إلى الله ويستغفِره كل وقتٍ من ظنِّه بربه ظنَّ السوء، وليظنَّ السوء بنفسه التي هي مادةُ كل سوء، ومنبَع كل شر؛ فهي أولَى بظنِّ السوء من أحكَم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين الغني الحميد، الذي له الغِنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه،
(هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
[الحشر: 24].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،
إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، أحمده - سبحانه - حمدَ شاكرٍ ذاكرٍ مُخبِتٍ لربه الأعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله وحبيبُه المُجتبى ونبيُّه المُصطفى، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أئمة الهُدى ونُجوم الدُّجَى.
أما بعد، فيا عباد الله:
قال الله تعالى - حكايةً عن قول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لقومه:
(أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
[الصافات: 86، 87]؛
أي: ما ظنُّكم أن يفعل بكم إذا لقِيتموه وقد عبدتم غيرَه؟!
ومن تأمَّل هذا الموضع - كما قال أهل العلم - علِمَ أن حُسن الظن بالله هو نفس حُسن العمل؛ فإن العبدَ إنما يحمِلُه على حُسن العمل ظنُّه بربِّه أنه يُجازيه على أعماله،
ويُثيبُه عليها، ويتقبَّلُها منه، فالذي حمَله على حُسن العمل حُسن الظن؛ فكلما حسُن ظنُّه حسُن عملُه، وإلا فحُسن الظنِّ مع اتباعِ الهوى عجزٌ.
وبالجُملة؛ فحُسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة،
وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتَّى إحسانُ الظن.
فاتقوا الله - عباد الله -، وأحسِنوا الظنَّ بربكم، وأحسِنوا له العمل؛ تفوزوا بالرضا والرضوان من الرب الرحيم الرحمن، ونزول رفيع الجِنان.
وصلُّوا وسلِّموا على سيد ولد عدنان؛ فقد أمركم بذلك الملكُ الديَّان، فقال - سبحانه -:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة:
أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء، اللهم اجزِه أفضلَ الجزاء و أحسنَه وأكملَه على مواقفه الإسلامية الطيبة وغيرته المشكورة، وتصدِّيه لمن تجاوز حُدودَه فتعدَّى وأساءَ وظلَم.
اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمسلمين يا رب العالمين،
وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد، يا من إليه المرجِعُ يوم التناد.
اللهم أحسِن عاقبتَنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر.
اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيكَ آمالَنا.
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
[الأعراف: 23].
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك،
وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201].
وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 24-09-2011, 01:49 PM   #43
معلومات العضو
رحمك الله ياعفيفي





aboyaser1412 غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 1142
aboyaser1412 has much to be proud ofaboyaser1412 has much to be proud ofaboyaser1412 has much to be proud ofaboyaser1412 has much to be proud ofaboyaser1412 has much to be proud ofaboyaser1412 has much to be proud ofaboyaser1412 has much to be proud ofaboyaser1412 has much to be proud ofaboyaser1412 has much to be proud of



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

جزاك الله خير أخي هشام
تقبل تحياتي








  رد مع اقتباس
قديم 24-09-2011, 01:57 PM   #44
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة aboyaser1412 مشاهدة المشاركة
جزاك الله خير أخي هشام
تقبل تحياتي

جزانا الله و إياكم أخي الفاضل أبو ياسرعلى ما تبذلونه في سبيل الرفع من شأن هذا المنتدى الشامخ







  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 09:59 AM   #45
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف بتاريخ 2/11/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "رسالة إلى الحكام والمحكومين"،
والتي وجَّه فيها رسالةً إلى حُكَّام المسلمين بوجوب تحكيم شرع الله؛
لضمان الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة،
وإلى المحكومين بضرورة التوبة والعودة إلى الله - سبحانه وتعالى -.



الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فمن اتقاه جعل له من كل همٍّ فرجًا،
ومن كل ضيقٍ مخرَجًا، ومن كل بلاءٍ عافية.
إخوة الإسلام:
لقد ابتُلِي المسلمون في بعض البُلدان ببلاءٍ عظيمٍ: ظلمٍ واضطهادٍ وقتلٍ وتعذيبٍ وتشريدٍ، إراقة دماءٍ وسفكِ أرواحِ أبرياء، ولا حول ولا قوةَ إلا بالله العظيم، والله المُستعانُ وإليه المُشتكَى.
إن على المسلمين المُضطهَدين في كل مكانٍ أن يعلَموا أن النصرَ مع الصبر،
وأن الفرجَ مع الكَرب، وأن مع العُسر يُسرًا، يقول - جل وعلا -:
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ
وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)
[القصص: 5، 6].
إن المسلمين في كل مكانٍ وقد تداعَت عليهم قُوَى الشرِّ والعُدوان،
وأحاطَت بهم الكُروبُ من كل جانب،
وتكاثَرَت عليهم الفتنُ من كل حدْبٍ وصوبٍ عليهم أن يُجدِّدوا التوبةَ إلى الله - جل وعلا -،
وأن يلجَئوا إليه فهو الجبَّار، وأن يتضرَّعوا إليه ويطَّرِحوا بين يديه.
(قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63)
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ)
[الأنعام: 63، 64]،
فهو - سبحانه - القاهرُ فوق عباده، وهو - عزَّ شأنُه - العزيزُ القادِرُ الذي يُجيرُ ولا يُجارُ عليه،
(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
[الأنعام: 45]،
(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)
[إبراهيم: 13، 14].
إن الرجوعَ الحقيقيَ إلى الله - جل وعلا - وإلى دينه هو السبيلُ لنَيْلِ الخيرات، وهو السببُ المانِعُ عن الشُّرُور والمَثُلات، إن التوبةَ الصادقةَ إلى الله - جل وعلا -، والمُتابعةَ الصادقة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في كل شأنٍ ذلك هو السبيلُ الأوحَد لرفع العقاب بأنواعه، والظلمِ بشتَّى صُوره.
(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)
قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ
وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)
[الأعراف: 128، 129].
نعم، هكذا سنةُ الله أن العبادَ متى استقاموا على شرعِ الله استقامَت لهم الدنيا على أحسنِ حالٍ،
قال تعالى:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
[الأعراف: 96].
شُكِي إلى الحسن البصري ما يقوم به الحجَّاجُ من ظلمٍ؛ فقال: "إن الحجَّاجَ عقوبةٌ من الله لم تكُ، فلا تستقبِلوا عقوبةَ الله بالسيف، ولكن استقبِلوها بتوبةٍ وتضرُّعٍ واستِكانةٍ وتوبوا تُكفَوه". اهـ.
إخوة الإسلام:
إن على حُكَّام المسلمين في جميع البُلدان أن يستيقِنوا أن الحفاظَ على نظام الحُكم لا يكون بالظلمِ ولا بالاضطهاد، ولا بالأَثَرة والاستبداد، ولا بالرُّكون للجهود البشرية والقُدرات الإنسانية بعيدًا عن اللُّجوءِ إلى الله - جل وعلا - والتمسُّك بدينه وشرعه؛ فحِفظُ الحكم لا يكون ولن يكون أبدًا بالبُعد عن منهج الإسلام وثوابِته العِظام.
فمن تدبَّر كتابَ الله وجدَه ينسِبُ الخلافةَ والتمكين والمُلكَ لله وحده:
(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ
وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
[آل عمران: 26]،
فمن صلَح وأصلَحَ أصلَحَ الله له المُلكَ الذي يحكمُه، ومن فسدَ وأفسَدَ أُفسِد عليه حُكمُه ولو كان من أمهر الناس وأذكاهم وأقواهم،
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18)
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ)
[البروج: 17- 20].
فيا حُكَّام المسلمين:
عُودوا إلى القرآن الكريم، وطبِّقوه في كل شأنٍ، والتزِموا بسنة نبي الإسلام - عليه أفضل الصلاة والسلام -، احتكِموا إلى الوحيَيْن تمسَّكوا بهما، دعُوا عنكم القوانينَ الوضعيَّةَ والدساتيرَ البشرية، احذَروا من كيدِ الأعداء ومُخطَّطاتهم وإملاءاتهم، قال - جل وعلا - فيهم:
(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
[النساء: 89].
واعلموا - أيها الحُكَّام - أن الله وحدَه هو الذي يرفعُ ويخفِض، وهو الذي يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء وفقَ حكمته البالغة، قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في حوادث سنة أربعمائةٍ وثلاثين للهجرة: "وفيها خُوطِبَ أبو منصورِ بن جلال الدولة بالملِكِ العزيز - وهو مُقيمٌ بواسط -، وهذا العزيزُ آخرُ من ملَكَ بغداد من بني بُويْه، فلما طغَوا وتمرَّدوا وبَغَوا، وتسمَّوا بملِكِ الأملاك سلَبَهم الله ما كان أنعمَ به عليهم، وجعلَ المُلكَ في غيرهم،
كما قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
[الرعد: 11]".
أيها المسلمون:
إن من سَبَرَ أحوالَ المسلمين في عهودهم كلها في الحاضِرِ والماضي علِمَ أن الشرَّ والضررَ والهوانَ والذلَّ والعارَ بدول المسلمين يحصُلُ حينَ يضعُفُ تعلُّقهم بالوحيَيْن، وحين يستبدِلونها بالأهواء النفسية والآراء البشرية، ألم يقُل الله - جل وعلا -:
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)
[الحج: 41]؟!
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله الوليِّ الحميد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يُبدئُ ويُعيدُ،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبده ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي وصيةُ الله للأولين والآخرين.
أيها المسلمون:
إن الراعِيَ والرعيَّة لا يجمعُهم إلا كتابُ الله - جل وعلا -، والاعتصامُ بحبلِه، والاهتداءُ بهديِهِ، ومتى حادُوا عن ذلك فلن يجِدوا للاستقرار سبيلاً، ولا للرخاء طريقًا؛ بل أمرُهم - حينئذٍ - في سَفَال، وأحوالُهم - حينئذٍ - غيرُ مُستقرَّة، وبُلدانهم لن تجِد للأمن سبيلاً،
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)
[الأنفال: 46].
ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يقول: «وما لم تحكم أئمَّتُهم بكتابِ الله ويتخيَّروا مما أنزلَ الله إلا جعلَ الله بأسَهم بينهم»؛ أخرجه ابن ماجه بسندٍ صحيحٍ.
ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الآلِ والصحبِ أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألُكَ بأنا نشهدُ أن لا إله إلا أنت الأحدُ الصمدُ الذي لم يلِد ولم يُولَد، نسألكَ يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام أن ترفعَ عن إخواننا المسلمين الظلمَ والعُدوان، اللهم ارفع عن إخواننا المسلمين الظلمَ والعُدوان، اللهم ارفع عن إخواننا المسلمين الظلمَ والعُدوان، اللهم اجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرَجًا، ومن كل بلوًى عافية، اللهم مكِّن لهم في الأرض على الدين، اللهم مكِّن لهم في الأرض على الدين.
اللهم إنا نعوذُ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطَن.
اللهم أصلِح أحوالنا وأحوالَ المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوالَ المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوالَ المسلمين، اللهم مُنَّ على المسلمين بتوبةٍ تُصلِح بها أحوالَهم، اللهم مُنَّ عليهم بعودةٍ إلى هذا الدين تُصلِحُ بها دنياهم وأُخراهم، يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم عليك بأعداء المسلمين، اللهم عليك بأعداء الإسلام والمسلمين، اللهم لا تِبقِي لهم راية، واجعلهم لغيرهم عبرةً وآية يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم وفِّق خادمَ الحرمين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه ونائبَيْه لما فيه خيرُ الإسلام والمسلمين.
اللهم اجعل بلاد المسلمين آمنةً مُستقِرَّة، اللهم أنزِل عليها الأمنَ والأمان، اللهم مُنَّ ليها بالأمن والأمان، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم وحِّد كلمَتهم، اللهم وحِّد كلمَتهم على التقوى والخير، اللهم وحِّد صفَّهم يا حيُّ يا قيُّوم، اللهم امنُن علينا وعليهم بحياةٍ طيبةٍ في الدارَيْن، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.
اللهم إنك أنت الغنيُّ الحميد، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا يا حيُّ يا قيُّوم، اللهم اسقِ بلادَنا وبلادَ المسلمين، اللهم اسقِ بلادَنا وبلادَ المسلمين، اللهم اسقِ بلادَنا وبلادَ المسلمين.







  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 10:04 AM   #46
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 2/11/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور سعود الشريم - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "مفهوم الحرية في الإسلام"،
والتي تحدَّث فيها عن الحرية في الإسلام،
وبيَّن مفهومها الصحيح مُحذِّرًا من المفاهيم المغلوطة لهذه الكلمة،
وقد بيَّن أن الإسلام كفلَ للمسلم الحريةَ بالالتزام بأوامر الله وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم -.



الحمد لله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلِد ولم يُولَد، ولم يكن له كُفوًا أحد،
شرعَ لنا من الدين ما وصَّى به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا -
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -، فأقيموا الدين ولا تتفرَّقوا فيه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله وصفيُّه وخليلُه،
وخيرتُه من خلقه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصحَ الأمة، وجاهدَ في الله حقَّ جهاده،
فصلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين،
وعلى التابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، وراقِبوه في السرِّ والعلَن، والخَلوة والجَلوة؛ فإن الله يعلمُ خائنةَ الأعيُن وما تُخفِي الصدور.
واعلموا أن ما بكم من نعمةٍ فمن الله، وأنه لا نعمةَ أعظم ولا أبلغ في النفوس من نعمة الإسلام والدين والانقياد لأمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والتماسِ مظانِّ رضا الله، واجتناب مظانِّ سخَطه - جل وعلا -.
عباد الله:
كل إنسانٍ على هذه البسيطة له أمنيةٌ لا تُفارقُ خيالَه، ولا تنفكُّ عن أن تكون في مُقدِّمة تطلُّعاته في هذه الحياة، وهي: أن يعيش حرًّا كريمًا عزيزًا، يُتاحُ له مساحةً واسعةً من الحرية والاستقلال؛ ليُشارِك ويُحاوِر ويأخذ ويُعطي.
وإلى هذا الحدِّ نجِدُ أن شريعتَنا الغرَّاء قد كفَلَت لكل مسلمٍ هذه الأمنية ورعَتها حق رعايتها، فجعلَته حرًّا عزيزًا كريمًا لا سلطان لأحدٍ عليه غير سلطان الشريعة؛ فهو حرٌّ صبيًّا وشابًّا وكهلاً وشيخًا، في حريةٍ مُطلقة ما لم يُخِلَّ بواجباته تجاه ربِّه ودينه وبني ملَّته، وما لم ينتهِك من الموانع والمحاذير ما يُوقِفُ عنه هذه الخِصِّيصة التي يتطلَّعُ إليها.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ولا يبِعْ بعضُكم على بيع بعضٍ، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه، ولا يخذُلُه، ولا يحقِرُه، التقوى ها هنا - ويُشير إلى صدره، ثلاث مرات -، بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلم، كل المسلمِ على المسلمِ حرام؛ دمُه ومالُه وعِرضُه»؛
رواه مسلم.
إن الشريعة - عباد الله - هي سرُّ الأمان لضمان الصالح العام، وهي مبنيةٌ على الرحمة والعدل والخير الذي يأمر اللهُ به عبادَه، تعودُ غايتُه لإسعاد الناس في آجِلهم وعاجلِهم، وأن الشر الذي نهاهُم عنه ليس إلا وقاية لهم من أذًى قريبٍ أو بعيد.
ولذا فقد سما الإسلام بالمسلم روحًا وجسدًا، عقلاً وقلبًا؛ فلم يضَع في عُنقه غُلاًّ، ولا في رِجله قيدًا، ولم يُحرِّم عليه طيبَة، وفي الوقت نفسِه لم يدَعه كالكرة تتخطَّفُها مضارِبُ اللاعبين، فتهوِي به في كل اتجاه حتى تُقنِعَه بأن الإنسان إنما يعيشُ لنفسه ومتاع الدنيا، فإذا كان الأحمقُ منهم يعيشُ ليأكل؛ فإن العاقل منهم - بهذا التصوُّر الرخيص - إنما يأكل ليعيش.
وأما المؤمنُ الصادق الموصول بربِّه وحبِّه وخشيتِه فإنه يستحضِرُ قولَه تعالى:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)
[المؤمنون: 115].
يقول الشاطبي - رحمه الله -: "اتفقَت الأمةُ على أن الشريعةَ وُضِعَت للمحافظةِ على الضرورات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وعلمُها عند الأمة كالضروري".
أيها الناس:
لقد تواطأَ الناسُ على البحث عن الحرية والكرامة وأعياهُم طِلابُها، غيرَ أن كثيرًا منهم سارَ في غير مسارِها، والتمسُوها في غير مظانِّها؛ فحسِبَها بعضُهم في اللَّهَث وراء الدنيا بزينتِها وزُخرُفها والعبِّ منها كما الهِيْم، بل ذهبَ بعضُهم إلى أبعدَ من ذلكم؛ ليصرَ مفهوم الحرية عنده: إن لم تكن ذِئبًا أكلَتْك الذئاب، وإن لم تَجهَل يُجهَل عليك، وإن لم تتغدَّ بزيدٍ تعشَّى بك!
وأن الحريةَ عندهم: أن تقول ما تشاء، وتفعل ما تشاء، وتكتبَ ما تشاء، وتتكلَّم فيمن تشاء، دون زمامٍ ولا خِطام، حتى ولو كان في أمور الدين والعقيدة وحقِّ الله وحقِّ رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ولكن الحريةَ الحقَّة - عباد الله - دينٌ يتبَعُهُ عملٌ ويصحَبُه حملُ النفس على المكارِه، وجَبلُها على تحمُّلِ المشاقِّ، وتوطينُها لمُلاقاة البلاء بالصبر والشدائد بالجلَد، وحفظ الحُدود، والتسليم للشريعة والتمسُّك بها؛ فالحرُّ من آثَر الباقي على الفاني، والحريةُ رضًا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - رسولاً، وقناعةٌ بالمقسوم، وثقةٌ بالخالق، واستمدادُ العَون منه، ومن ذاقَ طعمَ الإيمان ذاقَ طعمَ الحرية.
فمن حقَّق العبوديةَ لله - سبحانه - فلن يكون عبدًا لهواه، ولا أسيرًا لأحدٍ من الناس؛ حيث لا تحكمُه الشهوةُ ولا المُصانَعة، ولا يُوجِّهُه مبدأُ: كم تملِك؟ وما مركزُك ومنصبُك؟ لأنه يحمِلُ في نفسه معنى الناس لا معنى ذاته؛ ليُصبِحَ حرًّا بهذا التصوُّر الإيجابي.
فإن من أساسات الحريةِ - عباد الله -: أن يُؤدِّي المرءَ حقَّ الله على ما أراد - سبحانه -، وأن يُؤدِّي حقَّ العباد وفقَ ما شرعَه الله له، فلا حريةَ في التحليل والتحريم؛ لأن الله - جل وعلا - يقول:
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
[المائدة: 3]،
ويقول - جل وعلا -:
(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)
[النحل: 116].
وليس لمخلوقٍ الحرية فيما يخُصُّ أعراضَ الناس؛ فقد يترتَّبُ على ذلك جَلْدٌ في القذف، أو رجمٌ في الزِّنا، ولا فيما يخُصُّ العقل؛ فقد يترتَّبُ على ذلك جلدٌ في المُسكِر، أو قتلٌ في المُخدِّرات، أو تعزيرٌ في إفساد الفِكر، ولا حرية مُطلقة في المال؛ فقد تُقطَع اليدُ في سرقة، أو يُعزَّرُ امرؤٌ في غصبِ مال، ولا حرية مُطلقة في النفس؛ فقد يُقتَلُ قِصاصًا، أو يُصلَبُ حِرابةً، ولا حرية مُطلقة في الدين؛ فإن الله - جل وعلا - يقول:
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
[آل عمران: 85].
ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
«لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيِّبُ الزاني، والنفسُ بالنفسِ، والتاركُ لدينه المُفارِقُ للجماعة»؛
رواه مسلم.
فمن أراد الحريةَ الحقَّة - عباد الله - فلينظُر مدى توافُقها مع شِرعَة الله وصِبغَته، ومن أراد أن يُحسِن سِياجَ الحرية فليستمِع إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«إن الله تعالى فرضَ فرائِضَ فلا تُضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، وحرَّم أشياءَ فلا تنتهِكوها، وسكتَ عن أشياء رحمةً غيرَ نسيان فلا تبحَثوا عنها»؛
حديثٌ حسنٌ، رواه الدارقطني وغيرُه.
وحاصلُ الأمر - عباد الله -: أن الحريةَ ترابُطٌ وثيقٌ بين أفراد المجتمع وأُسَرِه وبُيُوتاتِه، يشترِكون في الواجبات والحقوق، لا يعتدي بعضُهم على بعضٍ، ولا يظلمُ بعضُهم بعضًا، ولا يبغِي بعضُهم على بعض، أمامَهم فُسحةٌ واسعةٌ من المُباحات هي عفوٌ قد سكتَ عنها الشارِعُ الحكيم.
فإن أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا مُنحرفين ولا مُتماوتين، وكانوا يُنشِدون الأشعارَ في مجالسهم، ويذكرُون أمرَ جاهليَّتهم، فإذا أُريدَ أحدُهم على شيءٍ من دينه دارَت حماليقُ عينيه؛ رواه البخاري في "الأدب المفرد".
بمثلِ هذا كلِّه - عباد الله - يتَّصِلُ ما بين العظيمِ والسُّوقَة، والشريفِ والوَضيع، والغنيِّ والفقير، بعيدًا عن معاني الدينار والدرهَم وحِمامِهما؛ ليُرفَع بذلك الشيءُ النفيس ويُخفَضَ الشيءُ الخَسيس، لا أن يطفُوَ الخَشاشُ والحَشاش ويسفُلَ الدرُّ والجوهَر.
وليتَّقِ الجميعُ حدودَ الله؛ فإن الله - جل وعلا - يقول:
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا)
[البقرة: 229]،
ويقول - سبحانه -:
(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)
[الطلاق: 1]،
وقال - جل وعلا -:
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)
[النساء: 13، 14].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، واعلموا أن حفظَ بُنيان المسلم من أعظم المصالِح التي دلَّ عليها الشارِعُ الحكيم، وأن انتهاكَه من أعظم المفاسِد التي حذَّرَ منها، وقتلُ النفس المُحرَّمة جزءٌ من ذلكم، وفي هذا من الظلمِ والنِّكايةِ ما لا يخفَى على بشر.
وقد قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: "وإعدامُ البِنيةِ الإنسانية غايةٌ في ذلك".
وقتلُ النفس المعصومة كبيرةٌ من كبائر الذنوب؛ فقد قال - جل وعلا -:
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)
[النساء: 93]،
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«لَزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتلِ رجلٍ مسلمٍ»؛
رواه الترمذي.
وقال - صلوات الله وسلامه عليه -:
«لو أن أهلَ السماء وأهلَ الأرض اشترَكوا في دمِ مؤمنٍ لأكبَّهم الله في النار».
وقد قال - صلوات الله وسلامُه عليه -:
«يجِيءُ المقتولُ يوم القيامة آخِذا رأسَه بيمينِه تشخُبُ أوداجُه في قِبَلِ عرش الرحمن يقول: سَلْ هذا: فيمَ قتلَني؟!»؛
رواه أحمد.
ألا فليتَّقِ اللهَ أولئك الظالمون المُتهوِّرون الذين يُصوِّبون فُوَّهات بنادقهم وأسلحتِهم إلى صُدور إخوانهم وبني مجتمعهم؛ فيقتُلون ويُسرِفون في القتل، ويرتكِبون أبشعَ الجرائِم والمجازِر، فلا يرعَون حُرمةَ دمٍ ولا مالٍ ولا ولد، كل ذلك لأجلِ عَرَضٍ من الدنيا زائِل، قدَّموا مصالِحَهم على حُرمات العباد، حتى لقد صارَ إهراقُ الدمِ عندهم أهونَ من قتل البَعوضة. وتاللهِ وباللهِ؛ فإن هذا لهُو البَوارُ والخُسران،
(وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)
[العنكبوت: 13].
إن القاتل مسجونٌ ولو كان طليقًا، مهمومٌ ولو بدَتْ نواجِذُه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«لن يَزالَ المؤمنُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا»؛
رواه البخاري.
وقد قال ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -:
"إن من وَرطات الأمور التي لا مخرجَ لمن أوقعَ نفسَه فيها سفكَ الدم الحرام بغير حِلِّه".
وعند الله تجتمعُ الخُصوم.
ألا فليتَّقِ الله الذين يقتُلون إخوانَهم في بُلدانهم، ألا فليتَّقوا الله، ألا فليتَّقوا الله، ألا فليتَّقوا الله.
هذا؛ وصلُّوا - رحمكم الله - على خيرِ البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسِه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب : 56]،
وقال - صلوات الله وسلامه عليه -:
«من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيِّك محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، وفُكَّ أسرَ المأسُورين، يا ذا الجلال والإكرام يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ إخواننا المسلمين في كل مكان؛ في مصر، وسُوريا، واليمن، وليبيا، وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة : 201].
سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين







  رد مع اقتباس
قديم 08-10-2011, 11:52 AM   #47
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف بتاريخ 9/11/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "نعمة العقل وكيفية الانتفاع بها"،
والتي تحدَّث فيها عن نعمة العقل ووجوب شكر الله على تلك النعمة، وألمحَ إلى صورةٍ
من عدم تحكيم العقل، وهي ما وقع من شباب مغرر بهم في هذه الأيام في شرق المملكة
من إحداث شغَبٍ وفوضَى، وحذَّر من سُلُوك هذه المسالِك لما لها من عاقبةٍ وخيمة،
وأشادَ بجُهود العلماء والحُكَّام ومدى عِظَم مسؤوليتهم تجاه رعاية البلاد ومصالح العباد.



الحمد لله العليمِ بذات الصدور، يُعِزُّ من يشاءُ بطاعته، ويخذُلُ من يشاءُ بمعصيته،
فمن أطاعَ ربَّه فهو المنصُور، ومن أعرضَ عن كتابِ الله فهو المقهورُ المبتُور،
أحمد ربِّي وأشكُرُه، وأتوبُ إليه وأستغفِرُه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيزُ الغفور،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ بالهُدى والنور،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ،
وعلى آله وصحبه السابقين إلى عملٍ مبرُور.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعُوه، واحذَروا غضبَه فلا تعصُوه.
عباد الله:
اذكُروا نعمَ الله - تبارك وتعالى - عليكم، واشكُروه على ما منَّ به عليكم من النعَمِ التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى.
ألا وإن من أعظم النِّعَم: نعمةَ العقل الذي يُميِّزُ به الإنسانُ بين الحق والباطل،
وبين الخير والشرِّ، ويُميِّزُ بهذا العقل بين النافعِ والضار.
العقلُ غريزةٌ ونورٌ وقوة أودَعَه اللهُ بدنَ الإنسان يُدرِكُ به الصلاحَ من الفساد،
ويُدرِكُ به المعلومات الصحيحةَ النافعة والمعلومات الخاطئة، ويُفرِّقُ به بين الذَّوَات،
ويُناطُ به التكليفُ الذي يترتَّبُ عليه الثوابُ والعِقاب.
والعقلُ مقرُّه القلب كما دلَّ على ذلك الكتابُ والسنة،
قال الله تعالى:

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)
[الحج: 46]،
وقال تعالى:

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا)
[الأعراف: 179]،
وقال تعالى:

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)
[ق: 37].
قال المُفسِّرون: "لمن كان له عقلٌ".
وعن أبي شُريحٍ الخُزاعِيّ - رضي الله عنه - قال: "حدَّثنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
حديثًا سمِعَته أُذنَايَ ووعَاهُ قلبي"؛
رواه البخاري ومسلم.
وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما -
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«ألا وإن في الجسَد مُضغَة إذا صلُحَت صلُحَ الجسدُ كلُّه،
وإذا فسَدَت فسَدَ الجسَدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ»؛
رواه الشيخان.
والعقلُ وإن كان مقرُّه القلب فله تعلُّقٌ وارتباطٌ بالدماغ وثيقٌ يتصرَّفُ فيه.
ومن مدارك الإنسان وأسبابِ معرفته وعلمِه: السمعُ والبصر والعقل؛
قال الله تعالى:

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
[النحل: 78]،
وقال تعالى:

(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)
[المؤمنون: 78].
وما من أحدٍ ركَّبَ الله فيه العقل إلا وهو يُدرِكُ الحقَّ والباطِلَ إذا بُيِّنا له، إذا سلم من المُؤثِرات والصوارِف، وفي الحديث: عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«كلُّ مولودٍ يُولَد على الفِطرةِ، فأبَواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه»،
وفي الحديث القُدسي:

«قال الله تعالى: خلقتُ عبادي حُنفاءَ، فجاءَتهم الشياطين فاجتالَتهم».
وما دعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا وبيَّن له دينَ الإسلام إلا استجابَ له
وانقادَ بحبٍّ ورغبةٍ وانشِراحِ صدرٍ، وعلِمَ بقلبِه أنه الحق،
ومن لم يستجِب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعرضَ عن بيِّنةٍ وعنادٍ واستِكبار،
أو أعرضَ عن تقليدٍ للكُبَراء وتمسَّك بموروثاتِ العادات الضالَّة،
قال الله تعالى:

(فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)
[الأنعام: 33]،
وقال تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ)
[محمد: 25]،
وقال تعالى:

(وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا)
[الإسراء: 46]،
وقال تعالى عن المُقلِّدين:

(إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ)
[الصافات: 69، 70]،
وقال تعالى:

(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66)
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67)
رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)
[الأحزاب: 66- 68].
وكذلك حالُ المُكلَّفين والمدعُوِّين إلى كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
فالمُستجيبُ فاز بخيرَي الدنيا والآخرة، والمُعرِض أعرضَ عن بيِّنةٍ وعنادٍ وكِبرٍ،
أو أعرضَ تقليدًا لشياطين الإنس والجن، فخابَ المُعرِض وخسِر الدنيا والآخرة،
قال الله تعالى:

(لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)
[الرعد: 18].
فالذي لم ينتفِع بعقله في معرفة الحق والعمل به، ومعرفة الباطلِ واجتنابِه، والعلمِ بالخيرِ
والمُسارعةِ إليه والعلم بالشرِّ وبُغضِه والابتِعادِ عنه، فهو من الخاسِرين،
لا فرقَ بين أن يكون تابِعًا أو متبوعًا، أو مُقلِّدًا أو مُقلَّدًا؛ فمن عطَّلَ عقلَه عما خلقَه الله له شقِيَ
في الدنيا وخَزِيَ في نار جهنم، ولا ينفعه ما تمتَّع به في الدنيا،
وسيندَم في يومٍ لا ينفعُ فيه الندَمُ والحَسرة إذا لقِيَ مصيرَه الأبدِيّ،
قال الله تعالى:

(وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ)
[الملك: 10، 11].
وقد جعل أعداءُ الحق بين عقول الناس وبين الكتاب والسنة سُدودًا وموانع لئلا يهتدِيَ
الناسُ بالكتاب والسنة، ومهما صدُّوا عن سبيل الله فالله غالبٌ على أمره،
ومهما أقاموا من الموانع عن الحق وزيَّنوا عن الباطل فحُجَّةُ الله قائمة، ولا يهلِكُ على الله إلا هالكٌ.
أيها الناس:
ألا وإن مما يتَّصِلُ بما نحنُ فيه من الانتفاعِ بالعقل وتحكيمه بتجرُّدٍ في الأمور:
ما وقعَ في هذا الأسبوع من فتنةٍ في قريةٍ من قُرى شرق المملكة، قام بها شبابٌ مُغرَّرٌ بهم،
استخدَموا في هذه الفتنة درَّاجاتٍ ناريَّة وقنابل، وقاموا بُارة شغَبٍ وفوضى
روَّعَت المواطنين الذين في تلك القرية.
فقام رجالُ الأمن المُجاهِدون في سبيل الله، المُرابِطون لنُصرة الإسلام،
المُتصدُّون لفتنةِ كلِّ مُجرمٍ مُفسِدٍ يُريدُ أن ينشرَ الفوضَى ويمسَّ أمنَ المُواطنين والمُقيمين،
قاموا بإطفاءِ تلك الفتنةِ الخاسِرة الخائِبة، وأُصيبَ بعضُ رجال الأمن، شفاهم الله من جِراحهم،
وأثابَهم الله أحسنَ الثواب على صدِّهم الباطِل، ودحرِهم للمُفسِدين.
وإننا إذ نستنكِرُ هذا العملَ المُفسِد وهذا الإجرامَ الشنيعَ نعلمُ أن هؤلاء الرِّعاع والغَوغاء
لو حكَّموا عقولَهم، وفكَّروا في قُبحِ وشناعة الفوضى والتخريب، وفكَّروا بعقولٍ مُتجرِّدةٍ
من الهَوى في عواقبِ الأمور لما ارتكَبُوا هذه الجرائم،
ولا سيَّما ونحن على أبواب الحج وفي الشهر الحرام، واستنكارُ كُبرائهم هذا العملَ الإجراميّ في محلِّه،
ولكن لا بُدَّ أن يكون مع القولِ أعمالٌ تُصدِّقُه، ونوايا حسنة،
وعلامةُ ذلك: ألا يتكرَّرَ هذا الشغَبُ والفَوضَى.
وإلا فما أشبَه الحال بما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - في فتح مكة،
قال: فنظرَ إليَّ رسولُ الله فرآنِي،

فقال: «أبو هريرة!».
قلتُ: لبَّيك يا رسول الله،
قال: «اهتِف، ولا يأتيني إلا أنصاري»،
فأطافُوا به، ووبَّشَت قريشُ من أوباشٍ لها وأتباع، فقالوا: نُقدِّم هؤلاء،
فإن كان لهم شيءٌ كنا معهم، وإن أُصيبُوا أعطينا الذي سُئِلنا،
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -

: «ترَونَ إلى أوباشِ قُريش وأتباعهم؟»،
ثم قال: «احصُدوهم حصدًا حتى تُوافُوني على الصفا»،
قال: فما قام لنا أحد؛ رواه البخاري ومسلم.
وأما الشبابُ المُغرَّرُ بهم والمُتورِّطون في هذه الفتنة والتخريب وفي أنواعٍ منها،
أما هؤلاء الشباب من هذا النوع فليُعرَض عليهم التخلِّي عن الجنسيَّة التي هي شرفٌ لهم،
ولا يستحقُّها من يقومُ منهم بهذه الأفعال الإجرامية، وليُعطَ فرصةً لزيارةِ أبي صالح في سِردابِ
سامُرَّاء ما دام ولاؤُه لأبي صالحٍ وليس ولاؤُه لله ولرسولِه - صلى الله عليه وسلم -،
ثم لخادِمِ الحرمين الشريفين ووُلاة أمر هذه البلاد.
ولعلَّ أبا صالح محمد بن الحسن العسكري الذي يزعُمون أنه المهدي المنتظَر في السِّرداب،
لعل يجعلُهم نُوَّابًا في الأقاليم، ولعلَّهم يُخبِرونه بأن الخليفةَ العبَّاسي مات وذهب،
وذهبَت دول وجاءت دول، فيذهبُ الخوفُ من قلبه، ولعلهم يُخبِرونه بأن أتباعَه كثيرٌ،
ولعلهم يقولون له: ستفتَحُ لك الدولُ التي تُؤمنُ بك خزائنَ الأموال،
ولعلهم يطلبُون منه أن يُخرِجَ القرآنَ الذي يزعُمون أنه دخل معه السِّرداب،
وأنه لا يخرج ولا تراهُ الأمةُ إلا إذا خرَج.
ويزعُمون أن هذا القرآن الذي معه في السِّرداب مُخالفٌ للقرآن الكريم الذي نقلَه لنا الصحابة،
والذي يحفظُه كلُّ جيلٍ من المسلمين بالتواتُر، ولعلهم يقولون له: اخرُج لتملأ الأرضَ عدلاً،
ومن أظلمُ ممن يُخفِي القرآنَ في السِّردابِ عن الأمة لو عقَلوا.
آمنتُ بالله وملائكته وكتبِه ورُسُله واليوم الآخر وبالقدر خيرِه وشرِّه،
وكفرتُ بالعقيدةِ الباطلَة الفاسِدة الكاسِدة.
وعقيدةُ ولاية الفقيه شرٌّ من عقيدة الإيمان بمحمدِ بن الحسن العسكري المزعوم بأنه المهدي المُنتظَر.
ومن عجائب الضلال والشركِ بالله - تبارك وتعالى -: أنهم يدعُونَه من دون الله،
ويعبُدونَه من دون الله، ويرفَعون إلى هذا المهدي المُنتظَر في السِّردابِ
الذي يزعُمون - محمد بن الحسن العسكري -، يرفَعون إليه الحوائِج، ويدعُونَه في كشفِ الكُرُبات،
ويدعُونَه لطلبِ الولدِ والرزق، وإذا ذكَرُوه فإنهم يدعُون لهم بأن يُعجِّل الله فرَجَه!
فإذا كان في كربٍ عظيمٍ وفي كُرُباتٍ طِوالَ هذه المُدَد والسنين والمئات من السنين زادَت على الألف،
ويزعُمون أنه في السِّرداب وفي كربٍ عظيم، كيف يُدعَى له بالفَرَج؟!
وإذا كان عاجِزًا عن فرَجِ نفسِه وعن تفريج الكُرُبات عن نفسه؛
فكيف يستجيبُ لمن يدعُوَه من دون الله، ويسألَه من دون الله؟!.
ألا يرضَون بأن يعبُدوا ربَّ الأرض والسماوات؟!
قال - تبارك وتعالى -:

(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ)
[الأحقاف: 5، 6].
وعقيدةُ ولاية الفقيه شرٌّ من عقيدة الإيمان بمحمد بن الحسن العسكري المزعوم بأنه المهدي
المُنتَظَر بأدلَّةٍ كثيرةٍ لا يأتي عليها الحصرُ، وآلُ بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -
بُرآءُ من عقائد الروافِض كما بَرِئَ منها الصحابةُ - رضي الله عنهم -.
فما دامَ هؤلاء يتصرَّفون باسمِ أبي صالح وثوراتُهم لأجله وهو معدومٌ لم يُولَد أصلاً -
كما في كتاب "الكافي"، وهو عُمدتُهم -، فأعطُوهم فرصةً لزيارته لينظرُوا!
وأما الدولةُ الخارجيةُ التي غرَّرَت بهؤلاء الشبابِ فخيرٌ لها أن تعدِلَ في رعاياها وتُقبِلَ على شأنها
وإصلاح أمورها على الحق والعدل، والحقُّ والواجبُ عليها أن تُنصِفَ أهلَ السنة وتعدِلَ فيهم،
وتكُفَّ عن التنكِيلِ بهم، وتُمكِّنَهم من الجُمعة والجماعة، ومُمارَسَة الدين الإسلامي الحق
في عاصمتها وفي غيرها.
والروافضُ الشيعةُ في عهد خادمِ الحرمين الشريفين - حفظه الله -،
وفي عهود من قبلَه من مُلوكِ هذه الدولة مُتمتِّعون بحقوق المُواطَنة،
وقد نالُوا من هذه الدولة خيراتٍ لا تُعدُّ ولا تُحصَى، وشاهدُ الحال يُصدِّقُ
ذلك بالنظرِ إلى حالهم قبل هذه الدولة.
وننتظرُ من مُنظَّمة المؤتمَر الإسلامي أن تقول كلمةَ الحق في المُمارَسات المُنافِيَة للإسلام،
ولا بُدَّ أن تُحذِّرَ هذه المُنظَّمة الدُّولَ الأعضاء من التدخُّلات السافرة من بعض أعضائها
على سِيادَة الدول الأعضاء، ومملكةُ البحرين لا تزالُ أحداثُها ماثِلة،
ولا يزالُ حُكَّامُها يُعانُون من التدخُّل في شُؤونِها.
ومن أجل ذلك طلبَ حُكَّامُ البحرين الاستعانةَ بإلحاحٍ من أشقائهم
وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله -،
لولا اللهُ ثم هذه الاستعانة لوقعَت كوارِثُ للمنطقة لا يعلمُها إلا الله.
ومن لم يلتزِم من الدول الأعضاء بمبادئ مُنظَّمة المؤتمَر الإسلامي فيُستبعَد من المُنظَّمة.
كما ننتظِر من علماء المسلمين في العالَم الإسلامي أن يعقِدوا مُؤتمرًا في رابطةِ العالمِ الإسلاميِّ
يُعالِجونَ فيه مشاكلَ المسلمين، ويُدينونَ مثلَ هذا الشغَب والفوضَى في المملكة؛
فأمنُ المملكةِ العربية السعودية أمنٌ للعالم الإسلامي،
ويُحذِّرون من كل دعوةٍ مُعاديةٍ للإسلام بصراحة القول بعيدًا عن المُؤثِّرات الأخرى.
والمملكةُ العربية السعودية لا تحتاجُ في الدفاع عنها إلا إلى الله - تبارك وتعالى -،
والله ناصرُ من ينصُرُ دينَه،
قال تعالى:

(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
[الحج: 40]،
وقال - تبارك وتعالى -:

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)
[المجادلة: 20، 21].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،
ونفعنا بهدي سيد المُرسَلين،
أقول قولي هذا وأستغفرُ الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، اتقوا الله حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
أيها الناس:
يقول ربُّكم - جل وعلا -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
[الحشر: 18].
أيها المسلمون:
صِنفان من الناس إذا صلُحا صلُحَت الأمة: الأُمراء والعلماء، فعلى الحُكَّام وعلى العلماء
تقعُ المسؤوليةُ على عواتِقهم عن أمر هذه الأمة، فليتَّقوا الله - تبارك وتعالى -،
وإذا وقع الخَلَلُ من أحدٍ منهما فإنه يقَعُ من الشر بمقدار ذلك التقصير.
والعلماءُ ورَثةُ الأنبياء، والحُكَّام نُوَّابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يُصلِحون ويُرشِدون الناس،
ويُلزِمونَهم بالحق، ويكُفُّونَهم عن الباطل، والعلماءُ يُعينُونَهم على كل ما فيه الخيرُ لأمة الإسلام،
فإنه لا بقاءَ لها ولا صلاحَ لها ولا خيرَ في هذه الأمة إلا بأن تكون مُتمسِكةً بدينها،
مُتعاوِنةً على البرِّ والتقوى، وليقِفوا صفًّا واحدًا أمام كلِّ مُفسِد، وأمام كلِّ مُجرِم،
وأمام كلِّ دعوةٍ تُضادُّ دينَ الله - تبارك وتعالى -.
قال - عز وجل -:

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)
[آل عمران: 103].
عباد الله:
إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه،
فقال - عزَّ وجل -:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56].
فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين،
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد،
اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد،
وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين:
أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيِّك أجمعين،
وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمِك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارضَ عن الصحابة أجمعين، اللهم ارضَ عن الحسن والحُسين،
وعن فاطمة البتُول فاطمة بنت الرسول، اللهم وارضَ عن آل بيتك الطيبين الطاهرين يا رب العالمين،
اللهم وارضَ عن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بمنِّك وكرمِك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيِّك يا ذا الجلال والإكرام،
اللهم أظهِر وانصُر هديَ نبيِّك محمد - صلى الله عليه وسلم -،
اللهم اقمَع البِدَع،
اللهم أذِلَّ البِدَعَ إلى يوم الدين،
اللهم أذِلَّ البِدَعَ
التي تُحارِبُ دينَك يا رب العالمين إلى يوم الدين يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم عليك بالسَّحَرة، اللهم دمِّرهم، اللهم عامِلهم بما يسوؤُهم في كل شيء،
اللهم عامِلهم بما يُغيظُهم في كل شيء، اللهم أبطِل كيدَهم، اللهم أبطِل مكرَهم،
اللهم اجعل شرَّهم مُحيطًا بهم، اللهم لا تُسلِّطهم على مسلمٍ يا رب العالمين،
اللهم احفظنا واحفظ ذرياتنا من شرِّهم يا رب العالمين، واحفظ المسلمين من شُرورهم.
اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا، اللهم يا ذا الجلال والإكرام دمِّرهم تدميرًا يا رب العالمين يا قويُّ يا عزيز.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك،
واجعل عملَه في رِضاك، وأعِنه على ما فيه الخيرُ والصلاحُ للبلاد والعباد يا رب العالمين،
اللهم انصُر به دينَك، وأعلِ به كلمتَك يا رب العالمين، اللهم وفِّق نائبَيه لما تحبُّ وترضى،
ولما فيه عزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين يا رب العالمين.
اللهم أغِثنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
وأعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ، اللهم يا رب العالمين نسألك أن تُحسِن عاقِبتَنا في الأمور كلها،
وأجِرنا من خِزيِ الدنيا وعذابِ الآخرة.
اللهم احفظنا وذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه وجُنوده،
اللهم احفظ المسلمين يا رب العالمين من إبليس وذريَّته إنك على كل شيء قدير.
عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)
[النحل: 90، 91].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم،
ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 08-10-2011, 11:55 AM   #48
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 9/11/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "اقتضاءُ القولِ العمل"،
والتي تحدَّث فيها عن وجوب موافقة القول للعمل وعدم مخالفة ذلك؛
لما ورد في الكتاب والسنة من العقاب والمقت الشديد لمن فعل ما يُخالِفُ قولَه،
وقد زيَّن خُطبتَه ببعض الآيات المبارَكات والأشعار والحِكَم المأثورات عن ذلك.



إن الحمد لله، نحمده ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه سبحانه وبحمده لم يزَلْ للثناءِ والحمدِ مُستحِقًّا،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خصَّنا بشريعةٍ غرَّاء هي المَعينُ السَّلسالُ الأبقَى،
من اعتصمَ بها ظاهرًا وباطنًا توقَّى وفازَ وترقَّى،
وأشهد أن نبيَّنا وحبيبَنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أزكى البريَّةِ سرًّا وعلانيةً وأتقى،
صلَّى الله وبارَكَ عليه، وعلى آله الحائزين المكارِمَ أصلاً وسبقًا،
وصحبِه البالغين من ذُرَى الدين المقامَ الأرقى،
والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ يرجو في الجِنانِ أهنَا ملقَى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما أعقَبَ ودقٌ برقًا.
أما بعد، فيا عباد الله:
اتقوا الله حقَّ التقوى، اتقوه - جلَّ جلاله - مخبرًا ومظهرًا تُحقِّقوا عزًّا ترى ما أبرهًا، وتحُوزوا مجدًا أظهرًا، وتستعيدوا سُؤددًا غابرًا أزهرًا،

(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)
[الطلاق: 5].
فما أروعَ الأيام إن زانَها التُّقَى
وأضحَت مساعِي الجمعِ محمودةَ العُقبَى
ففي تقوى الإلهِ السنيَّةِ حلَّقَت
نفوسٌ إلى عليَائِها تنشُدُ القُربَى
أيها المسلمون:
في عصر الماديات واعتسافِها، وذُبُولِ الروحِ وجفافِها، واجتِثاثِ كثيرٍ من القِيَم وانتِسافِها،
وشُرُودِ النفوس دون صحيحِ التديُّنِ وانصِرافِها؛ تغلغَلَت في الأمةِ آفةٌ قَحِلَة، جَرذَاءُ محِلَة،
برَّحَت بالأمةِ وأوهَتها، وطوَّحَت بها وأضنَتها، كيف وإنها لتبُكُّ الفيالِقَ المُجنَّدَة والقواضِبَ المُهنَّدة؛
لذلك حذَّر منها الباري وندَّد، أكبَرَ في أمرها المقتَ وشدَّد، تلكم هي - حماكم الله -:
الانفِصامُ بين العمل والقول، وما أشنَعه من هَوْل،
وتبايُنُ الخُبُر عن الخَبَر في انحرافٍ عن سَوِيِّ الفِطَر،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)
كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)
[الصف: 2، 3].
الله أكبر! فكم هم الذين يجمَعون في ذواتِهم الصفات المُتناقِضات دون تأثُّمٍ وحرجٍ،
سائرين إلى ربِّهم في ضلَعٍ وعِوَج، فكان ذلكم الانفِصامُ الوَبِيء بين العقيدةِ والقِيَم،
والعبادات والأخلاق، والشعائرِ والمشاعِر سببًا في تقهقُرِ أمتنا
وعجزِها عن بلاغِ رسالتِها في العالمين.
إخوة الإيمان:
ولتحقيق معالمِ الكمال الربانية للشخصيةِ المُسلِمة السويَّة جاء الإسلامُ بجمهرةٍ من الضوابطِ
الخُلُقية والفكرية والآداب النفسية والاجتماعية لاستبقاءِ التديُّن حقًّا شفيفًا مُزهِرًا في الجَنان،
حقيقةً مُثمِرةً في الأركان، حقيقةً مُؤتلِقَةً في العِيان، يقول - سبحانه -
عن نبيِّه شُعيب - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -:

(وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)
[هود: 88]،
وهؤلاء رُسُل الملك العلاَّم هم قُدوةُ الأنام

(فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
[الأنعام: 90].
في الأثر عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال:
"إن الناسَ قد أحسَنوا القولَ؛
فمن وافقَ قولُه فعلَه فذاكَ الذي أصابَ حظَّه،
ومنن خالَفَ قولُه فعلَه فذاكَ إنما يُوبِّخُ نفسَه".
إذا نصَبوا للقول قالوا فأحسَنوا
ولكنَّ حُسنَ القولِ خالَفَهُ الفعلُ
نعم - يا رعاكم الله -؛ كم تستبيكَ الأقوالُ المُخرفَةُ المُبهرَجة، وما هي في الحقيقةِ
- إذا عجَنتَ صاحبَها - إلا الهباءُ تذرُوهُ الرياح، وتأسِرُكَ النظرياتُ المُطرَّزة،
وما هي - إذا بلوتَ تالِيَها - إلا النُّكرُ والجُناح، فالقائلُ بليغٌ مُفوَّه، والحديثٌ آسِرٌ مُموَّه،
والفعلُ - من أسفٍ - خِداجٌ مُشوَّه، يُظهِرُ باللسان الأُخُوَّةَ المَديحة، ويُبطِنُ بالفِعال العداوةَ الصريحَة،
وقد كشفَهم الحقُّ في قوله - جلَّ جلاله -:

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ)
[البقرة: 204].
أما دَرَى هؤلاء أن امتثالَ الأحكام بالأركان أجلُّ من الحديثِ عنها بصَوغِ اللسان؟! شتَّان بينهما شتَّان!
والقولُ ما لم يكن بالفعلِ مُقترِنًا
فإنه عَرَضٌ في حيِّزِ العَدَمِ
وفي مأثورِ الحِكَم: "القولُ خُلَّب، والفعلُ قُلَّب، وأصدقُ المقال ما نطَقَت به صورُ الفِعال".
أمة الإسلام:
الحديثُ عن آفةِ الانفِصالِ في الأقوال والأفعال والتبايُنِ بينهما دون استِحكام مُرُّ المذاق،
مُجرٍ لعَبَراتِ الأحداق، فكم هم الذين ظاهِرُهم الديانة انحرَفوا في مسائل الاعتقاد،
فاستغاثُوا بالرُّفاتِ يرجُونَهم قضاء الحاجات وتفريجَ الكُرُبات،
وهذا الاعتقادُ الفاسِدُ خالَفَ الظاهِرَ الكاسِد.
وآخرُون يُعدُّون في الأفاضِلِ الأخيار، إذا لاحَ لهم عَرَضٌ من الدنيا مشبُوه أجلَبوا عليه بخيلِ التأويل،
واستحَلُّوه بكل دليلٍ وتعليل، ونبَذُوا اتِّقاءَ الشُّبُهات ظِهرِيًّا، وغَدَا ما يدعُون إليه
من الورَع نسيًّا منسيًّا، وعلى سَنَنهم: من يتأوَّلُ النصوصَ مُترخِّصًا،
ويفتَئِتُ على الله مُتخرِّصًا.
وآخرُون ظاهرُهم الخيرُ والصلاح، والرَّصانةُ والسماح، إذا انفَتَلَ أحدُهم إلى بيتِه أمسَى شرُّه مُستطيرًا،
ومُحيَّاه عَبوسًا قمطريرًا، واستغلَّ قِوامَته في حقٍّ غير مشروع؛
فأرهَقَ أهلَه واستولَى على حقوقِهم غيرَ عابِئٍ بنَصَبِهم وكَلالِهم.
وذلك هو اللُّؤمُ المرذُول، والتديُّنُ الآثِمُ المدخُول، وقد يُبادَلُ بالنُّشوزِ والإهمال،
وتضييعِ الواجباتِ والإغفال، في انفِصامٍ زَمِل بين العبادات والقِيَم،
وما يكون في المسجد وكما يحدُثُ في البيوت والأسواق وصور التعامُل وغير ذلك من مظاهر
تخفَى وراءها غُرَرٌ تقشعِرُّ لها الأبدان، وعِلَلٌ تثلِمُ الأديان.
ربَّاه ربَّاه؛ أيُّ أقوالٍ مُتعاكِسة وأفعالٍ مُتشاكِسة طوَّحَت بفِئامٍ في دَيجُورِ الهَوالِك الحَوالِكِ.
إذا فعل الفتَى ما عنه يُنهَى
فمن جهتَين لا جهةٍ أساءَا
وفي أمثال هؤلاء يقول الإمام العلامة ابن القيم - رحمه الله -: "ومن العجب أن ترى الرجلَ
يُشارُ إليه بالدين والزُّهدِ والعبادة وهو يتكلَّمُ بالكلمات من سخَطِ الله لا يُلقِي لها بالاً،
يذِلُّ بالواحِدة منها أبعدَ ما بين المشرقِ والمغربِ". اهـ كلامُه - رحمه الله -.
فهل يعِي ذلك الزاعِمون التحقُّق بالدين وهم طعَّانون في فُضلاءِ الأمةِ وأخيارِها،
مُتنقِّصون لسلَفِها ورُمُوزها، مُتنحِّلين لهم المَثالِب مع إشهارِها، يُذكُونَ الفتنَ دونهم،
والعامةُ بالتبجِيلِ والحُبِّ يرمُقُونَهم؛ بل حازُوا الفضلَ برُمَّته، والنُّبلَ بأزِمَّته.
أليس المؤمنُ الصدُوقُ مظهرًا ومَخبرًا يُبصِرُ الحقَّ فيرتَقِيه، ويلحَظُ الباطلَ فيتَّقيه؟!
بلى وربَّي.
والغريبُ: ظنُّهم أن أعمالَهم على سَنَنِ السَّدادِ والصواب، وقَبُولُها أدنَى من القَاب،
وهي - لفَرَطاتِهم وانفِصامهم - أنأَى عن الحقِّ من العُقاب، في خلطٍ عجيبٍ ازدَوَجت
فيه المعايير بين الأُصولِ والفروع، والقطعيَّات والظَّنِّيات، والمُسلَّماتِ المُحكَمات والمُتشابِهات،
والكُلِّيات والجُزئيَّات، والعبادات والعادات، والثوابِت والمُتغيِّرات.

معاشِرَ الأحِبَّة:
ومما ينسلِكُ في ازدِواجِ الأقوالِ مع الفِعال: المُزايَدةُ على قضايا المرأة،
وإثارةُ النَّقْع حولها من قِبَلِ فضائيَّاتٍ مأجورة، وأقلامٍ مسعُورة، تُظهِرُ القولَ النفيس،
وتُبطِنُ الزَّيفَ والتدليس.
وهيهَاتَ هيهَات! فشريعتُنا الغرَّاءُ - بحمد الله - كفَلَت للمرأةِ مكانتَها الاجتماعية المُؤثِّرةَ الأثِيلَة،
الفاعِلَةَ الجليلة عُنصرًا في الأمة نهَّاضًا بالعِبئِ بما يُلائِمُ طبيعتَها وأُنوثَتَها
على هديِ المقاصِد الكُليَّة والضوابطِ الشرعيَّة، ولكن لله دَرُّ القائل:
وعُذرُهم حَتمٌ عليَّ، فالزَّمَن
فيه السليمُ، والمُلِيمُ، والزَّمِن

فعلى رِسْلِكم أيها المُزايِدون على رسالة المرأة، المُتبَاكُون على قضاياها، ويا مَن يرسُفُون
في رِبقَةِ الازدِواجيَّةِ أكْتَع: ليكُن مِلئَ عيونكم وهتْفَ أرواحِكم قولُ المولى - عزَّ وجل -،
لتُحقِّقوا من زَكاءِ النفس أعظمَ أمل،
يقول - سبحانه -:

(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ)
[البقرة: 235].
أمة الإسلام:
ومما أجرى شَآبيبَ المَدمَع وأغمَّ وزَعزَع: تديُّنٌ مغشوشٌ من بُغاةٍ وطُغاةٍ أحالُوا شُعوبَهم إلى البَوَار،
واعتَسَفوهم بالحديد والنار دون وَجَلٍ من المُنتقِمِ الجبَّار، أو خَفقَةٍ إنسانيَّة تُخفِّفُ ذيَّاكم التسلُّطَ الكُبَّار،
مُتشدِّقين بحفظِ النظام وبَسطِ الاستقرار.
فسبحان الله - عباد الله -؛ أما لهذا الطغيان من حدٍّ، أم لهذا الظلم لإخوانكم من ردٍّ؟!
أيُّ عدوانٍ صلِفٍ مَهول، بل أيُّ عُتاةٍ أشبَهوا بَأْوَ التتار والمَغول؟!
فإلى الله المُشتَكى، إلى الله المُشتكى، ولا حول ولا قوةَ إلا بالله تفجُّعًا واستفظَاعًا،
وارتِياعًا واستِرجاعًا.
هذا؛ وإن العالمَ ليَحدُوه الأملُ في استئنافِ وتفعيلِ تنفيذِ مُبادَرة قيادةِ هذه البلاد المُبارَكة الكريمة
الحكيمة في حقنِ دماءِ المُسلمين، ونَزعِ فتيلِ القمعِ والتقتيل للأبرياء المُضطهَدين والعُزَّلِ المقهورِين،
لِما لهَا - بفضل الله - من الثِّقَلِ السياسيِّ والتقديرِ العالمِيِّ الدوليّ،
وكذا في الأقطار التي امتَطَت للتفاوُض البارُودَ والنار.
دُمتُم للأمة رُوَّاد تراحُمٍ وسلام، وقادةَ عِزٍّ للمؤمنين ووِئام.
أما دُعاة الفِتنة، ومُثيرُو الشَّغَب ومن يقِفُ وراءَهم، والمُخِلُّون بالأمنِ والاستِقرار،
والسَّاعُون بالفسادِ والفوضَى المُشهِرون للسلاح، المُقوِّضون لوحدَة البلاد الشرعية والوطنية،
المُفتَاتون على ولاةِ الأمر، المُفارِقون للجماعة، فلا مكان لهم في بلاد الحرمين - حرسَها الله -،
بلاد التوحيد والوَحدة، ومهدِ السنةِ والجماعة، ولن يُؤثِّروا - بفضل الله ومَنِّه -
على منظُومةِ لُحمَةِ بلادنا المُتألِّقة ونسيجِها الأمنِيِّ المُتميِّز،

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)
[الأنفال: 30].
وبعدُ، أحبَّتنا الأكارم:
فهُنا استِصراخٌ للأفراد والجماعات، والأُمَم والمُجتمعات، أن لا بُدَّ من الأَوبَةِ إلى الشفافيَةِ والسَّدادِ،
وامتِثالِ طرائقِ الواقعيَّةِ والرَّشاد، فلطالَما غرِقَ أقوامٌ في لُجَجِ المُداجاةِ والخِداع،
ولشَدَّ ما استحكَمَت فيهم آفةُ الاستئذابِ في الطَّباعِ، فتردَّوا في بئيسِ الضياع.
وأن لا بُدَّ أيضًا أن يكون منكم بحُسبان كونُ عظمةِ المُسلمِ في إشراقِ رُوحه، ونقاوَةِ جوهره،
ومِصداقيَّةِ قولِه، ونَصاعَة مظهَرِه، وتألُّقِ وسطيَّتِه واعتِدالِه، قد تأرَّجَت بالصَّفاءِ جَداوِلُ وُرودِه،
وتفتَّحَت على التُّقَى أكمامُ وُرودِه.
فتبارَك ربُّنا الذي يمُدُّ عبادَه المُخلصين بالهُدى والتوفيق، والاستقامة الهاديةِ إلى أبلَجِ طريق،
بذلك تسترِدُّ أمتُنا شرفَها التالِدَ المجيد، وتستنقِذُ عِزَّها الشامِخَ الفريد،
وما ذلك على المولَى القديرِ بعزيز.
وفَّق الله الجميعَ لما يُحبُّه ويرضاه، ووقَانا ما يُسخِطُه - سبحانه - ويأباه، إنه جوادٌ كريم.
أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافةِ المسلمين والمسلمات
من كل الذنوب والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مبارَكا فيه يُبلِّغُنا من الرحمن رِضًا وقُربًا،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً محمودةَ العُقبَى،
وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أزكَى البريَّة رُوحًا وقلبًا،
صلَّى الله عليه وعلى آلهِ الأُلَى فعِمَت قلوبُهم صفاءً وحُبًّا،
وصحابتِه الأبرار السادةِ النُّجَبا القائدين للحق والحقيقة جَحفَلاً لجْبًا، والتابعين
ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، اتقوه في السرِّ والعلَن، واحذَروا مُخالفَةَ الفعل الذميمِ لقولِكم الحَسَن؛
تبلُغوا مرَاضِيَ الرحمن وأعظمَ المِنَن.
إخوة الإيمان:
ولانتِشالِ أمتنا الإسلامية من أوهاقِ الازدِواجيَّة والانفِصام إلى إحكامِ التوازُنِ والانسِجام
بين الفِعالِ والأقوال؛ لزِمَ بناءُ الشخصيةِ القُدوةِ الحانِيَة والأُسوَة المُتجرّدة البانِيَة،
ذات المعدِن الزكِيِّ العريق، المُتجذِّرِ الوَثيق بين الحالِ والمَقالِ والمآلِ، قُدوةٌ أمرُها كنهيِها،
سِرُّها كجهرِها، معًا نبني أجيالاً رِجالاً في الاعتقاد والتصديق، أبطالاً في ميدانِ التحقُّقِ والتطبيق،
يُترجِمون التديُّن الصحيحَ المتين الراسِخَ الرَّصين غلى جلائلِ الأعمال، ونوابِغِ الأقوال،
ومعالِي الكمال، يُناهِضون الادِّعاءَ والرياءَ والنفاقَ، ويجعلونَ الطُّهرَ والألَق ميدانَ تنافُسٍ واستِباقٍ،
لا ترى في خُبْرِهم وخبَرَهم إلا الشفافيَة الصدَّاحَة، وفي مواقِفِهم ومبادئِهم غيرَ المِصداقيَّةِ الفوَّاحَة
التي لا تنبجِسُ إلا عن حقيقةِ الاقتِداء بالحبيبِ المُصطفَى - صلى الله عليه وسلم -، وَفقَ هديِهِ القَويمِ،
على نورٍ من الله الحكيم.
وتلك - وايمُ الحق - من الإسلام دُرَرُه وخلائِقُه، وبدائِعُه وحقائِقُه، وعلى ضوءِ تلك المعايير الدقيقة،
والمضامِين الثمينةِ الَريقَة ستتبوَّأ أمتُنا - بإذن الله - قِمَمَ العِزِّ والإشراق، والشُّمُوال في معارِجِ
الحق والتُّقَى والائتلاق، عملاً واتِّصافًا وابتِدارًا، ودعوةً واعتِزازًا وانتِصارًا،

(وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)
[الصف: 8].
هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على الحبيب المُصطفَى والرسولِ المُقتَفَى خيرِ من دعا للحقِّ فشَفَا،
في الجهرِ والخَفا، كما أمركم ربُّكم - جل وعلا -، فقال تعالى قولاً كريمًا:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56]،
وقال - صلى الله عليه وسلم -:
«من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
وصلِّ إلهِي وسلِّم سلامًا
على أفضلِ الخلقِ ماحِي البِدَع
وآلٍ وصحبٍ وأهلِ صلاحٍ
ومن سارَ في دربِهم واتَّبَع
وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً
وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأدِم الأمنَ والاستقرارَ في رُبُوعِنا،
اللهم احفَظ على بلادنا عقيدَتَها وقيادَتَها وأمنَها واستقرارَها ورخاءَها، اللهم من أرادَنا وأرادَ عقيدَتَنا
وقيادتَنا وأمنَنا بسُوءٍ فأشغِله بنفسه، ورُدَّ كيدَه في نحرِه، واجعل تدبيرَه تدميرَه يا سميعَ الدعاء.
اللهم أدِم على هذه البلاد الخيراتِ والبَركات، حارِسةً للعقيدة والشريعة والفضيلة،
وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفَين لما تحبُّ وترضى،
اللهم خُذ بناصيَته للبرِّ والتقوى، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحة التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه،
اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانَه وأعوانَه لما فيه صلاحُ البلاد والعباد،
يا من له الدنيا والآخرةُ وإليه المعاد.
اللهم احفَظنا في أنفسنا وديننا وأموالِنا وأعراضِنا وعقولنا يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان،
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى من الغاصِبين المُحتلِّين المُعتدين،
اللهم أرِنا بالصهايِنة المُعتدين والطُّغاة الظالمين عجائبَ قُدرتك، يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احقِن دماءَ المسلمين، اللهم احقِن دماءَ المسلمين، اللهم احقِن دماءَ المسلمين في كل مكان،
اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم احفَظ الأمنَ في العراق وفي سوريا وفي ليبيا وفي اليمن وفي كل مكان،
اللهم أدِم الأمنَ والاستِقرارَ في يمَنِنا وشامِنا وكل مكانٍ يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم احفَظ رِجالَ أمنِنا، ودُروعَ وطنِنا، وليُوثَ عرينِنا، اللهم احفَظنا وإياهم من بين أيدينا ومن خلفنا،
وعن أيماننا وشمائِلنا، ونعوذُ بعظَمتك أن نُغتالَ من تحتنا، اللهم اغفر لشهدائهم، اللهم ارحَم شُهداءَهم،
اللهم عافِ جرحاهم، واشفِ مرضاهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر للمسلمين والمُسلِمات، والمؤمنين والمؤمِنات، وألِّف بين قلوبِهم، وأصلِح ذاتَ بينهم،
واهدِهم سُبُل السلام، وجنِّبهم الفواحِشَ والفِتن ما ظهرَ منها وما بطَن.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة،
اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة،
يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201]،

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
[الأعراف: 23].

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ
وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)
[الحشر: 10].

سبحان ربِّك ربِّ العِزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 15-10-2011, 11:22 AM   #49
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف بتاريخ 16/11/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صلاح البدير - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:
"قصة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام"،
والتي تحدَّث فيها عن قصة أبي الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام -،
وذكر ما فيها من عِبَر وعظاتٍ مُستقاة من أحداثها، وذكر ما يُستفاد من الدروس الواقعية
من هذه القصة الفريدة النافعة.



الحمد لله بارئِ البريَّات، غافِرِ الخطيَّات، عالمِ الخفيَّات، المُطَّلِع على الضمائِرِ والنيَّات،
أحمدُه حمدَ مُعترِفٍ بالتقصير، وأستغفِرُه استغفارَ مُذنبٍ يخافُ عذابَ السعير،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحاطَ بكل شيءٍ علمًا،
ووسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وحِلمًا،
وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله نبيُّ الرحمة الداعي إلى سبيل ربِّه بالحكمة،
صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعته أعلى نسَب،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
[آل عمران: 102].أيها المسلمون:
في سِيَر السابقين عِظَةٌ وهداية، وفي قصص الأنبياء عِبرةٌ ودلالة،
وما أحوجَ الأمة إلى النظر في تلك القصص والأنباء؛ لتكون علَمًا ومنارًا، ومحجَّةً وإسفارًا،
{وكلا نقص .. للمؤمنين}.
وقصةُ أبي الأنبياء وإمامِ الحُنفاء إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، أشرف أُولِي العزم
بعد نبيِّنا وسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، قصةٌ مُجلَّلةٌ بالآيات والعِظات،
مُكلَّلةٌ بالعِبَر والدلالات، إبراهيمُ الخليلُ الذي جُعِلَت الإمامةُ مُتصِلةً بسببه،
وباقيةً في نسَبِه، وخالدةً في عقِبِه، لا ينالُها الظالمون من ذريَّته.
ومن خصائصه وفضائله: خِلعةٌ سنيَّةٌ لا تُضاهَى، ومرتبةٌ عاليةٌ لا تُباهَى،
وخصوصيةٌ فريدةٌ لا تُسامَى، فكلُّ كتابٍ أُنزِل بعده من السماء على نبيٍّ من الأنبياء
فذلك النبيُّ من ذريته وسُلالته،
قال - جل في عُلاه -:
{وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب}.
ولما كبُرَ إبراهيمُ وعقُمَت سارة اشتدَّت لوعةُ الوحدةِ ومرارةُ الوَحشة؛
فدعا إبراهيمُ ربَّه أن يهَبَ له عقِبًا صالحًا، فدخل - بمشورةِ سارة - على هاجر الأمينة المُؤمنة،
فأنجبَت له إسماعيل - عليه السلام -، ومن هذا الفرع الشريف والغُصن المُنيف
خرجَت الجوهرةُ الباهِرة والدُّرَّةُ الزاهرة وواسطةُ العِقد الفاخرة، وُولِد خيرُ أهل الأرض على الإطلاق،
وسيدُ ولد آدم باتفاق: نبيُّنا وسيدُنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي اختارَه ربُّه واصطفاه،
ولم يُوجَد نبيٌّ من سُلالة إسماعيل سِواه.
ودبَّت الغيرةُ في نفس سارة، وتشعَّبَ لُبُّها، وثارَ حُزنُها وشجَنُها،
وتمنَّت على إبراهيم أن يذهبَ بهاجر وابنِها إلى حيث لا تراهما، فركِبَ إبراهيم بهما يطوِي المراحِل،
ويحدُو الرواحِل، حتى جاء - بأمر ربِّه - موضع البيت الحرام في موطنٍ مُقفِرٍ هواء،
ومكانٍ خلاء، وبلادٍ جرداء، ووادٍ مُوحِش ليس به زرعٌ ولا ضَرع، ولا أنيسٌ ولا حَسيس،
فتركَهما هناك لا يملِكان سوى جِرابٍ به قليلٌ من الغذاء، وسِقاءٍ به يسيرٌ من الماء.
فتبِعَته أمُّ إسماعيل فقالت: يا إبراهيم! أين تذهبُ وتتركنا في هذا الوادي؟ إلى من تتركُنا؟
فقال إبراهيم: إلى الله، قالت: رضِيتُ بالله. وفي لفظٍ: قالت: إذًا لا يُضيِّعُنا.
يا لها من عقيدةٍ صادقة تُوقِظُ الضمائر، وتُرهِفُ المشاعِر، استسلَمَت لقضاء الله وخضعَت لحُكمه،
وانقادَت لأمره بلا تردُّدٍ ولا تعنُّت، وفوَّضَت أمرَها، وألجأَت ظهرَها،
ووجَّهت وجهَها إلى الحيِّ الذي لا يموت.
فلتأخُذ المرأةُ المسلمةُ اليوم من هاجر المؤمنة نِبراسًا في الاتباع، وقُدوةً في الانقياد،
وأُسوةً في الصبر والثَبات.
وانحدَرَ إبراهيم مُفارِقًا حُشاشة نفسه، مُودِّعًا قطعةَ قلبه، مُستسلمًا للقضاء،
صابرًا على البلاء، داعيًا دُعاءَ المُوقِن بإجابة الدعاء:
{ربنا إني أسكنت .. يشكرون}.
ومكَثَت هاجرُ تُعالِجُ القضاءَ المحتُومَ، فنفَذَ زادُها وجفَّ ضرعُها، حتى لا تجِدَ لابنها ماءً يبُلُّ صداه،
ولا لبنًا تتندَّى به شَفَتاه، في مخمصةٍ مُقسِعة، ومسغَبَةٍ مُعطِبة، فهاجَها التِياعُ طفلها،
ونحيبُ صغيرها، وهو يتلوَّى ويتلبَّط، يفحَصُ الأرضَ برِجلَيْه،
ويضربُ الصلطَ بقدَمَيْه، كأنه ينشطُ للموت.
فانطلَقَت كراهيةَ أن تنظُر إليه - وقد تقطَّعت نِياطُ قلبها -، فقامَت على الصفا
واستقبَلَت الوادي لعلها ترى أحدًا، ثم استبطَنت الوادي ورفعَت دِرعَها، وسعَت جهدَها،
حتى أتت المروةَ فقامَت فوقَها، ونظرَت لعل أحدًا يأتي نحوَها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(فذاك سعيُ الناس بينهما).
فلما أتمَّت سبعًا بين الصفا والمروة إذا هي بصوتٍ، فنادَت نداءَ اللَهفان،
واستغاثَت ااستغاثةَ الظمآن: أغِث إن كان عندك غُواث، أغِث إن كان عندك غُواث.
فإذا هي بجبريل - عليه السلام -، فبحثَ بعقبِه الأرض، فانبثَقَ الماءُ وفار، وتفجَّرَ نبعُ زمزمَ وحارَ.
والله لا يُضيِّعُ من اتقاه، ولا يُخيِّبُ من رجَاه.
فرحِمَ الله ضعفَها، وفرَّج كربَها، وأنبَعَ الأرضَ تحتها، فجعلَت تُحوِّضُه بيديها وتغرِفُه بكفَّيها،
وتسقِي وليدَها، وتملأُ سِقاءَها.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(يرحم الله أمَّ إسماعيل؛ لو تركَت زمزم - أو لو لم تغرِف من زمزَم - لكانَت زمزم عينًا مَعينًا).
وها هي زمزمُ تسقي - بأمر ربِّها - الحَجيج، وتُطفِئُ لهبَ الأجِيج، ويُسمَع لها ثَجيج،
خيرُ ماءٍ وُجِد على وجه الأرض، يقول فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(إنها لمُباركة، هي طعامُ طُعمٍ، وشِفاءُ سُقم).
وحلَّق الطيرُ فوق الماء، وحوَّم حول الرَّواء، وصفَّق بجناحَيْه في السماء، فرأَتْه رُفقةٌ من
جُرهُم مُقبِلين من طريق كَداء، فأقبَلوا يستأذِنونها في النزول بجِوارِها والإقامة في ناحيتها،
فألفَى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحبُّ جِنسَها، وأذِنَت لهم حتى أضحَوا أُنسَها، وتوافَدَت أبياتٌ منهم عليها،
وهوَ أفئدةٌ من الناس إليها، ونشأَ إسماعيلُ بين وِلدانهم، وتكلَّم بلسانِهم، ونطقَ بعربيَّتهم،
وأنفَسهم فقرَّبُوه، وأعجبَهم فزوَّجوه.
ثم فُجِع إسماعيل - عليه السلام - بموت أمه الصابِرة، وانتقال هاجر إلى الدار الآخرة،
بعد أن أرضعَته جميلَ الشمائل والخِصال، وبادَرَته بالتأديب حتى بلغَ مبلغَ الرجال.
وتربيةُ الأولاد هي مهمةُ المرأةِ العُظمى، ووظيفتُها الأُولَى، ومتى ضُيِّعَت ضاعَت الأمةُ وأجيالُها،
وفسَدَت أوضاعُها وأحوالُها.
وكان إبراهيم يفِدُ إلى ابنه لِمامًا، ويتفقَّدُه أحيانًا، تُهيجُه حُرقةُ الاشتياق، ويُزعِجُه ألمُ الفِراق،
والشوقُ إلى الولد لا يردُّه صبر، ولا يستقِلُّ به صدر.
فجاء يومًا وإسماعيل يبرِي نَبلاً، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنعُ الوالدُ مع ولده
عند التلاق بعد طول الفِراق، ثم أخبر إبراهيمُ ابنَه بما أمره ربُّه؛ من بناءِ البيت على أساسٍ
من التوحيد والحنيفية ونبذِ الشرك والوثنيَّة، فرفعَ إبراهيمُ القواعد من البيت،
وإسماعيل بين عينيه، وطوعُ يديه، ورَهنُ كفَّيه، يأتي بالحِجارة، ويُعينُ أباه في البناء والعِمارة،
فلما ارتفعَ البناء جاء له بحجرٍ ليقوم عليه، فقام إبراهيمُ على حجر المقام حافِيَ القدَمَيْن
يبني وإسماعيلُ يُناوِلُه الحِجارة، وهما يقولان:
{ربنا تقبل .. العليم}.
وما شأنُ العمل بلا قبول، وما قيمتُه بلا رِضا، وما فائدتُه بلا أجرٍ ولا ثواب؟!
فاتَّخِذوا من الإخلاصِ وسيلةً إلى القَبول، ومن الموافقة والاتباع للرسول - صلى الله عليه وسلم -
وسيلةً إلى حصول الأجر والثواب المأمول؛ فالمُرائِي لا ينتفِعُ بعمله، والمُبتدِعُ لا يُثابُ على سعيِه.
وتم البناءُ، وصدَحَ إبراهيم في الأرض بالأذان والنداء، فأقبَلَت الوفود وتقاطَرت الحُشود
من عهد أبينا إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وإلى يومنا هذا والمسلمون يأمُّون الكعبةَ المُعظَّمة
والبِطاح المُقدَّسة والمشاعِر المُحرَّمة، وقد توحَّد منهم اللباس على اختلاف الأجناس،
وتوحَّدت المناسِك على اختلاف البُلدان والممالِك، اجتمعوا على فطرة الإسلام
وكلمة الإخلاص وعلى دين نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -،
وعلى ملَّة أبينا إبراهيم حنيفًا مُسلِمًا وما كان من المُشركين.
بنيانٌ واحد، وجسَدٌ واحد، يسعَدُ بسعادة بعضه، ويتألَّمُ لألمِه ومرضِه،
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(من صلَّى صلاتنا، واستقبَلَ قِبلَتنا، وأكلَ ذبيحَتنا، فذلك المسلم،
الذي له ذِمَةُ الله وذِمَّةُ رسوله، فلا تُخفِروا اللهَ في ذِمَّته)؛
أخرجه البخاري.
وأصبحَت الكعبةُ المُشرَّفة قبلةً لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: {ولكل وجهة .. موليها}،
ولكلٍّ طريقةٌ يرتضيها، ووجهُ السلم حيثُ توجَّه به دينُه، لا يخرُج عن جهته،
ولا يُماثِلُ غيرَه في نِحلَته وحِليته، ولا يُشابِهُه في سُنَّته وهيئَته، ولا يُقارِبُهفي خُلُقه وطريقته.
وأنَّى لأهل الإسلام أن يتوجَّهوا لغيره والوحيُ نزل عليهم،
ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بُعِث فيهم، حتى صاروا ببركة رسالته ويُمن سِفارته
ونور دعوته ودلالته خيرَ الأمم.
فالثَّباتَ الثبَات - يا أهل الإسلام -، والحذر الحَذر أن تزِلَّ بكم الأقدام؛ فدينُكم هو القبلةُ الصحيحة،
وشريعتُكم هي الوِجهةُ المُستقيمة، وعقيدتُكم هي الفِطرةُ السليمة.
ثبَّتني الله وإياكم على الحق والهُدى حتى نلقاه. أقول ما تسمعون،
وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه،
إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله الكبير المُتعال، أحمدُه على جزيلِ النوالِي وكريمِ الإفضال،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تقدَّس عن الأنداد والأضداد والأمثال،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله كريمُ الخِصال وشريفُ الخِلال،
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه خيرِ صحبٍ وأكرمِ آلٍ.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله - عز وجل -؛ فبالتقوى تحصُلُ البركة وتندفِعُ الهلَكَة، إن العاقبةَ للمُتقين.
أيها المسلمون:
ورأى إبراهيمُ في منامه رُؤيا - ورُؤيا الأنبياء حقٌّ -، محنةٌ تدُكُّ الجِبال، وتُثقِلُ الرجال،
شيخٌ كبيرٌ جالدَ الأيام، وأحنَته الأحداثُ الجِسام، يُؤمَرُ بذبحِ ولدِه،
وفرْيِ أوداجِ فِلذَة كبدِه وإنهار دمه بيده.
أيُّ نفسٍ تُطيقُ هذا البلاء، وأيُّ قلبٍ يقوَى هذا العناء؟!
ودخل إسماعيلُ ليقُصَّ عليه أبوه رُؤياه، ويُخبِره بمِحنته وبَلواه: {يا بني .. ترى}،
فيقول إسماعيلُ - طائعًا لربِّه ومُلبِّيًا، صابِرًا ومُؤدِّيًا، مُنقادًا وراضِيًا -:{يا أبت .. الصابرين}.
{فلما أسلَما وتلَّه للجبين} طاوَعَه الابنُ الصالحُ بالتمكين،
وكان لأبيه خيرَ مُعين {يا أبت .. الصابرين}.
فلما أمرَّ على حلقه بالسكِّين ناداه أرحمُ الراحمين: {يا إبراهيم .. المبين} وفَداهُ ربُّه بذِبحٍ عظيم،
وخلَّصَه بكبشٍ لَحيم؛ ليُعلَمَ أن البلاء ليس للتعذيب، ولكنه للتمحيصِ والتهذيب.
فحينَ تعلَّقَت شُعبةٌ من قلب إبراهيم بمحبة إسماعيل، وقد اتخذَ الله إبراهيم خليلاً، ُمِر بذبح المحبوب،
فلما شرعَ في ذبحِه دلَّ على أن محبةَ الله أعظمُ عنده من محبة ولده نفسه،
فخلَصَت الخُلَّةُ من شوائب المُشارَكة، ولم يبقَ في الذبحِ مصلحة.
فأين من هامَ قلبُه، وتشتَّتَت نفسُه في العِشقِ والوَلَه، والعلَقِ والسَّفَه، والهوى والعَلَه،
فيومًا بالعُذَيبِي ويومًا بالخُليصَاء، وتارةً ينتحِي نجدًا وآونةً شِعبَ العقيق وطورًا قصر تيماء،
حبٌّ لغير الله، وخُلَّةٌ لم تُؤسَّس على تقواه، موطئٌ زلَق، ومسلَكٌ خطِر، وخِزايةٌ لا تَبلَى،
ومسبَّةٌ لا تفنَى، ومعابَةٌ لا تُنسَى.
ولا يجتمعُ حبُّ الرب الأعلى بحبِّ المعشوقِ أبدًا:
{والذين آمنوا أشد حبا لله}، {الأخلاء .. المتقين}.
فيا لها من موعظةٍ فأين السامِع؟ ويا لها من تذكرةٍ فأين التائبُ الراجِع؟
ويا لها من مُوقِظة فأين النادِمُ الخاشِع؟!
يُؤمَرُ الخليلُ بذبحِ ولده، فيُباشِرُ الذبحَ بيده، وتستكبِرُ نفوسٌ على الشرع الحكيم،
وتستنكِفُ أن تلِينَ وتستكينُ لأحكام الدين.
فويلٌ للمُستنكفين المُستكبِرين، الرافضين للحق، المُضلِّي للخلق،
يوم يُحشَرون صاغِرين حقِيرين ذليلين، {يومئذ يوفيهم .. المبين}.
أيها المسلمون:
ومضَت سنةُ الأضاحِي علَمًا للملَّة الإبراهيمية، وسنةً في الشريعة المُحمَّدية،
تُذكِّرُ بالتضحية والفداء، والصدقِ والوفاء، والصبر والثبات عند المِحنة والبلاء،
وحُسن الاستجابةِ لله في السرَّاء والضرَّاء.
مضَت قصةُ إبراهيم وهاجر وإسماعيل تُبينُ بأن الإسلام ليس بمحضِ التسمِّي والانتماء،
ولا بمحضِ الانتِساب والادِّعاء، ولكنه إيمانٌ راسخ، يقينٌ صادق، علامتُه الخُضوع
والانقياد الذي لا يصُدُّ عنه صادٌّ، ولا يردُّ عنه رادٌ، ولا يحمِلُ على تركه مُضاد.
مضَت قصةُ الابتلاء العظيم تُذكِّرُ أمةَ الإسلام وهي تُعالِجُ أمواجَ البلاء بأنه لا حُجَّةَ في الزيغِ
عن منهاجِ الاستقامة، ولا شُبهة للحِياد عن وجه الحق، ولا تعلُّل للتعالِي عن واضح المحجَّة،
ولا معاذِيرَ في المُلايَنَة على حساب العقيدة والدين.
فسلامٌ على أبي الأنبياء، وسلامٌ على إمام الحُنفاء، {سلام على إبراهيم}.
عباد الله:
إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -
من جنِّه وإنسِه، فقال قولاً كريمًا: {إن الله .. تسليما}.
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة،
أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين،
والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك
وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
وأذِلَّ الشركَ والمشركين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين،
ودمِّر الطغاة والبُغاة والمُعتدين، ودمِّر الطغاة والبُغاة والمُعتدين يا رب العالمين.
اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها،
ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين.
اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى،
وخُذ بناصيتِه للبرِّ والتقوى، ومُنَّ عليه بالصحة والعافية والشفاء يا رب العالمين.
اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه وأعوانه لما فيه صلاحُ العباد والبلاد يا رب العالمين.
اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود،
اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونَك،
اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآيةً.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان،
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في اليمن والشام، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في اليمن والشام،
اللهم احقِن دماءَهم، وصُن أعراضَهم، واحفَظ أموالَهم وأمنَهم واستقرارَهم يا كريم يا رب العالمين.
اللهم ارفع الفتنَ والشرورَ والحروبَ عن بلاد المسلمين،
اللهم ارفع الفتنَ والشرورَ والحروبَ عن بلاد المسلمين يا أرحم الراحمين.
اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، ولا تجعل لكافرٍ علينا يدًا.
اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا،
وانصرنا على من عادانا يا رب العالمين.
اللهم يا حيُّ يا قيُّوم اللهم احفَظ حُجَّاج بيتك الحرام،
اللهم واحفَظ زُوَّار مسجد رسولك - صلى الله عليه وسلم -، اللهم احفَظهم بحفظِك،
واكلأهُم برعايتِك وعنايتِك يا كريم.
اللهم من أرادَنا وأرادَ بلادَنا وأرادَ المسلمين بسوءٍ اللهم فأشغِله بنفسه، واجعل كيدَه في نحره،
واجعل تدبيرَه تدميرَه يا رب العالمين، اللهم اكشِف أمرَه، واهتِك سِترَه،
واجعله عِبرة يا رب العالمين يا قويُّ يا عزيز.
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
النحل: 90].
فاذكروا الله العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم،
ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 15-10-2011, 11:25 AM   #50
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 16/11/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "فضائل وأحكام البلد الحرام"،
والتي تحدَّث فيها عن بعض فضائل وأحكام البلد الحرام وبيت الله الحرام،
وما ميَّزه على غيره من الأماكن، وما فضَّله بزمنٍ فاضلٍ وهو الأشهُر الحُرم،
وذكر عِظَم حُرمة الدماء المعصومة، وأشارَ إلى الفتن التي وقعت مُؤخرًا في المملكة،
ووجَّه النداءات إلى العُقلاء إلى ضرورة الانتباه على العواقِب الوخيمة لهذه الفتن،
ووجوب الضرب على أيدي المُدبِّرين لها والمُنفِّذين.



الحمد لله جعل بيتَه الحرامَ مثابةً للناس وأمنًا،
هدانا لأقوم السُّبُل وشرعَ لنا أفضلَ الشرائِعَ فضلاً منه ومنًّا،
أحمده تعالى وأشكرُه، وأُثنِي عليه وأستغفرُه حرَّم الحُرُمات أنفسًا وأشهرًا وبقاعًا،
وتابعَ مواسمَ الخيرات علينا تِباعًا، وجعلَ خيرَ الناسِ أخلَصَهم لله وأشدَّهم لنبيِّه تأسيًّا واتباعًا،
وجعل أبعدَهم عنه أجفاهم لهديِه وأكثرُهم ابتداعًا،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الحمدُ كل الحمدِ ربٌّ علا ذاتًا وقهرًا وقدرًا، وله الشكرُ إعلانًا وإسرارًا وجهرًا،
وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه علَّم أمَّتَه العبادات وأوضحَ لهم المناسِك،
ودلَّهم على طُرق الخير وأبانَ لهم المسالِك، له حُجَّةٌ لا يزيغُ عنها إلا هالِك،
بشَّر به الأنبياءُ قبلَه، وهداه ربُّه لخير قِبلة، فقال - سبحانه -:
{قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام
وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره}،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين،
وصحابته الغُرِّ الميامين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حقَّ تقواه، وسارِعوا إلى مرضاته واستعِدُّوا ليوم لِقاه؛
فإن اليومَ عملٌ ومُهلة، وغدًا حسابٌ وجزاء، وسيلقَى كلُ عاملٍ ما عمِلَ،
{يا أيها الناس اتقوا .. ولا يغرنكم بالله الغرور}.
أيها المؤمنون:
تستقبِلُ الأمةُ موسمًا عظيمًا من أيام الله تعالى، وركنًا من أركان الإسلام العِظام،
موسمٌ تُغفَرُ فيه الذنوبُ والخطايا، وتُقالُ فيه العثَرات وتُقبَلُ الدعوات، موسمُ الحجِّ إلى بيت الله العتيق،
شِعارُ الوحدة والتوحيد، وموسمُ إعلان العهود والمواثيق وحفظِ الحقوق والكرامات،
وحقنِ الدماء وعصمةِ النفوسِ والأموال، وما فاضَت به الوصايا في خُطبة الوداع.
وها هي طلائعُ الحُجَّاج تُضيءُ مُحيَّاهم أباريقُ الحرم، وينتظِمُ عِقدُهم في رِحابِه الطاهرة،
آمِّين البيتَ الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورِضوانًا، يحطُّون رِحالَهم عند بيت الله العتيق،
{إن أول بيت .. آمنا}.
مُلبِّين النداءَ القديمَ المُتجدِّد: {وأذن في .. منافع لهم}،
ويُؤدُّون ركنَ الإسلام الخامسَ، {ولله على الناس .. سبيلا}،
ويُلبُّون بالتوحيد: لبَّيكَ اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والمُلك، لا شريكَ لك،
يأمَلون من الله القَبول، ويرجُون رحمتَه ويخافُون عذابَه.
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
(العُمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة)
متفق عليه.
وفي "الصحيحين" أيضًا يقول الصادقُ المصدوق - صلى الله عليه وسلم -:
(من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفسُق جعَ كيوم ولدَتْ أمُّه)
- أي: نقيًّا من الذنوب والخطايا -.
وأخرج ابن حبان في "صحيحه" عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(الغازي في سبيل الله، والحاجُّ إلى بيت الله، والمُعتمِر وفدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم).
وفي رحلة الإيمان الخالدة مُضاعفةُ الصلوات، وتكثير الحسنات، وإجابةُ الدعوات،
ومواقفُ الرحامات في مِنَى ومُزدلِفة وعرفات.
وإذا ذكرتَ تلك الصعُودات فاذكُر حين يُباهِي اللهُ بحُجَاج بيته ملائكةَ السماوات،
ويقول - سبحانه -:
(هؤلاء عبادي جاءوني شُعثًا غُبرا، أُشهِدكم أني قد غفرتُ لهم)
فيُعتِقُهم من النار، ويكتبُ لهم السعادةَ الأبديَّة.
أيها المسلمون:
الحديثُ عن الحجِّ وفضله يحدُو الأرواحَ، ويبعثُ الأشواقَ لإجابة نداء الرحمن لحجِّ بيت الله الحرام،
فيا خسارةَ من قعدَت به همَّتُه واستولَى عليه كسلُه، فلم يلحَق بركبِ الإيمان،
قال - عليه الصلاة والسلام
(تعجَّلوا إلى الحجِّ؛ فإن أحدَكم لا يدري ما يعرِضُ له)؛
أخرجه الإمام أحمد.
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال:
"لقد هممتُ أن أبعثَ إلى الأنصار فينظرُوا من كانت له جِدَةٌ فلم يحُجَّ فليضرِبوا عليهم الجِزية،
ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين"؛
قال المُنذري: إسناده حسن.
فبادِروا بالحجِّ - أيها المسلمون -، واغتنِموا أعمارَكم قبل أن يُحالَ بينكم
وبين ما تشتَهون فتعجَزون أو تموتون.
عباد الله:
وفي الحجِّ شرفُ الزمان والمكان؛ فالمكان: بلدُ الله الحرام، والزمان:
عشرٌ مُعظَّمةٌ في أشهرٍ مُحرَّمة: {الحج أشهر .. الحج}،
وهذه البُقعة عظَّم الله حُمرتها غايةَ التعظيم،
وجعل إجلالَها من التقوى وسببًا للتقوى: {ذلك ومن يعظم .. القلوب}،
وحرَّم تنفيرَ صيدِها وعضدَ شوكِها فضلاً عن قطع شجرها وقتل صيدِها؛
فكيف بحُرمة المُسلم فيها؟
حتى إن مجر رادة الشر في الحرَم مُوجِبٌ للعذاب؛
قال الله - عز وجل -: {ومن يرد .. أليم}.
وفي وصف أشهُركم هذه يقول الله -
عز وجل -: {إن عدة الشهور .. أنفسكم}.
قال ابن كثيرٍ - رحمه الله -: "كان الرجلُ يلقَى قاتلَ أبيه في الأشهُر الحرم فلا يمُدُّ إليه يدَه".
وقال أيضًا: "إن الظلمَ في الأشهُر الحُرم أعظمُ خطيئةً ووِزرًا من الظلم فيما سواها".
إذا كان الأمرُ كذلك؛ فإنه لا ذنبَ بعد الشرك أعظمُ من قتل النفس المؤمنة،
وسفك الدم الحرام في الشهر الحرام ظلمًا وعُدوانًا.
لقد سبقَ الإسلامُ كل المُحاولات البشرة لإيجاد منطقةٍ آمنةٍ وزمنٍ آمِن، وإن شئتَ فقل:
زمانًا ومكانًا مُحرَّمًا منزوعَ السلاح يأمَنُ الناسُ فيه وينعَمون بالسلام،
وهذا من أعظم مقاصِد الإسلام الذي قصدَ إلى إشاعة الأمن والسلام،
فالواجبُ على المسلمين أن يستشعِروا هذه الحُرمة، ويُعظِّموا الأشهُر الحُرم،
خصوصًا بعد عامٍ عصَفَت فيه الفتنُ واضطرَبَت الأحوالُ، وأُزهِقَت أنفسٌ واختلطَت أمور.
ومن الناس من تشابَهت عليهم الأزمِنة، واختلفَت في أفهامهم الأمكِنة؛
فكأنما الأشهُر الحُرُم حِلٌّ لأشدِّ المُحرَّمات - وهي الدماء -، وكأنما البلادُ في بعث الفتنةِ بها سواء،
وكأننا نعيشُ زمنَ الخبر النبوي المُتحقِّق في آخر الزمان -:
(يكثُر الهَرج - وهو القتل -، ولا يدري القاتلُ فيمَ قتَل، ولا المقتولُ فيمَ قُتِل،
وهي فتنٌ الراقِدُ فيها خيرٌ من القاعِد، والقاعِدُ خيرٌ من الماشي).
وغفلَ المخذولُ عن قول الله - عز وجل -: {ومن يقتل مؤمنًا .. عظيما}.
أيها الناس:
لقد حانَ الوقتُ لإلقاء السلاح، وحقنِ الدماء، والاستجابةِ لأصول الحقوق التي
وصَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بها في حجَّة الوداع، وأرسَى قواعدَها بقوله:
(إن دماءَكم وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحُرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهرِكم هذا).
آنَ الأوان لأَن يُراجِعَ المعنيُّون واقِعَهم، وأن يحترِموا الأشهُر الحُرم، وأن تتغلَّب المصالحُ
على المفاسِد، ومكاسِبُ الأمة على مصالح الأفراد؛ صيانةً للنفوس والحقوق،
وحال العباد والبلاد، والله لا يحبُّ الفساد.
الواجبُ على القادة والعلماء القيامُ بما يستطيعون لوقفِ النزيفِ الهادِر من دماء المسلمين وأرواحهم؛
فهي من أولَى مُقتَضَيات الأُخوَّة والمُوالاة، والتناصُر واجبٌ بين المسلمين:
{وإن استنصروكم .. النصر}.
وفي الحديث المتفق عليه: (انصر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا). فقال رجلٌ: أنصرُه مظلومًا،
أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أنصرُه؟ قال: (تحجُزُه أو تمنعُه عن الظلم؛ فإن ذلك نصره).
إن النزاعات قطَعَت أوصالَ المسلمين، وجعلَت الأمةَ الواحدَة أممًا مُتناكِرة،
ولن نستعيدَ مكانتنا ونصونَ رسالتَنا إلا إذا صحَّحنا انتماءَنا،
وأصغَينا إلى قول الله تعالى: {إن هذه .. فاعبدون}.
واليوم نرى في أنحاء بلادنا الإسلامية لعبة العدو القديمة المُتجدِّدة: فرِّق تسُد،
وأشغِلهم بأنفسهم كي لا يشغَلوك، وليس هناك وتَرٌ أكثر حساسيةً لبدءِ العزفِ عليه من وتَرِ الطائفية؛
كوتَر الطائفية والمذهبيَّة والحِزبيَّة، وما أكثر المُتسارِعين فيها، والمُتساقطين.
ولو سألتَ أشدَّ الخائضين فيها: كيف بدأَت تلك الفتنة؟ ولمصلحة من؟ لم تجِد جوابًا،
وقديمًا قيل: إن أنجحَ المؤامرات هي التي لا يعلمُ الساعُونَ فيها أنها مُؤامرَة.
لقد تعايَشَت الطوائِفُ قرونًا في ظلِّ الإسلام، يُولَد أحدُهم في بلاد المسلمين على ملَّته ويموتُ عليها،
لم يُجبِره أحدٌ أن يُغيِّر دينَه ومُعتقَدَه؛ فلماذا ثارَت هذه النَّعَراتُ في هذا التوقيت بالذات؟
ولماذا يخدِمُ دهماءُ الناس وبُسطاؤُهم تجَّار الفتنِ من حيث لا يشعُرون؟
اللهم جنِّبنا والمسلمين شرَّ الفتن ما ظهرَ منها وما بطَن.
اللهم بارِك لنا في الكتاب والسنة، وانفَعنا بما فيهما من الآيات والحِكمة،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.



الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأبانَ طريقَ الإيمان،
وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه،
وعلى آله وصحبه ومن تبِعَهم بإحسانٍ.
أما بعد، أيها المسلمون:
الاعتزازُ بالوطن وحِفظُ أمنه والحرصُ على تماسُكه ومكاسِبِه هو أمرٌ تنساقُ له الفِطَرُ السليمة،
وتُوجِبُه العقولُ الراشِدة؛ فضلاً عما هو مُتقرِّرٌ في أحكام الشريعةِ وأول الدين،
خصوصًا في أوقات الفتن والأزمات، ويشتدُّ العَتَبُ ويستوجِبُ العقوبةَ من أخلَّ بأمن الوطن
إذا كان باعِثُه على ذلك نُشدانُ الصلحةِ الذاتية وطلبُ الكسب الشخصي.
أما إذا كان الباعِثُ مصحةً مُصدَّرةً من الخارج، ورغبةً من الرغبات العابِرة للحدود؛
فإنه يجتمعُ في المُنساقِ لها - إضافةً لما سبق - خيانةٌ للوطن، ونُكرانٌ للأهل،
فهو بمثابةِ من يقطَعُ الشجرةَ التي أظلَّته، ويُعكِّرُ الماءَ الذي سقاه.
فكيف إذا عُلم أن المحرِّك لتلك الفتنة قومٌ تميَّز تاريخُهم في الفتن بأن وقودَ فتنتهم رجالٌ
من أرضٍ غير أرضِهم، ومن جنسٍ سوى جِنسِهم، وعِرقٍ لا ينتمِي لعِرقِهم،
ثم سُرعان ما يتخلَّون عمَّن غرَّروا بهم، ليُواجِهوا مصيرَهم بمُفردِهم، وربما واسَوهم باللسان،
وليس وراء اللسان شيءٌ.
فيا أيها الإخوة، ويا مُواطنينا في المملكة وفي بلاد العرب والمسلمين:
أسوقُ إليكم نداءً تغلِبُ الشفقةُ فيه العَتَب، وتُغالِبُ الرحمةُ فيه الغضَب،
إنه لم يعُد من الخافِي أن مُوقِدي تلك الفتن هم قومٌ يُؤمِنون بعُنصرهم أكثر من إيمانهم بالدين،
وأن نُصرتَهم وجهادَهم هو لجِنسهم وشعبِهم وتاريخهم الذاهِب، لا لله ولا لفلسطين.
وتاريخُهم في السنوات الأخيرة شاهدٌ على مواقفِهم المشِينة في إيقاد الفتن في بلاد العرب
وشقِّ الصفوف، وما أمرُ العراقِ عنا ببعيد.
فيا مُواطنينا:
إن كان من ثورةٍ فلتكُن على المُعتقَدات التي تُصنَع وتُعلَّبُ خارجَ الحُدود ليتشرَّبَ
بها أناسٌ تُسلَبَ بها أيانُهم وأموالُهم وولاؤهم، ليكونوا أدواتٍ في أيدي أعدائهم،
إن كان من انتفاضَة فلتكُن للعقل ليتحرَّر من رِقِّ التبَعيَّة وإسَار الشعوبية،
ويرى نورَ الله الذي يملأ الكونَ، نورُ الله الذي انبَثَقَ من الحجاز،
وأشرقَ به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، وحملَ مشاعِلَه الصحابةُ الأخيارُ،
والتابعون لهم بإحسان.
وأنعمَ الله على المملكة العربية السعودية فورِثَت ذلك النور، وحمَلَت تلك المَشاعِل،
مُقتفيةً أثرَ الكاب والسنة، راعيةً للحرمين الشريفين، جامعةً لرابطة المسلمين،
ساعيةً للسِّلم والوحدة، نابِذةً للشِّقاقِ والفُرقة مُحترمةً الحقوق مهما اختلفَت المشارِب؛
فلا طائفيةَ ولا عُنصريَّة، وكلٌّ له حقوقٌ وعليه واجِبات.
ويا أيها المُغرَّر بهم:
إنه ما فتِئَ الأغرابُ يُحاوِلونَ قطعَ صِلَتكم بسلفِ الأمة ويُنحُّوهم من أن يكونوا مصدرًا
لتلقِّي الهداية ليملؤوا ذلك الفراغ بما يُوغِرُ صدورَكم على سلَفكم وأهلِكم وبلدِكم،
وبما يُشعِركم بالغُربة في ديارِكم وما أنتم بالغُرباء، وبما يُشعِركم بالبُعد عن مُواطنيكم
وما أنتم بالبعيدين، وثمرةُ ذلك كلِّه تُقطَفُ من وراء الحُدود، وليس لكم من ذلك كلِّه شيء.
إن الرائدَ لا يكذِبُ أهلَه؛ فكيف يبيعُهم ويبيعُ وطنَه، ويُدمِّر خيراتِه ومُمتلكاتِه،
وينشُر الفوضَى بين أهلِه، وهو الخاسِرُ الأولُ والأخير؟!
إن الإصلاحَ لا يكون بالفساد، والبناءُ لا يستقيمُ بالهَدم، والرَّغَدُ لا يأتي بإخلال الأمن.
إن أهواءً وأوهامًا تملأ الجوَّ بالشحناء، ولو صدَقَت النياتُ، وأُغلِقَت الأفواهُ التي تستمرِئُ
الوقيعةَ والإفك؛ لتلاشَت أنواعٌ من الفُرقة لا مساغًا لوجودها.
نُناشِدُ العُقلاء أن يقطَعوا الطريقَ على تجَّار الفتن ولُصوص الإثارة
ومُصطادي المصالِح في المذابِح، وإن ظهَروا بلَبُوسِ المُشفِقِ ومُسُوحِ الناصِح!
فكم من فتنٍ لم يتبيَّن خائِضُها إلا عند إدبارِها وقد نالَه منها ما نالَه؟!
ولنا في مُبادَرة العُقلاء من الناس أمل، ولدينا في حَزم رجال الأمن عند الحاجةِ ثقة،
والله مولانا وعليه توكُّلُنا، فنِعمَ المولَى ونعمَ النصير.
ومن الله أمنُنا، وعليه اعتمادُنا، {فالله خير .. الراحمين}.
اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطَن.
هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين،
وصحابته الغُرِّ الميامين، اللهم ارضَ اللهم عن الأئمة المهديين،
والخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين،
ومن سار على نهجهم واتبع سنَّتهم يا رب العالمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين،
واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم من أرادنا وأرادَ بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا،
اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رضاك، وهيِّئ له البِطانة الصالحة،
وأتِمَّ عليه الصحةَ والعافيةَ والشفاء.
اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواءَ الدين، اللهم جازِه بالخيرات والحسنات
على خدمة الحرمين الشريفين والعناية بالحُجَّاج والمُعتمِرين،
اللهم وفِّقه ونائبَيه لما فيه الخيرُ للعباد والبلاد، واسلُك بهم سبيل الرشاد.
اللهم ادفع عنَّا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين،
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، واجمعهم على الحق والهدى،
اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خُلَّتهم، وأطعِم جائعَهم.
اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصُرهم على من ظلَمَهم
يا حي يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجمعهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201].اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا،
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.
اللهم احفَظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، ويسِّر لهم أداء مناسِكهم آمِنين، يا حيُّ يا قيُوم يا ذا الجلال والإكرام.
نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيُّوم ونتوبُ إليه.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحنُ الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا غدَقًا طبَقًا مُجلِّلاً عامًّا نافعًا غيرَ ضار،
تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِرِ والبادِ.
اللهم سُقيَا رحمة، اللهم سُقيَا رحمة، اللهم سُقيَا رحمة لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرَق.
ربَّنا تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.

سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون،
وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 22-10-2011, 10:01 AM   #51
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 23/11/1432 هـ



ألقى فضيلة الدكتور الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:
"الإسلام دينُ الأخلاق"،
والتي تحدَّث فيها عن الأخلاق في الإسلام ومدى تأثير حُسن الخُلُق على الفرد
والمُجتمع في الدنيا والآخرة،
وذكر بعض النماذج من السيرة النبوية المُطهَّرة على حُسن تعامُل النبي - صلى الله عليه وسلم -.



الحمد لله، الحمد لله مُنشِئ الأُمم ومُبيدها، وباعِث الرِّمَم ومُعيدها،
أحمده - سبحانه - شاكرًا طائعًا، وأستعينُه وأستغفِرُه عابدًا خاضِعًا،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مُوحِّدًا مُخلِصًا،
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله بعثَه ربُّه بدينِ الحقِّ داعيًا وهاديًا،
صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلامًا كثيرًا دائمًا مُتوالِيًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - عز وجل -، فاتقوا الله - رحمكم الله -،
(وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ)
[البقرة: 282]،
بالعلم يصحُّ العمل، وبالعمل تُنالُ الحكمة، وبالحكمةِ يقومُ الزُّهد، وبالزُّهد تُعرفُ الدنيا،
ومن عرفَ الدنيا رغِبَ في الآخرة، ومن رغِبَ في الآخرة نالَ المنزلة، والتوفيقُ خيرُ قائدٍ،
ومن رضِيَ بقضاء الله لم يُسخِطه أحد، ومن قنِع بعطاء مولاه لم يدخُله حسَد،
ومن فُتِح له بابُ خيرٍ فليُسرِع إليه؛ فإنه لا يدري متى يُغلَقُ دونَه.
واعلموا أن الموتَ يعمُّنا، والقبورَ تضمُّنا، والقيامةُ تجمَعُنا، والله يحكمُ بيننا وهو خيرُ الحاكمين،
(فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون)
[المائدة:48].
أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله:
يقول الله - عز وجل -:
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَاب)
[البقرة:197].
قواعدُ السلوك ومعايير الأخلاق وآداب التعامُل مقياسُ جلِيٌّ من مقاييس الالتزام بدين الإسلام،
وعنوانٌ من عناوين الرُّقِيِّ الحضاريِّ، ومَعلَمٌ من معالمِ السموِّ الإنساني،
إنها: القواعد والآداب التي تحكُم العلاقات بين الناس من كل فئاتهم وطبقاتهم،
قواعدُ وآدابُ تبعَثُ على الشعور بالأمان والمحبَّة وحُسن المعاشَرة وسعادة المُجتمع.
والحُجَّاج في جُموعهم، والمسلمون في تجمُّعاتهم تتجلَّى فيهم هذه المظاهر السلوكية،
والتخلُّق بأخلاق دينهم، والالتزام بتعاليم شرعِهم، ومن تحبَّبَ إلى الناس أحَبُّوه، ومن أحسنَ مُعاملَتَهم قبِلُوه.
الدمَاثَة وحُسن الخُلُق هي اللغةُ الإنسانيةُ المُشتركة التي يفهَمُها كلُّ أحد، وينجذِبُ إليها الكريم،
ويُحسِنُ الإنصاتَ إليها الحكيم.
الوجهُ الصبوح خيرُ وسيلةٍ لكَسب الناس، وحُسن البُشر يُذهِبُ السَّخِيمة،
وذو المُروءةِ الحكيم من يُخاطِبُ الناسَ بأفعاله قبل أن يُخاطِبَهم بأقواله.
أيها المسلمون، معاشر الحَجيج:
وفي ديننا من التوجيهات والتعليمات ما يبني شبكةً واسعةً من العلاقات المَتينة
مع الدائرة الأُسريَّة والمُجتمعية، والدائرة الإسلامية الأوسع، ثم الدائرة الإنسانية الأشمَل.
وفي ديننا كذلك:
«أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا»؛
أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
وفي الحديث:
«إنكم لن تسَعُوا الناسَ بأموالكم، وليسَعْهُ منكم بسطُ الوجهِ وحُسن الخُلُق»؛
رواه الترمذي، والحاكم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - بإسنادٍ صحيح.
وفي الحديث عند مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«من أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويدخُل الجنة فلتأتِهِ منيَّتُه وهو يُؤمنُ بالله واليوم الآخر،
وليأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه».
والناسُ معادن وطبقات ومنازل، ومُعاملتُهم معاملةً واحدةً أمرٌ في الحياة لا يستقيم؛
فما يُلائِمُ هذا لا يُلائِمُ ذاك، وما يُناسِبُ هذه الفِئَة لا يُناسِبُ تلك،
ويحسُن مع هذا ما لا يجمُلُ مع الآخر.
والناس يُخاطَبون بما يعرِفون؛ فالعقولُ مُتفاوِتة، والفُهومُ مُتبايِنة، والطِّباعُ مُتغايِرة،
ولله في خلقِهِ شُؤون؛ من والدٍ وولدٍ، وزوجٍ وأخ، ورئيسٍ ومرؤوسٍ، وسريع الفَهم وبطيئه،
وحادِّ الطبع وباردِه، وقريبِ الصلةِ وغريبها، في أشخاصٍ وصفاتٍ وأحوال؛ من شدَّةٍ ورخاءٍ،
وحُزنٍ وسُرورٍ، والأرواحُ جنودٌ مُجنَّدة.
وقد قالت الحُكماء: "إذا أردتَ اصطيادَ السم فضع في سنَّارتك ما يُلائِمُ من طعامٍ،
وقد تُلائِمُ الديدان لا فاخرُ اللحوم".
أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله:
وهذا عرضٌ لبعض ما حفَلَت به السيرةُ المُصطفوية والهديُ المُحمَّديُّ والسنةُ النبوية
من أنواع المُعاملات والتوجيهات لمُختلَف الطبقات والشحصيات؛
كيف وهو المُصطفى الهادي البشيرُ، واصطفاه ربُّه
بقوله - عزَّ شأنُه -:
(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم)
[التوبة:128]،
وقال - جل وعلا -:
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ
فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين)
[آل عمران:159].
وأولُ ما يُواجِهُ المُتأمِّلُ في هذه السيرةِ النبوية الكريمة والهدي المُحمَّدي:
مُعاملتُه مع أهله، وسلُوكه في بيته - عليه الصلاة والسلام -.
لقد كان حبيبُنا ونبيُّنا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم - بشرًا من البشر؛
يفلِي ثوبَه، ويحلِبُ شاتَه، ويخدِمُ نفسَه، وكان في مهنةِ أهله،
فإذا حضرَت الصلاةُ خرجَ إلى الصلاة؛ أخرجه البخاري، والترمذي.
وكان يقول - عليه الصلاة والسلام -:
«خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلِي»؛
أخرجه الترمذي، وابن ماجه.
ويظنُّ بعضُ الناس أن الرجُولةَ والشخصيةَ في عُبوسِ الوجه، وتقطيبِ الجبين،
وإصدار الأوامر والنواهي، وتجنُّب المُباسَطة في الحديث مع الأهل،
ومُبادلَة المسرَّات وحُسن الإصغاء.
وحديثُ أم زرعٍ الطويل كان مُسامرةً بين عائشة - رضي الله عنها -
وزوجِها محمد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم - مُؤانسةً ومُباسطَة.
ومن حُسن المعاملة: المُشاوَرة في الشؤون الأُسريَّة وغيرها،
(فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا)
[البقرة: 233]،
وشاورَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - زوجَهُ أمَّ سلَمَة في شأنٍ كبيرٍ،
وهو: شأنُ صُلح الحُديبية، وأخذ بمشُورتها.
وشاوَرَ بريرَة في قصة الإفك - وهو حدثٌ عظيمٌ مُزلزِل -.
بل تأمَّلوا وتفقَّهوا كيف كان تعامُلُه - عليه الصلاة والسلام - مع أخطاء الناس وغيرة النساء؛
فحين كسرَت إحدى زوجاته صحفةَ صاحبتها المملوءة طعامًا،
ما كان من النبي الكريم ذي الخُلُق العظيم - عليه أفضل الصلاة وأزكَى التسليم - إلا أن تعاملَ برفقٍ،
مُقدِّرًا طبائع النساء قائلاً: «غارَت أمُّكم»، فجمعَ الطعامَ المُتناثِر،
وقال: «طعامٌ بطعامٍ، وإناءٌ بإناءٍ»؛ أخرجه البخاري، والترمذي.
يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: "وفيه: عدمُ مُؤاخَذة الغيراء بما يصدُرُ منها؛
لأنها في تلك الحالة يكونُ عقلُها محجوبًا لشدَّة الغضب بسبب الغَيرة".
يا هذا! القوةُ والعنفُ والضربُ والشدَّة يقدِرُ عليها كلُّ أحدٍ، أما الحِلمُ والرِّفقُ والصفحُ
والعفوُ والتسامُح فليس إلا لذوي الإرادات القوية والمُروءات العالية والأخلاق الرفيعة،
"وما ضربَ نبيُّكم محمد - صلى الله عليه وسلم - امرأةً ولا خادمًا إلا أن يُجاهِدَ في سبيل الله"؛
أخرجه أحمد، وأبو داود.
أما الأطفالُ والصِّبيانُ؛ فحدِّث عن هديِ نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ولا حرَج:
ومن دقيق المُلاحَظة في التعامُل مع الصغار: أنهم لا يُفرِّقون بين أوقات الجِدِّ وأوقات اللعب؛
فالطفلُ يظنُّ أن الوقتَ كلَّه له، وقد قدَّر الإسلامُ هذه المشاعِر؛
فها هو رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحملُ بنتَ بنته في الصلاة، فإذا ركعَ وضعَها،
وإذا قام رفعَها؛ متفق عليه.
والحسنُ أو الحُسين - رضي الله عنهما - يرتحِلُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
ويركبُ على ظهره وهو في الصلاة، فيُطيلُ السجود حتى يقضِيَ الطفلُ نُهمَتَه؛ أخرجه أحمد، والنسائي.
بل وهو يخطبُ على المنبر جاء الحسنُ - رضي الله عنه -، فصعِد المنبَر،
فضمَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ومسحَ رأسَه وقال:
«ابنِي هذا سيدٌ، ولعلَّ اللهَ أن يُصلِحَ على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين»؛
أخرجه أبو داود.
أيها المسلمون:
والطريقُ الأيسر والأقصرُ والأمتَعُ إذا قُوبِلَ الأطفال والصغار هو مُلاطفتُهم ومُمازحتُهم
وحُسن رعايتهم ومنحُهم الحنان والاهتمام،
وما كان أحدٌ أرحمَ بالعيال من محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
وزحمةُ الواجبات وكثرةُ المسؤوليات لا يجوزُ أن تشغَلَ عن مثل هذا،
فهذا من جُملةِ المسؤوليات والواجبات.
يقول أنسٌ - رضي الله عنه -: "كان إبراهيمُ ابن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
مُسترضَعًا في عوالي المدينة، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينطلقُ ونحن معه،
فيدخلُ البيت ويأخذه ويُقبِّلُه ثم يرجع"؛ رواه مسلم.
مُفردات التعامُل مع الصغار: قبلةٌ حانية، وحِضنٌ دافِئ، ولعبٌ بريء،
وهي لغةٌ سهلةٌ يسيرةٌ في تكاليفها، عظيمةٌ في تأثيرها.
مسكينٌ هذا الغليظُ القاسي حين يُصوِّرُه ذلك الرجل الذي رأى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -
يُقبِّلُ سِبطَه الحسن - رضي الله عنه -، فقال: أوَتُقبِّلون أطفالَكم؟
إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ أحدًا منهم، فكان الجوابُ النبوي:
«من لا يرحَمُ لا يُرحَم»،
وفي الصورة الأخرى:
«أوَأملِك أن نزعَ اللهُ الرحمةَ من قلوبكم».
بل إنه - عليه الصلاة والسلام - إذا سمِعَ بكاءَ الصبيِّ
وهو في الصلاة خفَّفَ مُراعاةً لأمِّه أن تفتِتن.
معاشر الأحِبَّة، حُجَّاج بيت الله:
أما التعامُل مع الخَدَم والأُجَراء والعُمَّال فيُجسِّدُه تمام التجسيد
مقولةُ أنس - رضي الله عنه - مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"خدمتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عشرَ سنين، فما قال لي لشيءٍ فعلتُه لِمَ فعلتَه،
ولا لشيءٍ لم أفعله لم لم تفعله".
وتأمَّلوا هذه الحادثة مع أنسٍ نفسه - رضي الله عنه -:
خرج أنسٌ في حاجةٍ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرأى الصبيانَ يلعبون في السوق
فانشغلَ معهم؛ لأنه كان صغيرًا في سنِّهم، فاستبطأَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم -،
فخرج يبحثُ عنه فوجدَهُ يلعبُ مع الصبيان.
يقول أنس: فإذا رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلَّم - قد قبضَ بقفايَ من ورائي،
فنظرتُ إليه وهو يضحَك، فقال:
«يا أُنيس! أذهَبتَ حيثُ أمرتُك؟».
فقلتُ: نعم، أذهبُ يا رسول الله!
هذا هو الدرس؛ إنسانية، وتلطُّف، ورقَّةٌ في النداء: «يا أُنيس» من غير نَهْرٍ،
ولا نفضِ يدين، فضلاً عن الصُّراخ والضرب والتعنيف.
وحين شكا رجلٌ خادِمَه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قائلاً: إنه يُسيءُ ويظلِم، أفأضرِبُه؟ فقال:
«تعفُو عنه كلَّ يومٍ سبعين مرَّة»؛
أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
نعم، أيها المسلمون:
إن من أعظم ما يتجلَّى فيه آدابُ التعامُل وكريمُ الأخلاق:
مواقف الناس في مُعاملاتهم وبياعاتهم ومُدايناتهم،
«رحِمَ اللهُ عبدًا سمحًا إذا باعَ، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى»؛
أخرجه البخاري.
(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون)
[البقرة:280].
«ومن سرَّه أن يُنجِيَه الله من كربِ يوم القيامة فليُنفِّث عن مُعسِرٍ أو ليضَع عنه»؛ أخرجه مسلم.
معاشر الحَجيج:
أما التعامُل أمام مكر الماكرين، وخيانات الخائنين، وكُفر الكافرين؛
فقد قال الله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -:
(وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين)
[المائدة:13].
ولو نظرَ المسلمُ إلى المُعاهَدات التي عقدَها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع غير المسلمين،
لرأى فيها من صُنوف التسامُح وحُسن الجِدال وضُروب العفو والصفح ما لا ينقضِي منه العجَب:
«من دخلَ دارَ أبي سُفيان فهو آمِن، ومن أغلقَ عليه بابَه فهو آمِن،
ومن ألقى السلاحَ فهو آمِن».
وقال لقريشٍ يوم الفتح، وهم من هم في ماضِيهم الأسود،
وتاريخهم المُظلِم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وتعذيب المُستضعَفين،
وإيذاء المؤمنين، لقد قال لهم:
«ما تقولون أني فاعلٌ بكم؟».
فقالوا: أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم، فقال: «أقولُ كما قال أخي يوسف:
(لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين)
[يوسف:92]،
اذهبُوا فأنتمُ الطُّلَقاء».وحين قيل له: ادعُ على المشركين. فقال - صلى الله عليه وسلم -:
«إني لم أُبعَث لعَّانًا، وإنما بُعِثت رحمةً»؛
أخرجه مسلم.
وبعد، عباد الله:
فإليكم ميزانًا لا يختلف ومِعيارًا لا يُطفِّف، أحِبُّوا لغيركم ما تُحبُّون لأنفسكم،
واكرهوا لغيركم ما تكرهون لأنفسكم، وأحسِنوا كما تُحبُّون أن يُحسَن إليكم،
وارضَوا من الناس ما ترضَونَه لأنفسكم، ولا تقولوا ما لا تُحبُّون أن يُقال لكم،
ولا تظلِموا كما لا تُحبُّون أن تُظلَموا، وافعلوا الخيرَ مع أهله ومع غير أهله؛
فإن لم يكونوا من أهله فأنتم من أهله.
يا عبد الله:
كم من بلِيَّةٍ مُقبِلةٍ دفعَها معروفٌ لمسلمٍ بذلتَه، أو همٌّ لمهمومٍ فرَّجتَه،
أو مُحتاجٌ في ضائقةٍ أعنتَه، ومن قاسَ هجيرَ صنائع المعروف في الدنيا استظلَّ
في ظلال النعيم في الجنَّة، وخيرُ الناس أتقاهُم وآمرُهم بالمعروف وأنهاهُم عن المنكر،
وأوصلُهم لذي رحِمِه، ومن يُخالِطُ الناسَ ويصبِرُ على أذاهم
خيرٌ ممن لم يُخالِطِ الناس ولم يصبِر على أذاهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
(وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم (34)
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم (35)
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم)
[فصلت: 34- 36].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد - صلى الله عليه وسلم -،
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله، الحمد لله جامعِ الناسِ ليومٍ لا ريبَ فيه، يعلمُ ما يُسرُّ العبدُ وما يُخفِيه،
أحمده - سبحانه - وأشكره وأستغفِرُه وأستَهديه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ مُوقِنٍ بقلبِه مُعلِنٍ بفِيه،
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه قام بعبادة ربِّه حتى تفطَّرت قدماهُ
وصامَ وواصلَ فكان يبيتُ عند ربِّه يُطعِمُه ويسقِيه،
صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلامًا دائمًا طيبًا مُباركًا فيه،
والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومٍ لكل امرئٍ فيه شأنٌ يُعنيه.
أما بعد:
معاشر الأحبة، حُجَّاج بيت الله:
ومن حُسن التعامُل وآدابه: اليقين الجازم بأنه لا أحد يخلو من العيوب.
يقول سعيد بن المُسيّب - رحمه الله -: "ليس من شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيوبٌ".
لكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكَر عيوبُه؛ فمن كان فضلُه أكثرَ من نقصِه ذهبَ نقصُه لفضله،
وكم من الناس تنقُدُهم، فإذا رأيتَ غيرَهم حمِدتَّهم.
وقد قال نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في العلاقات الزوجية:
«لا يفرَكُ مؤمنٌ مُؤمِنةً، إن كرِهَ منها خُلُقًا رضِيَ منها آخَر»؛
رواه مسلم.
والناسُ - رحمك الله - يكرهون من لا ينسَى زلاَّتهم، ويُذكِّرهم بأخطائهم،
ومُواجهةُ الناس بأخطائهم هي أقصرُ طريقٍ للعداوة، ومن سترَ مسلمًا ستَرَه الله،
والمُتَّقون هم الكاظِمون الغيظَ والعافون عن الناس.
وقدِّر غيرَك تفُز بتقديره، وابتسِم للناس يبتسِموا لك، وتبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ،
إن استثارةَ العواطف النبيلة من نفوس الناس طريقٌ كريمٌ حكيم لكسبِهم والتأثير فيهم.
وفي التعامُل - حفظك الله - اجتنِب الحديثَ عن نفسك ونسبَ الفضائل لها،
وإلقاء التبِعَة على الآخرين، فما تتفاخَرُ به قد يراه الناسُ نقصًا وشذَرًا، وأحسِن الإنصات،
والمُقاطَعة في الحديث تجرحُ المشاعِرَ، ومن لم يشكُر الناسَ لم يشكُر الله،
ولا تظُنَّنَّ بكلمةٍ خرجَت من أحدٍ سُوءًا وأنت تجِدُ لها في الخير محمَلاً.
وبعد:
فإن الناسَ - وأنت منهم - عواطفُ أولاً، ثم عقولٌ ثانيًا.
فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فمن حسُنَ خُلُقُه بلغَ درجةَ الصائم القائم، والمؤمنُ يألَفُ ولا يُؤلَف،
ولا خيرَ فيمن لا يألَفُ ولا يُؤلَف، وخيرُ الناس أنفعُهم للناس.
هذا؛ صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيكم محمدٍ رسول الله،
فقد أمركم بذلك ربُّكم،
فقال في محكم تنزيله - وهو الصادقُ في قِيلِه -:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى،
والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين،
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،
واخذل الطغاة والظلَمة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك،
واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك،
واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحة والعافية،
وأمِدَّ في عُمره على طاعتك، اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه وأعوانه لما تحب وترضى،
وخُذ بنواصيهم للبر والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -،
واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ طاعتك، ويُهدَى فيه أهلُ معصيتك،
ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم إن إخواننا في الصومال جِياعٌ فأطعِمهم، وعُراةٌ فاكسُهم، وحُفاةٌ فاحمِلهم،
اللهم اشفِ مريضَهم، وارحَم ميِّتَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم،
اللهم وارفَع البأسَ عن البائسين، واكشِف الضرَّ عن المُتضرِّرين يا أرحم الراحمين.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا،
وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خير،
والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ، وأحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها،
وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذابِ الآخرة.
اللهم من أرادنا وأرادَ ديننا وديارَنا وولاة أمرنا وعلماءَنا وأمنَنا وأمتَنا واجتماعَ كلمتنا
سوءٍ اللهم فأشغِله بنفسه، واجعل كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه تدميرًا عليه يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين، اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يُعجزونك،
اللهم وأنزِل بهم بأسك الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأُ بك في نحورهم،
ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين،
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين،
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين،
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا،
فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا، واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك، وبلاغًا إلى حينٍ.
اللهم يسِّر للحُجَّاج حجَّهم، اللهم يسِّر للحُجَّاج حجَّهم، واجعل حجَّهم مبرورًا،
وسعيَهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، اللهم وأحسِن مُنقلبَهم،
وأعِدهم إلى ديارهم سالمين غانمين مقبولين، بمنِّك وجودِك يا أكرم الأكرمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار)
[البقرة:201].
سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 22-10-2011, 10:13 AM   #52
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف بتاريخ 23/11/1432 هـ



ألقى فضيلة الدكتور الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "دروس الحج"، والتي تحدَّث فيها
عن الدروس المُستنبَطة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -
في حج بيت الله الحرام.



الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فمن اتقاه وقاه، وأسعدَه ولا أشقاه.
معاشر المسلمين:
شرع الله - جل وعلا - العبادات لحِكَمٍ عظيمةٍ ومقاصد سامِية، وإن الحجَّ قد انتظَمَ من المقاصد أسماها،
ومن الحِكَم أعلاها، ومن المنافعِ أعظمَها وأزكاها، يقول - جل وعلا -:
(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)
[الحج: 27].
وإن المسلمين اليوم وهم يُعانون فتَنًا مُتلاطمةً، وشُرورًا مُتنوِّعةً، وبلايا مُتعدِّدة لفي أشدِّ الحاجة إلى أن يستلهِموا من فرائض الإسلام العِبَر والعِظات والدروس ليُوجِّهوا حياتَهم من مُنطلقات دينهم،
ويُعالِجوا مُشكلاتهم وأدواءَهم على ضوءِ ما يُوجِّهُهم إليه خالِقُهم،
ويُرشِدُهم إليه نبيُّهم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -.
عباد الله:
في الحجِّ تذكيرٌ بأن أعظمَ ما يجبُ أن يُهتمَّ به وأن يُحافظَ عليه وأن يُغرسَ في القلوب:
هو تحقيقُ التوحيد لله - جل وعلا -، تحقيقُ الغاية العُظمى في الخُضوع والتذلُّل له - عزَّ شأنه -
توجُّهًا وإرادةً قصدًا وعملاً.
فمناسِكُ الحجِّ دروسٌ كُبرى للمُسلم بأن يكون في حياته كلها مُحافِظًا على هذا الأصل في كل حينٍ وآن،
مُراعيًا له في كل جانبٍ، لا يسألُ إلا الله - جل وعلا -، ولا يدعو إلا إياه، ولا يستغيثُ إلا به،
ولا يتوكَّلُ إلا عليه، ولا يتعلَّق إلا به، ولا يطلبُ المددَ والعونَ والنصرَ إلا منه - سبحانه -،
مُستيقِنًا قلبُهُ أن الخيرَ كلَّه بيد الله - جل وعلا -، وأن أزِمَّةَ الأمور بيده - سبحانه -، ومرجعَها إليه، لا مانعَ لما أعطَى، ولا مُعطِي لما منَع.
فحرِيٌّ بالمسلم المُوفَّق الاهتمامُ بتلك المعاني كلها، وتحقيقها في حياته إلى أن يلقَى ربَّه؛
ليملاَ حياتَه بالخُضوع التام لله - جل وعلا -، والذلِّ المُتناهِي لخالِقِه - سبحانه -،
والاستقامة الكاملة على طاعته ولُزومِ طاعته.
يقول - سبحانه -:
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)
[البقرة: 197]،
وحين أمر بإتمام الحج والعمرة ختمَ الآيةَ بقوله:
(وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
[البقرة:196]،
وحين ذكرَ آخرَ المناسِك أوصى - جل وعلا - بتقواه:
(وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون)
[البقرة:203].
وسُورة الحجِّ، وهي سورةٌ كاملةٌ ذكر فيها - جل وعلا - مُعظمَ مناسكِ الحجِّ، يقول في أولها:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)
[الحج: 1]،
وتُختَم هذه السورةُ بقوله - جل وعلا -:
(فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير)
[الحج:78].
عباد الله:
من دروس الحجِّ: يجبُ أن تعلمَ الأمةُ أنه لا سعادةَ ولا نجاحَ ولا توفيقَ إلا
باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - والسيرِ على نهجِه، والمسيرة الجادَّة
على هديِه في الاعتقادات والأعمال، في الحكم والتحاكُم، في الأخلاق والسلوك.
لذا كان - صلى الله عليه وسلم - في كل منسَكٍ من مناسِكِ الحجِّ يُذكِّرُ بهذا المبدأ، فيقول:
«خُذُوا عنِّي مناسِكَكم».
فاتقوا الله - عباد لله -، واستلهِموا من هذه الفريضةِ خِصالَ الخير، وسُبُل السعادة،
وأسبابَ الفلاح، وذلك بالاستقامةِ على المنهَج الحقِّ والصراط المُستقيم.
أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُبارَكًا فيه.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
إنه لا رابطةَ تربِطُ المُسلمين إلا رابطةُ التوحيد، ولا نسبَ ثابتٌ إلا نسَبُ الدين،
فيجبُ أن تكون صِبغَتُه هي الصِّبغةُ السائدةُ على حياتنا، والتي يجبُ معها النبذُ التام
لحمِيَّة الجاهليَّة وفخَارِها، يقول - جل وعلا - في سِياق آياتِ الحجِّ: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)
[البقرة: 199].
فلماذا التفرُّق بين المسلمين وقد أمرَهم الله بالاعتصام بدينه؟ ولمَ التباغُض والتنافُر وقد أمرَ الله بالأُخُوَّة بين المؤمنين؟
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)
[الحجرات: 10].
فأين المسلمون من المقاصد العُظمى لدينهم؟ لماذا يكيدُ المُسلمُ لأخيه؟
ولماذا التفرُّق والتحزُّب وأُصولُ ديننا واحدةٌ، وقواعدُه العُظمى ثابتةٌ؟
لماذا التفرُّق والخِلاف في جُزئيَّاتٍ وفروعٍ وقد نصَّ المُحقِّقون من علماء الإسلام أن الخلافَ
في الفروع لا يجوزُ أبدًا أن يكون سببًا للتنافُر والتفرُّق؛ لأنه يهدِمُ أُصولَ الإسلام العُظمى.
ولهذا أشار إلى ذلك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، مُحذِّرًا من عواقِبِ التفرُّق والتحزُّب،
فيقول في خُطبة الوداع:
«إن دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحُرمة يومكم، في بلدكم هذا، في شهرِكم هذا».
فالحجُّ - أيها المُسلمون - يجبُ أن يكون بدايةً لنغرِسَ في النفوسِ حياةً للمُسلمين
تُراعَى فيها حُرُمات الله؛ لتقوم في الأرض حياةٌ يأمَنُ فيها البشرُ من البَغيِ والعُدوان،
حياةٌ يجِدون فيها مثابةَ أمنٍ، ودَوحَةَ سلامٍ واطمئنانٍ.
فربُّنا - جل وعلا - يقول:
(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً)
[البقرة: 125]،
ويقول:
(وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)
[آل عمران: 97]. صَلُّوا
ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين
وعن الصحابة أجمعين، وعن الآلِ ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذِلَّ الشركَ والمُشركين،
اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المُسلمين، اللهم فرِّج هُمومَنا وهمومَ المسلمين،
اللهم اكشِف كُرُبات المسلمين في كل مكانٍ.
اللهم هيِّئ للمسلمين في ليبيا وفي سُوريا وفي مصر وفي اليمن حياةً طيبةً آمِنة ولسائر بلاد المسلمين.
اللهم اجمع المسلمين على الحق والتقوى، اللهم اجمع المسلمين على الحق والتقوى،
اللهم اجعلهم مُتعاوِنين على البرِّ والخير يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعلهم إخوةً مُتحابِّين في الله
وفي محبَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
اللهم احفظ هذه البلاد من كل سوءٍ ومكروهٍ وسائر بلاد المسلمين،
اللهم احفظ بلادَ المسلمين جميعًا من كل سوءٍ ومكروهٍ يا ذا الجلال والإكرام،
اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء سائر بلاد المسلمين،
اللهم اجعل المسلمين في أمنٍ ورخاءٍ واستقرارٍ.
اللهم اجعل هذا الحجَّ مُنطلقًا إلى كل خيرٍ للإسلام والمسلمين يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم فرِّح قلوبَنا بنُصرة الإسلام والمسلمين،
اللهم فرِّح قلوبَنا بنُصرة الإسلام والمسلمين في كل مكان،
اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوءٍ فأشغِله في نفسه،
واجعل تدميرَه في تدبيره يا رب العالمين.
اللهم احفظ خادمَ الحرمين، اللهم ازرقه الصحةَ والعافيةَ، والعُمر المَديد ولنائبيْه
يا ذا الجلال والإكرام بمثل ذلك، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات.
اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين،
اللهم رُدَّهم إلى بلادهم سالِمين غانِمين.
اللهم يا حيُّ يا قيُّوم نسألُك أن تغفِر لنا ذنوبَنا، وأن تُكفِّر عنَّا سيئاتنا،
وأن تُصلِح أحوالَنا، وأن تشفِيَ مرضانا ومرضى المُسلمين.







  رد مع اقتباس
قديم 29-10-2011, 12:03 PM   #53
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف بتاريخ 1/12/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "الحج وفضائله"،

والتي تحدَّث فيها عن فضائل الحج وبيان عِظَم منافعه الدنيوية والأخروية،
ثم ذكَّر في خطبته الثانية بضرورة الإكثار من الأعمال الصالحة في أيام العشر
واغتنامها بما ينفعُ العبدَ في الدارَين.



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، وراقِبوه في السرِّ والنجوى.
أيها المسلمون:
الله - سبحانه - هو الغنيُّ القويُّ، وما سواه مُفتقِرٌ إليه مُحتاجٌ له؛ فلم يخلُق الخلقَ تكثُّرًا بهم ولا تقويةً لجلاله؛ بل خلقَهم لحكمةٍ عظيمةٍ هي: عبادتُهم له، وبعبادتهم له يسعَدون.
ولفضله ورحمته بخلقه شرعَ لهم أعمالاً أقوالاً يتقرَّبون بها إليه، ولتتضاعَفَ أجورُهم ولتُقضَى عنده حاجاتُهم، وفاضَلَ - سبحانه - بين عباداته فجعل تحقيقَ التوحيد والعملَ به واجتنابَ نواقِضه أجلَّ عملٍ يُحبُّه الله، وإظهارَ هذه العبادة بالقول أزكى الأقوال إليه، قال - عليه الصلاة والسلام -:
«أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»؛
رواه مسلم.
بل جعل - سبحانه - توحيدَه شرطًا لقَبول أي عملٍ صالحٍ، وإن انتقضَ هذا الشرطُ لم ينتفِعِ العبدُ بعمله ورُدَّ إليه، قال - سبحانه -:
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين)
[الزُّمَر:65].
ولتحقيق أساس الدين وإظهاره في أقوال العباد وأعمالهم نوَّع - سبحانه - الطاعات والأعمال الصالحة ليُعظَّمَ الربُّ في كل حين، فما أن ينتهي موسمٌ إلا ويعقُبُه بموسمٍ آخر يُظهِرون فيه توحيدَه - سبحانه - والتذلُّل إليه.
فشرعَ - سبحانه - أطولَ عبادةٍ بدنيَّةٍ مُتصلةٍ يتلبَّسون بها أيامًا لإظهار إفراد الله بالعبادة وحده، وأن عبادة ما سواه باطلة، ولتكُو بها أبدانُهم وأموالُهم، وتطهُر بها قولبُهم وأفواهُهم، فمن أدَّاها كما أمره الله عادَت صحائِفُ أعماله بلا أدرانٍ ولا خطايا، قال - عليه الصلاة والسلام -:
«من أتَى هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَتْه أمُّه»؛
متفق عليه.
ويتعرَّضُ الحُجَّاج في هذه العبادة لنفَحَاتِ ربهم في مكانٍ عظيم، وفي يومٍ هو أكثرُ أيامٍ تُعتقُ فيه الرقابُ من النار، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«ما من يومٍ أكثرُ من يُعتِقَ اللهُ فيه عبدًا من النار من يومِ عرفة، وإنه ليدنُو ثم يُباهِي بهم الملائكة، فيقولُ: ما أراد هؤلاء؟»؛
رواه مسلم.
ومن كان حافظًا لحجِّه مما حرَّم الله وعدَه الله بالجنة، قال - عليه الصلاة والسلام -:
«الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة»؛
متفق عليه.
الحجُّ ركنٌ من أركان الدين مليءٌ بالمنافع والعِبَر، أمرَ - سبحانه - فِعلَه في أطهر بُقعةٍ وأشرفِها، ليجتمِعَ شرفُ العمل والمكان، بنى الخليلُ فيها بيتَ الله وأسَّسه على التقوى والإخلاص، وأبقَى الله ما بناه إبراهيم ليرَى العبادُ أنه لا يبقى من العمل إلا ما كان خالصًا لوجه الله.
ويستفتِحُ الحُجَّاجُ عبادتَهم بإظهار الوحدانية لله وحده، والبراءة من عبادة ما سواه:
"لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريكَ لك لبَّيك".
والشهادةُ لا تتمُّ إلا بطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - واقتفاءِ أثَره، وتقبيلُ الحجر الأسود منهجٌ في الطاعة والابتاع، فتقبيلُه تعبُّدًا لا تبرُّكًا بالحجر، فهو لا ينفعُ ولا يضُرُّ.
جاء عمر - رضي الله عنه - إلى الحجَر فقبَّله فقال:
"إني أعلمُ أنك حجرٌ لا تضُرُّ ولا تنفَع، ولولا أني رأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقبِّلُك ما قبَّلتُك"؛
رواه البخاري.
وفي التلبُّس بالإحرام دعوةٌ للنفس إلى عصيان الهوى؛ فلا لُبس مخيطٍ ولا مسَّ طِيبٍ ولا خِطبةَ نكاح.
وسوادُ الحجر الأسود تذكيرٌ للعباد بشُؤم المعصيةِ حتى على الجمادات، وعِظَمُ أثرها على القلب أشدُّ، قال - عليه الصلاة والسلام -:
«نزلَ الحجرُ الأسودُ وهو أشدُّ بياضًا من اللبن، فسوَّدَته خطايا بني آدم»؛
رواه الترمذي.
ويرى الحاجُّ أثرَ المعصية على العاصي، فإبليسُ ظهر على إبراهيم ثلاث مراتٍ ليمنَعه عن امتثال أمر ربِّه بذبح ابنه إسماعيل، فرماهُ الخليلُ بالحجَر مُهينًا ومُظهِرًا له العداوة، وعودةُ خروجه على الخليل تذكيرٌ من الله لنا بأن إبليس يُعاوِدُ وسوستَه لبني آدم وفي عدة مواطن.
والحجُّ إعلامٌ بأن الإسلامَ هو الدينُ الحق، فلا ترى خلقًا يجتمعون من بِقاع الأرض على تبايُن أجناسِهم ومواطِنهم وطبقاتهم إلا في الحج، وهذا من عظمة الإسلام.
وفي الحجِّ إظهارُ معنًى من معاني الربوبية، وأن قلوبَالعباد يُصرّفُها الله كيف يشاء، فيرى الحاجُّ وغيرُه أن الهدايةَ بيد الله وحده، يمنحُها للفقير وللمرأة وللعاجز وللآفاقي والعجمي، وقد يُحرَمُ منها الغنيُّ القويُّ القادر، وفضلُ الله يُؤتيه من يشاء.
وفي أداء هذا الركن انتظامُ عبادةٍ بعد أخرى، ودقَّةٌ في العمل والزمن، فعبادةٌ بالليل؛ كالمبيت بمُزدلِفة، وأخرى بالنهار؛ كالوقوف بعرفة، وعبادةٌ باللسان بالتكبير والتلبية، وأخرى بالجوارح؛ كالرمي والطواف، وفي هذا إيماءٌ إلى أن حياةَ المسلم كلَّها لله.
والأعمالُ بالخواتيم، وقد يُرى أثرُ خِتامها في المحشَر؛ فالمُتصدِّقُ يُظلُّ تحت ظلِّ صدقَته، والعادلُ في حُكمه على منابِرَ عن يمين الرحمن، ومن مات مُحرِمًا بُعِثَ مُلبِّيًا.
وعلى العبد إذا انشقَّ فجرُ يومه أن يُعِدَّه خِتامَ عُمره، عملاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«كُن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابِرُ سبيلٍ»؛
رواه البخاري.
ومن علَّق قلبَه بالله والدارِ الآخرة وقصَّرَ أملَه في الدنيا وتزوَّد بزاد التقوى ظفَرَ بالنجاة والفلاح.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق (27)
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ
فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير)
[الحج:27، 28].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أيها المسلمون:
خصَّ الله أمكنةً بالشرفِ والفضلِ، واختارَ الله من العام أزمِنةً يزكُو بها العملُ الصالحُ ويتضاعَف، فاختارَ من الشهور: أشهُر الحجِّ ورمضان، ومن الليالي والأيام: العشرَ الأخيرَة من رمضان وعشرَ ذي الحجَّة، وأيامُ ذي الحجَّة تفضُلُ على أيام العشرِ الأواخِر من رمضان؛ قال - عليه الصلاة والسلام -:
«ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام - يعني: أيام العشر -».
قالوا: يا رسول الله: ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال:
«ولا الجهادُ في سبيل الله، إلا رلٌ خرجَ بنفسه وماله فلم يرجِع من ذلك بشيءٍ»؛
رواه الترمذي.
ومن العمل الصالح فيها: المزيدُ من برِّ الوالدين وصِلَة الرَّحِم، والصدقَة والصوم، والذكر وتلاوة القرآن، وتفريجِ الكُرُوب والتكبير.
وكان الصحابةُ - رضي الله عنهم - يُكبِّرون حتى في الأسواق.
أيها المسلمون:
فاضَلَ الله بين أحوالِ الناس في الحياة؛ فمنهم من يُوفَّقُ إلى فعل الخيراتِ والمُسارعَةِ إلى الحسنات، والاستجابةِ إذا طُلِبَت منه معونةٌ أو تفريجُ كُربةٍ يحتسِبُ ذلك عند ربِّه عالمًا بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وهذا الصِّنفُ من الناس يُسعِدُه أن يقضِي حاجةً، أو أن يُعينَ مريضًا، أو يُؤوِي فقيرًا، أو يُطعِم جائعًا، أو يُفرِّجَ كُربةً، فترى القلوبَ له مُحبَّةً، والألسُن له داعيةً، ولفقدِه حزينة.
ومن الناس من يُحرَمُ مثل ذلك، ولا يُسارِعُ إلى فعل الطاعات.
فاحرِصوا أن تكونوا من السبَّاقين؛ فإنكم مُلاقُوا ربِّكم ومجزيُّون بأعمالكم، وتذكَّروا قولَ الله - سبحانه -:
(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (133)
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين)
[آل عمران:133، 134]،
وقولَه - سبحانه -:
(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه)
[الزلزلة:7، 8].
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيِّه، فقال في محكم التنزيل:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا)
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجُودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم سلِّم الحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم اجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، وأعِدهم إلى بلادهم سالِمين غانِمين، واجمَع كلمتَهم على الحقِّ والبرِّ والتوحيد يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا لهداك، وألبِسه لباسَ الصحة والعافية، ووفِّق وسدِّد وليَّ عهده واجعله ناصيةَ خيرٍ وبرٍّ للإسلام والمسلمين، اللهم اغفر لفقيد هذه البلاد، وارفع درجتَه في المهديين، واجبُر كسرَ مُصاب المسلمين به يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين)
[الأعراف:23].
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
[النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 29-10-2011, 12:06 PM   #54
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 1/12/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "الصبر وثمراته"،
والتي تحدَّث فيها عن الصبر وأهميته وأدلته من الكتاب والسنة،
وعِظَم أجر المُتحلِّين به ، و ذكر عددًا من ثمراته مما ذُكِر في الوحيَيْن القرآن والسنة.



الحمد لله يحبُّ الصابرين، ويُبشِّرهم بصلواتٍ منه ورحمةٍ ويُثنِي عليهم فيصِفُهم بالمُهتدين، أحمده - سبحانه - حمدَ عباده الصابرين الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نرجو بها الفوزَ والنجاةَ يوم الدين، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله خاتمُ النبيين وإمامُ الصابرين وقائدُ الغُرِّ المُحجَّلين، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، وراقِبوه،
واعلَموا أنكم مُلاقوه
{ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون }
[النحل:111].
أيها المسلمون:
نزولُ البلايا وحُلول المصائِب في ساحةِ العبد على تنوُّعها وتعدُّد ضُرُوبها، وما تُعقِبُه من آثار وما تُحدِثُه من آلامٍ يتنغَّصُ بها العيشُ ويتكدَّرُ صفوُ الحياة؛ حقيقةٌ لا يُمكِنُ تغييبُها، ولا مناصَ من الإقرار بها؛ لأنها سُنَّةٌ من سُنن الله في خلقه، لا يملِكُ أحدٌ لها تبديلاً ولا تحويلاً، غيرَ أن الناسَ تتبايَنُ مواقفُهم أمامَها:
فأما أهل الجَزَع ومن ضعُف إيمانُه واضطربَ يقينُه فيحمِلُه كل أولئك على مُقابلة مُرِّ القضاء ومواجهة القدَر بجزَعٍ وتبرُّمٍ وتسخُّطٍ تعظُمُ به مُصيبتُه، ويشتدُّ عليه وقعُها فيربُو ويتعاظَم، فينوءُ بثِقَلها ويعجِزُ عن احتمالها، وقد يُسرِفُ على نفسه فيأتي من الأقوال والأعمال ما يزدادُ به رصيدُه من الإثم عند ربِّه، ويُضاعِفُ نصيبَه من سخَطِه، دون أن يكون لهذه الأقوال والأعمال أدنى تأثيرٍ في تغيير المقدور أو دفع المكروه.
وأما أولو الألباب؛ فيقِفُون أمامَها موقفَ الصبر على البلاء والرضا ودمع العين، لا يأتون من الأقوال والأعمال إلا ما يُرضِي الربَّ ويُعظِمُ الأجرَ ويُسكِّنُ النفسَ ويطمئنُّ به القلبُ، يدعوهم إلى ذلك ويحُثُّهم عليه ما يجِدونه في كتاب الله من ذكر الصبر وبيان حُلو ثِماره وعظيمِ آثاره؛ فمن ذلك:
ما فيه من ثناءٍ على أهله، ومدحٍ لهم بأنهم هم الصادقون المُتَّقون حقًّا؛ كقوله - عزَّ اسمه -:
{ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون }
[البقرة:177]،
وكقوله - سبحانه -:
{ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار }
[آل عمران:17].
وما فيه من إيجاب محبَّة الله لهم ومعيَّته - سبحانه - لهم المعيَّة الخاصة التي تتضمَّن حفظَهم ونصرَهم وتأييدَهم؛ كقوله:
{ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين }
[آل عمران:146]،
وكقوله:
{ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين }
[الأنفال:46].
ومن إخبارٍ بأن الصبرَ خيرٌ لأصحابه:
{ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرين }
[النحل:126].
ومن إيجابِ الجزاءِ لهم بغير حسابٍ:
{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب }
[الزُّمَر:10].
ومن إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم:
{ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون }
[النحل:96].
ومن إطلاق البُشرَى لأهل الصبر:
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين }
[البقرة:155].
ومن ضمان النصر الربَّاني والمدَد الإلهي:
{ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا
يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِين }
[آل عمران:125].
ومن ذلك: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في وصيَّته المشهورة له:
«واعلم أن النصرَ مع الصبرِ».
ومن إخبارٍ بأن أهل الصبر هم أهل العزائم الذين لا تلِينُ لهم قناةٌ في بُلوغ كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة:
{ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُور }
[الشورى:43].
ومن إخبارٍ بأنه ما يُلقَّى الأعمالَ الصالحةَ وجزاءَها والحُظوظَ إلا أهل الصبر؛ كقوله:
{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا
وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُون }
[القصص:80]،
وقوله أيضًا:
{ وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم (34)
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم }
[فُصِّلَت:34، 35].
ومن إخبارٍ أنه إنما ينتفعُ بالآيات والعِبَر أهلُ الصبر؛ كقوله:
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور }
[إبراهيم:5]،
وكقوله في شأن أهل سبأ:
{ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور }
[سبأ:19].
ومن إخبارٍ بأن الفوزَ بالمطلوب والظَّفَر بالمحبوب والنجاة من المكروب والسلامة من المرهوب ونزولَ الجنة إنما نالَه أهلُ الصبر:
{ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب (23) سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار }
[الرعد:23، 24].
وبأنه يُعقِبُ المُستمسِك به منزلةَ الإمامة في الدين؛ قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "سمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين، ثم تلا - رحمه الله - قولَه تعالى:
{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون }
[السجدة:24]".
فلا عجبَ إذًا أن يكون للصبر تلك المنزلةُ العظيمةُ التي عبَّر عنها أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب - رضيب الله عنه - بقوله:
"إن الصبرَ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجَسَد، ألا لا إيمان لمن لا صبرَ له".
وأن يُدرِك المرءُ بالصبر خيرَ عيشٍ في حياته، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:
"خيرَ عيشٍ أدركناه في الصبر".
وأن يكون الصبرُ ضياءً كما وصفَه رسول الهدى - صلوات الله وسلامه عليه -، وذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه"، والإمام أحمد في "مسنده".
وأن يكون الصبرُ خيرَ وأوسَعَ عطاءٍ يُعطاهُ العبد، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، والبخاري ومسلم في "صحيحيهما" - واللفظ للبخاري - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأنصار الذين سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفِدَ ما عنده، قال:
«ما يكونُ عندي من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومن يستعفِف يُعِفّه الله، ومن يستغنِ يُغنِه الله، ومن يتصبَّر يُصبِّره الله، وما أُعطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر».
وأن يكون أمرُ المؤمن كلُّه خيرًا له؛ لأنه دائرٌ بين مقامَي الصبر والشُّكر، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلمٌ في "صحيحه"، والإمامُ أحمد في "مسنده" عن صُهيب بن سِنان - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:
«عجبًا لأمر المؤمن إن أمرَه كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابَته سرَّاء شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرَّاءُ صبَرَ فكان خيرًا له».
ألا وإن من أشدِّ البلاء وقعًا على النفس: موتَ الأحِبَّة، لا سيَّما أعلامُ النُّبلاء منهم من ذوي التأثير البارِزِ في حياةِ الناس ومن لهم يدُ فضلٍ وبِرٍّ جازَت بهما الحُدود، وعمَّت القاصيَ الداني، وكان للإسلام منهم مواقفُ عظيمةٌ مشهودة، وكان للمسلمين وقفاتٌ مُباركةٌ داعمةٌ غيرُ محدودةٍ بحُدود الزمان أو المكان؛ من مثل من فقدَته الديارُ السعودية والمسلمون قاطبةً هذه الأيام، ألا وهو: سموُّ الأمير سُلطان بن عبد العزيز وليُّ العهد - رحمه الله رحمةً واسعة، وغفرَ له في المهديين، ورفع درجاته في عليِّين، وألحقَه بصالحِ سلفِ المؤمنين -، آمين، آمين، والحمدُ لله رب العالمين على قضائه.
وإن العينَ لتدمَع، وإن القلبَ ليحزَن، ولا نقولُ إلا ما يُرضِي الربَّ: إنا لله وإنا إليه راجِعون، إنا لله وإنا إليه راجِعون، إنا لله وإنا إليه راجِعون.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،
إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله وليِّ الصابرين، أحمده - سبحانه - حمدَ الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نُرضِي بها ديَّان يوم الدين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله إمامُ المُتقين وقُدوة العابدين، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله:
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - في بسطِ مدلول قوله تعالى:
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرِ الصَّابِرِين }
[البقرة:155].
قال: "أخبرَ تعالى أنه يبتلِي عبادَه؛ أي: يختبرهم ويمتحِنهم، كما قال تعالى: ولنبلونكم .. أخباركم}، فتارةً بالسرَّاء، وتارةً بالضرَّاء. مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ ؛ أي: بقليلٍ من ذلك. وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ أي: بذهابِ بعضها وَالأنفُسِ كموت الأصحاب والأقارب والأحباب وَالثَّمَرَاتِ أي: لا تُظِلُّ الحدائق والمزارِعُ كعادتها، وكلُّ هذا وأمثالُه مما يختبِرُ الله به عبادَه؛ فمن صبرَ أثابَه، ومن قنطَ أحلَّ به عقابَه، ولهذا قال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِين . ثم بيَّن تعالى مَن الصابرون الذين شكَرَهم فقال:
{ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون }
[البقرة:156]
أي: تسلَّوا بقولهم هذا عمَّا أصابَهم، وعلِموا أنهم مُلكٌ لله يتصرَّفُ في عبيده بما يشاء، وعلِموا أنه لا يضيعُ لديه مِثقالُ ذرَّةٍ يوم القيامة، فأحدثَ لهم ذلك اعترافًا بأنهم عبيدُه وأنهم إليه راجِعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبرَ تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ أي: ثناءٌ من الله تعالى عليهم".
وقال سعيدُ بن جُبيرٍ - رحمه الله -: "الصلواتُ أمَنةٌ من العذاب".
وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون قال أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "نِعمَ العِدلان ونِعمَت العِلاوة، أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ فهذان العِدلان، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون فهذه العِلاوة - وهي: ما تُوضَع بين العِدلَيْن، وهي زيادةٌ في الحِمل، وكذلك هؤلاء أُعطُوا ثوابَهم وزِيدُوا أيضًا -"؛ أخرجه الحاكم في "المستدرك" بإسنادٍ صحيحٍ.
فاتقوا الله - عباد الله -، وكونوا من الصابرين على مُرِّ القضاء تفوزوا بأجرِكم، يُوفِّيه إليكم ربُّكم يوم القيامة بغير حسابٍ.
وصلُّوا وسلِّموا على خير خلق الله: محمد بن عبد الله؛ فقد أُمِرتم بذلك في كتاب الله:
{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خيرَ من تجاوزَ وعفا.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء.
اللهم وفِّقه ونائبَه وإخوانه إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد، يا من إليه المرجِعُ يوم المعاد.
اللهم أحسِن عاقبتَنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك.
اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيكَ آمالَنا، واختِم بالصالحات أعمالَنا.
{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب }
[آل عمران:8]،
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
[الأعراف: 23]،
{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }
[البقرة: 201].
وصلِّ اللهم وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 30-10-2011, 12:14 AM   #55
معلومات العضو
صلوا على نبينا محمد





الراقيه غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 26
الراقيه is on a distinguished road


اوسمتي



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

جهد مشكور،،
جزاك الله كــــــــــــــــل خير000







  رد مع اقتباس
قديم 06-11-2011, 03:33 PM   #56
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى بتاريخ 8/12/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صلاح البدير - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "يوم عرفة يومٌ عظيم"،
والتي تحدَّث فيها عن عِظَم يوم عرفة وذكر بعض فضائله، وأشار إلى بعض العِبَر المأخوذة من مناسك الحج.


الحمد لله، الحمد لله بارئِ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِلِ القِسَم، مُبدِع البدائع، وشارِعِ الشرائِع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضِيًّا، أحمدُه وقد أسبَغَ البرَّ الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربِّه، ورجا العفوَ والغُفرانَ لذنبه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّين إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
بالتقوى تحصُل البركة، وتندفعُ الهلَكة،
{(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)}
[الأحزاب: 70، 71].
أيها المسلمون:
بين الجِبال والتِّلال، والمهابةِ والجلالِ، والبهاءِ والجمال، وفي البلد الأمين والحرمِ الآمِن تجتمعُ قوافلُ الحجيج، وتكتملُ حُشُودُهم ووفودُهم، وفي الرحابِ الطاهرة يسكُبُون عبَرات الشوق وخشَعات الإنابة ودموعَ التوبة.
والحُجَّاجُ والعُمَّارُ وفدُ الله دعاهم فأجابوا، وسألوه فنالوا، والحجُّ يهدِمُ ما قبلَه، ومن حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ من ذنوبه كما ولدَته أمُّه، والحجَّةُ المبرورةُ ليس لها ثوابٌ إلا الجنة.
فهنيئًا لمن وردَ مشارِعَ القبول، وخيَّم بمنازل الرحمة، ونزلَ بحرمِ الله الذي أوسعَه كرامةً وجلالاً ومهابةً.
أيها المسلمون:
ما أعظمَها من أيامٍ، وما أجلَّها من مواسم، وغدًا يوم عرفة يومٌ شريفٌ كريم، وعيدٌ لأهل الموقفِ عظيمٌ، يومٌ تُعتَقُ فيه الرِّقابُ، يومٌ تُعتَقُ فيه الرِّقابُ، يومٌ تُعتَقُ فيه الرِّقابُ، ويُسمَعُ فيه الدعاءُ ويُجابُ، وما من يومٍ أكثر من أن يُعتِقَ الله - عز وجل - فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنُو ثم يُباهِي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟
وخيرُ الدعاء دعاءُ يوم عرفة؛ فأظهِروا فيه التوبةَ والاستغفار، والتذلُّل والانكِسار، والندامةَ والافتقار، والحاجةَ والاضطرار.
أيها المسلمون:
ويُستحبُّ صيامُ يوم عرفة لغير الحاجِّ، وصيامُه يُكفِّرُ السنةَ الماضيةَ والباقية، ويُستحبُّ التكبيرُ عقِبَ الصلوات المفروضات من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، والمسبوقُ ببعض الصلاة يُكبِّر إذا فرغَ من قضاء ما فاتَه، ويُكبِّرُ الحُجَّاج ابتداءً من صلاة الظهر يوم النَّحْر.
أيها المسلمون:
قدِّسوا الحرَم، وعظِّموا حُرمتَه، وراعُوا مكانتَه، وتذكَّروا شرفَ الزمان وجلالةَ المكان، والتزِموا بالأنظمة والتعليمات التي تصدُرُ من الجهات المسؤولة، واحذَروا ما يُعكِّرُ صفوَ الحجِّ، أو يُخالِفُ مقاصِدَه، أو يُنافِيَ أهدافَه.
ولا يليقُ بمن دخلَ في النُّسُك وتلبَّس بالإحرام وقصدَ البيتَ الحرام أن يخرجَ عن حُدود الشرع، أو يجعل الحجَّ سبيلاً للخُصومات والمُنازعَات، والمُلاحاة والمُجادلات، والنداءات والشِّعارات والنَّعرات، والتجمهُرات والمُظاهرات والمسيرات، والحجُّ أجلُّ وأسمَى وأعلى من أن يكون مسرحًا للخلافات الحِزبيَّة والمذهبيَّة والسياسية، والحجُّ المبرورُ هو الحجُّ السالمُ عن التجاوُزات والتعدِّيات والجنايات.
والدولةُ السعودية - أيَّدها الله تعالى - أعطَت الحجَّ عَنان العناية وقصَبَ الرعاية، ووجَّهَت جهودَها، وجنَّدَت جُنودَها، وحشدَت حُشُودَها لأمن الحاجِّ، وسلامة الحاجِّ، وصحَّة الحاجِّ، وراحةِ الحاجِّ.
فاحذَروا الأفعالَ المُخزِية، والمسالِكَ المُردِية، والمزالِقَ المُترِبة، والمواقِع المُهلِكة المُنافِية للشرع الحكيم، والعقل السليم.
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البينات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الحمد لله، الحمد لله الذي لا خيرَ إلا منه، ولا فضلَ إلا من لدُنه، الخلقُ بيديه، ولا اعتمادَ إلا عليه، ولا ملجأَ ولا منجا منه إلا إليه، أحمدُه حمدًا لا انقطاعَ لراتِبِه، ولا إقلاعَ لسحائبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سميعٌ لراجِيه، قريبٌ ممن يُناجِيه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبدُه ورسوله ونبيُّه، وصفيُه ونجِيُّه، ووليُّه ورضِيُّه، وأمينُه على وحيِه، وخِيرتُه من خلقِه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب،
{(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)}
[آل عمران: 102].
أيها المسلمون:
هذه التوبةُ قد شُرِعَت أبوابُها، وحلَّ زمانُها، ونزلَ أوانُها، فهُبُّوا من نومةِ الرَّدَى، وأفيقُوا من رقدَة الهَوى، وامحُوا سوابِقَ العصيان بلواحِق الإحسان، ولتكن مواسمُ الخيرات والعشرُ المُباركات بدايةَ عودتكم، وانطلاقةَ رجُوعكم، وإشراقَ صُبحكم، وتباشِيرَ فجركم، وادلِفوا إلى باب الإنابة، وانزِعوا عن الخطيئة، وأقلِعوا عن المعصية، ولا تُؤخِّروا التوبة، وتخلَّصوا من حقوق الناس، ورُدُّوا الحقوقَ إلى أصحابها، وطهِّروا لُقمتَكم عن الحرام؛ فالحرامُ وبالٌ على صاحبه، تنالُه سُقبَتُه، وتُدرِكُه نقمتُه، وتلحَقُه عقوبتُه، وفي الطيِّبِ غُنيةٌ عن الخبيث، وفي الحلال كفايةٌ عن الحرام.
ومن تابَ وأنابَ تابَ الله عليه، والتائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له.
ثم اعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون - من جنِّه وإنسِه، فقال قولاً كريمًا:
{ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)}
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا وسيدنا محمد بشير الرحمة والثواب ونذير السَّطوة والعقاب الشافع المُشفَّع يوم الحساب، اللهم وارضَ عن جميع الآل والأصحاب، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك يا كريم يا وهَّاب.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم أئمَّتَنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وأصلِح له بِطانتَه يا رب العالمين.
اللهم واجزِ خادمَ الحرمين الشريفين الملكَ عبدَ الله بن عبد العزيز ووليَّ عهده الأميرَ نايف بن عبد العزيز خير الجزاء وأوفاه على بذلهم وعطائهم وخدمتهم للحرمين الشريفين والمشاعر المُقدَّسة وحُجَّاج بيتك الحرام، اللهم متِّعهما بالصحة والعافية يا كريم.
اللهم واحفظ رجالَ أمننا، اللهم واحفظ رجالَ أمننا، اللهم واحفظ رجالَنا العاملين في الحج، واجزِهم خيرَ الجزاء، وارفع درجاتهم، وكفِر سيئاتهم يا كريم يا غنيُّ يا رحيم.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وادفع شرَّ الكائدين ومكرَ الماكرين وعُدوان المُعتدين وتربُّص المُتربِّصين وكيدَ الحاسدين وحسدَ الفاجِرين وفُجور المنافقين يا رب العالمين.
اللهم احفظ الحُجَّاج والزُّوَّار والمُعتمرين، اللهم احفظ الحُجَّاج والزُّوَّار والمُعتمرين، اللهم تقبَّل مساعِيَهم وزكِّها، وارفع درجاتهم وأعلِها، اللهم حقِّق لهم من الآمال أعلاها، ومن الخيرات أقصاها، اجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَكم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا يا رب العالمين.
اللهم أصلِح أحوالَ إخواننا في اليمن والشام، اللهم أصلِح أحوالَ إخواننا في اليمن والشام، اللهم أصلِح أحوالَ إخواننا في اليمن والشام يا كريم.
اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفَهم عبرةً وآيةً.
اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك، اللهم تُب علينا برحمتك وإحسانِك، اللهم تُب علينا برحمتك وإحسانِك، اللهم تُب علينا برحمتك وإحسانِك، وتفضَّل علينا بفضلك وامتِنانِك يا كريم.
عباد الله:
{(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)}
[النحل: 90].
فاذكروا الله العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 06-11-2011, 03:35 PM   #57
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 8/12/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "وصية الله لحجاج بيته الحرام"،
والتي تحدَّث فيها عن بعض الوصايا الإلهية والتوجيهات النبوية لحُجَّاج بيت الله الحرام ومُعتمِريه وزائريه، وقد أرشد فيها إلى بعض التعليمات الواجب التنبُّه لها من الحُجَّاج والمُعتمرين.


الحمد لله، الحمد لله فالق الإصباح، والحمد لله بُكرةً وعشيًّا وفي الغُدُوِّ وفي الرَّوَاح،
الحمد لله الذي وفدَ له الحَجيجُ من كل ناحيةٍ وساحٍ، وجعل الحجَّ والمشاعِرَ مزادةً للتقوى،
ومهوًى للنفوس، ومنهلاً للأرواح، وجعل بيتَه المُعظَّم حرمًا لا يُستباح، وحِمًى لا يُعضَدُ شوكُه،
ولا يُنفَّرُ صيدُه، ولا يُشهَرُ به سلاح،
أشهد أن لا إله إلا الله وحده الأحدُ الحميد لا شريك له ولا شَبيه ولا نَديد،
وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله سيدُ من حجَّ البيتَ وطافَ،
صلَّى الله عليه وعلى آله وعلى صحابته الأسلاف، ومن اتَّبَعهم واستنَّ بهديِهم من التابعين والأخلاف،
وسلِّم يا رب تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، أيها المسلمون:
وصيةُ الله للأولين والآخرين تقوى الله:
{ (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)}
[النساء: 131]،
ووصيةُ الله لحُجَّاج بيته تقوى الله:
{(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)}
[البقرة: 197].
أيها المسلمون:
حُجَّاج بيت الله الحرام! شكرَ اللهُ سعيَكم، وبارَكَ خطوَكم، وأدامَ سعدَكم، قد وطِئتُم أرضَ الحرَم،
وتلبَّستُم بالنُّسُك الأعظم، واكتحلَت عيونُكم بمرأى الكعبةِ المُشرَّفة، وبلغتُم هذا البيتَ العتيق،
وشرعتُم في مناسِكِ الحجِّ، فلكم تُزفُّ التهاني ببُلوغِ هذه الأماني،
والله المسؤول أن يُتِمَّ حجَّم ويُيسِّر أمرَكم وأن يتقبَّل منكم.
فلله ما أهناكم! والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَته أمُّه»
- أي: نقيًّا من الذنوب والخطايا -؛ رواه البخاري ومسلم.
وفي "الصحيحين" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«العُمرةُ إلى العُمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة».
فيا لها من منحةٍ تطرَبُ لها النفوسُ المؤمنةُ، وتهُونُ في سبيلها كلُّ المتاعِب والصِّعاب.
أيها المسلمون في كل مكان:
حُجَّاج بيت الله الحرام! أيامُكم هذه أيامٌ عظَّم اللهُ أمرَها، وشرَّفَ قدرَها،
وأقسمَ بها في كتابه العزيز، فقال - جلَّ شأنُه -:
{(وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ) }
[الفجر: 1، 2].
وقال عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام».
قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:
«ولا الجهادُ في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجِع من ذلك بشيءٍ»؛
أخرجه البخاري.
وعند الإمام أحمد:
«فأكثِروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحمِيد».
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
كبِّروا ليبلُغ تكبيرُكم عَنانَ السماء، كبِّروا فإن اللهَ عظيمٌ يستحقُّ الثناء، أكثِروا من الأعمال الصالحة،
وتزوَّدوا من ساعات هذه الأيام ولياليها، فهي التجارة الرابحة، واعلموا أن لله تعالى نفَحَات فاستكثِروا من الصالحات، وتطهَّروا من دَنَس المعاصي والسيئات، إن العُمر لا يعُود، والمَوسِمَ لا يدُوم،
{ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).}
عباد الله، حُجَّاج بيت الله الحرام:
هذا هو اليومُ الثامنُ من ذي الحجَّة، وفي ضُحاهُ يُحرِمُ من يُريدُ الحجَّ ويذهبُ إلى مِنَى
فيُصلِّي بها الظهرَ في وقتها قصرًا والعصرَ في وقتها قصرًا
والمغربَ في وقتها والعشاء في وقتها قصرًا، ويبيتُ بمِنَى هذه الليلة،
فإذا صلَّى بها الفجرَ وطلَعَت شمسُ اليوم التاسع توجَّه إلى عرفات وصلَّى بها الظهر جمعًا وقصرًا،
ثم يقِفُ على صعيد عرفات مُكثِرًا من ذكر الله تعالى، مُتذلِّلاً بين يديه يسألُه خيرَي الدنيا والآخرة،
ويُلِحُّ في الدعاء والرجاء في ذلك الموقف العظيم؛ فإن الحجَّ عرفة،
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال أيضًا:
«خيرُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شيءٍ قديرٌ»؛
رواه الترمذي.
وفي ساحةِ الغُفرانِ في عرفات تخشَعُ القلوبُ، وتَذرِفُ العيون، تُسكَبُ العَبَرات، تُقالُ العَثَرات،
وتُرفَعُ الدرجات، ويُباهِي اللهُ بحُجَّاجه ملائكةَ السماوات، ويقول - سبحانه -:
«انظروا إلى عبادي أتَوني شُعثًا غُبرًا ضاحِين من كلِّ فجٍّ عميقٍ، أُشهِدُكم أني غفرتُ لهم».
عباد الله:
ومن لم يكن حاجًّا فيُستحبُّ له صيامُ يوم عرفة مُحتسِبًا أن يُكفِّرَ اللهُ عنه السنةَ الماضيةَ والباقيةَ،
كما قال ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم.
وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«ما من يومٍ أكثر من أن يُعتِقَ اللهُ فيه عبدًا من النار من يوم عرفة،
وإنه ليدنُو ثم يُباهِي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»؛
رواه مسلم.
فإذا غربَت الشمسُ، انصرَفَ إلى مُزدلِفَة بسكينةٍ ووقارٍ، وصلَّى بها المغربَ والعشاء جمعًا،
ويقصُرُ العشاء، ويبيتُ بمُزدلِفةَ تلك الليلة، ويُصلِّي بها الفجرَ،
ويُكثِرُ من ذكر الله ومن الدعاء حتى يُسفِرَ جدًّا، ثم ينصرِفُ إلى مِنَى قُبيلَ طُلوع الشمس،
ويجوزُ للضَّعَفة من النساء والصبيان ونحوِهم الانصرافُ من مُزدلِفة بعد نصف الليل،
ويتحقَّقُ ذلك بغروب القمر.
فإذا وصل الحاجُّ إلى مِنَى رمى جمرة العقبة بسبع حصَيَاتٍ مُتعاقباتٍ يُكبِّرُ مع كل حَصاة،
ثم ينحَرُ الهديَ إن كان عليه هَدي، ثم يحلِقُ رأسَه أو يُقصِّرُه، والحلقُ أفضل، ثم يتوجَّه للبيت الحرام
إن تيسَّر له يوم العيد وإلا بعده، فيطوفُ طوافَ الإفاضة، ثم يسعَى بين الصفا والمروة،
فإن كان قارِنًا أو مُفرِدًا وقد سعى قبل الحجِّ بعد طوافِ القُدُوم فيكفيه سعيُه ذلك،
ومن قدَّمَ شيئًا أو أخَّر شيئًا من أعمال يوم النحر، فلا حرج عليه.
ثم يعودُ إلى مِنَى، ويبيتُ بها ليالي أيام التشريق، ويرمِي الجِمارَ الثلاث في كل يومٍ بعد زوال الشمس،
ثم إن شاءَ تعجَّل في يومين، وإن شاء تأخَّر لليوم الثالث عشر - والتأخُّر أفضل -،
ثم لا يبقَى عليه إلا طوافُ الوداعِ عندما يُريدُ السفرَ من مكة.
أيها المسلمون:
ولقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - مواطنُ يُكثِرُ فيها من الدعاء حريٌّ بالمُسلمِ أن يتحرَّاها،
وأن يحرِصَ عليها؛ منها: يوم عرفة - وبالأخصِّ آخر النهار -،
وبعد صلاة الفجر بمُزدلِفة حتى يُسفِر جدًّا، وبعد رمي الجمرة الأولى،
وبعد رمي الجمرة الثانية من أيام التشريق، وكذا الدعاء فوق الصفا والمروة.
فاجتهِدوا في تمام حجِّكم، واتقوا الله فيما تأتون وتذَرُون، وأخلِصوا لله في عملكم وقصدِكم،
واتَّبِعوا الهُدى والسنَّة، واجتنِبوا ما يخرِمُ حجَّكم أو يُنقِصُه،
وعليكم بالرِّفقِ والسكينةِ والطُّمأنينة والشَّفَقَة والرحمة بإخوانكم المُسلمين -
سيَّما في مواطن الازدحام، وأثناء الطواف، ورميِ الجِمار، وعند أبوابِ المسجد الحرام -.
واستشعِروا عِظَمَ العبادة وجلالة الموقف، جعل الله حجَّكم مبرورًا، وسعيَكم مشكورًا، وذنبَكم مغفورًا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.


الحمد لله، الحمد لله الذي جعل مواسِمَ الخيرات مربحًا ومغنَمًا، وأيام البركات إلى جناته طريقًا وسُلَّمًا،
وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، أيها المسلمون:
لقد بُنِي هذا البيتُ العتيقُ مُؤسَّسًا على التوحيد ولأجل التوحيد:
{ (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)}
[الحج: 26].
ومنذ أن دخلتَ النُّسُك وأنت مُعلِنٌ للتوحيد: "لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك،
إن الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك".
وفي ثنايا آيات الحج يقول الله تعالى:
{ (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)}
[الحج: 30، 31].
وفي حديث جابرٍ - رضي الله عنه - في صفة حجِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"ثم أهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد: لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك"؛
رواه أبو داود.
فأخلِصوا دينَكم لله، وتفقَّدوا أعمالَكم ومقاصِدَكم.
عباد الله:
وفي مناسِك الحجِّ تربيةٌ على إفراد الله بالدعاء والسؤال والطلب،
مع التوكُّل عليه واللجُوءِ إليه، والاستغناء عن الخلق والاعتماد على الخالق:
{ (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)}
[الجن: 18]،
لا نبيًّا ولا وليًّا، ولا مكانًا ولا رسمًا.
كما لا يجوزُ أن يُحوَّلَ الحجُّ إلى ما يُنافِي مقاصِدَه، فلا دعوةَ إلا إلى الله وحده،
ولا شِعارَ إلا شِعارُ التوحيد والسنة.
أيها المسلمون:
والحجُّ عبادةٌ فريدةٌ تجمعُ ملايين البشر المُتدفِّقين لأداء النُسُك شوقًا، التاركين لدنياهُم طوعًا؛
فأيُّ مشهدٍ أبهى من هذا التجمُّع الإيماني العظيم، فيه اجتماعُ الأمة وائتلافُها، وتظهَرُ قِيَمُها وأخلاقُها،
{ (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)}
[البقرة: 197].
قِيَم التسامُح والإخاء والبُعد عن الخلاف والمِراء، قِيَمُ المُساواة والعدل والأُخُوَّة والمحبة،
قِيَمُ القناعة والبَساطة في تجرُّد الحاجِّ من متاع الدنيا في لِباسِه ومسكنه ومنامه،
يتربَّى على ترك الترفُّه، ويتحمَّلُ المشقَّة والتضحية.
من الحجِّ نستلهِمُ المُراجعات السُّلُوكية لكثيرٍ من القِيَم والأخلاق.
حُجَّاج بيت الله العتيق:
الحجُّ جهادٌ، ولا بدَّ في الجهاد من مشقَّة، وتركُ الترفُّه مقصودٌ،
وعلى الحاجِّ أن يصبِرَ ويحتسِبَ في إتمام حجِّه كما أمر الله آخِذًا نُسُكَه من رسول الله.
ومن الخُذلان أن يتتَبَّعَ الإنسانُ الرُّخَص ويزهَدَ في السنن، ويرجِعَ بحجٍّ مُشوَّه،
ويتنازَل عن كمال النُّسُك، ولا يتنازَلُ عن نقص الخدمات في الطعام والشراب والسَكَن،
والله تعالى يقول:
{(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)}
[البقرة: 196]،
اجعلوا هذه الآيةَ شِعارَكم.
حُجَّاج بيت الله الحرام:
تعلَّموا أحكامَ مناسِكِكم، واسألوا عن عباداتكم، وتحرَّوا صحةَ أعمالكم قبل إتيانِها،
تفرَّغوا لما جِئتُم لأجله، واشتغِلوا بالعبادة والطاعات؛ فإن ما عند الله لا يُنالُ بالتفريط.
أكثِروا من الدعاء والتضرُّع، والهَجوا بذكر الله في كل أحوالكم؛
فنبيُّكم - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«إنما جُعِل الطوافُ بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله»؛
رواه أبو داود، والترمذي.
وربُّكم تعالى يقول:
{ (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ
وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)}
[البقرة: 198- 200].
حُجَّاج بيت الله الحرام:
تبذُلُ الدولةُ برجالاتها وأجهزتها ومُؤسَّساتها الحُكومية وغير الحُكُومية جهودًا هائلةً
لخِدمتكم وتيسير حجِّكم، والنظامُ وُضِعَ لمصلحتكم، والجهودُ كلُّها لأجلكم، فالتزِموا التوجيهات،
واتَّبِعوا التعليمات، وابتعِدوا عن مواطن الزحام، وتعاوَنوا مع رجال الأمن والأجهزة الحكومية.
لا تُغلِقوا الطرقات، ولا تجلِسوا في الممرات، واستشعِروا ما أنتم فيه،
وكونوا على خير حالٍ في السُلُوك والأخلاق، والزَموا السكينةَ والوَقار،
واجتهِدوا وسدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا وأمِّلوا؛ فإنكم تقدُمون غدًا على ربٍّ كريمٍ.
تمنَّ على ذي العرشِ ما شئتَ إنه جوادٌ كريمٌ لا يُخيِّبُ سائلاً

تقبَّلَ الله حجَّكم، وأعانكم على تمام النُّسُك، وأحاطكم بحفظِه ورعايته.
هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية:
محمد بن عبد الله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد،
وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، وارضَ اللهم عن الأئمة المهديين،
والخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين،
ومن سار على نهجهم واتبع سنَّتهم يا رب العالمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،
ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا،
وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين، اللهم وفِّقه لهُداك،
واجعل عمله في رضاك، وهيِّئ له البِطانة الصالحة، اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين،
وارفع به لواءَ الدين، اللهم جازِه بالخيرات والحسنات على خدمة الحرمين الشريفين
والعناية بالحُجَّاج والمُعتمِرين، وأتِمَّ عليه الصحة والعافية،
اللهم وفِّق وليَّ عهده وسدِّده وأعِنه على ما حُمِّل، واجعله مبارَكًا مُوفَّقًا لكل خيرٍ وصلاح.
اللهم اغفر للأمير سلطان بن عبد العزيز، وارحمه، وتجاوز عنه، وأسكِنه فسيحَ جناتك.
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن،
وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين،
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم اجمعهم على الحق والهدى،
اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خَلَّتهم، وأطعِم جائعَهم،
اللهم انصرهم على من ظلمَهم.
اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان، واجمعهم على الحق يا رب العالمين،
اللهم انصر المسلمين في فلسطين على الصهاينة المُحتلِّين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك.
{(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)}
[البقرة: 201].
اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا،
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.
اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين،
اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، ويسِّر لهم أداء مناسِكهم آمِنين، وتقبَّل منَّا ومنهم أجمعين.
اللهم وفِّق رجالَ الأمن والعاملين لخدمة الحُجَّاج، وجازِهم بالخيرات والحسنات يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبقًا مُجلِّلاً عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ،
تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضرِ والبادِ.
اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق.
ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.
سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 12-11-2011, 09:45 AM   #58
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف بتاريخ 15/12/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "سُبُل المحافظة على الطاعات"،
والتي تحدَّث فيها عن المحافظة على الطاعات والتي تكون بالاستقامة عليها والثبات،
والمُداومة على فعلها والمُسارعة في تأديتها، ومُجاهَدة النفس على العبادة والبُعد عن المحظورات.



الحمد لله على نعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ العلاَّم،
وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه - عليه أفضلُ الصلاة والسلام -.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي سببُ الفلاح في الدنيا وفي الأخرى.
أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله:
هنيئًا لكم على نعمةِ إتمامِ النُّسُك - بحمد الله - بسلامةٍ وعافيةٍ وراحةٍ واطمئنان، أتمَّ الله - جل وعلا -
على جميع المؤمنين النِّعَم ودفعَ عنهم النِّقَم، وجعل الله حجَّكم مبرورًا، وسعيَكم مشكورًا،
وذنبًنا ذنبَكم مغفورًا.
أما بعد، فيا عباد الله:
الحجُّ المبرورُ يُكفِّرُ الله به السيئات، ويرفعُ به الدرجات، ويُدخِلُ به الجنَّات،
ولكن للحجِّ المبرورِ علاماتٌ يُعرفُ بها،
ذكرَها أهلُ العلم من خلال استقراء النُّصوص من القرآن والسنَّة.
ألا وإن أعظم تلك العلامات: أن يستقيمَ العبدُ على طاعة الله - جل وعلا -،
وأن يرجِعَ الحاجُّ راغبًا في الآخرة، مُشمِّرًا إلى المُسارعة إلى الأعمال الصالحة،
مُلتزِمًا طاعةَ الله - جل وعلا - حتى الممات؛ استِجابةً
لقول الله - جل وعلا -:
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}
[الحجر: 99].
نعم؛ إن من علامات قبول الطاعات - ومنها الحجُّ -: الاستقامةَ الدائمةَ على البرِّ والتقوى،
وربُّنا - جل وعلا - يقول لمن غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر - وهو أمرٌ لأمَّته -:
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
[هود: 112]،
{فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ}
[فصلت: 6].
جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله!
قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًا بعدك. فقال:
«قُل: آمنتُ بالله، ثم استقِم».
أيها المسلمون:
إنها الاستقامة التي تتضمَّنُ كمالَ الذلِّ لله - جل وعلا - وتمام المحبَّةِ له - عزَّ شأنُه -،
مع الصبر على فعلِ المأموراتِ واجتِنابِ المحظورات، والصبر على المقدورات،
مع اتباعِ محاسنِ الأخلاق ونبيلِ الصفات.
جاء رجلٌ إلى الحسن البصري، فقال له: إن جزاء الحجِّ المبرور المغفرة. فقال له الحسن:
"آيةُ ذلك: ألا يقودَ إلى سيِّئِ ما كان عليه من العمل".
وذكرَ ابنُ رجبٍ وغيره أن رجلاً حجَّ ثم باتَ مع قومه في مكة، فدعَته نفسُه إلى معصية الله،
فسمِعَ هاتِفًا يقول: يا هذا! ألم تُحُجَّ؟!
فجعل الله ذلك سببًا لعِصمته من ذلك الذنب.
أيها المسلمون:
إنه وإن كان الحجُّ له جزيلُ الثواب وعظيمُ الأجر؛
فإن أعظم ما ينبغي أن يُعتَنى به في هذه الحياة اغايةُ العُظمى، وهي: تحقيقُ الإيمان لله - جل وعلا -.
سُئِل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أيِّ الأعمال أفضلُ؟ قال:
«إيمانٌ بالله، ثم جهادٌ في سبيل الله، ثم حجٌّ مبرور»؛
وهو في "الصحيحين".
فالإيمانُ بالله - جل وعلا - هو الغايةُ التي خُلِق الخلقُ من أجلها:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
[الذاريات: 56]،
إنه الإيمانُ المُتضمِّنُ تحقيقَ التوحيد بإفراد الله - جل وعلا - بالعبادةِ والخوفِ والرجاء
والإنابةِ والتوكُّلِ والدعاء، فالمؤمنُ الصادقُ هو الذي لا يعبُدُ إلا الله - جل وعلا -،
ولا يدعُو ويسألُ إلا ربَّه - سبحانه -، فلا يطلُبُ كشفَ ضُرٍّ ولا جلبَ نفعٍ إلا من الله - عز وجل -،
فربُّنا - جل وعلا - يقول:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}
[يونس: 106].
والآياتُ في هذا كثيرةٌ جدًّا.
ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعودٍ يقول:
«من ماتَ وهو يدعُو من دون الله نِدًّا دخل النار»؛
رواه البخاري.
وخرَّج مسلمٌ من حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
«من لقِيَ اللهَ لا يُشرِكُ به شيئًا دخلَ الجنةَ، ومن لقِيَه يُشرِكُ به شيئًا دخلَ النارَ».
إنه الإيمانُ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطاعته فيما أمر، واجتِنابِ ما نهى عنه وزجَر،
وألا يُعبَدَ الله - جل وعلا - بشيءٍ إلا بما شرَعَه وقرَّرَه بقوله أو فعله أو تقريره.
وأما المُجاهَدة في سبيل الله؛ فإن أعظمَها: مُجاهَدةُ النفس على طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد روى أحمد - بإسنادٍ حسن -، ورواه الترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ" - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«المُجاهِد من جاهدَ نفسَه في سبيلِ الله».
جاء رجلٌ إلى أحد كِبار الصحابةِ فقال له: إني أريدُ أن أغزُو. فقال:
"عليك أولاً بنفسك فاغزُها، وعليك بنفسِك فجاهِدها في سبيل الله".
ألا وإن أعظمَ المُجاهَدة: أن يُجاهِدَ الإنسانُ نفسَه على فعل المأمورات؛ ومن ذلك: المُحافَظة على الصلوات المفروضة، وألا يُشغِلَ الإنسانَ عنها شيءٌ إلا لعُذرٍ قاهرٍ.
جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم - أنه قال:
«ألا أدلُّكم على ما يمحُو اللهُ به الخطايا، ويرفعُ به الدرجات؟ إسباغُ الوضوء على المكارِه،
وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاة، وكثرةُ الخُطا إلى المساجِد، فذلكم الرِّباطُ،
فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباطُ».
ألا وإن أعظم المُجاهَدة للنفس: أن يحفَظ الإنسانُ نفسَه - لسانًا ويدًا وجوارِح -
من أن يُؤذِيَ إخوانَه المؤمنين بقولٍ أو فعل؛ فإن من أعظم ما يُكدِّرُ الحسنات
حقوقُ المخلوقين، فنبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -
يقول في الحديث الصحيح:
«المُهاجِر من هجرَ ما نهَى الله عنه، والمُسلمُ من سلِمَ المُسلِمون من لسانِه ويدِه».
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حذَّرَنا من الإفلاس الحقيقي،
حينما قال:
«أتدرُون من المُفلِس؟». قالوا: المُفلِسُ هو من لا دِرهَم عندَه ولا دِينار. قال:
«المُفلِس: هو من يأتي بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وصومٍ وحجٍّ، ثم يأتي يوم القيامة وقد شتمَ هذا،
وضربَ هذا، وأخذَ مالَ هذا، فيأخُذُ هذا من حسناته، وهذا من حسناته،
فإن فنِيَت حسناتُه أُخِذ من سيئاتهم فطُرِحت عليه، فطُرِح في النار».

أيها المسلمون:
إن من المُجاهَدة للنفس: أن يكون الإنسان ذا همَّةٍ عالية، ونفسٍ شريفةٍ توَّاقةٍ إلى فعل الخيرات،
فصحابةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سمِعوا
قولَ الله - جل وعلا -:
{ (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) }
[البقرة: 148]،
{ (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) }
[الحديد: 21]
حرِصَ كلُّ واحدٍ أن يكون هو المُسارِع المُسابِقَ لغيره في ذلك.
يقول عمر - رضي الله عنه -: "ما استبَقنا إلى خيرٍ إلا سبَقَنا إليه أبو بكرٍ" - رضي الله عن الجميع -.
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«لا حسدَ إلا في اثنتَيْن: رجلٍ آتاه الله مالاً فهو يُنفِقُ منه سرًّا وجهرًا،
ورجلٍ آتاه الله القرآن فهو يتلُوه ويُعلِّمُه آناءَ الليل وناء النهار».
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}
[فصلت: 30].
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعَنا بما فيه من الآيات والهُدى والفُرقان،
أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه،
إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين،
وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه عليه أفضلُ الصلاة والتسليم إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها الناس:
أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -، فهي وصيةُ الله للأولين والآخرين.
عباد الله:
إن خِتامَ الأعمال الصالحة يكونُ بالاستِغفار؛ ومن ذلك: الحجُّ،
{(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)}
[البقرة: 199].
إنه الاستغفار الذي يكون باللسان ويُواطِئُه القلبُ، وتُقارِنُه التوبةُ النَّصُوح،
وإلا فمن استغفرَ بلسانِه وقلبُه على المعاصي معقود، وأن يرجِعَ إلى السيئات ويعُود؛
فيُخشَى عليه أن يكون بابُ القبول عنه مسدودًا وعن الإجابةِ مردودًا.
إن الله - جل وعلا - حينما ذكر أحكامَ الحجِّ أوصَى عبادَه في آخر آيةٍ تتحدَّثُ عن أحكام الحجِّ
في سورة البقرة بوصيَّةٍ عظيمة، وهي: تقوى الله - جل وعلا - سرًّا وجهرًا
في جميع الأحوال في الأقوال والأفعال:
{(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) }
[البقرة: 203].
ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وأنعِم على نبيِّنا وسيِّدِنا محمد،
وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين:
أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن الآلِ والصحابة أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم الطُف بعبادك المؤمنين،
اللهم الطُف بعبادك المؤمنين،
اللهم الطُف بعبادك المؤمنين،
اللهم أنزِل عليهم رحمةً من رحماتك يا ذا الجلال والإكرام تُغنيهم بها عمن
سواك، تُصلِحُ بها أحوالَهم، وتلُمُّ بها شعَثَهم.
اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان،
اللهم احفظ المسلمين في كل مكان،
اللهم احفظهم في الشام وفي اليمن،
اللهم احفظهم في الشام وفي اليمن وفي سائر البُلدان.
اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ إخواننا المُؤمنين في مصر وفي تونس وفي ليبيا،
اللهم ارزُقهم الحياةَ الطيبةَ والعيشةَ الرضِيَّة، واجعلهم مُجتمعين
على الحق والبرِّ والتقوى يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين لما تُحبُّ وترضى،
اللهم أطِل في عُمره على الطاعة والتقوى،
اللهم أطِل في عُمره وعُمرنا على البرِّ والتقوى،
اللهم وأيِّد بهما الحقَّ يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين لخدمة رعاياهم،
اللهم اجمع بينهم وبين رعاياهم على الحقِّ والتقوى يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم ارحَم المسلمين، اللهم اغفر لهم، اللهم اغفر لنا ولهم،
اللهم اغفر لنا ولهم، اللهم اغفر لنا ولهم يا غفور يا رحيم.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات.
اللهم لا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا،
اللهم لا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا،
اللهم اجعلنا من أهل الفلاح والسعادة،
اللهم اجعلنا من أهل الفوز والنجاح يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين،
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين،
اللهم مُنَّ على إخواننا حُجَّاج بيت الله بالعودة إلى بُلدانهم
سالمين غانِمين تائبين آيِبين يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم انفَعنا بهدي القرآن،
اللهم انفَعنا بهدي القرآن وبسُنَّة سيد ولد عدنان - عليه أفضل الصلاة والسلام -.
اللهم أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ،
اللهم أنزِل علينا الغيثَ،
اللهم أنزِل علينا الغيثَ،
اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا يا حيُّ يا قيُّوم.
عباد الله:
اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 12-11-2011, 09:49 AM   #59
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 15/12/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "ما بعد الحج"،
والتي تحدَّث فيها عما يعقُب مناسكَ الحج من المُداومة على الطاعات، والمُسارعة إلى فعل الحسنات وترك السيئات، وأشادَ بجهود خادم الحرمين والقائمين على تيسير المناسك للحُجَّاج والمُعتمرين، ونبَّه على ضرورة تعلُّم آداب وأحكام زيارة المسجد النبوي الشريف.



إن الحمد لله، نحمده ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، أحمده - سبحانه - أكمل لنا المناسك وأتمَّ،
وأسبغَ على الحَجيج فضلَه المِدارارَ الأعمَّ،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نسمُو بها إلى أعلى القِمَم،
وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أزكى من أدَّى المناسِكَ وطافَ بالبيت العتيق وأمَّ،
وأبانَ معالمَ الدين ورسَم بأبلغِ عبارةٍ وأوجزِ الكلِم، صلَّى الله عليه وعلى آله الأطهارِ صفوةِ الأُمَم،
السالكين النهجَ القويمَ الأَمَم، وأصحابِه الأخيارِ أُسدِ العَرين ولُيُوثِ الأَجَم،
والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ ما قصدَ المسجدَ الحرام حاجٌّ والتزَم،
وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله! حُجَّاج بيت الله الحرام:
اتقوا الله - تبارك وتعالى - حقَّ التقوى؛ فإنها أنفسُ الذخائِر، والأثرُ الجليلُ لما أدَّيتُم من أعظم الشعائر،
فتقوى الله - سبحانه - ضياءُ الضمائر، ونورُ البصائر، وترياقُ السرائر، وخيرُ عاصمٍ من الجرائر،
{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}
[البقرة: 197].
يريدُ المرءُ أن يُؤتَى مُناهُ
ويأبَى اللهُ إلا ما أرادا
يقول المرءُ: فائدتي ومالي
وتقوى اللهِ أعظمُ ما استفادا
وفودَ الرحمن! أيها الحُجَّاج الكرام:
منذ أيامٍ قلائل نعِمتم بإكمال مناسكِ الركنِ الخامسِ من أركان الإسلام، وأحدِ مبانيه العِظام،
في أجواءٍ إيمانية سعيدةٍ، وأوضاعٍ أمنيَّةٍ فريدة،
فاقدُرُوا هذه النعمةَ الكبرى التي يغبِطُكم عليها سائرُ الأمم، واشكروا المولى - سبحانه -؛
حيث أفاضَ عليكم أزكَى المِنَن والنعَم، وغمَرَكم فضلُ الباري بالحجِّ إلى البيت الذي جعله مثابةً وأمنًا للناس،
وفي ذلك الأجرُ الجزيلُ بغير قياس، وعلى إثر ذلك ودَّعَت أمتُنا الإسلامية مناسبةَ عيد الأضحى الغرَّاء،
وأيامَه العبِقَة الزهراء؛ إذ المقامُ بعدئذٍ مقامُ شكرِ المُنعِم - سبحانه -:
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}
[إبراهيم: 7].
فاشكروه تعالى حقَّ شكره، واذكروه - جل وعلا - حقَّ ذكره؛
فقد وقفتُم بأزكى البِطاح ترجُون غفرانَ الذنوب والجُناح، وتأمُلون الفوزَ بالأجر والفلاح،
وقد نقعتُم أنفسَكم وأرواحَكم في مُغتسَل المغفرة ونفحاتها، وسحجتُم الآثامَ بشآبيب الرحماتِ وهبَّاتها،
تدعون ربَّكم بألسنةٍ طاهرة وقلوبٍ خاشعة ونفوسٍ مُنكسِرةٍ ضارِعة وأعيُنٍ بالعَبَرات سكَّابةٍ دامِعة.
عيونٌ إلى الرحمنِ ترنُو ضراعةً
فينهَلُّ فيضٌ من مدامِعِها سكبًا
حجيجٌ كموجِ البحر في زحمةِ التُّقَى
يُلبِّيه ربُّ العالمين إذا لبَّى

فعلى صعيدِ عرفاتٍ لهَجتُم إلى الله بالتجاوُز عما كان من السيئات وفات، ووقفتُم - أحبَّتنا الحُجَّاج -
موقفَ المُفتقِر المُحتاج، فأحرزتُم غايةَ الحُبور والابتِهاج، ونحرتُم الأضاحِيَ والهدايا بمِنَى،
ورميتُم الجمرات للمُنى، وحلَّقَت أرواحُكم في أنداء الصفا بالسعي بين المروة والصفا،
وعند الركن والمقام انهلَّت منكم العبَراتُ السِّجام.
وعند الرُّكنِ تنحسِرُ الخطايا
مُلملِمَةً جوانِحَها انهِزامًا
فتنشرِحُ الصدورُ بطِيبِ ذكرٍ
أماطَ الكربَ عنها والقَتَاما
ومن كان بهذه المثابة؛ فأحرِ به أن يُكرِمَه المولى بعظيمِ الأجر والإنابة،
وحقيقٌ به أن يعمُرَ بالبُرُور والقُرُبات أوقاتَه وأزمانَه، وأن يُطلِقَ دومًا للحسنات عِنانَه.
فهنيئًا لكم، ويا بُشراكم بقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -:
«والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة»؛
خرَّجه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
الله أكبر؛ لكأنها كلماتٌ من لؤلؤ على بِساطٍ من سُندُس.
معاشر الحَجيج الأكارِم:
وها قد انعطفتُم في حياتِكم إلى عهدٍ جديدٍ، وميلادٍ مباركٍ سعيد، مُشرِقةٍ صفحاتُه، نقيَّةٍ أوقاتُه،
سنيَّةٍ ساعاتُه، وها قد انقَضَت المناسِك؛ فماذا بعدُ أيها الناسِك؟!
ألا فالزَموا المُداومَةَ على الأعمال الصالحة والثبات، والاستقامةَ عليها حتى الممات،
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}
[الحجر: 99].
وتزوَّدوا - يا رعاكم الله - من مناهلِ حجِّكم بالتوبة النَّصوح واليقين المتين، والنفسِ الزكيَّة،
والسجايا السنيَّة لخوضِ غِمار الحياة بصالح الأعمال وخالصِ النيَّة، وحُسن استثمار هذه الدنيا الدنيَّة.
قيل للحسن البصري - رحمه الله -: ما الحجُّ المبرور؟ قال:
"أن تعودَ زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة".
أمةَ الإسلام، حُجَّاج بيت الله الحرام:
ومُقتضى الحجِّ المبرور: التغييرُ إلى مرافِئِ الرُّقِيِّ والحُبُور، وذلك بالاعتصام بحبل الله المتين،
والتوادُدِ والاتفاق ونبذِ التنازُع والافتراق، والتواصِي بالصلاحِ ومكارمِ الأخلاق،
واجتِنابِ المُوبِقات والمُنكراتِ ودواعِي النفاق.
فطهِّروا ألسنتَكم من الكذبِ والغِيبَة والآثام، ومنكرِ القولِ والشِّتام،
وزكُّوا قلوبَكم فإنها محلُّ نظرِ ذي الجلال والإكرام.
فيا حُجَّاج بيت الله كونوا على المنهاجِ روَّادًا عِظامًا
وتلك العُروةُ الوُثقى شِعارٌ فلا ترضَوا لعُروتها انفِصامًا
معاشر المسلمين، والحُجَّاج الميامين:
ولا بُدَّ لهذه المناسبة الكريمة ومناسِكِها العظيمة أن نستلهِمَ منها الآيات والعِبَر،
والتذكُّر في صُروفِ الدَّهر وما له من غِيَر؛ فإن هذه الفريضةَ العظيمةَ منبعٌ ثرٌّ للتسامُح والتحاوُر،
والتضامُن والتشاوُر، تتجلَّى فيها أسمَى صور الأمة الواحدة التي اجتمعَت على هدفٍ واحد،
فلا ينبغي أن يمرَّ موسمٌ إلا وتعلَّمَت الأمةُ من هذا التجمُّع الكبير دروسًا بليغة،
وخرجَت بطاقاتٍ فريدة، تُستَمَدُّ من هذه الجُموع المُبارَكة.
وأرضُ الحرمين - حرسَها الله - منحَت العالمَ - بفضل الله - صُور المُسامَحة والتعاوُن،
وقِيَم الأمن والأمان، وكم في هذه الفريضة من المشاهد الإسلامية والإنسانية،
والصُور الحضارية التي لا تظهر إلا في هذه البِقاع الطاهرة،
لتُدرِكَ الأمة أنها بغير الإيمان والعقيدة وبدون الاعتصام بالكتاب والسنة لن ولا ولم تكن شيئًا مذكورًا،
وأن عواملَ الخلافِ والفُرقة لن تحمِلَ غيرَ الشتاتِ والضياع.
وإننا باسم الأمة الإسلامية قاطبةً لنُناشِدُ من مهبِطِ الوحي ومنبَعِ الرسالة قادةَ الأمة
وشُعوبَها القيامَ بدورهم التأريخي في العمل على بثِّ الأمن والاستقرار في مُجتمعاتهم،
ونبذِ العُنفِ والقمعِ والقتلِ والعُدوان، ورفعِ الظلمِ والبغيِ والطغيان،
مُدرِكين أن الوعيَ الحَصيفَ هو السبيلُ - بعد الله - لاختيار طريق التوحيد والوَحدة
لا التخبُّط والاضطرابِ والفَوضَى.
فالتحدِّيات المُتسارعة، والمُتغيِّراتُ المُتلاحِقة لهذه الأمة تستدعِي منها أن تعِيَ مخاطرَ المُستقبَل
فتستشرِفَه بكل ثقةٍ واقتِدار، وها هو الزمانُ يسيرُ بنا سيرًا حثيثًا ولسانُ العِبَر والعِظات
يتلُو علينا كلَّ يومٍ حديثًا، عروشٌ زالَت، ودولٌ دالَت، وأخرى انتصَرَت وقامَت،
وكذا ذو المَنون تعثامُ الخِيَرة الأعلام والأعِزَّةَ الكرام والأقارِبَ والأرحام، أسكنَهم الله فسيحَ الجِنان،
وجزاهم عنا وعن المسلمين أعظمَ الأجر والإحسان. وهكذا الدنيا راحلٌ بعد راحِل،
وعِبَرٌ لكل مُتدبِّرٍ عاقل.
فكونوا - يا عباد الله الكرام، ويا حُجَّاج بيته الحرام - من المُشمِّرين للدار الآخرة،
الساعين للمنازل العالية الفاخِرة.
أيها الإخوة المؤمنون:
ومن شُكر المُنعِم المُتفضِّل - جل جلاله -: التحدُّث بما حبَى الله بلاد الحرمين الشريفين - حرسَها الله -
من شرفِ خدمةِ الحُجَّاج مُحتسِبَةٍ الأجرَ والمثوبةَ من الله - جلَّ في عُلاه -،
ومُضيِّها في خدمةِ ضُيوف الرحمن مُستمِدَّةٍ العونَ من المولى - تبارك وتعالى -،
فخدمةُ الحُجَّاج والمُعتمِرين، ورعايةُ أمنِهم وطمأنينتهم تقعُ في أعلى مسؤولياتها
وقمة اهتماماتها، مُستشعِرةً في ذلك عِظَمَ الأمانة المُلقاةِ على عاتقها.
ومن فضل الله وتوفيقه تحقيقُها النجاحات المُتميِّزة في تقديم منظومةِ الخدماتِ المُتألِّقة
في الجوانب كافَّتها، وهنا لا بُدَّ من إزجاء تحيةِ اعتزازٍ وتقدير، ودعاءٍ وتوقير للقائمين
على شؤون وفود الرحمن بكل حِذقٍ وتفانٍ أن يجزِيَهم الله - سبحانه - خيرَ الجزاء وأوفاه،
وأعظمَه ومُنتهاه.
والدعاءُ موصولٌ للجُنود المجهولين الساهرين على خدمةِ الحَجيجِ وراحتهم على تنوُّع اختصاصاتهم،
لا سيَّما في لجنة الحجِّ العُليا والمركزية والأمنية والعلمية والدعوية والصحية،
لا حرمَهم الله ثوابَ ما قدَّموا، وأجرَ ما أحسَنوا، كِفاءَ ما أجدَعوا واجتَهدوا لإنجاحِ
هذا الموسمِ العظيم باقتِدار، على الرغمِ من المحدودية المكانية
والزمانية والظروفِ الإقليمية والمُتغيِّرات الدولية.
وإننا باسم جُموع حُجَّاج بيت الله العتيق لنرفَعُ التهانِيَ مُضمَّخةً مُعطَّرة،
والدعواتِ صادقةً مُؤرَّجَة لمقام خادم الحرمين الشريفين ووليّ عهده الأمين - حفظهما الله -،
وللأمة الإسلامية جمعاء على ما منَّ به - سبحانه - من نجاحِ موسم حجِّ هذا العام بامتياز،
فلله الحمدُ والفضلُ والشُكر على ما أنعمَ وجادَ، ووفَّق للسداد والرشاد،
والأمن والاستقرار والإسعاد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)
أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}
[البقرة: 200- 202].
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا وإياكم بما فيهما من الآيات والحِكمة،
أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافةِ المسلمين من كل خطيئةٍ وإثمٍ،
فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان للأوَّابين غفورًا.



الحمد لله وليِّ التوفيق والإصابة، أحمده - سبحانه - خصَّ من شاء من عباده
بالحجِّ المبرورِ والمغفرة والإنابة،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نرجُو بها من الرحمن دعوةً مُجابة،
وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله ذو القدرِ العليِّ والذاتِ المُهابَة،
خيرُ من درَجَ على ثرَى أمِّ القُرى والمدينةِ طابَة،
صلَّى الله عليه وعلى آلهِ الأطهارِ ذوِي المكارِمِ والنجابَة،
وصحبِه الأخيار أُولِي النفوس الأبِيَّةِ المُستطابة، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا عباد الله:
اتقوا الله - تبارك وتعالى - حقَّ التقوى، واعتصِموا لذلك بالعُروة الوُثقى،
واعلَموا - رحمكم الله - أن المولى - سبحانه - بعثَ فيكم رسولَه محمدًا - صلى الله عليه وسلم -
لتُعزِّرُوه وتوقِّروه، فيا بُشرَى من أجابَ دعوتَه ومُنادِيَه،
وأفلحَ من امتثلَ أوامِرَه واجتنبَ نواهِيَه.
أيها الحُجَّاج الميامين:
وبعد أن قضيتُم مناسِكَكم، وزعمَ بعضُكم على زيارة مسجدِ المصطفى - عليه الصلاة والسلام -،
وشدَّ لذلك المَطايا والرِّحال، هنيئًا لكم الحِلُّ والتَّرْحال، وليكن من بعلمٍ وحُسبان
أن الزيارةَ ليست من واجباتِ الحجِّ وأركانه، وليس في تركها انثِلامُه أو نُقصانُه؛
بل الحجُّ - بفضل الله - تامٌّ صحيحٌ، وصاحبُه ذو عملٍ نَجيح، وأجرٍ عميمٍ رَبيح،
وما يُذكَر من روايات ارتباطِ الزيارةِ بالحجِّ ضعيفةٌ موضوعة، أو واهيةٌ مصنوعة.
ولكن من زارَ طيبةَ الطيبة قُربةً واحتِسابًا وحُبًّا لتلك المرابِعِ لُبابًا أثابَه الباري أجرًا وثابًا؛
أليست هي مأرِزَ الإيمان، ومُهاجَرَ سيد ولد عدنان - عليه الصلاة والسلام الأتمَّانِ الأكملان -؟!
هذي دُونَكم طيبَةٌ ورُبُوعُها قد بُورِكَت في العالمين رُبوُعًا
هذي المدينةُ قد تألَّقَ فوقَها تاجٌ يُرصَّعُ بالهُدى ترصيعًا
هي مأرِزُ الإيمان في الزمنِ الذي يشكُو بناءُ المكرُماتِ صُدوعًا
فيا أيها الزوَّار الأخيار:
وأنتم تقدُمون مدينةَ المُصطفى المُختار - بأبي هو وأمي - عليه الصلاة والسلام -
تذكَّروا وجوبَ اتباعِ سُنَّته واقتِفاء محجَّته والارتِواءَ من سيرته؛ لأن في اتباعه الهُدى
والصلاح والفوزَ والفلاح، وفي التمسُّك بسُنَّته السنيَّة وسيرتِه المُشرِقَة البهيَّة الشمسُ الساطِعة،
والمِشعَلُ الوضَّاء، والسَّنَى المُتلألِئُ الذي يُبدِّدُ غياهِبَ الانحِرافاتِ العقديَّة، والمُمارَساتِ السلوكية،
والنَّعَراتِ الطائفيَّة، ويرتقِي بالأمة إلى ذُرَى القِمَم الاجتماعية والحيَويَّة.
وقد حذَّرَ المولى - سبحانه - من مُخالفة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى:
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
[النور: 63].
ومُقتضى طاعته ومحبَّته - صلى الله عليه وسلم -: تعلُّم آداب زيارة مسجده الشريف
وآداب السلام عليه وعلى صاحبَيْه - رضوانُ الله عليهما -، وآداب الإقامة في مدينته النبوية المُنوَّرة،
لا زالت بالبركات مُحاطةً مُسوَّرة.
وختامًا - إخوة الإيمان -:
وأنتم في مهبِط الوحيِ على وداعٍ، ومن منبَع الرسالةِ على فِراقٍ والتِياع، لا نملِكُ إلا اغتِنام الفُرصة
عن الضياع، مُردَّدين على الأسماعِ عبرَ الأصداءِ والأصقاع دعاءَ الأُخُوَّة والوداع:
نستودِعُ اللهَ دينَكم وأمانتَكم وخواتيمَ أعمالكم، زوَّدكم الله التقوى، وغفرَ ذنوبَكم،
ومحا حُوبَكم، وحقَّق آمالَكم وسُؤلَكم، وبلَّغَكم مرادَكم ومأمولَكم، وجعل حجَّكم مبرورًا،
وسعيَكم مشكورًا، وذنبَكم مغفورًا، وأعادَكم إلى أهلِكم وديارِكم سالمين غانِمين
مأجُورين غيرَ مأزورين، فرِحين مُستبشِرين، وعلى الطاعةِ دائبين،
وعلى الاستقامةِ دائمين، إنه سميعٌ مُجيب.
هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على خيرِ الورَى الحبيبِ المُجتبَى والرسولِ المُرتَضَى،
كما أمركم المولى - جل وعلا -،
فقال تعالى قولاً كريمًا:
{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }
[الأحزاب: 56]،
وقال - صلى الله عليه وسلم -:
« من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا »؛
خرَّجه مسلمٌ من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -.
صلَّى عليك الله ما قرأَ الورَى آيَ الكتابِ وسُورةَ الفُرقانِ
مِنَّا السلامُ عليك ما هبَّ الصَّبَا فوقَ الرُّبَى وشقائقِ النُّعمانِ
اللهم صلِّ على محمدٍ وآلهِ وأزواجِه وذريَّته، كما صلَّيتَ على إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد،
وبارِك على محمدٍ وآلهِ وأزواجِه وذريَّته، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين،
إنك حميدٌ مجيد،
وارضَ اللهم عن الأئمة الأربعةِ الخلفاء الراشدين، الأئمةِ المهديين:
أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والتابعين،
ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
وأذِلَّ الشرك والمشركين، وسلِّم الحُجَّاج والمُعتمِرين، وسلِّم الحُجَّاج والمُعتمِرين،
وسلِّم الحُجَّاج والمُعتمِرين، والمُسافِرين في برِّك وبحرِك وجوِّك أجمعين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح ووفِّق أئمَّتنا وولاةَ أمورِنا،
وأيِّد بالحقِّ إمامَنا ووليَّ أمرنا.
اللهم وفِّق إمامَنا خادمَ الحرمين الشريفَين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيَته للبرِّ والتقوى،
وهيِّئ له البِطانةَ الصالحة التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه،
اللهم وفِّقه ووليَّ عهده وإخوانَهم وأعوانَهم إلى ما فيه صلاحُ الإسلام والمسلمين،
اللهم اجزِهم خيرَ الجزاءِ وأوفرَه جزاءَ ما قدَّموا ويُقدِّمون لخدمةِ حُجَّاج بيتك الحرام.
اللهم اجعل ذلك في موازين أعمالهم وصفحات حسناتهم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفِّق جميعَ وُلاة أمور المسلمين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى،
واجعلهم لشرعِك مُحكِّمين، ولسنَّة نبيِّك - صلى الله عليه وسلم - مُتَّبعين،
ولأوليائك ناصِرين.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان،
اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة،
اللهم احقِن دماءَ المسلمين، اللهم احقِن دماءَ المسلمين، اللهم احقِن دماءَ المسلمين،
واحفَظ أمنَهم وإيمانَهم واستقرارَهم في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى،
اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى،
اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى من المُحتلِّين المُعتدين،
اللهم اجعله شامِخًا عزيزًا إلى يوم الدين، اللهم عليك بالصهايِنة المُعتدين،
اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين فإنهم لا يُعجِزونك،
اللهم شتِّت شملَهم، وفرِّق جمعَهم، واجعلهم عبرةً للمُعتبرين يا رب العالمين.
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
[البقرة: 201].
اللهم اغفر لفقيد الأمة الإسلامية سلطان بن عبد العزيز، اللهم اغفر له وارحمه،
اللهم ارفَع درجاته في المهديِّين،
اللهم ضاعِف حسناته في علِّيِّين،
اللهم اخلُفه في عقِبِه في الغابِرين،
اللهم اغفر لنا وله ولسائر المسلمين ولموتانا وموتى المسلمين يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين،
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِث قلوبَنا بالإيمان واليقين،
وبلادَنا بالخيرات والأمطار والغيثِ العَميم.
ربَّنا تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوَّابُ الرحيم،
واغفر لنا ولوالدينا ووالدِيهم وجميعِ المسلمين الأحياءِ منهم والميتين،
برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربِّك ربِّ العِزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسَلين،
والحمدُ لله ربِّ العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 20-11-2011, 11:19 AM   #60
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 490
عفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of lightعفيفي is a glorious beacon of light



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف بتاريخ 22/12/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "آيات الله في الحج"، والتي تحدَّث فيها عن آيات الله في الحج،
وذكر ما ينبغي على الحاج بعد حجِّه من المحافظة على عبادته بالاستمرار على الطاعة بعد الطاعة،
ودوام المحاسبة للنفس، وما إلى ذلك.



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
أيها المسلمون:
تفضَّل الله على خلقه بتنوُّع العبادات منها ما هو باطنٌ في القلب، ومنها ما هو ظاهرٌ على الجوارِح، وأركانُ الإسلام والإيمانُ مدارُها على ذلك، وقد عاد الحَجيجُ من بيت الله الحرام بعد أداء أفضل عبادةٍ بدنية.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:
"واستعملَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا بكرٍ على أول حجَّةٍ حُجَّت من مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلمُ المناسك أدقُّ ما في العبادات، ولولا سعة علم أبي بكرٍ لم يستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - أميرًا على الحجِّ في السنة التاسعة؛ ليُعلِّم الناسَ أحكامَ الحج؛ لأنه أفقهُ الصحابة".
في الحج تظهرُ آياتٌ للخلق على صدق الرسل؛ فإبراهيم - عليه السلام - يدعو ربَّه:
{(فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)}
[إبراهيم: 37]،
فوفدَ الحَجيجُ من كل فجٍّ عميقٍ وأدَّوا حجَّهم.
قال ابن كثير - رحمه الله -:
"فليس أحدٌ من أهل الإسلام إلا وهو يحِنُّ إلى رؤية الكعبة والطواف، والناسُ يقصِدونها من سائر الجهات والأقطار".
والمُخلِصُ يستجيبُ الله دعوتَه ولو بعد مماته، وفي كل عامٍ يظهرُ أثرُ دعوة الخليل، فيستجيبُ المسلمون لدعوته، والوفاءُ من شِيَم الرجال، ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - صبرَ على الأذى والكُروب لتنعَمَ أمتُه بالهداية. قال لعائشة - رضي الله عنها -:
«يا عائشة! لقد لقيتُ من قومكِ ما لقيتُ».
والصحابة - رضي الله عنهم - هجَروا الأوطانَ وتغرَّبوا في البُلدان لحمل رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبليغها بعزمٍ وأمانة، ونشرِ الإسلام في الآفاق بالدعوة والقُدوة، وواجبٌ على المسلم أداءُ حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدَّمه لهذا الدين؛ بمحبَّته - عليه الصلاة والسلام - والتأسِّي به ونشر دعوته، والوفاء لصحابته - رضي الله عنهم - بمحبَّتهم والترضِّي عنهم والذبِّ عنهم.
ومن أدَّى فريضَة الحجِّ أو غيرَها واجبٌ عليه الحِفاظُ عليها من الرياء بها أو المُباهاة أو المُفاخَرة، ومن أدخل في عبادته رياءً أو سُمعةً أو ابتغَى مدحَ الناس له لم تُقبَل منه عبادتُه، ولن يكون له منها سوى التعبِ والنَّصَب؛ قال - عليه الصلاة والسلام -:
«إن الله لا يقبلُ من العمل إلا ما كان له خالِصًا وابتُغِي به وجهُه»؛
رواه أبو داود.
ومن أخلصَ لله تقبَّل الله عمَلَه وضاعفَ أجرَه؛
قال - سبحانه -:
{(وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) }
[البقرة: 261].
قال ابن كثيرٍ - رحمه الله -: "أي: بحسب إخلاصه في عمله".
والنعمُ تدومُ وتزيدُ بالشُّكر، ومن أدَّى عبادةً وحمِدَ الله عليها يسَّر الله له عبادةً بعدها لينالَ ثوابَها؛
قال - عز وجل -:
{(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)}
[محمد: 17]،
ولذا شُرِع قول: الحمدُ لله، ثلاثًا وثلاثين مرةً دُبُر كل صلاةٍ مفروضة لشُكر الله على أداء تلك الصلاة.
وأمارةُ قبول العمل الصالحِ الحسنةُ بعده؛ قال سعيد بن جُبَير - رحمه الله -:
"من ثوابِ الحسنةِ الحسنةُ بعدها، ومن عقوبةِ السيئةِ السيئةُ بعدها".
والمسلمُ إذا فرغَ من عبادةٍ أعقبَها بعبادةٍ أخرى؛
قال - سبحانه -:
{(فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) }
[الشرح: 7].
قال ابن الجوزي - رحمه الله -: "أي: فادأَب في العمل".
ولا تنقطعُ العبادةُ إلا بالموت؛
{ (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)}
[الحجر: 99].
وإذا عمِلَ المسلمُ عملاً صالحًا وأخلصَ فيه لله وجبَ عليه حِفظُه بالحَذَر من الوقوع في الشرك؛
إذ أنه يُحبِطُ الحسنات؛
قال - سبحانه -:
{(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) }
[الزمر: 65].
قال ابن القيم - رحمه الله -:
"إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا سلبَ رؤيةَ أعماله الحسنةِ من قلبه، وسلبَ الإخبارَ بها من لسانه، وشغَلَه برؤية ذنبه".
وسؤالُ الله قبول العمل الصالح من صدق الإيمان؛ بنى إبراهيم - عليه السلام - الكعبةَ ودعا ربَّه:
{ (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)}
[البقرة: 127].
والثباتُ على الدين من عزائمِ الأمور؛
ومن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«ثبِّت قلوبَنا على دينك»؛
رواه ابن ماجه.
ومن لبَّى في حجِّه بالتوحيد وكبَّره في العيد وجبَ عليه الوفاءُ بوعده مع الله، وذلك بألا يدعو سواه،
ولا يلجَأ إلى غيره، ولا يطوفَ بغير الكعبة؛
قال - سبحانه -:
{(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ)}
[فاطر: 13].
ومن توجَّه إلى الله أعانَه؛
قال - جلَّ شأنُه -:
{(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) }
[العنكبوت: 69].
وليس من شرط صحة الحجِّ زيارةُ المدينة النبوية؛ بل قصدُ مسجدها سنةٌ رغَّبَ فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - للحاجِّ وغيره بالصلاة فيه، فهو أحدُ المساجد الثلاثة التي لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إليها؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:
«لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد:
مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى»؛
متفق عليه.
وصلاةٌ فيه عن ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحرام.
ومن وصلَ إلى المدينة وسلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم -
وعلى صاحبَيْه أبي بكرٍ وعمر - رضي الله عنهما -، فمن المشروعِ له زيارةُ مسجد قُباء؛
قال - عليه الصلاة والسلام -:
«من تطهَّر في بيته ثم صلَّى في مسجد قُباء كان له أجرُ عمرة»؛
رواه ابن ماجه.
وتُشرعُ له زيارةُ مقبرة البَقيع وشُهداء أُحُد للدعاء لهم وللعِظَة والعِبرة بتذكُّر الآخرة.
والميتُ لا يملِكُ لأحدٍ نفعًا ولا ضرًّا ولا يُتعلَّقُ به، وإنما يُدعَى له بالمغفرة والرِّضوان،
ومن يُدعَى له لا يُدعَى مع الله؛
قال - عز وجل -:
{(وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ)}
[يونس: 106].
والمُوفَّق من اجتهَدَ في طاعة ربِّه وحفِظَ عملَه من البُطلان وسارَ على هديِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -،
وحاسبَ نفسَه في حياته، وسارعَ إلى الخيرات، وفازَ بالباقيات الصالحات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
{(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ)}
[الأنفال: 20].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم،
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،
وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أيها المسلمون:
من أدَّى فريضةَ الحجِّ حريٌّ به بعد أداء هذا الركن أن يحفظَ صحيفتَه بيضاء نقيَّة؛ فإنه من حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَتْه أمُّه، وأن يكون قُدوةً لغيره في الصلاح والاستقامة والتفقُّه في الدين والمُحافظة على الصلوات جماعةً في بيوت الله.
ويجبُ أن يكون داعيًا بالحكمة والموعظة الحسنة، مُبتدِئًا دعوتَه بذوِي القُربى، وصادقًا مع ربِّه في دعوته وفي سائر أعماله كلها.
فالزَموا سنَّة نبيِّكم - عليه الصلاة والسلام -، وأخلِصوا لربِّكم، واحرِصوا على نفع إخوانكم المسلمين وتعليمهم ما ينفعهم وما يُصلِحُهم من أمور الدين؛ فلأَن يهدِي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمُر النَّعَم.
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيِّه،
فقال في محكم التنزيل:
{(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا)}
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجُودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم ولِّ عليهم خيارَهم، واجمع كلمتَهم على الهُدى والحق يا رب العالمين.
اللهم تقبَّل من الحُجَّاج حجَّهم، واجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، وعملَهم مُتقبَّلاً صالحًا يا ذا الجلال والإكرام.
{(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) }
[البقرة: 201].
اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رِضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.
{(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين) }
[الأعراف:23].
عباد الله:
{(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) }
[النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم،
ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون







  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطبة الجمعة من المسجد الحرام بعنوان :نعمه الأمن فى ظل توحيد الله عفيفي المنتـدى الــعـــــــام 0 28-03-2011 11:28 AM
لوحات رقمية على باب المسجد الحرام،،، نبت الغربية المنتـدى الــعـــــــام 7 14-11-2009 01:21 AM
استمتع برؤية مسجد الحرام و المسجد النبوي ومساجد اخرى وكأنك بداخله ام روان المصريه111 المنتـدى الــعـــــــام 23 29-07-2008 10:56 PM
المسجد النبوى غليص 555 المنتـدى الــعـــــــام 5 13-06-2007 07:55 PM
ارض للبيع بجوار المسجد الحرام semsemy98 منتـدى العـقـار و البناء و المنزل 0 12-04-2005 12:59 AM








الساعة الآن 09:02 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.