بورصة الاسهم السعودية




استرجاع كلمة المرور المفقودة طلب كود تنشيط العضوية تنشيط العضوية أنظمة المنتدى
العودة   بورصة الاسهم السعودية > المنتدى الرئيسي > المنتدى الإسلامي
المنتدى الإسلامي   فتاوى أصحاب الفضيلة في أمور السوق والأمور الاقتصادية الأخرى والقوائم الشرعية للشركات



خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-07-2011, 12:34 PM   #21
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام 21/08/1432 هـ



القمر أحكام وآداب

لفضيلة الشيخ الدكتور سعود الشريم





ألقى فضيلة الشيخ الدكتور سعود الشريم - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "القمر أحكام وآداب"،

والتي تحدَّث فيها عن مخلوقٍ من مخلوقات الله وآيةٍ من أعظم آيات الله،

وهو القمر، وذكر بعضَ ما ورد فيه من آياتٍ وأحاديث تُبيِّن الأحكام والآداب

التي ينبغي على المسلم التزامها،

ونبَّه إلى الاعتقادات الباطلة عند الناس وأهل الفلك والتنجيم،

وأشاد بضرورة عدم الاختلاف والفُرقة بين المسلمين في مسألة اختلاف المطالع،

وأن الأمر فيه سعةٌ وهو من قبيل الاجتهاد.




الخطبة الأولى

الحمد لله

(فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)

[الأنعام: 96]،

(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)

[لقمان: 29]،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله،

وصفيُّه وخليلُه، وخِيرتُه من خلقه،

دعا إلى سبيل ربه بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة وجادلَ بالتي هي أحسن،

وجاهدَ في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين،

فصلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين،

وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،

وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي - بلزوم تقوى الله حقَّ التقوى،

والاستمساك من الإسلام بالعُروة الوُثقى،

(أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)

[يونس: 62، 63].

عباد الله:

مخلوقٌ عظيمٌ من مخلوقاتِ الله، له وقعٌ في نفوس العباد،

وفيه إطلالةٌ ونورٌ يُشعِلان الحياةَ في وجودنا، كما أنه آيةٌ من آيات الله الظاهرة،

ذكره الله في كتابه سبعًا وعشرين مرةً، وأقسم به في ثلاثة مواضع من كتابه الكريم،

وسُمِّيت سورةٌ كاملةٌ باسمه، هو مضرِبُ الأمثال في تحريك مشاعر الحزن والبهاء والوصف والجمال،

للشعراء معه غدوةٌ ورَوحة، فيه من صفات الإنسان مرحلةُ تكوينه؛

حيث يبدو وليدًا، فلا يزالُ ينمو إلى أن يتمَّ ويكتمل ليتلقَّى سنةَ الله في النقصان بعد الكمال

والأُفول بعد الظهور والبُروز.

وللهِ ما أشدَّ فقدَه في الليلة الظلماء؛ إذ في الليلة الظلماء يُفتقَد البدر،

إنه القمر - عباد الله -، القمر الفاضلُ على سائر الكواكب،

والذي يُشيرُ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أكثر من موضع من سنته

حالةَ التفضيل بين الأشياء،

وذلك بقوله:

«كفضل القمر على سائر الكواكب».

نعم؛ إنه القمر الذي يُذكِّرنا بالوجوه الناضرة التي هي إلى ربها ناظرة وذلك يوم القيامة؛

حيث يقول جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه -:

كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوسًا،

فنظر إلى القمر ليلةَ البدر - ليلةَ أربع عشرة -، فقال:

«إنكم سترون ربَّكم كما ترون هذا لا تُضامون في رؤيته،

فإن استطعتم ألا تُغلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»،

ثم قرأ هذه الآية:

(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)

[طه: 130]؛

رواه البخاري ومسلم.

أيها المسلمون:

قلوب العباد مُشرئبَّة، وعيونهم مُحدِقةٌ بلَهَف المُشتاق ولوعَة الفاقد،

مُشرئبَّةٌ لانبثاق هلال رمضان الوليد الذي سيُطِلُّ عليهم بعد أيامٍ معدودة،

يترقَّبون ذلك الوليد ليُؤذَنوا بشهرٍ له في مجتمعهم تأثير،

وفي نفوسهم تأديب، وفي مشاعرهم إيقاظ.

يترقَّبون ذلك الوليد بعد أن ظلُّوا أحدَ عشر شهرًا وهم سائرون في مسالك الحياة ودروبها،

ينالون منها وتنالُ منهم.

فيا لله العجب؛ كيف أودع الله في هذا المخلوق من العِبر والحِكم ما لو استشعرَ العبدُ أثرَه

وقيمتَه وتتبَّع أسراره لوجدَ ما يهديه إلى زيادة المعرفة بربه وقدره حقَّ قدره،

وكيف أن الله أقسم به فقال:

(كَلَّا وَالْقَمَرِ)

[المدثر: 32]،

وقال:

(وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا)

[الشمس: 2]،

وقال:

(وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ)

[الانشقاق: 18].

إن الله لا يُقسِم إلا بشيءٍ عظيم، وله - سبحانه - أن يُقسِم بما شاء من مخلوقاته وليس للبشر ذلك،

فليس لهم الحلِفُ إلا بالله، ولا القسَم إلا بالله، وأن من حلَفَ بغير الله فقد كفرَ أو أشركَ،

كما صحَّ بذلكم الخبر عن الصادق المصدوق - صلوات الله وسلامه عليه -.

لقد كتب الله على القمر إهلالاً ثم إبدارًا ثم أُفولاً، وهذه سنة الله في الأشياء:

(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)

[يس: 39]؛

لأن لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانًا ونهاية، وهذه حالُ الناس؛

فدوامُ الحال من المُحال، وكل اجتماع فإلى افتراق، والدهرُ ذو فتحٍ وذو إغلاق،

فقد جاء في "الصحيح" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

«إن حقًّا على الله ألا يرفعَ شيئًا من الدنيا إلا وضعَه».

فعلامَ إذًا ينتشِي المرءُ ويُصيبُه الزُهُوُّ والغرور والإعجابُ بالنفس وهو إلى الزوال صائر،

وإلى الأُفول سائر،

(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)

[الرحمن: 26، 27]،

(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)

[الفرقان: 58].

اُرقُب زوالاً إن تكن حُزتَ العُلا

فالشيءُ يهوِي بعد أن كان ارتفع

ما طارَ طيرٌ مرةً نحو السما

مُستمتِعًا إلا كما طار وقع

إن مما ألجَمَ به الخليلُ - عليه السلام - أفواهَ قومه في عبادةِ غير الله أو الإشراك به

أن جعل القمر علامةً على وحدانيته - سبحانه -،

وأنه مُستحقٌّ للعبادة وحده دون سواه، وذلك حين قال عنه:

(فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)

[الأنعام: 77]،

ومَن مَصيرهُ الأُفول فهو ليس مُستحقًّا للعبادة، فـ

(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)

[البقرة: 255].

أيها المسلمون:

أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث أنس - رضي الله عنه -

أن أهلَ مكة سألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُريَهم آيةً،

فأراهم القمرَ شِقَّين، حتى رأوا حِراء بينهما، وقد قال الله - جل وعلا -:

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)

[القمر: 1]،

فكان حادثُ الانشقاق من مُعجِزاته - صلى الله عليه وسلم - ودلائل نبوَّته وهو الصادق المصدوق.

عباد الله:

إن الله - جل وعلا - جعل للعبادات أوقاتًا زمانيةً وأوقاتًا مكانية،

وقد احتلَّ القمرُ جزءًا كبيرًا من الأوقات الزمانية؛ كالحج في قوله:

(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)

[البقرة: 197]،

وكالصوم في قوله:

(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)

[البقرة: 185]،

وغير ذلكم من المواقيت الزمانية المرهونةِ بالأهِلَّة ومنازلِ القمر؛

كالعِدَد، وأيام البِيض، وغيرها.

والتوقيتُ القمريُّ هو مما امتنَّ الله به على أمة الإسلام وجعله من خصائصها؛

حيث كانت الأمم السابقة تعتبِر ميقاتها وأعوامَها بالسنة الشمسية

وهي تزيدُ على القمرية بأحد عشر يومًا،

ومنه قوله تعالى:

(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)

[الكهف: 25]،

فثلاثمائة بتقدير الشمس، وثلاثمائة وتسع بتقدير القمر،

وكان ميقاتَ العرب قبل الإسلام هو القمر خلافًا لمن سواهم،

فوافقَ الإسلامُ هذا التوقيتَ ووجَّهَه.

وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

«إنا أمةٌ أمِّية لا نكتُب ولا نحسِب، الشهرُ هكذا وهكذا»

- يعني: مرةً تسعةً وعشرين، ومرةً ثلاثين -؛ رواه البخاري ومسلم.

وبعدُ، أيها الناس:

فإن القمر آيةٌ من آيات الله يُخوِّفُ الله به عبادَه بخُسوفه في الدنيا وخُسوفه في الآخرة،

كما قال تعالى:

(فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9)

يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)

كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ)

[القيامة: 7- 12].

هذا هو القمر - عباد الله -، وتلكم بعض المُلَح والطرائف والحِكَم

التي أودعها الله هذا المخلوق العظيم،

والله - جل وعلا - يقول:

(هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)

[لقمان: 11]،

ولذا فإن من العيب كل العيب الاستهانةَ به،

ومن الانحرافَ المشين التوقيتَ والتأريخ بغيره،

كما أن من الخطأ تنشِئَة الصغار على التعلُّق بالرسوم،

سواء كانت ثابتةً أو متحركةً والتي يُبرِزون من خلالها القمرَ وله عينان وأنف ونحو ذلك،

أو أن له فمًا أو أنه يضحك ويبكي،

فهو آيةٌ من آيات الله لا يجوز امتهانُها والاستخفافُ بها،

إنما هي للاعتبار واستشعار عظمة الله وقدرِ الخالق حق قدره،

فالله - جل وعلا - يقول:

(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)

[الرعد: 2]،

(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ

وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)

[فصلت: 37].

وقد وقع في قديم الزمان وحديثه لدى بعض الأمم والشعوب اعتقاداتٌ خاطئةٌ في القمر

خرجوا بها عما خلقه الله من أجله؛

فمنهم من ظنَّ أن يخسِف لموت أحدٍ أو حياته،

وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك في قصة الكسوف حين ظنَّ بعضهم

أن الشمسَ كسَفَت لموت ابنه إبراهيم.

وقد كان المُنجِّمون والسحَرة والمُشعوِذون قديمًا وحديثًا يُقحِمون القمر في أمور الناس؛

فقد ذكر شيخ الإسلام وغيره أن عليًّا - رضي الله عنه -

عندما أراد المسيرَ لقتال الخوارج عرضَ له مُنجِّم،

فقال: يا أمير المؤمنين! لا تُسافر والقمر في العقرب،

فإنك إن سافرتَ والقمر في العقرب هُزِم أصحابُك، فقال:

"بل نُسافر ثقةً بالله، وتوكُّلاً على الله، وتكذيبًا لك"،

فسافر فبُورِك له في ذلك، حتى عامةَ الخوارج.

وقد يعجبُ بعضُنا حينما يعلم أن دراساتٍ نفسية مُعاصرة

لدى غير المسلمين كوَّنوا منها اعتقادًا باطلاً،

وهو أن للقمر تأثيرًا على مِزاج الإنسان، وأن الجرائم تزداد عندما يكون بدرًا،

ويُعلِّلون لذلك - تعسُّفًا منهم -: أن القمر له علاقةٌ بمدِّ البحار وجزرها،

فكذلك الإنسان؛ لأن الماء يُمثِّل ثمانين بالمائة من وزنه.

ويزداد العجبُ - عباد الله - حينما يغترُّ بعضُ المسلمين بذلكم،

ويُطوِّع النصوصَ الشرعية لتُوافقُ اعتقادًا خرافيًّا أبطلَه عُقلاءُ أولئك القوم،

فكان من تطويع بعض المُغترِّين من المسلمين لهذه النصوص أن ربطَ بين الحكمةِ

من صيام أيام البِيض وتأثير القمر على الإنسان حالَ الإبدار؛ وذلك للإقلال من الجرائم.

معاذ الله!

(مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ)

[ص: 7]،

وما القمرُ إلا خلقٌ من خلق الله يسجدُ له كما يسجدُ بنو آدم:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ

وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ

وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)

[الحج: 18].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،

قد قلتُ ما قلت، إن صوابًا فمن الله،

وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.



الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وبعد:

فقد ذكر جمعٌ كثيرٌ من أهل التفسير: أن بعض الصحابة سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -:

ما بالُ الهلال يبدو دقيقًا، ثم يزيد حتى يستويَ ويستدير،

ثم ينتقِص حتى يعود كما كان؟ فأنزل الله:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)

[البقرة: 189].

ولنا وقفةٌ مع هذه القصة؛ لأن فِئامًا من الناس ممن لم يبلُغ نورُ الوحي مبلغَ اليقين في نفوسهم،

فادَّعوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حادَ عن الجواب في ذكر تفاصيل الهلال وولادته وتكوينه،

وأن سبب ذلك كونه أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتُب، فلم يذكر من الجواب إلا أنها مواقيتٌ فحسب.

والأدهى من ذلكم - عباد الله - أن هناك من الْتاثَ بدخَنٍ من هذه اللَّوثَة

فرأوا أن الرؤيةَ الشرعيةَ لا تتفق مع الحساب،

وأنها ظنٌّ ونقصٌ أمام الوسائل العصرية، في حين إن الحساب يقينٌ في الدقة والصحَّة!

والجواب: هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن عاجزًا عن التفاصيل وإن كان أُمِّيًّا،

فهو يُوحَى إليه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - يُخبِر بما هو أعظم من ذلكم،

فقد وصف السماوات السبع ومن فيها من الأنبياء في قصة الإسراء،

ونعتَ المسجدَ الأقصى كما هو.

وإنما كان جوابُه - صلى الله عليه وسلم - مُختصرًا؛

لكون رسالة أمته وحاجتها للعبادة والطاعة،

وللأثر الفعلي للأهِلَّة لا النظري كانت الإجابة أنها مواقيت للناس والحج،

فهذا هو ما ينفعهم فيها.

ومن ادَّعى أن في جوابه مخالفةً لما في علوم الفلك

فقد أعظمَ على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الفِرية،

فكتابُ الله - جل وعلا - أكبرُ من أن يكون كتابًا فلكيًّا أو كيميائيًّا أو فيزيائيًّا،

كما يُحاول بعضُ المُتحمِّسين أن يقصُروا همَّتهم في الخوض فيها بعيدًا عن كونه

هدايةً ونورًا ونجاحًا، ولربما وقعوا بسبب ذلكم في محاذير ثلاثة:

أولها: التراجُع النفسي الذي يُخيِّل إليهم أن العلم هو المُهيمِن على القرآن،

وأن القرآن تابعٌ له، فيُحاولون تثبيتَ القرآن بالعلم وإن كان القرآن خلافه، وهذه طامَّةٌ كبرى.

وثانيها: سوء الفهم لحقيقة القرآن ورسالته، وأن حقيقته نهائيةٌ لا تقبل التغيير والفحصَ؛

لأن قائلها هو الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.

وثالثها: الوقوع في التأويل المُتعسِّف، والتكلُّف في توجيه نصوص القرآن بمعلوماتٍ

ونظرياتٍ مُستجِدَّة قد تنسخُها أخرى لاحِقة،

وهذا لا يعني بداهةً عدم الانتفاع بالمُستجدَّات العلمية في توسيع مدلول الآيات وإظهار إعجازها؛

لتكون هي تابعةً للقرآن لا العكس.

كما أنه ينبغي لنا بهذه المُناسبة أن نُؤكِّد على سعة الصدر فيما يتعلَّق بالحديث عن الأهِلَّة،

وألا يكون اختلافُ المطالع سببًا للتنازُع والتدابُر،

وأن يُؤخَذ الأمر على العفوية والاجتهاد المُوصِل إلى الهدف المنشود،

وأن نتَّقِيَ الجدالَ العقيمَ دون لغطٍ أو تناوُشٍ مذموم؛ فالرؤيةُ أصلُها شرعي،

وينبغي ألا يكون هذا الأصل مانعًا من أي استفادةٍ من المُستجدَّات

التي لا تنقُض ذلك الأصل ولا تُعارِضُه؛

كالمُكبِّرات البصرية، والحساب المُعين على تحقيق الرؤية،

وبذلكم تتفق وجهاتُ النظر، ويقلُّ الخلاف، وتقصُر المسافة.

وقد روى مسلم في "صحيحه" عن كُريبٍ، وفيه:

أنه رأى الهلالَ بالشام ليلةَ الجمعة، ثم لما قدِم المدينة في آخر الشهر

سأله عبدُ الله بن عباس - رضي الله عنهما - عن الهلال فأجابَه بما رأى،

ثم قال ابن عباس:

"لكنا رأيناه ليلةَ السبت، فلا نزالُ نصوم حتى نُكمِل ثلاثين أو نراه"،

ثم قال: "هكذا أمرَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".

فللهِ ما أحكمَ أولئك، وما ألطفَهم مع بعضهم البعض؛ فقد اختلفَت الرؤيةُ لديهم فلم تختلف قلوبهم،

(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)

[الأنعام: 90].

هذا؛ وصلُّوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية:

محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه،

وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -،

فقال - جل وعلا -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب : 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم -

صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر،

وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،

وعن سائر صحابة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -،

وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،

وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

واخذُل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين،

واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم بلِّغنا شهر رمضان، اللهم بلِّغنا شهر رمضان،

اللهم ارزُقنا صيامَه وقيامَه وتلاوةَ كتابك آناء الليل وأطراف النهار

على الوجه الذي يُرضيك عنا يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك،

واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم،

اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة : 201].

سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين،

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس


قديم 23-07-2011, 12:44 PM   #22
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف 21/08/1432 هـ




نفحات شهر رمضان

لفضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم





ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله -

خطبة الجمعة بعنوان: "نفحات شهر رمضان"،

والتي تحدَّث فيها عن شهر رمضان وحثَّ المسلمين على العناية به

والحرص على اغتنامه بالعبادات وأنواع القُربات،

وذكر العديد من الفضائل التي وردت في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الشهر الكريم.



الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره،

ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له،

ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.

أيها المسلمون:

تذهبُ الليالي والأيام سِراعًا، والعامُ يطوِي شهورَه تباعًا،

وسنة الله في كونه قدومٌ وفوات،

والله أكرمَ عبادَه فشرعَ لهم مواسم في الدهر تُغفَر فيه الذنوبُ والخطيئات،

ويُتزوَّد فيها من الأعمال الصالحات، وفي العام شهرٌ هو خيرُ الشهور،

بعثَ الله فيه رسولَه - صلى الله عليه وسلم - وأنزل فيه كتابَه،

يرتقِبُه المسلمون في كل حولٍ وفي نفوسهم له بهجَة،

يُؤدُّون فيه ركنًا من أركان الإسلام يُفعل خالصًا،

ويتلذَّذ فيه المسلم جائعًا، يُحقِّق العبدُ فيه معنى الإخلاص لينطلقَ به

إلى سائر العبادات بعيدًا عن الرياء،

ثوابُ صومه لا حدَّ له من المُضاعفة؛ بل ذلك إلى الكريم.

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«قال الله - عز وجل -: كل عملِ ابنِ آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزِي به»؛

متفق عليه.

الصيامُ يُصلِح النفوس ويدفعُ إلى اكتساب المحامد والبُعد عن المفاسد،

به تُغفَر الذنوب وتُكفَّر السيئات،

قال - صلى الله عليه وسلم -:

«من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛

متفق عليه.

شهر الطاعة والإحسان والمغفرة والرضوان،

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«إذا دخلَ رمضان فُتِّحت أبوابُ السماء، وغُلِّقت أبوابُ جهنم، وسُلسِلَت الشياطين»؛

متفق عليه.

لياليه مباركةٌ، فيه ليلةٌ مُضاعفةٌ هي أم الليالي:

ليلة القدر والشرف خيرٌ من ألف شهر،

من قامها إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه.

فيه صبرٌ على حمأة الظمأ ومرارة الجوع ومُجاهدة النفس في زجرِ الهوى،

جزاؤهم بابٌ من أبواب الجنة لا يدخله غيرُهم،

فيه تذكيرٌ بحال الجوعَى من المساكين والمُقتِرين،

يستوي فيه المُعدِم والمُوسِر، كلهم صائمٌ لربه مُستغفِرٌ لربه،

يُمسِكون عن الطعام في زمنٍ واحدٍ ويُفطِرون في وقتٍ واحد،

يتساوون طيلةَ نهارهم بالجوع والظمأ؛ ليتحقَّق قولُ الله في الجميع:

(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)

[الأنبياء: 92].

والقرآنُ العظيمُ أصلُ الدين وآيةُ الرسالة، نزل في أفضل الشهور:

(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)

[القدر: 1]،

ونزولُه فيه إيماءٌ لهذه الأمة بالإكثار من تلاوته وتدبُّره،

وكان جبريل - عليه السلام - ينزل من السماء

ويُدارِسُ فيه نبيَّنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كاملَ القرآن،

وفي العام الذي تُوفِّي فيه عرضَ عليه القرآنَ مرتين.

وكان الإمام مالك - رحمه الله - إذا دخل رمضان أقبلَ على تلاوة القرآن وتركَ الحديثَ وأهلَه.

وللصدقة نفعٌ كبيرٌ في الدنيا والآخرة؛ فهي تدفع البلاء، وتُيسِّر الأمور،

وتجلِبُ الرزقَ، وتُطفِئُ الذنوب كما يُطفِئُ الماءُ النار،

وهي ظلٌّ لصاحبها يوم القيامة، والمالُ لا ينقُص بالصدقة؛

بل هو قرضٌ حسنٌ مضمونٌ عند الغني الكريم:

(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)

[سبأ: 39]،

يُضاعفُه في الدنيا بركةً ونقاءً، ويُجازيه في الآخرة نعيمًا مُقيمًا،

قال - صلى الله عليه وسلم -:

«ما من يومٍ يُصبِح العبادُ فيه إلا ملَكان ينزِلان فيقول أحدهما:

اللهم أعطِ مُنفِقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسِكًا تلَفًا»؛

متفق عليه.

فتحسَّس دورَ الفقراء والمساكين ومساكن الأرامل والأيتام،

ففي ذلك تفريجُ كربةٍ لك ودفع بلاءٍ عنك، وإشباعٌ لجائعٍ وفرحةٌ لصغير،

وإعفافٌ لأسرةٍ وإغناءٌ عن السؤال،

والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أكرمَ الناس وأجودَهم إن أنفقَ أجزلَ،

وإن منحَ أغدَقَ، وإن أعطَى أعطى عطاءَ من لا يخشى الفاقَة،

وكان يستقبلُ رمضان بفيضٍ من الجُود، ويكون أجودَ بالخير من الريحِ المُرسَلة.

والمالُ لا يُبقِيه حرصٌ وشُحٌّ، ولا يُذهِبُه بذلٌ وإنفاق.

وليالي رمضان تاجُ ليالي العام، ودُجاها ثمينةٌ بالعبادة فيها،

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«أفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل»؛

رواه مسلم.

ومن صلَّى مع الإمام حتى ينصرفَ كُتِب له قيامُ ليلة،

وفي كل ليلةٍ يُفتَح بابُ إجابةٍ من السماء، وخزائنُ الوهَّاب ملأى،

فسَل من جُود الكريم، واطلُب رحمةَ الرحيم،

فرمضان شهر العطايا والنفحات والمِنَن والهِبات،

وأعجزُ الناس من عجزَ عن الدعاء، والأيام صحائفُ الأعمار،

والسعيدُ من خلَّدها بأحسن الأعمال،

ومن نقلَه الله من ذلِّ المعاصي إلى عزِّ الطاعة أغناه بلا مالٍ،

وآنسَه بلا أنيس، وراحةُ النفس في قلَّة الآثام،

ومن عرفَ ربَّه اشتغلَ به عن هوى نفسه.

وبعضُ الناس أرخصَ لياليَه الثمينة باللهو وما لا نفع فيه،

فإذا انقضى شهر الصيام ربِح الناسُ وهو الخاسر،

ومن الناس من يصومُ وهو لا يُصلِّي، والصوم لا يُقبل إلا بتوحيدٍ وصلاةٍ.

والمرأة مأمورةٌ بالإكثار من تلاوة القرآن والذكر والاستغفار،

والإكثار من نوافل العبادات، وصلاةُ التراويح في بيتها أفضلُ من أدائها في المساجد،

قال - عليه الصلاة والسلام -:

«وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ»؛

رواه أبو داود.

وعليها بالستر والحياء ومراقبة ربها في غيبة وليِّها وشهوده،

والصالحةُ منهنَّ موعودةٌ برضا ربِّ العالمين عنها،

وتمسُّكها بدينها واعتزازُها بحجابها، وسِترها يُعلِي شأنَها ويُعزِّزُ مكانَها،

وهي فخرُ المجتمع وتاجُ العفاف وجوهرةُ الحياة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ

كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

[البقرة: 183].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم،

ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،

وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله،

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أما بعد، أيها المسلمون:

من خير ما يُستقبَل به رمضان ملازمةُ الاستغفار والإكثار من حمد الله على بلوغه،

والسابقون للخيرات هم السابقون إلى رفيع الدرجات في الجنة،

فتعرَّضوا لأسباب رحمة الله في شهره الكريم، وتنافَسوا في عمل البرِّ والخيرات،

واستكثِروا فيه من أنواع الإحسان، وترفَّعوا عن الغِيبة والنميمة وسائر الخطيئات،

ولا يفوتُك خيرٌ من سهرٍ على غير طاعةٍ أو نومٍ عن عبادة.

وإن استطعتَ ألا يسبقَك إلى الله أحدٌ فافعل.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا)

[الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد،

وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين،

وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،

ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين،

اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم احقِن دماءهم،

واجمع كلمتَهم على الحق والرضا يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك،

ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك،

وتحكيم شرعك يا رب العالمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201]،

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[الأعراف: 23].

عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى

وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

[النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم،

ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 30-07-2011, 02:10 PM   #23
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام 28/8/1432 هـ


رمضان موسم الخيرات والبركات

لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس



والتي تحدَّث فيها عن مواسم الخيرات التي خصَّنا الله بها،

وأعظمُها: شهر رمضان، وقد عدَّد شيئًا مما ثبتَ عن المصطفى - عليه الصلاة والسلام - في فضله،

ووجَّه الدعوة لوسائل الإعلام بتقوى الله وعدم إفساد الصيام على أنفسهم والصائمين.



الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده - سبحانه - ونستعينه ونستغفره،

هو وليُّ التوفيق والهُدى، خصَّنا بموسمٍ للطاعات ما أهناه مورِدًا،

من استبَقَه بلغَ من مراضي الديَّان فرقدًا،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نتبوَّأ بها من الجِنان مقعَدً،

وأشهد أن نبينا وقدوتنا محمدًا عبد الله ورسوله خيرُ من صامَ وقامَ فكان في الفضلِ أوحدًا،

اللهم ربنا فصلِّ عليه محمدًا وأحمدًا، وعلى آله الأُلَى بلغوا من شهر التُّقَى مجدًا وسُؤددًا،

وصحبِه الكرام الذين أمضَوا رمضانَ رُكَّعًا وسُجَّدًا،

والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ يرجو المآلَ الأسعدا،

وسلِّم تسليمًا كثيرًا لا يزالُ عذْبًا مُردَّدًا، ما راحَ في الإحسانِ رائحٌ أو غدا.

أما بعد، فيا عباد الله:

إن رُمتُم عزًّا سرمدًا فاتقوا الله العظيمَ الأمجدا، واغتبِطوا بشهر الصيام تُفلِحوا اليوم وغدًا؛

فالسعيدُ من اتقى ربَّه واهتدَى، ولم يُضيِّع شريفَ الأوقاتِ بددًا،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)

[الحشر: 18].

عليك بتقوى الله سرًّا وجهرةً

ففيها جميعُ الخير حقًّا تأكَّدا



لتُجزَى من الله الكريم بفضلِه

مُبوَّأ صدقٍ في الجِنانِ مُخلَّدًا



أيها المسلمون:

في مُضِيِّ المسلم لربِّه بالآصال والبُكور، وفي سيره لمولاه في جميع الأمور،

مع ما يكتنِفُ ذلك من الماديات، وما يُصاحِبُه من مُتغيِّرات،

وما يعيشُه كثيرون من فراغٍ وإجازاتٍ وأسفارٍ وسياحةٍ وتنقُّلات،

وما تُعانيه الأمةُ من أحداثٍ ومُستجِدَّات، لا غرْوَ أن ينتابَه التواني والفُتور،

والنَّمطِيَّةُ عبر الشهور؛ بل لربما التِّرَةُ والقصور في القِيَم والعبادات وشتَّى المجالات.

من أجل ذلك - وما أعظم ما هنالك - خصَّنا المولى - جلَّ اسمه - بأزمنةٍ مباركةٍ ومواسم بالخيرات والمِنَح نواسِم،

اكتنَزَت حِكَمًا لاستنهاضِ النفوس مقصودة، وغاياتٍ باهراتٍ للتشويق للطاعات معقودة،

فيها ينعطِفُ المسلمُ لشِيَمه التعبُّدية المحمودة، ويُعاوِد انبعاثَته في الخير المعهودة.

ومن تلك الأزمنةِ المَشوقة: شهرٌ عظيمٌ شأنه، شريفٌ زمانه، تبدَّى ببهائه إلينا،

وأقبلَ برائع مُحيَّاه علينا، فيه تُدرِكُ النفوسُ ألَقَ الإحسان، ونداوَة اليقين وحلاوةَ الإيمان،

إنه شهر رمضان المُبارك الميمون، أقبل ليُجدِّد لنا في كل يومٍ مسرَّةً وبُشرى،

وينفَحَنا أريجًا طابَ عرْفًا ونشرًا، ويُزكِّي القلوبَ بالرحمات وقد أصارَها لديه أصرًا،

وكم شدَّ بالتراويح والتهجُّد منا أزرًا وأزرًا، وأدلَجَ بنا في أنداء الطُّهر وأسرَى.

إخوة الإيمان:

إنه شهرُ الصيام والقيام، أقبلَ ليُوقِظَ فينا جمالَ الرجاء، ولذَّة الدعاء،

وشوقَ التبتُّل الصادق الهتَّان، وتباريحَ التضرُّع الفَيْنان، بين يدي الرحمن،

ولننهَل من كوثره الرقراق كؤوس الهُدى الدِّهاق، فيُحيلُ - بإذن الله - أرواحَنا أزهارًا مُمرِعة بسُيُوب الغفران،

أسِيَةً بخمائل الرضوان.

فأهلاً بشهر التُّقى والجُود والكرَمِ

شهر الصيامِ رفيعِ القدرِ في الأُممِ



نفوسُ أهل التُّقَى في حبِّكم غرِقَت

وهزَّها الشوقُ شوقُ المُصلِح العلَمِ



معاشر المسلمين:

ضيفُكم الكريم هو الفرصةُ السانِحة، والصفقةُ الربانيةُ الرابحة للتزوُّد للدار الآخرة بالأعمال الصالحة،

وليس إلى مرضات الرحمن - بحمد الله - كبيرُ مشقَّةٍ واقتحامِ عناء،

إن راقبَ المسلمُ نفسَه وأولاهَا الحزمَ والاعتناء،

وبادرَ إلى الطاعة دون تلكُّؤٍ أو وَناء،

مُعتبِرًا بمن كانوا بيننا في العام الماضي وقد سرَت بهم المنَايَا القواضِي،

فالبِدار البِدار إلى فضل الله الممنوح قبل فواتِ الروح،

وأجهِدوا أنفسَكم أن يكون عهدُ التوانِي منسوخًا، وزمنُ التسويفِ مفسوخًا.

وفي مأثور الحِكَم: "من أشدِّ الغُصَص فواتُ الفرص،

ومن أخدَ للتواني حصدَ الأوهامَ والأماني".

وخيرُ الدُّرَر ما صحَّ عن سيد البشر - بأبي هو وأمي - عليه الصلاة والسلام -؛

فعن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجتهِد في رمضان ما لا يجتهِد في غيره؛ رواه مسلم.

ومن شمَّر عن ساعدِ العبادة والجِدِّ انصرفَ بمديد الفوز والجَدِّ.

يا أمتي! استقبِلوا شهرًا بروحِ تُقًى

وتوبةِ الصدقِ فالتأخيرُ إغواءُ



توبوا إلى ربكم فالذنبُ داهيةٌ

ذلَّت به أممٌ واحتلَّها الداءُ



أيها المؤمنون:

في رمضان يفتحُ الحُبور للصائم بابًا، ويفوزُ يومَ يُؤتَى باليمين كتابَه،

وإذا لقِيض ربَّه وفَّاه حسابَه؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«للصائم فرحتان يفرحُهما: إذا أفطرَ فرِح، وإذا لقِيَ ربَّه فرِحَ بصومه»؛

خرَّجه الشيخان.

وما دعا ربَّه إلا أجابَه، ولم يُوصِد دونه بابَه؛ يقول - عليه الصلاة والسلام -:

«إن للصائم عند فِطره لدعوةً ما تُردُّ»؛

أخرجه ابن ماجه وغيره.

وإذا كانت أول ليلةٍ من رمضان صُفِّدت الشياطينُ ومرَدَةُ الجن،

وغُلِّقَت أبوابُ النار فلم يُفتَح منها باب، وفُتِّحت أبوابُ الجنة فلم يُغلَق منها باب،

ويُنادِي مُنادٍ: يا باغي الخير أقبِل، ويا باغِي الشرِّ أقصِر،

ولله عُتقاءُ من النار، وذلك كل ليلة؛ أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة وصحَّحه.

الله أكبر! ما أكرمه من عطاءٍ، وما أعظمَه من حِباء.

وكم لله من نفحَاتِ خيرٍ

بمقدَمِك السعيدِ أخا السناءِ



فكم خشَعَت قلوبُ ذوي صلاحٍ

وكم دمَعَت عيونُ الأتقياءِ



فحيَّ هلاً بمن اختار الخيرَ بنواحِيه وأطرافه، ولزِمَ المعروفَ من قواصِيه وأكنافِه،

وكان دَيدَنُه الذكرَ والترتيلَ والصدقَة، والاستغفارَ والتوبةَ والنفقَة،

وأداء الحقوق، والخروج من المظالِم، والرحمةَ والجُود على ذوي المَسغَبَة ممن أعوَزَهم الفقرُ والفاقَة والجفافُ والمجاعة.

أمة القرآن:

وطُوبَى لقومٍ يُلقون قلوبَهم إلى القرآن بالتدبُّر والسمع، فتفيضُ أعينُهم من الوجَل بالدمع،

أزلفَهم الله إليه وأراضهم، وأكرمَ قلوبَهم بالقرآن وأحظاهم.

أمة الصيام والقيام:

تلك - وايْمُ الله، ثم وايْمُ الله - حقيقة القلوبِ والأجساد التي ما فُطِرت إلا لعبادة ربِّ العباد،

ولتتملَّى مِنَح البرِّ الوَدود في محاريبِ الطاعات والسجود، فأين المُشتاقون لجنات الخلود؟!

ألا فلتجعلوا - معاشر المؤمنين، رحمكم الله - لجوارحِكم زِمامًا من العقل والنُّهَى،

ورقيبًا من الورَعِ والتُّقَى؛ حِفظًا للصيامِ عن النقصِ والانفِلام؛

فأيُّ غَناءٍ في أن يدَعَ بعضُ المسلمين طعامَه وشرابَه ثم يركبُ الصعبَ والذَّلول للآثام والمُوبِقات والمعاصي والمنكرات، لا يردُّه من الدين وازِع، ولا ينزِع به من حُرمة الشهر نازِع.

وتحذيرًا للوالغين في هذا المكرَعِ الآسِن وتنبيهًا، يقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -:

«رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوعُ والعطَش،

ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامِه إلا السهرُ والتعب»؛

خرَّجه النسائي، وابن ماجه.

وهل مقاصد الصيام العِظام - يا أمة خير الأنام - عليه الصلاة والسلام - إلا تهذيبُ النفوس وترقِيَتُها،

وذمُّها عن أدرانِها وتزكيتُها، وتقويمُ جُنوحِها، وسَوسُ شِماسِها وجُموحِها،

وذلك هو المُرادُ الأسمَى، والهدفُ الأسنَى من شِرعةِ الصيام في الإسلام؛

ألا هو: تحقيقُ التقوى، يقول - سبحانه -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

[البقرة: 183].

أي: تحقيقًا للتقوى ورجاءً، وغايةً وابتغاءً؛ فهل يعِي ذلك من غفَلوا عن مقاصد الصيام الحقيقية وكرِعوا في المقاصد الدنيوية الدنيئة من أهل الجشَع والطمَع والهلَع،

وزيادةِ الأسعارِ وإغلاءِ السِّلَع، أو من أربابِ الشهواتِ القميئَة ممن يتسمَّرون أمام القنوات والفضائيات،

فالله المستعان.

ألا فاتقوا الله - عباد الله -، واستقبِلوا شهركم بالاغتِباط والاستبشار،

وكثرةِ التوبة والاستغفار؛ فقد كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يُبشِّر أصحابَه بقدوم شهر رمضان، ويقول:

«قد أظلَّكم شهرٌ عظيمُ مُبارَك»؛

خرَّجه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما".

وما ذاك إلا تهيِئةً للنفوس، وشحنًا للهِمَم، وتقويةً للعزائم عن الفُتور والنُّكُوص،

فهنيئًا لأمتنا الإسلامية بحُلول شهر الصيام،

ويا بُشرى لها بموسمِ الرحمةِ والغفرانِ والعتقِ من النيران،

وبارَكَ الله لها في أيامِه الغُرِّ ولياليه الزُّهْر، وأصلَحَ فيه أحوالَها،

وحقنَ دماءَها، وحقَّق وحدتَها، وجمعَ كلمتَها على الحق والهُدى، إنه جوادٌ كريم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ

وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

[البقرة: 185].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم والسنة الشريفة،

ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات الباهِرات والحِكَم المُنيفة،

أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات من جميع الآثام والخطيئات،

فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان للأوابين غفورًا.



الخطبة الثانية

الحمد لله رفعَ لشهر الصيام قدرًا، وحثَّنا على تحقيق مقاصده الكُبرى،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أجرَى في شهر الصيام من البرَكات ما أجرى،

وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أكرمُ العبادِ أرُومةً وذُخرًا،

صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه البالغين من الخير فضلاً عظيمًا وأجرًا،

والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله -، واستلهِموا التوفيقَ لشهر الصيام،

واغتنِموا أيامَه وليالِيَه الكِرام؛ تفوزوا بمرضاة الملكِ العلاَّم.

أمةَ الإسلام:

يُهِلُّ علينا شهرُ رمضان المبارك وأمتُنا الإسلامية تلفَحُها المآسِي والفِتَن،

ويطؤُها منسِمُ الرزَّايا والمِحَن، قد استحكَمَ في كثيرٍ من أقطارها الافتراق والاضطرابُ والشِّقاق،

ولكن ثم لكن يحدُونا التفاؤلُ المُشرِق أن تقتبِسَ أمتُنا من مدرسةِ الصيامِ والقيام الحِكَمَ والعِظات،

والعِبَر الهادِيات، وأن تُفِيءَ إلى رحابِ الاتحادِ والاعتصام، والتراحُم والوِئام،

بدلَ الفُرقة والانقسام، وتنخلِعَ من ضيقِ المصالحِ الذاتية إلى سَعَة المقاصد الشرعية،

ومن سَمِّ التعصُّبِ للآراء والأفكار إلى رَحابَة التشاوُر والحِوار،

وتغليبٍ لصوت العقل والحِكمَة وإلقاء السلاح، ووقفِ نزيفِ الدمِ المُهرَاق؛

صيانةً للدماء المعصومة، وبُعدًا عن الفوضَى والاضطراب،

والفتنِ والعُنفِ والتدميرِ والاحتِراب،

ورعايةً لأمن الأمة واستقرارِها، واطمئنانِ البلاد والعباد.

ولكَم يتحتَّمُ ذلك ويتأكَّد، ويرجُوه الغَيُور من السُّوَيداء ويتوطَّد في شهر الخيرات والبركات،

وتنزُّل القرآن العظيم والرَّحمات، يحملُ مِشعَلَ الإصلاحِ والإنقاذِ العلماءُ الربانيُّون الأعلام،

وعلى آثارهم الدعاةُ والكُفاة من حمَلة الأقلام ورادَة النُّصْحِ السَّدِيد والرأي الحَصِيفِ الرشيد،

حافِزُهم الإيمان الوثيق بالتسديد الحقيق.

والدعوةُ الحرَّاء مُوجَّهةٌ للقائمين على وسائل الإعلام كافةً أن يتقوا اللهَ - سبحانه -،

ويُحسِنوا استقبالَ هذا الشهر الكريم، ويُراعُوا مكانتَه وحُرمتَه،

ويصوموا عن كلِّ ما يخدِشُ روحانيَّتَه وبهاءَه،

ويكُفُّوا عن التسابُق المحموم في بثِّ العفَنِ من القولِ والفعل.

عند ذلك سيبتسِم الأملُ - بإذن الله - في قُطورِ اليأس،

ويُومِضُ فجرُ انكِشافِ الغُمَّة في دامِس الظلام،

وتُؤوبُ أمتُنا المبارَكة إلى عليَاء الريادة والوَحدة والقوة،

ومعاقِد عزَّتِها المتلُوَّة، وما ذلك على الحقِّ - جل جلالُه - بعزيز،

ولكي يتحقَّق ذلك فإن الأمةَ مُطالبَةٌ بجدٍّ وإلحَاح - وهي تستقبِلُ الشهرَ الكريمَ - في كل أمورها ومجالات حياتها بالتوبة والإنابة، والأَوبَة والاستجابة، والمُحاسَبة والمُراجَعَة،

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)

[الأنفال: 24].

يا مَن عدَى ثم اعتدَى ثم اقترَف

ثم انتهَى ثم ارعَوَى ثم اعترَف



أبشِر بقولِ الله في آياتِه:

(إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)

[الأنفال: 38]،

(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

[النور: 31].

هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على أسمَى الورَى قدرًا،

مَن طلَعَ في الحُلَكِ بَدرًا، كما أمركم المولى الذي أنزل الآياتِ تَتْرَى،

فقال تعالى قولاً كريمًا عزيزًا بليغًا وجيزًا:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56].

فصلِّ إلهي وسلِّم سلامًا

على سيدِ الخلقِ فخرِ الأُمَم



وآلٍ وصحبٍ وأهلِ صلاحٍ

ومن سارَ في دربِهم وانتظَم

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأزواجه وذريته،

وبارِك على محمد وآله وأزواجه وذريته،

كما بارَكتَ على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميدٌ مجيد.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،

ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا،

وأصلِح ووفِّق أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا،

اللهم وفِّقه لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيتِه للبِرِّ والتقوى،

واجمع به كلمةَ المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين،

وارزقه البِطانةَ الصالحةَ التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه،

اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه صلاحُ البلاد والعباد.

اللهم وفِّق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك،

واتباع سنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -، اللهم اجعلهم رحمةً على عبادك المؤمنين.

اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،

اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، وأدِم أمنَهم وأمانَهم.

يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال، برحمتك نستغيث، فلا تكِلنا إلى أنفسنا طرفةَ عينٍ،

وأصلِح لنا شأننا كلَّه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطَّول والإنعام.

اللهم بارِك لنا في جميع الشهور والأعوام، وبلِّغنا بمنِّك وكرمك شهرَ رمضان،

اللهم اجعلنا ممن يصومُه ويقومُه إيمانًا واحتِسابًا، اللهم سلِّمه لنا،

وسلِّمنا له، وتسلَّمه منَّا مُتقبَّلاً يا حي يا قيوم يا رب العالمين،

يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.

اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم شتِّت شملَهم،

وفرِّق جمعَهم، واجعلهم عِبرةً للمُعتبِرين يا قوي يا عزيز.

اللهم انصر إخواننا المُستضعَفين في دينهم في كل مكان،

اللهم انصرهم في فلسطين، اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى من بَراثِن المُعتدين، يا قوي يا عزيز.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

[البقرة: 201].

ربنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم،

واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات،

إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعوات.

سبحان ربك ربِّ العزة عما يصِفون،

وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 30-07-2011, 02:16 PM   #24
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوي الشريف 28/8/1432 هـ


رمضان واغتنام الأوقات الفاضلة

لفضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي



والتي تحدَّث فيها عن نعمة الله في تعليم عباده الأوقات الفاضلة التي تتضاعف فيها الحسنات،

ذكَّر ببعض ما ورد من الآيات والأحاديث في فضل صيام رمضان وقيامه.



الخطبة الأولى

الحمد لله ذي الجلالِ والإكرام والفضل والإنعام، أحمد ربي وأشكره،

وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ القدوس السلام،

وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ بأفضل الأحكام،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الكِرام.

أما بعد:

فاتقوا الله حقَّ التقوى؛ فتقوى الله خيرُ زادٍ ليوم المعاد.

أيها المسلمون:

اذكروا نِعَم الله عليكم؛ إذ علَّمكم الأوقاتَ الفاضلة التي تتضاعَفُ فيها الحسنات،

وشرعَ لكم فيها الطاعات، وفصَّلَ لكم المُحرَّمات التي تُخزِي الإنسان في الحياة وبعد الممات،

قال الله تعالى:

(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ

وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)

[البقرة: 151، 152]،

وقال تعالى:

(فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)

[البقرة: 239]،

وقال تعالى:

(وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ)

[الأنعام: 91]،

وقال تعالى:

(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)

[الأنعام: 119].

فما أعظمَ كرمَ الرب - جل وعلا -، وما أوسعَ عطاءَه،

وما أجلَّ نِعَمه وجُودَه، يُعلِّمُنا الأزمنَةَ الفاضلَة التي يتضاعَفُ فيها الثواب،

ويُعلِّمُنا أنواعَ القُرُبات التي يرضى بها عنَّا، ويُعينُ على العبادات،

ويحفظُ من المُحرَّمات، إن هذا أعظم النِّعَم، وغايةُ الجُود والكرم.

وشهر رمضان سيدُ الشهور، جعل الله صيامَه مغفرةً للذنوب؛

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛

رواه البخاري.

كما جعل الله قيامَه كفَّارةً لما سلَفَ من السيئات، ورفعةً في الدرجات عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«من قامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛

رواه البخاري ومسلم.

وفيه ليلةُ القدر من قامَها إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«الصلواتُ الخمس، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتٌ لما بينهنَّ إذا اجتُنِبَت الكبائرُ»؛

رواه مسلم والترمذي.

فيا أيها المسلمون:

هذه مواسمُ الخيرات قد أقبَلَت، وهذه أوقاتُ الفضل قد دخلَت،

وأبوابُ الجنة في رمضان فُتِّحَت، وأبوابُ النار أُغلِقَت، والشرورُ قد طُفِئَت؛

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«إذا دخلَ رمضان فُتِّحَت أبوابُ الجنة،

وأُغلِقَت أبوابُ جهنم، وسُلسِلَت الشياطين»؛

رواه البخاري ومسلم.

وثوابُ الصيام أفضلُ الثواب؛ عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«في الجنةِ بابٌ يُدعَى الريَّان، يدخل منه الصائمون،

فمن كان من الصائمين دخلَه، ومن دخلَه لم يظمَأ أبدًا»؛

رواه البخاري ومسلم.

وما ذاكَ إلا لأن الصوم سرٌّ وإخلاصٌ بين العبد وربِّه يتخلَّى العبدُ بالصوم عن حُظوظِ نفسِه،

وما تدعُوه إليه طبيعتُه الأمَّارةُ بالسوء، ويُقدِّم مرضاةَ ربِّه،

فيتولَّى الله جزاءَه بلا حساب؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَف الحسنةُ عشرُ أمثالِها إلى سبعمائة ضِعفٍ،

قال الله تعالى: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزِي به،

يدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطوره،

وفرحةٌ عند لقاء ربه، ولخَلُوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريحِ المِسك»؛

رواه البخاري ومسلم.

ونعيمُ الجنات مُجانِسٌ وموافقٌ للأعمال، فكل عملٍ صالحٍ له نعيمٌ يُناسِبُه ويُوافِقه،

والله ذو الفضلِ العظيم، ولو تعلمُ الأمةُ ما يُفيضُ عليها الربُّ من الرحمةِ والخير في رمضان لتمنَّت أن تكون السنةُ كلُّها رمضان،

والدنيا دارُ عمل، والآخرةُ دارُ جزاء، والدنيا فانية، والآخرةُ باقية.

وقد كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - يُبشِّر أصحابَه بقدوم رمضان؛

ليستعِدُّوا له بما يليقُ به من التوبة والأعمال الصالحات؛

عن سلمان - رضي الله عنه - قال: خطَبَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر يومٍ من شعبان قال:

«يا أيها الناس! قد أظلَّكم شهرٌ عظيمٌ مبارك،

شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، شهرٌ جعلَ الله صيامَه فريضة،

وقيامَ ليله تطوُّعًا، ومن تقرَّب فيه بخَصلةٍ كان كمن أدَّى فريضةً فيما سواه،

ومن أدَّى فريضةً فيه كان كمن أدَّى سبعين فريضةً فيما سواه،

وهو شهر الصبر، والصبر ثوابُه الجنة، وشهر المُواساة»؛

رواه ابن خزيمة.

والصيامُ من العبادات التي تُعِدُّ المسلمَ لأن يكونَ من المُتقين؛

ليكون أهلاً لجِوارِ رب العالمين في جنات النعيم؛ فإنه لا يدخل الجنةَ إلا طيبٌ طاهر؛

طاهرٌ من الشرك والآثام، قال الله تعالى:

(كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31)

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ

ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

[النحل: 31، 32].

فإذا عُدِم أثرُ العبادة على الإنسان فعدمُ الأثر الطيب لخلَلٍ من الإنسان نفسه، وليس لخلَلٍ في العبادة.

أيها المسلمون:

قال رسولنا - صلى الله عليه وسلم -:

«إن الله فرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتَدوها،

وحرَّم أشياءَ فلا تنتهِكوها، وسكتَ عن أشياء رحمةً بكم فلا تسألوا عنها».

وأوجبُ الواجبات: توحيدُ الله تعالى؛ فمن حقَّق التوحيدَ دخل الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذاب.

وأقِيموا الصلاة؛ فمن الناس من يصوم ويُقصِّر في الصلاة،

وهذا من الخُسران، وأدُّوا زكاةَ أموالِكم ولا سيما في هذا الشهر المبارك،

وحُجُّوا بيتَ ربكم، واحفَظوا صيامَكم من اللغوِ والمعاصي والذنوب؛

فـ «من لم يدَع قولَ الزورِ والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه».

قال الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ

كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)

أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ... )

[البقرة: 183، 184].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،

ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم،

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،

فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ العظيم،

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ رحمةً للعالمين

(لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)

[يس: 70]،

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.

عباد الله:

إن هذا الشهر الكريم شهرُ الإحسان، والمؤمنُ يُحسِنُ إلى نفسه،

ويُحسِن إلى عباد الله، وأحبُّ العباد إلى الله: من أحسنَ إلى نفسه؛

بأن اتقَى الله تعالى، ووحَّد ربَّه - تبارك وتعالى -، فعبَدَ الله لا يُشرِكُ به شيئًا،

وأحسنَ إلى عباد الله؛ فإن الله - تبارك وتعالى - يُحبُّ المُحسنين،

وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناس،

وكان أجودَ ما يكون في رمضان، فلرسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ يلقاهُ جبريل أجودُ بالخير من الريحِ المُرسَلة،

كما روَت ذلك عائشةُ - رضي الله تعالى عنها -.

والقدوةُ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛

فما من خيرٍ إلا وقد فعلَه وحثَّ عليه، وما من شرٍّ إلا وحذَّر منه واجتنبَه،

فهو القدوةُ للمؤمنين، قال الله تعالى:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)

[الأحزاب: 21].

وهذا الشهر المبارك شهرُ القرآن، قال الله تعالى:

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ

وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)

[البقرة: 185]،

وهذا الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن هو غذاءُ الروح،

وهو الدالُّ على الخيرات، والذي ينهَى عن المُحرَّمات؛

فإن للقرآن في هذا الشهر على القلوب سلطانًا عظيمًا،

فإن سلطانَ النفس يضعُفُ بالصوم، وإن سلطانَ القرآن يقوَى.

فيا أيها الناس:

أدِيموا تلاوةَ كتابِ الله، وتدبَّروا القرآنَ العظيم؛

فإنه الذي يقودُ إلى رضوان الله وإلى جنات النعيم،

وأكثِروا من التلاوةِ فيه آناء الليل وآناء النهار،

وأكثِروا من ذكر الله - تبارك وتعالى -.

وإن الصدقةَ في هذا الشهر إنها من الإحسان الذي رغَّبَ الله فيه،

ورغَّب فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -،

فاستقبِلوا شهرَكم بخيرِ ما تقدِرون عليه من الأعمال وبتوبةٍ نَصوح؛

فإن الله - تبارك وتعالى - أمرَ بذلك، فقال - عز وجل -:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا)

[التحريم: 8]،

والله - تبارك وتعالى -:

(لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)

[النساء: 40].

توبوا إلى الله ليرتحِل هذا الشهر بذنوبٍ مغفورة، وأعمالٍ مشكورة.

عباد الله:

إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال - تبارك وتعالى -:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب: 56]،

وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:

«من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».

فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين،

اللهم صلِّ على محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،

إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد،

كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

اللهو ارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين:

أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين،

وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،

اللهم وارضَ عنا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،

اللهم أذِلَّ الكفر والكافرين، اللهم أبطِل كيدَ أعداء الإسلام يا رب العالمين،

اللهم أبطِل مكر أعداء الإسلام يا رب العالمين،

اللهم يا قويُّ يا متين اللهم أبطِل مُخطَّطات أعداء الإسلام

التي يكيدون بها الإسلام والمسلمين يا رب العالمين.

اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيك يا أرحم الراحمين ويا رب العالمين،

يا قوي يا عزيز، اللهم اجعلنا من المُتمسِّكين بكتابك

وسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -،

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا ومن خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم يا رب العالمين،

اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احفظ دماء المسلمين،

اللهم احفظ للمسلمين دينَهم وأعراضَهم ودماءَهم وأموالَهم يا رب العالمين،

اللهم استُر عوراتِنا وآمِن روعاتِنا يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،

وأعِذنا من شر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين،

نَدرأُ بك في نحر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين، إنك على كل شيءٍ قدير.

اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى،

اللهم وفِّقه لهُداك واجعل عمله في رضاك، وانصر به دينَك،

وأعلِ به كلمتَك، اللهم وأعِنه على ما فيه الصلاحُ للبلاد والعباد يا رب العالمين،

وأصلِح بِطانتَه، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحبُّ وترضى، ولما فيه عِزُّ الإسلام والمسلمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا.

اللهم يا ذا الجلال والإكرام اللهم أطفِئ الفتن التي اشتعلَت في بلاد المسلمين،

اللهم أطفِئ الثورات التي اشتعلَت في بلاد المسلمين يا رب العالمين،

اللهم أطفِئها بعزٍّ للإسلام والمسلمين وعافيةٍ للإسلام والمسلمين،

وذلٍّ للكفر والكافرين يا رب العالمين وأعداء الدين، إنك على كل شيء قدير.

اللهم يا ذا الجلال والإكرام أعِنَّا على صيام شهر رمضان وقِيامه،

اللهم أعِنَّا على صيام شهر رمضان وقيامه يا رب العالمين.

اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها،

وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.

اللهم يا ذا الجلال والإكرام أظهِر سننَ نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -،

اللهم اقمَع البدعَ، اللهم أذِلَّ البدعَ إلى يوم الدين يا رب العالمين،

اللهم انصر السننَ يا ذا الجلال والإكرام،

اللهم انصر هديَ نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -.

اللهم تُب علينا وعلى المسلمين، وفقِّهنا والمسلمين في الدين،

اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وشياطينه وذريته وجنوده يا رب العالمين،

وأعِذ المسلمين من إبليس وشياطينه وذريته يا ذا الجلال والإكرام.

عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى

وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا

وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)

[النحل: 90، 91].

واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 07-08-2011, 12:55 AM   #25
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف 05.09.1432



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "صيام رمضان والغاية منه"،
والتي تحدَّث فيها عن الغاية والحكمة من صيام رمضان،
وهي: تحصيل تقوى الله - سبحانه وتعالى -.

الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أكرمنا برمضان، وجعله موسمًا للرحمة والعفو والغفران،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيمُ الرحمن،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيدُ ولد عدنان،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أهل التقوى والإيمان.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -، فمن اتقاه وقاه وأسعده ولا أشقاه.
إخوة الإسلام:
إن من نعم الله علينا أن بلَّغنا هذا الشهر العظيم والموسمَ الكريم الذي توافَرَت النصوص على عظيم فضله وكريم خِصاله، فالواجبُ على المسلم اغتنامُ لحظاته بما يكون سببًا للفوز بدار النعيم والنجاة من الجحيم،
قال - صلى الله عليه وسلم -:
«من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛
متفق عليه.
فسارِعوا فيه إلى أنواع الخيرات، وبادِروا بالأعمال الصالحات،
وتسابَقوا فيه إلى سائر القُربات؛ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:
"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناس في الخير،
وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل،
فلرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المُرسَلة"؛ متفق عليه.
إخوة الإسلام:
التمِسوا من صوم هذا الشهر تطهيرَ القلوب، وتزكيةَ النفوس،
والوصول إلى حقيقة التقوى في جميع مراحل الدنيا،
قال ربنا - جل وعلا -:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
[البقرة: 183].
لنستلهِم من رمضان الدروسَ الإيمانية التي تجعلنا نعيش حياةً إيمانيةً تنأَى بنا عن مصائب النفوس الأمَّارة بالسوء،
وعن شرور الشهوات الجامِحة والغرائز العارِمة، وفي هذا يقول - صلى الله عليه وسلم -:
«من لم يدَع قولَ الزور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه»؛
رواه البخاري.
ويقول - صلى الله عليه وسلم - كما رواه الشيخان -:
«فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخَب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَله فليقل: إني صائم».
أيها المسلمون:
رمضان فرصةٌ عظيمةٌ لتغيير الأحوال إلى ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الخضوع لله - جل وعلا -،
والتذلُّل له - سبحانه -، والوقوف عند حدوده،
والالتزام بطاعته - سبحانه -،
فمن أضاع هذه الفرصةَ وقع في الخسارة الكبرى والحسرة العُظمى؛
صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رقِي المنبر فقال:
«آمين» ثلاثًا، ثم قال: «إن جبريل أتاني
فقال: رغم أنف امرئٍ دخل عليه رمضان فلم يُغفر له فدخل النار فأبعدَه الله،
قل: آمين، فقلتُ: آمين».
فالمُبادرة المُبادرة إلى الصالحات، والمُسابقة المسابقة إلى الخيرات.
بارك الله لنا فيما سمعنا، ورزقنا العملَ الصالحَ الذي يُرضِي المولى - جل وعلا -،
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،
وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
إن من الأهداف الكبرى لمشروعية الأحكام في الإسلام:
تحقيقَ الأُخوَّة بين المسلمين والمودَّة بين المؤمنين،
فلنستلهِم من هذا الشهر كلَّ خُلُقٍ نبيلٍ وفعلٍ جميل،
ولنحرِص على الرفقِ بالمسلمين والإحسان إليهم،
وإيصال النفع لهم، وفي هذا يقول - صلى الله عليه وسلم -:
«من فطَّر صائمًا فله مثلُ أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيءٌ»؛
رواه أحمد والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
وإن من الأمور المهمة التي ينبغي أن نتعاهَدها في هذا الشهر:
تذكُّر ما يقع للمسلمين من مصائب عُظمى في أماكن شتَّى،
فلنجتهِد بالدعاء لهم خاصةً عند الإفطار وفي السجود وفي القنوت؛
فقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أنه قال: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم»،
وذكر منهم: «الصائم حتى يُفطِر».
ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم،
ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا وحبيبنا نبينا محمد،
وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين،
وعلى الآل أجمعين، وجميع الصحابة إلى يوم الدين،
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذِلَّ الشرك والمشركين.
اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين،
اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين،
اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين،
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم فرِّج همومهم،
اللهم نفِّس كرباتهم، اللهم احفظ دماءهم، اللهم احفظ دماءهم،
اللهم اكشف ما أصابهم، اللهم اكشف ما أصابهم يا ذا الجلال والإكرام،
اللهم اجعل عاقبةَ ما أصابهم خيرًا، اللهم اجعل عاقبةَ ما أصابهم خيرًا،
اللهم اجعل عاقبةَ ما أصابهم خيرًا، اللهم اكتب لهم الفلاح في الدنيا وفي الآخرة،
اللهم اكتب لهم الفلاح في الدنيا وفي الآخرة.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات،
والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين،
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين،
اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النار.
اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى،
اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم،
اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم.
اللهم إنك غنيٌّ كريم، اللهم فأغِثنا، اللهم فأغِثنا، اللهم فأغِثنا.
سبحان ربك رب العزة عما يصِفون،
وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 07-08-2011, 03:46 PM   #26
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى صلاة الجمعه من المسجد الحرام 05.09.1432



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: " تقوى الله بصيام رمضان"،
والتي تحدَّث فيها عن شهر رمضان وما فيه من عِظات وعِبر،
وذكر أبرزَ الأعمال التي يملأُ بها المسلمُ فراغَه ووقته في هذا الشهر المبارك،
وأشار إلى أهمية الالتفات إلى إخواننا المنكوبين والعطف عليهم.



الحمد لله، الحمد لله الذي أفاضَ علينا من خيره ولم يزَل يُفيض،
يدُه سحَّاء الليل والنهار، لا تُعجِزها نفقةٌ ولا تغيض،
له المحامدُ والمكارم فلا يُحيطُ بحمده نثرٌ ولا قَريض،
أحمده تعالى أشكره، وأُثني عليه وأستغفره، تفضَّل علينا بسيد الشهور،
ويسَّر لنا فيه ما نحوزُ به عظيمَ الأجور،
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،
صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه،
وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم البعث والنشور.
أما بعد:
فالوصيةُ المبذولةُ الكبرى هي الوصيةُ بالتقوى؛ بها تكفيرُ الذنوب،
والنجاةُ من الخُطوب، ومعرفةُ الحق حين التباسِ الدُّروب،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
[الأنفال: 29].
ترفَّعوا عن هذه الدنيا كما زهِد فيها الصالحون،
وأعِدُّوا الزادَ لنُقلةٍ لا بد لها أن تكون، واعتبِروا بما تدور به الأيامُ والسنون،
وتنبَّهوا فالغفلةُ قد تناهَت، والفتنُ عاصفةٌ قد تدانَت،
ورحِم الله من تداركَ نفسَه،
فشتَّان بين من عصَى اللهَ وخالفَ أمره وبين من قطع عمره في معاملة ربه وذكره،
ولزِمَ الوقوف ببابه، ومرَّغ خدَّه على أعتابِه،
فيا خجلةَ الخطَّائين، ويا ندامةَ المُفرِّطين.
أيها المسلمون:
شهرُكم المُعظَّم قد حلَّ، وفرصتُكم في التزوُّد حانَت،
والعبدُ في هذا الشهر إما مُوفَّقٌ أو مخذول، أما وقد مضى من شهرنا ليالي،
فستمرُّ أيامه سِراعًا، وتمضِي تِباعًا،
وسيكون من شأن المُوفَّقين تحصيلُ وافِر الأجور،
والسعادة في الدنيا وفي يوم النُّشور.
وسيبكي أقوامٌ أسًى وندمًا على ضياعِ الليالي وفواتِ الأوقات،
ولاتَ ساعة ندمٍ ولا بكاء، فاستبِقوا الخيرات،
وتدارَكوا الأيام بالباقيات الصالحات،
وقد صحَّت الأخبارُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الشيخان - أن
«من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»،
وأن
«من قامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»،
وأن «من قامَ ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه».
وصحَّ عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
«رغِم أنفُ امرئٍ أدركه رمضان فلم يُغفَر له».
فكم رغِمت أنوفٌ ألهَتها شهواتُها والأهواء،
ويا أيها الراكبون خلف سراب الدنيا قد حبسَت الأشغالُ أنفاسَهم،
ويا أيها اللاهِثون وراء متابعة الأخبار،
الباحثون عن كل تفاصيل الأنباء وإشاعاتها،
وإلى اللاهين بالمسلسلات والقنوات السادرين في غفلة المُوبِقات،
قد أعشَت الشاشاتُ أبصارَهم؛ إنها فرصتُكم لتتوقَّفوا قليلاً،
وإنه شهرُكم لتهدأ فيه الأنفاس، ويطمئنَّ القلبُ،
وتؤوبَ الروحُ إلى باريها، تبحثُ عن السعادة في جنَبات المسجد،
ومن خلال آي القرآن، وتأنسُ بالجلوس للأسرة والأولاد.
ليكن شأنُكم التقلُّل من أعراض الدنيا، والإحسانَ إلى الأقربين،
وإدامةَ ذكر الله، وتحقيقَ التقوى التي شرعَ الله الصيامَ لأجلها:
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
[البقرة: 183].
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يصخَب،
فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَلَه فليقل: إني امرؤٌ صائم»؛
رواه البخاري ومسلم.
فهذا توجيهٌ لما يجبُ أن يكون عليه الصائم من كمال النفس،
وطِيب الروح، وتأثير التقوى؛
لأن رمضان يصِل النفوس بالله فيُشرِقُ عليها من لدُنه النور حتى تذوقَ حلاوةَ الإيمان،
ومن ذاقَ حلاوةَ الإيمان لم يعرفِ البغضاء ولا الشر ولا العُدوان.
وإذا تحقَّقت التقوى في القلوب فإنه تمحُو الغشَّ من نفوس أهلها محوًا،
ويملؤها خوفُ الله ورجاؤه فتعِفُّ نفوسهم عن الحرام،
وتغضُّ أبصارهم عن المحارم، وتقِف ألسنتُهم عن الكذب؛
لأنها جرَت بذكر الله واستغفاره،
وهانَت عليهم الدنيا حين أرادوا اللهَ والدار الآخرة،
فغدَا الناسُ آمنين أن يغشَّهم تاجر، أو يعتدِي عليهم فاجِر.
أيها المؤمنون:
الصومُ الحقُّ يسوقُ المؤمنَ إلى تقوى الله سوقًا،
ويحدُوه إلى العمل الصالح، والسعي والمسارعة إلى الحسنات تدارُكًا للزمن الفاضل،
ومُبادرةً قبل الفوات؛ بَيدَ أن المُشاهَد في الحال أن رمضان لا يعدُو عند الكثيرين أن يكون توقُّفًا عن الطعام والشراب فحسب من غير زيادة عمل، ولا مزيد ورع، والله تعالى يقول: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
فإن لم يزدَد إيمانُك، وتكثُر أعمالُك، وينتهي عصيانُك،
فراجِع نفسَك لئلا تكون من المُفرِّطين.
وإذا آمنَ الإنسانُ بالله العظيم، وأيقنَ باليوم الآخر والحساب والجزاء دفعَه ذلك إلى استرضاء ربه والاستعداد للقائه والاستقامة على صراطه،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
[البقرة: 183]،
بدأ بالإيمان وختمَ بالتقوى.
ومن الضلال أن يهبِط الإنسانُ بحقيقة الدين،
فيجعلُ الإسلامَ كلمةً لا تكاليفَ لها، وأمانيَّ لا عمل معها،
فلا يقوم إلى واجب، ولا ينتهي عن محرم،
فيكون من الذين اتخذوا دينَهم لهوًا ولعبًا وغرَّتهم الحياةُ الدنيا.
وما من آيةٍ في كتاب الله ذكرت الإيمانَ مجردًا؛
بل عطَفَت عليه عملَ الصالحات أو تقوى الله أو الإسلامَ له؛
بحيث أصبحت صلةُ العمل بالإيمان آصرةٌ لا فَكاك عنها،
وكثيرًا ما يُشار إلى الإسلام وحقيقته الشاملة بمظاهر عمليةٍ محدودة،
(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)
[البلد: 11- 16].
بل إن العلامة التي ينصِبُها القرآنُ دليلاً على فراغ النفس من العقيدة،
وخراب القلب من الإيمان هي في النُّكوص عن القيام ببعض الأعمال الصالحة،
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)
وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)
[الماعون: 1- 3].
يتقرَّر هذا - أيها المسلمون - في مشهد الضعف العام والتوانِي عن الأعمال،
وهناك أناسٌ مزَّقَت المعاصي صِلَتهم بالله شرَّ مُمزَّق،
وظلَّت أهواؤهم تجنحُ بهم بعيدًا عن الله حتى نسوا اللهَ أتمَّ نسيان،
ولم يعرِفوا قدرَ رمضان.
وإنكم - أيها المسلمون - تعرفون تاريخَ أممٍ هلَكت بسوء عملها،
وتعرفون أن الله نقم على قوم لوط لارتكابهم الفاحشة،
وعلى قوم شُعيب لبخسِهم المكيال والميزان،
وقد عرفتُم مصائرَ أولئك الفاسقين؛
فهل أمتُنا وحدها هي التي تريد أن ترتكب السيئات دون حذرٍ أو وجَل،
إن الإسلام ليس بِدعًا من الشرائع السابقة فيُوجِبُ الإيمان دون العمل؛
بل إن القرآن الكريم ليقُصُّ علينا عِبَر السابقين لنتَّعِظ منها،
ثم لنسمَع قولَ الله بعد ذلك:
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ
وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)
ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)
[يونس: 13، 14]،
هكذا نُمتَ
حن، وتُراقَب تصرُّفاتنا، ويُكلِّفُنا الله بالإيمان والعمل جميعًا،
ثم ينظر وفاءَنا بما حُمِّلنا من أعباء.
وقد خاطَبَ الله بني آدم بهذه الحقيقة الجليَّة،
وأفهَمهم أن نجاتَهم في الصلاح والتقوى لا في النفاق والدعوى:
(يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي
فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
[الأعراف: 35، 36].
فرمضان شهرٌ يُثمِر التقوى والعملَ الصالح لا مجرَّد الإمساك عن الأكل والشرب،
و«من لم يدَع قولَ الزور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ أن يدَع طعامَه وشرابَه»،
ومن كان صادقًا فليجعل رمضان شهرَ عبادةٍ وخشوعٍ وتوبةٍ وإنابةٍ،
يلتزِم فيه الأدب، ويترفَع عن الدنايا والرِّيَب،
ويستحضِر العبودية بصيامه، ويعمُر وقتَه بالقُربات،
ويستزيدُ من الطاعات، ما بين تلاوةٍ للقرآن، وتدبُّر لآياته،
أو صدقةٍ وصلة، وإحسانٍ وبرٍّ، وذكرٍ لله تعالى بأنواع الذكر مع الخشوع والسكينة.
ويمضِي النهارُ كلُّه على ذلك، فإذا كان الأصيلُ ودنا الغروب تجلَّى رمضان على الكون بوجهه،
فهشَّت له وجوهُ الناس، وهتفَت باسمه الشِّفاه،
وانظر إلى رمضان وقد سكَّن الدنيا ساعة الإفطار،
وأراحَ أهلَها من التكالُب على الدنيا والازدحام على الشهوات،
وضمَّ الرجلَ إلى أهله، وجمعَ الأسرةَ على أطيب مائدةٍ وأجمل مجلس، وأنفع مدرسة.
ثم يتلو ذلك قيامُ الليل وتلاوة القرآن والدعاء والتضرُّع والإنابة والاستغفار،
فيا باغِي الخير أقبِل، ويا باغِي الشر أقصِر.
تقبَّل الله منا ومنكم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ
فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون)
[البقرة: 183- 186].
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.



الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين،
وأشهد أن إله إلا الله الملك الحق المبين،
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، أيها المسلمون:
في كل عامٍ نترقَّب هذا الشهر لنستريحَ من وعثاء الدنيا وصخَبها،
ولتستروِح قلوبُنا وتبتلَّ نفوسُنا وقد ألحفَها جفافُ السنين،
وأرهقَها عصفُ الحياة، يعود شهرُ الخير لتتصافحَ الأيادي المُتباعِدة،
وتتصلَ الحِبالُ المقطوعة، وتنتهي حكاياتٌ من الشِّقاق غصَّت بها أروِقةُ المحاكم،
وشقِيَت بها دوائرُ الأسر والأحياء والمجتمعات،
ويؤذِّن حادي الصفح أن حيَّ على الصفاء،
فتأتلِف القلوبُ المُتباينة وتجلو الأُخوَّة الإسلامية بأعظم رابطة،
فتبدو الأُخوَّة في أكمل صُورها.
يعد شهرُ رمضان لتعودَ معه الذكريات الجميلات،
ويفتحُ أبوابَ الفأل في حياة الأمة وقد غصَّت من الضياع والمُشكلات،
وفي القلب غُصَّةٌ من الجراحِ الداميات، والنفوس المُزهقَات،
ومن لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس منهم.
تتعلَّق فيه القلوبُ بشأن الدعاء،
وتُعلِنه في كل ليلةٍ جهارًا شعيرةً من شعائر هذا الشهر العظيم،
ويُسِرُّ به عبادُ الله في سجَداتهم وصلواتهم وهم يؤمنون أن الغيبَ بيد الله،
وأن الأمر كلَّه بيده، وهو على كل شيءٍ قدير،
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)
[الأنعام: 18]،
ويكون مشهدُ الدعاء من أبلغِ مشاهد هذا الشهر وأكثرها تأثيرًا،
وقد قال - تبارك في اسمه - في ثنايا آيات الصيام:
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)
[غافر: 60]،
ولا غالبَ في هذه الأزمات إلا الله، فهو المُستعان وإليه المُلتجَأ وبه المُعتصَم، ففرُّوا إلى الله،
(وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)
[الحج: 78]،
و(اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
[آل عمران: 200].
أيها المسلمون:
يعودُ شهر الصيام ويذكُر المسلمُ لجُوعه به جوعةَ إخوانه،
فيقتطعُ من ماله دراهِم، ومنن طعامه لُقيماتٍ يُشارِك بها الجوعَى والمحرومين،
ويُنمِّي بها فضيلةَ الإحسان إلى عبيد الله، ويشكر المُنعِم المُتفضِّل - سبحانه -،
وأنت ترى الجوعَ يضربُ بعضَ الناس بقسوة، وما أرضُ الصومال عنا ببعيد.
فاستبِقوا الخيرات - أيها المؤمنون -، وتبوَّؤوا من الجنة الدرجات،
فاليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل،
ومن خافَ يوم الحساب فليُطعِم جوعَة، ويسُدَّ خلَّة، وفي صفات أهل الجنة
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)
إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)
فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)
وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا)
[الإنسان: 8- 12]،
وفي الأمن من يوم الفزع الأكبر يقول الحقُّ - سبحانه -:
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
[البقرة: 274].
هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية:
محمد بن عبد الله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد،
وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين،
وارضَ اللهم عن الأئمة المهديين، والخلفاء المَرْضِيِّين:
أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين،
ومن سار على نهجهم واتبع سنتهم يا رب العالمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،
ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره،
واجعل تدبيرَه دمارًا عليه.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا،
وأيِّد بالحق إمامنا ووليَّ أمرنا، اللهم وفِّقه لهداك،
واجعل عمله في رضاك، وهيِّئ له البِطانة الصالحة،
اللهم وفِّقه ونائبَيه لما فيه الخير للعباد والبلاد،
واسلُك بهم سبيل الرشاد.
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا،
والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين،
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،
اللهم اجمعهم على الحق والهدى، اللهم احقِن دماءهم،
اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم،
واحفظ دينَهم وأعراضَهم وديارهم وأموالهم.
اللهم كن للمظلومين والمُضطهدين والأُسارى والمنكوبين،
اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان،
اللهم انصرهم في فلسطين،
اللهم انص المُرابِطين في أكناف بيت المقدس،
اللهم اجمعهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين،
اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك،
اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201].
اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللهم إنا نسألك العفوَ والعافيةَ والمُعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا،
وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا،
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.
اللهم وفِّقنا للصالحات، وكفِّر عنا السيئات،
وتقبَّل صلاتَنا وصيامَنا ودعاءنا، وصالحَ أعمالنا إنك أنت السميع العليم،
وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون،
وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 13-08-2011, 04:46 PM   #27
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف 12.09.1432



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "رمضان شهر التوبة والإنابة"،
والتي تحدَّث فيها عن فضل شهر رمضان وما حباه الله من ميزاتٍ على غيره من الشهور؛
حيث إنه شهر التوبة والاستغفار.



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
أيها المسلمون:
تتوالَى نعمُ الله الظاهرة والباطنة على عباده،
وقد أكرم - سبحانه - عبادَه بشهرٍ عظيمٍ مخصوصٍ بالقدر والتكريم،
مُفضَّلٍ على سائر الشهور، أنزل فيه كتابَه وفرضَ صيامَه،
زمنُ العتقِ والغفران، موسمُ الصدقات والإحسان، وتتوالَى فيه الخيراتُ وتعمُّ البركات.
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لأصحابه:
«أتاكم رمضان شهرٌ مبارَك، فرضَ الله عليكم صيامَه،
تُفتَّحُ فيه أبوابُ السماء، وتُغلَّقُ فيه أبوابُ الجحيم، وتُغلُّ فيه مرَدةُ الشياطين،
لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِم خيرَها فقد حُرِم»؛
رواه النسائي.
قال ابن رجب - رحمه الله -:
"وكيف لا يُبشَّرُ المؤمنُ بفتح أبواب الجِنان؟
وكيف لا يُبشَّرُ المُذنِبُ بغلقِ أبواب النيران؟
كيف لا يُبشَّرُ العاقلُ بوقتٍ تُغلُّ فيه الشياطين؟
من أين يُشبِه هذا الزمان زمان؟".
رمضان أشرفُ الشهور وأزكاها عند الله، جعله تعالى ميدانًا لعباده يتسابقون فيه بأنواع الطاعات والقُرُبات،
شهرُ منحةٍ لتزكية النفوس وتنقيتها من الآفات والضغائن والأحقاد،
في هذا الشهر مغانمُ لطاعات الله: قرآنٌ وقيام، صدقةٌ وصيام،
عطفٌ وإحسان؛ قال - عليه الصلاة والسلام -:
«من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجره غيرَ أنه لا ينقصُ من أجر الصائم شيءٌ»؛
رواه الترمذي.
والعُمرةُ فيه فاضلة، قال - عليه الصلاة والسلام -:
«عُمرةٌ في رمضان تعدِلُ حجَّة»؛
متفق عليه.
وللصائم دعوةٌ لا تُردُّ، وفي الثُلثِ الأخير من الليل ينزلُ ربُّنا ويقول:
«من يدعُوني فأستجيبَ له»؛
رواه مسلم.
شهرُ رمضان يغتنِمُه المُشمِّرون لبرِّ الوالدَين والقُرب منهم والتودُّد إليهم،
ولصِلَة الأرحام، والإحسان إلى الأهل والأولاد بالتوجيه الرشيد والمعاملة الحسنة.
قال ابن رجب - رحمه الله -:
"الصائمُ في ليله ونهاره في عبادة، ويُستجابُ دعاؤُه في صيامه وعند فِطره؛
فهو في نهاره صائمٌ صابر، وفي ليله طاعمٌ شاكر".
والصدقةُ ميدانٌ لتفريجِ الكروبِ عن الغني قبل الفقير،
يظهرُ أثرُها على المُتصدِّق في نفسه وماله وولده،
وتدفعُ عنه البلاءَ وتجلبُ له الرخاء، قال ابن القيم - رحمه الله -:
"للصدقةِ تأثيرٌ عجيبٌ في دفع البلاء،
وهذا أمرٌ معلومٌ عند الناس خاصتهم وعامتهم،
وأهل الأرض كلهم مُقرُّون به؛ لأنهم جرَّبوه،
وما استُجلِبَت نعمُ الله واستُدفِعَت نقَمُه
بمثلِ طاعته والتقرُّب إليه والإحسان إلى خلقه".
وفي نسمات الخير والبركات في أعظم شهرٍ في العام في الناس من يتجرَّأ على العصيان؛
من إطلاق البصر في المحظورات، أو إرخاء الأذن للمحرمات،
وفيهم من يُضيِّعُ لحظاته الثمينةَ بكثرة لهوٍ يُبعِدُه عن الطاعة، وكل مُتعةٍ بمحرَّمٍ نهايتُه حسرةٌ وندامة.
والتوبةُ بابُها مفتوحٌ وخيرُها ممنوح، وفي شهر الخير أرجَى؛
قال - صلى الله عليه وسلم -:
«قال الله تبارك وتعالى: يا عبادي! إنكم تُخطِئون بالليل والنهار،
وأنا أغفر الذنوبَ جميعًا، فاستغفروني أغفِر لكم»؛
رواه مسلم.
والذنبُ يغفِره الله وإن تعاظَم؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«قال الله تعالى: يا ابن آدم!
إنك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالِي،
يا ابنَ آدم! لو بلغَت ذنوبُك عنانَ السماء، ثم استغفرتَني غفرتُ لك»؛
رواه الترمذي.
واليأسُ والقنوطُ سلاحٌ لإبليس ليُبقِي العاصي على عصيانه،
والعبدُ مهما عمِلَ من المعاصِي والخطايا فاللهُ لا يُيأَسُ منه؛
فالتوبةُ تهدِم ما قبلَها، والإنابةُ تجُبُّ ما سلَفَها.
ومن أعظم أسباب المغفرة: أن العبدَ إذا أذنبَ ذنبًا لم يرجُ مغفرتَه من غير ربه، قال لقمان لابنه:
"يا بنيَّ! عوِّد لسان: اللهم اغفر لي؛
فإن لله ساعاتٍ لا يردُّ فيها سائلاً".
وعلامةُ التوبةِ: الندمُ على ما سلَف، والخوفُ من الوقوع في الذنب،
ومُجانبَةُ رُفقة السوء، ومُلازمَةُ الأخيار.
واحفظ لسانَك وسمعَك وبصرَك على الدوام عما حرَّم الله؛
قال الإمام أحمد - رحمه الله -:
"ينبغي للصائم أن يتعاهَد صومَه من لسانه، ولا يُمارِي في كلامه،
كانوا إذا صاموا قعَدوا في المساجد
وقالوا: نحفَظُ صومَنا ولا نغتابُ أحدًا".
وليكن يومُك خيرًا من غابِرِك، واغتنِم زمنَ الأرباح،
وسابِق فيها غيرَكَ إلى الخيرات؛ فأيامُ المواسم معدودة،
وأوقاتُ الفضائل مشهودة، وفي رمضان كنوزٌ غالية،
فلا تُضيِّعها باللهو وما لا فائدة فيه، فلا تعلمُ هل تُدرِك رمضان الآخر أم لا،
واللبيبُ من نظر في حاله، وفكَّر في عيوبه، وأصلحَ نفسَه.
وعلى المرأة أن تكون شامخةً بشرفها، صائنةً عفافَها،
مُتزيِّنةً بزينةِ الدين، مُتجمِّلةً بجمال السترِ والحياء،
فليالي رمضان معدودة، والأنفاسُ في الحياة يسيرة،
والسعيدُ من ملأ حياتَه بالطاعة والإحسان،
وابتعدَ عن المعاصي والأوزار، واغتنمَ مواسمَ العام.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
[البقرة: 183].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم،
ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه،
وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله،
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أما بعد، أيها المسلمون:
ستنقضِي الدنيا بأفراحها وأحزانها، وتنتهي الأعمارُ بطولها أو قِصَرها،
وكم من إنسانٍ انتظرَ رمضانَ بأقوى الأملِ في فباغَته الأجل،
فافتح فيه صفحةً مُشرقةً مع مولاك،
واسدِلِ الستار على ماضٍ نسيتَه وأحصاهُ الله عليك،
وتُب إلى التواب الرحيم من كل ذنبٍ وتقصيرٍ وخطيئة،
وفي اغتنامِ مواسم الخير في الجدِّ بالعمل الصالح والتوبة مما سلَف من القبائح ما يُعوِّضُ الله به العاملين عما مضى من نقصِ العمل، ويصرِفُ به عقوبةَ ما اقترفَ من الزَّلَل.
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا)
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون:
أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين،
وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين،
ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم تقبَّل منا صيامنا وقيامنا، اللهم تقبَّل منا الصيامَ والقيامَ،
واصرِف عنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطَن.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201]،
واجعلنا ربنا في هذا الشهر الكريم من عُتقائك من النار.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم،
واحفَظ أموالَهم وأعراضَهم، وأطعِم جائعَهم يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك،
ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك،
وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام.
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
[النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم،
ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 13-08-2011, 04:54 PM   #28
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام 12.09.1432

ألقى فضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "وجوب تدبر القرآن"،
والتي تحدَّث فيها عن القرآن ووجوب تدبُّره،
وحذَّر من الإكثار من تلاوته دون فهمٍ لمعانيه وتدبُّر لآياته؛
فإن ذلك خلافَ الهدي النبوي، وذكر العديد من الأمثلة على تدبُّر النبي - صلى الله عليه وسلم - للقرآن،
وكذا الصحابة والسلف الصالح - رضي الله عنهم أجمعين -.


الحمد لله العلي الأعلى، أحمده - سبحانه - وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى،
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله إمام المرسلين وخاتم النبيين وخيرُ الوَرى،
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أئمة الهُدى ونجوم الدُّجَى.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -؛
(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
[البقرة: 281].
عباد الله:
لقد منَّ الله على هذه الأمة بإنزال كتابه العزيز قيِّمًا مباركًا لم يجعل له عِوجًا،
فكان كتابَ هدايةٍ للتي هي أقوم،
دلَّ الله به العبادَ إلى كل خيرٍ تطيبُ به حياتُهم،
وتسعدُ به نفوسُهم، وتحسُن به عاقبةُ أمرهم، فأحيا به مواتَ القلوب،
وأضاء به ظلماتُ الدروب، وكان كما قال الله في وصفه:
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)
[ص: 29].
وإن وجوه بركته - يا عباد الله - لا حدَّ لها، لا حدَّ يحُدُّها ولا مُنتهى لها،
غير أن سبيلَ ذَيْن هذه البركة،
وإن الطريق إلى إدراكها هو طريقُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي جعله الله لنا أُسوةً نقتدي به، ونترسَّم خُطاه، ونهتدي بهديه،
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)
[الأحزاب: 21].
وقد أوضح - صلى الله عليه وسلم -
لأمته النهجَ الأمثلَ للانتفاع بالقرآن والاهتداء بهديه؛
فبهما تتجلَّى بركتُه، ويستبينُ سبيلُ العمل به،
فبيَّن ما للاشتغال بتلاوة هذا الكتاب من بركةٍ تغمُر من يتلوه بالحسنات والأجر الضافِي،
وترقَى به إلى المقامات العالية، وتُبلِّغُه المنازلَ الشريفة التي أعدَّها الله لحمَلَته يوم القيامة،
وذلك في مثل قوله - صلوات الله وسلامه عليه -:
«اقرأوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»؛
أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي أُمامة - رضي الله عنه -.
وفي مثل قوله - عليه الصلاة والسلام -:
«يُؤتَى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به
في الدنيا تقدُمه سورةُ البقرة وآل عمران تُحاجَّان عن صاحبهما»؛
أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث النواس بن سمعان - رضي الله عنه -.
وفي مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -:
«إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضعُ به آخرين»؛
أخرجه مسلم في "الصحيح" من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
وفي مثل قوله:
«الذي يقرأ القرآنَ وهو ماهرٌ به مع السفَرَة الكرام البَرَرة،
والذي يقرأ القرآنَ ويتتعتَعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران»؛
أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
وفي مثل قوله - عليه الصلاة والسلام -:
«يُقال لصاحب القرآن يوم القيامة:
اقرأ وارتقِ ورتِّل كما كنتَ تُرتِّل في الدنيا؛
فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرأ بها»؛
أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، والترمذي،
وأبو داود في "سننهما" من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - بإسنادٍ صحيح.
غير أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقصُر البيانَ على هذا؛
بل بيَّن للأمة أيضًا أن بركة هذا الكتاب وحقيقةَ الانتفاعِ به وسبيلَ الاهتداء بهديه إنما تكون لمن لم يجعل أكبر همِّه ومبلغَ علمه التلاوةَ وحسب؛
بل أخذ بحظِّه من تدبُّره وتفهُّم معانيه؛
إذ هو المقصود من القراءة، والغايةُ من التلاوة.
وصفتُه - كما قال أهل العلم -:
أن يشغل قلبَه بالتفكُّر في معنى ما يلفِظُ به، فيعرفَ معنى كل آية،
ويتأمَّل ما فيها من الأوامر والنواهي، ويعتقدَ قبولَ ذلك،
فإن كان مما قصَّر فيه فيما مضى اعتذَرَ واستغفرَ،
وإذا مرَّ بآية رحمةٍ استبشَرَ وسأل، أو عذابٍ أشفقَ وتعوَّذ،
أو تنزيهٍ نزَّه وعظَّم، أو دعاءٍ تضرَّع وطلبَ.
وقد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا النصيبُ الأوفَى والقِدحُ المُعلَّى؛
فقد أخبر حذيفةُ بن اليمان - رضي الله عنه -
أنه "صلَّى معه - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة، فافتتحَ البقرة،
قال: فقلتُ: يركعُ عند المائة، ثم مضى، فقلتُ: يُصلِّي بها،
فمضى، فقلتُ: يركعُ بها، ثم افتتحَ النساءَ فقرأها،
ثم افتتحَ آل عمران فقرأها، يقرأ مُترسِّلاً،
إذا مضى بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح، وإذا مضى بسؤالٍ سأل،
وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ"؛
أخرجه مسلم في "صحيحه".
وقد بلغ - عليه الصلاة والسلام - في تدبُّر القرآن،
وكمال التفكُّر فيه، واستحضار معانيه في القلب،
واستشعار عظمة ربه المُتكلِّم به - سبحانه - بلغ مبلغًا حملَه على أن قام في ليلةٍ بآية واحدةٍ يُكرِّرها، كما جاء في الحديث - الذي أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"،
والنسائي وابن ماجه في "سننهما"،
والحاكم في "مستدركه" بإسنادٍ صحيحٍ - عن أبي ذرٍّ الغفاري - رضي الله عنه - أنه قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بآيةٍ حتى أصبح، بها يركع، وبها يسجُد، وهي قوله - سبحانه -:
(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
[المائدة: 118].
ولا عجبَ أن يكون لهذا الهدي النبوي أثرُه البالغُ في قلوبِ وعقول سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم -؛
فهذا زيدُ بن ثابتٍ - رضي الله عنه -
يسأله رجلٌ فيقول: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟
قال زيدٌ: ذلك حسن، ولأَن أقرأه في نصف شهرٍ أو عشرين أحبُّ إليَّ،
وسلْني: لمَ ذلك؟ قال: إني أسألك. قال زيدٌ: لكي أتدبَّر وأقِف عليه؛
أخرجه الإمام مالك في "الموطأ"، وعبد الرزاق في "مصنفه".
وهذا ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول له نصرُ بن عمران:
إني سريعُ القراءة - وفي لفظٍ: إني سريع القرآن -،
إني أقرأ القرآن في ثلاث، فيقول ابن عباس - رضي الله عنهما -:
"لأَن أقرأ البقرةَ في ليلةٍ أتدبَّرُها وأُرتِّلُها أحبُّ إليَّ أن أقرأ كما تقرأ".
وهذا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول له رجلٌ:
إني لأقرأ المُفصَّل في ركعة، فيقول ابن مسعود - رضي الله عنه -:
"هَذًّا كهذِّ الشعر؟! إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يُجاوِزُ تراقِيَهم،
ولكن إذا وقع في القلب فرسخَ فيه نفع".
وقال - رضي الله عنه - أيضًا:
"اقرأوا القرآن وحرِّكوا به القلوب، وقِفوا عند عجائبه،
ولا يكن همُّ أحدكم آخرَ السورة".
وقد أعرض كثيرٌ من الناس في أعقابِ الزمن عن هذا الهدي النبوي والطريق السلفي؛
فصار شُغل أحدهم الشاغل - لا سيما في شهر رمضان - الإكثارَ من ختم القرآن في عجلةٍ شديدة،
وإسراعٍ لا نظيرَ له دون اهتمامٍ بتدبُّره وتفهُّم معانيه،
وهو أمرٌ جعله ابن الجوزي - رحمه الله - من تلبيس إبليس عليهم في قراءة القرآن، فقال:
"وقد لبَّس - أي: إبليس - على قومٍ بكثرة التلاوة،
فم يهُذُّون هذًّا من غير ترتيلٍ ولا تثبُّت، وهذه حالةٌ ليست بمحمودة،
وقد رُوِي عن جماعةٍ من السلف أنهم كانوا يقرأون القرآن في كل يومٍ أو في كل ركعة،
وهذا يكون نادرًا منهم، ومن داومَ عليه فإنه - وإن كان جائزًا - إلا أن الترتيل والتثبُّت أحبُّ إلى العلماء،
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«لا يفقَهُ من قرأه في أقلَّ من ثلاث»"؛
أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه في "سننهم" بإسنادٍ صحيح.
قال: "وقد لبَّس إبليس على قومٍ من القرَّاء فهم يقرأون القرآنَ في منارةِ المسجد بالليل بالأصوات المجتمعة المرتفعة الجزءَ والجزئين،
فيجمعون بين أذى الناس في منعهم من النوم،
وبين التعرُّض للرياء، ومنهم من يقرأ في مسجده وقت الأذان؛
لأنه حين اجتماع الناس في المسجد.
ومن أعجبِ ما رأيتُ فيهم: أن رجلاً كان يُصلِّي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة،
ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين ويدعو دعاءَ الختمة، ليُعلِمَ الناس أني قد ختمتُ الختمةَ!
وما هذه طريقة السلف؛ فإن السلفَ كانوا يستُرون عبادتَهم،
وكان عملُ الربيع بن خُثَيْم كله سرًّا، فربما دخل عليه الداخلُ وقد نشرَ المصحفَ فيُغطِّيه بثوبه،
وكان أحمد بن حنبل يقرأُ القرآنَ كثيرًا، ولا يُدرَى متى يختِم".
اهـ كلامه - رحمه الله، وجزاه خيرًا على نُصحه وبيانه وتحذيره وتذكيره -.
فاتقوا الله - عباد الله -، وليكن لكم في أمر الله وفيما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرَ باعثٍ على تدبُّر كتاب الله تعالى؛
فإن التدبُّر الباعثَ على العمل هو المقصود الأعظم الذي حثَّ عليه ربُّنا أبلغَ حثٍّ بقوله:
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)
[النساء: 82].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.


الحمد لله الوليِّ الحميد، الفعَّالِ لما يُريد، أحمده - سبحانه -،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المُبدِئُ المُعيد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله صاحب الهديِ الراشد والنهجِ السديد، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد، فيا عباد الله:
إن في قول الله تعالى:
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)
[محمد: 24]
دلالةً عند بعض العلماء على وجوب تدبُّر القرآن في حقِّ المُكلَّفين جميعًا؛
لأنه - سبحانه - حثَّ على التدبُّر في مقام الذمِّ لمن أعرض عنه - أي: عن التدبُّر - ولم يرفع به رأسًا،
فأسقطَه من حسابه؛ فدلَّ على وجوبه على الناس في الجملة - ولا سيما - ما لا يسعُ أحدًا جهلُه،
ولا يجوز تركه، ولا تصحُّ عبادةٌ بدونه؛ كتوحيد الله تعالى،
وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجِّ بيت الله الحرام،
أما فروع ذلك وتفصيلُه وتأصيلُه والإفاضةُ فيه وفيما سواه من أبواب العلم فهو شأنُ الراسخين في العلم؛
لامتلاكهم أزِمَّته، وحيازَتهم أدواته.
وما أحسنَ أن تُعقَد لتدبُّر القرآن مجالسُ في المساجد والبيوت ودُور العلم وغيرها
ليشيعَ بين الناس هذا اللونُ من ألوان الهداية،
ويكثُر به الخيرُ، ويعظُم به الانتفاع، ويُرجَى به نوالُ الموعودِ الواردِ
في قوله - عليه الصلاة والسلام -:
«ما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلونَ كتابَ الله،
ويتدارَسونَه بينهم إلا نزلَت عليهم السَّكِينة،
وغشِيَتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكَرهم الله فيمن عنده»؛
أخرجه مسلم في "صحيحه".
وإن في أيام هذا الشهر المبارَك ولياليه خيرَ مُعينٍ على إدراك هذه الأُمنية،
وبلوغ هذا المأمول.
فاتقوا الله - عباد الله -، وليكن لكم من تدبُّر كتاب الله خيرَ عُدَّةٍ تعتدُّونها،
وأقوى باعثٍ على العمل بما يُحبُّه ربُّكم ويرضاه.
وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّه ومُجتباه:
محمد بن عبد الله؛ فقد أُمِرتم الله بذلك في كتابه؛ حيث قال الله:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد،
وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الآل والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير من تجاوزَ وعفا.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وانصر عبادكَ الموحِّدين،
واجعل هذا البلدَ آمِنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا،
وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، واجزِه خيرَ الجزاء وأحسنَه وأفضلَه
على عنايته بشؤون المسلمين أجمعين،
وعلى موقفه الإسلامي الحكيم من إخواننا في سورية وغيرها من بلاد المسلمين،
وعلى ما بذَلَ من نُصحٍ وتحذيرٍ وتذكيرٍ وتبصير، نسأل الله أن ينفعَ به،
ويحفَظ به الحَوزَة، ويحقِن به الدماء، ويرفع البلاء، إنه سميعٌ مُجيب الدعاء.
اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين،
وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، يا من إليه المرجع يوم التناد.
اللهم اكفِنا أعداءنا بما شئتَ، اللهم اكفِنا أعداءنا بما شئتَ،
اللهم اكفِنا أعداءنا بما شئتَ، اللهم إنا نجعلُك في نحور أعدائنا،
ونعوذُ بك من شُرورهم، اللهم إنا نجعلُك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها،
وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا،
وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا،
واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر.
اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك،
وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك.
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
[الأعراف: 23]،
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)
[آل عمران: 8]،
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201].
وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 20-08-2011, 05:42 PM   #29
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)


خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف 19.09.1432


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "أسرار العبودية في رمضان"،
والتي تحدَّث فيها عن شهر رمضان؛ حيث إنه زمن العبادة والأعمال الصالحة،
وذكر العديد من هذه الأعمال والطاعات لاسيما وقد أقبلَت أيام العشر من رمضان،
فذكَّر بضرورة عناية المسلم بهنَّ والاجتهاد فيهنَّ.


الخطبة الأولى
الحمد لله ذي العزِّ والكرم، أسبغَ على الخلق النعَم، وعافَى من شاءَ من النِّقَم،
أحمد ربي وأشكره على آلائه الظاهرة والباطنة،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو المعروف الذي لا ينقطع أبدًا،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ بالهُدى،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والتُّقى.
أما بعد:
فاتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
أيها الناس:
إن هذا الدار ليست بدار قرار، فلكم في هذه الدنيا أعمارٌ محدودة وأيام معدودة،
ثم تُنقَلون إلى دار الخلود إما نعيمٌ أبديٌّ مُقيم، وإما عذابٌ أليم،
وقد قضى الله بعلمه وحكمته ورحمته أن الناس يُجزَون بأعمالهم في هذه الحياة،
قال الله تعالى:
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)
[النجم: 31]،
وقال تعالى:
(إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74)
وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75)
جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى)
[طه: 74- 76]،
وقال تعالى:
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
[الزلزلة: 7، 8].
وقال الله تعالى في الحديث القدسي:
«يا عبادي! إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أُوفِّيكم إياها،
فمن وجد خيرًا فليحمَد الله، ومن وجدَ غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه»؛
رواه مسلم من حديث أبي ذرٍّ - رضي الله عنه -.
أيها المسلمون:
إن شهر رمضان المبارك زمانٌ لعمل الأعمال الصالحات كلها،
ووقتٌ فاضلٌ لفعل الخيرات جميعها، وفيه تتضاعفُ الأجور بعظيم ثواب الحسنات،
وقد جمع الله للمسلم في هذا الشهر مع الصيام إقامةَ الصلاة التي هي عمود الإسلام،
والزكاةَ التي هي حقُّ المال ومواساةُ الفقراء،
والنفقةَ على من يعولهم المسلم، والإحسانَ إلى المحرومين المُحتاجين.
كما جمع الله للمسلم في هذا الشهر العُمرة لمن تيسَّت له،
وهي من أعمال الحج، ومنَّ الله تعالى في هذا الشهر بتلاوة القرآن الذي هو غذاءُ الروح،
وفيه الهُدى والخيرُ كلُّه؛ فقد أنزل الله هذا القرآن في هذا الشهر المبارك،
والقرآن يهدي إلى كل خير، وبه تقوى الروح،
وتتهذَّبُ النفوس، وتتقوَّمُ الأخلاق.
وكذلك جمع الله في هذا الشهر مع الصيام الذكرَ الذي هو أزكى الأعمال،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبرَّ الوالدين،
وصلةَ الأرحام، وأنواعَ البرِّ الأخرى.
وحفِظ الله بالصيامِ المسلمَ من المحرمات، لما صُفِّدت الشياطين وسُلسِلَت،
فطُوبَى لكل مسلمٍ على ما وفَّقه الله له وأعانه عليه من الحسنات.
أيها المسلمون:
إن الله تعالى قد أقام الحُجَّة على المُكلَّفين، وأنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم -
هذا القرآنَ العظيم، وحفِظَ لنا السنةَ النبوية،
فلا يضلُّ من تمسَّك بهما ولا يشقَى أبدًا،
وقد بيَّن الله لنا أعظمَ بيان أعمالَ أهل الجنة ودعانا إليها لنكون من المُقرَّبين إلى ربنا
في جنات عدنٍ مع النبيين - صلى الله وسلم عليهم أجمعين -.
فمما أنزل الله من كتابه: قوله تعالى:
(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ
فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ
وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)
[آل عمران: 133- 136].
وقولَه تعالى:
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)
إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ
وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)
[الفرقان: 63- 70].
وقال - صلى الله عليه وسلم -:
«سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عادل،
وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبُه مُعلَّقٌ بالمساجد،
ورجلٌ تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُه،
ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه،
ورجلٌ دعَتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال:
إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضَت عيناه»؛
رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
كما بيَّن الله لنا أعمال أهل النار أعظمَ بيان لنبتعِد عنها، قال الله تعالى:
(مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ)
[المدثر: 42- 47]،
وقال تعالى:
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ
وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)
[مريم: 59]
وهو وادٍ في جهنم.
فاسلُك - أيها المسلم - في هذا الشهر وفي غيره سبيلَ المُهتدين،
واعمل بأعمال الصالحين، وابتعِد عن سُبُل الغاوين الفاسقين لتفوزَ بجوار رب العالمين،
وتنجُو من العذاب المُهين.
عباد الله:
إن شهرَكم الكريم قد ولَّت أكثرُ أيامه وانقضَت،
فاختِموه بخير ما تقدِرون عليه من الصالحات، فالأعمالُ بالخواتيم،
وأنتم تستقبِلون لياليَه العشر أفضلَ الليالي،
وقد كان رسولُنا - صلى الله عليه وسلم - يجتهِد في العشر ما لا يجتهِدُ في غيرها رجاء موافقة ليلة القدر،
فمن قام ليلة القدر فقد فاز بالخيرات ونجا من الكُربات والحسرات، ومن حُرِمها فقد حُرِم الخير.
وما أعظمَ قولَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها:
«من قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛
رواه البخاري.
فقدِّم - أيها المسلم - ما تنالُ به رضوانَ رب العالمين،
وتُقيمُ به أبدًا في جنات الخُلد التي لا ينفَدُ نعيمُها، ولا يبلَى شبابُها،
ولا يتحوَّلُ عنها أهلُها، نعيمُهم في ازدياد قد حلَّ عليهم الرضوانُ من رب العباد،
قال الله تعالى في هؤلاء أهلِ كرامته:
(يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68)
الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69)
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70)
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ
وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)
لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ)
[الزخرف: 68- 73].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،
ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم،
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله رب الأرض والسماوات، الذي وفَّق من شاءَ لفعل الحسنات وترك المُنكرات،
ومنَّ على أمة الإسلام بالفضائل والخيرات، أحمدُ ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليُّ الكلمات مُجيبُ الدعوات،
وأشهد أن نبينا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله أفضلُ المخلوقات،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه ذوي العلم والمكرُمات.
أما بعد:
فاتقوا الله في سرِّكم وعلانيتكم يُصلِح لكم أمورَكم، ويُزكِّ أعمالكم، ويغفِر ذنوبَكم.
أيها المسلمون:
إن طرق الخير كثيرة، وأبواب الحسنات واسعة، فاحرِص على كل خير، واحذر كل شرٍّ،
قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
[الحج: 77]،
وقال تعالى:
(وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)
[البقرة: 223].
عباد الله:
إن شهركم شهرُ الخير والإحسان؛ عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:
كان رسول - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان،
فلرسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حين يلقاه جبريل أجودُ بالخير من الريحِ المُرسَلة؛
رواه البخاري ومسلم.
معشر المسلمين:
إن لكم إخوةً قد أثقلَتهم الديون، وغيَّبَتهم السجون،
ولازمَتهم الهُموم، وانقطَعوا عن أُسرهم، وفقد مُجالسَتَهم أقرباؤهم وجيرانُهم، فهم أحياءُ كأموات،
هم بحاجةٍ إلى من يُضمِّدُ جراحَهم، ويُخفِّفُ آلامَهم، ويُدخِلُ السرورَ عليهم وعلى ذوِيهم في شهر الإحسان؛
بتفريجِ كُربَتهم بالعطف عليهم، والصدقة التي تقضي ديُونَهم، وهم أهلٌ للزكاة؛
فالزكاةُ تكافلٌ اجتماعيٌّ بين المسلمين.
ولو أدَّى الأثرياءُ زكاةَ أموالهم للمُستحقِّين والمُحتاجين لكفَت الزكاةُ ذوي الحاجات،
ولوُفِّق الأثرياءُ إلى أعظم الحسنات.
وإدخالُ السرور على المسلم من أكبر القُربات، قال - صلى الله عليه وسلم -:
«من فرَّج عن مسلمٍ كُربةً من كُرَب الدنيا فرَّج الله عنه كُربةً من كُرب يوم القيامة،
ومن يسَّر على مُعسِرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة»؛
رواه مسلم.
وما أسعدَ من جمع بين الأُسرة وعائلها المسجون بعد طول الغياب،
وفقد الأحباب، عسى الله أن يجمع بينه وبين أحبَّته في دار السرور والحُبور.
فتآخَوا - معشر المسلمين - بينكم بروح الله، وتراحَموا بأُخُوَّة الإسلام،
وسُدُّوا حاجةَ الفقراء والمُحتاجين، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:
«ابغُوني في الضعفاء»
- يعني: قوموا بحاجتهم -
«فإنما تُنصَرون وتُرزقون بضعفائكم».
ودعوةٌ صالحةٌ يفوزُ بها مُنفِقٌ في خيرٍ وإحسان خيرٌ له من الدنيا وما فيها،
ومُدُّوا يدَ العون إلى إخوةٍ لكم عضَّتهم المجاعة وأصابَهم البُؤسُ في بعض البُلدان،
فمالُ المسلم في الحقيقة هو ما قدَّم لنفسه لا ما أخَّر بعده للورثة.
ولا تنسَوا المسلمين في هذا الشهر المبارك من الداء الصالح أن يكشف الله كُروبَهم
ويُصلِح حالَهم وألا يُسلِّط عليهم من لا يخافُ اللهَ فيهم ولا يرحمهم.
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56]،
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:
«من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين،
اللهم صلِّ على محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين،
وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الصحابة أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، وعن التابعين
ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفر والكافرين يا رب العالمين.
اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيك يا قوي يا عزيز
اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم يا ذا الجلال والإكرام،
واجمعهم على كلمة الحق إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم اقمَع وأذِلَّ البدعَ إلى يوم الدين، اللهم اقمَع وأذِلَّ البدعَ واخزِ البدعَ
التي تُحاربُ دينَ نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم الدين يا رب العالمين،
اللهم وانصر هدي نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -
وأظهِر هدي نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -
في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة يا رب العالمين.
اللهم أرِنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعَه، وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزُقنا اجتنابَه،
ولا تجعله مُلتبِسًا عليه فنضِلّ يا رب العالمين.
اللهم احقِن دماء المسلمين، واحفظ أموالَهم وأعراضَهم يا ذا الجلال والإكرام،
اللهم يا رب العالمين احفَظ لنا ولهم الدين إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم اجعل الدائرةَ على أعداء الإسلام يا رب العالمين، اللهم اجعل الدائرةَ والخِزيَ
والنَّكالَ على أعداء الإسلام يا رب العالمين الذين يُحارِبون دينَك وأولياءَك يا رب العالمين،
إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين، اللهم أصلِح ذاتَ بينهم، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين،
اللهم اقضِ الدَّين عن المدينين من المسلمين،
اللهم واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين.
اللهم أعِذنا وأعِذ ذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه وجنوده يا رب العالمين
إنك على كل شيء قدير، اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وشياطينه يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفِّقنا لهُداك، اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا.
اللهم يا ذا الجلال والإكرام اجعلنا ممن وفَّقتَه للصيام والقيام،
اللهم اجعلنا ممن غفرتَ ذنبَه يا رب العالمين.
اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا ومن خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم وفِّقنا لقيام ليلة القدر على ما تحبُّ وترضى يا رب العالمين، نسألك فعلَ الخيرات،
وترك المنكرات، وحبَّ المساكين يا أرحم الراحمين، واحفظنا من مُضِلاَّت الفتن.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا.
اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى،
ولما فيه عِزُّ الإسلام والمسلمين يا رب العالمين، اللهم أعِنه على ما فيه الصلاحُ للبلاد
والعباد إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم واجزِه خيرًا على نُصرته للمسلمين إنك على كل شيءٍ قدير،
وعلى اهتمامه بأمور المسلمين يا رب العالمين، أصلِح بِطانتَه،
ووفِّقه لما فيه رِضاك إنك على كل شيء قدير، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحبُّ وترضى،
ولما فيه الخير للبلاد والعباد، ولما فيه عِزُّ الإسلام يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.
اللهم إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تختِم لنا بخواتيم الخير،
وأن تجعلنا ممن ختمتَ له بالسعادة يا رب العالمين،
لا تُغيَّر ولا تُبدَّل إنك ذو الفضل العظيم.
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)
[النحل: 90، 91].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم،
واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 20-08-2011, 05:44 PM   #30
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)


خطبتى الجمعة من المسجد الحرام 19.09.1432



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "التوبة والعشر الأواخر من رمضان"،
والتي تحدَّث فيها عن التوبة وأهميتها وضرورتها لكل مسلم محبٍّ لله تعالى،
ومُتَّبعٍ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
وبيَّن إقبال الأيام الأخيرة من رمضان وهي الأيام التي يُستحبُّ فيها الاجتهاد والإقبال
على الله تعالى بصنوف العبادات والطاعات،
وذكَّر في الخطبة الثانية بإنجازات الدولة السعودية من لدُن الملك عبد العزيز - رحمه الله - إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - خادم الحرمين الحالي،
ومدى حزم وعزم هؤلاء الملوك في القيام بنهضة الدولة السعودية في كل مجالاتها.


الحمد لله، الحمد لله وهو الكريم أسبغَ علينا نعمَه باطنةً وظاهرةً،
والحمد لله وهو الرحيم لم تزَل ألطافُه علينا مُتظاهرة،
والحمد لله وهو العزيز ذلَّت لعزَّته رِقابُ الجبابرة، أحمده - سبحانه -
وأشكره وهو الشكور دامَت علينا نعمُه مُتكاثرةً مُتوافرةً مُتواترة،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تُنجِي صاحبها في الدار الآخرة،
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله المُؤيَّد بالآيات الكُبرى والمُعجِزات الباهرة،
صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى آله العِترة الطاهرة،
وعلى أصحابه النجوم الزاهِرة،
والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - عز وجل -،
فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فكفى بالله مُحبًّا ومحبوبًا،
وكفى برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قدوةً ومتبوعًا،
وكفى بالقرآن مُؤنِسًا ورفيقًا، وكفى بالموت واعِظًا، وكفى بخشية الله علمًا.
علامة الدين: الإخلاص لله في السر والعلَن، وعلامة الشكر:
الرضا بالقضاء والقدر، وعلامة الحب: كثرة ذكر المحبوب؛
فاتبع - يا عبد الله - ولا تبتدع، وتواضَع ولا ترتفع، ومن ورِع لا يتسع،
(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا
وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
[القصص: 60].
أيها المسلمون:
استقامةُ النفوس وإصلاحُها، وتزكيةُ القلوب وتطهيرها مسالكُ تفتحُ أبوابَ الأمل
من أجل حياةٍ أفضل ومسيرةٍ أزكى،
النفوس لا تُحقِّق عزَّتها، والقلوب لا تُحصِّل سكينتَها إلا إذا تذلَّلَت لربها راضية،
وخضعَت لخالقها راغِبة، وأقبلَت على مولاها خائفة،
وسارَت إليه مُشفِقةً وجِلة؛ لتنالَ الأمنَ وتذوقَ لذَّة المناجاة،
وحينئذٍ تطمئنُّ النفوس، وتنشرِحُ الصدور، وتستنيرُ القلوب،
فالله - سبحانه - عند المُنكسِرة قلوبهم، الصادق تذلُّلهم.
أيها المسلمون، أيها الصائمون:
وهذه وقفةٌ مع عبوديةٍ من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها عنده،
عبوديةٌ تُنتِجُ للعبد آثارًا عجيبة من المقامات والمنازل،
تُنتِج المحبة والرِّقة والانكسار والحمدَ والرضا والشكرَ والخضوعَ لله - عز وجل -.
عبوديةٌ قال فيها أهل العلم:
"إنها من مهمات الإسلام وقواعده ومقاماته المتأكدة".
منَّةٌ من الله ونعمة لا تدَع ذنبًا إلا تناوَلَته، ولا معصيةً إلا محَتها،
ولا تقصيرًا إلا جبَرَته، هذه العبودية وهذه المنَّة الإلهية والمنحةُ الربانية نهرٌ نميرٌ طاهرٌ
يتطهَّرُ به العبدُ من أدرانه، إنها التوبة - يا عباد الله -،
إنها العودة الغانمة، والتجارة الرابحة، والرياضُ التي لا يذبُلُ زهرُها.
التوبة - تقبَّل الله صيامَكم وقيامَكم - رجوعٌ إلى الله بالتزام فعل ما يحب باطنًا وظاهرًا،
وترك ما يكره باطنًا وظاهرًا، دعاءٌ وتضرُّع وتذلُّل وإقرارٌ بحول الله وقوته،
وقدرته ومشيئته، وعدله وحكمته، وفضله ورحمته،
واعترافٌ بالضعف البشري والتقصير والحاجة.
التوبة - أيها التائبون -: ترك الذنب علمًا بقُبحه، وندمًا على فعله،
وعزمًا على عدم العودة إليه، وتدارُكًا للأعمال الصالحة من غير تردُّدٍ أو انتظارٍ أو يأس،
في إخلاصٍ لله وما عنده من عظيم الثواب وخوفٍ من أليم العقاب.
إخوة الإيمان:
وكل عبدٍ مُحتاجٌ إلى التوبة، مُفتقِر إلى الإنابة،
فلا يُتصوَّر أن يستغنِي عنها أحد مهما بلغَ مقامُه،
ومهما كانت طاعتُه وصلاحُه؛ بل هي خُلُق الأنبياء والمرسلين،
فهي تُصاحبُ البشرية منذ أبيهم آدم - عليه السلام -:
(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
[البقرة: 37]،
(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
[الأعراف: 23].
ونبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم -:
«يا أيها الناس! توبوا إلى الله؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة».
معاشر الصائمين والصائمات:
بالتوبة النَّصُوح ينتقلُ العبدُ من المعصية إلى الطاعة،
ومن الضعف إلى القوة، ومن الهَدم إلى الإصلاح،
ومن الظلم إلى العدل والرحمة والإحسان،
التوبة سدٌّ عظيمٌ أمام الفساد والمُفسِدين يعرِضها الإسلام على الكفار وعلى المحاربين
والمرتدين وعلى كل المُفسِدين في الأرض مهما بلغَ كفرُهم وفسادُهم وطغيانُهم:
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ
مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ)
[الأنفال: 38]،
وفي المحارِبين والمُفسِدين:
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
[المائدة: 34].
بالتوبة الصادقة يتطهَّر المجتمع من المآثِم والجرائم ليقلَّ خطرُها ويُحاصَر أثرُها،
بالتوبة يتجسَّد للعبد ذلُّ الحاجة، وذلُّ الطاعة والعبودية،
وذلُّ المحبة والانقياد، وذلُّ المعصية والخطيئة،
ومن اجتمع له ذلك كلُّه فقد خضَع لله تمام الخضوع، وحقَّق العبوديةَ والاستكانة.
وهل يُسكِنُ تأنيبَ الضمير وأوجاعَ النفوس إلا التوبة والذكر والاستغفار:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)
[الرعد: 28].
أيها المسلمون:
هلا وقفتُم عند فرح الله بتوبة عبده؟!
«للهُ أفرحُ بتوبة عبده من رجلٍ أضلَّ راحِلَته
في فلاة وعليه متاعُه وطعامُه وشرابُه،
حتى اشتدَّ عليه الحرُّ والعطش، فنام نومةً،
ثم رفع رأسَه فإذا راحِلتُه عنده».
ألا يبهَرُ الصالحين هذا الترحابُ الغامِر؟
أتُرى سرورًا يعدِلُ هذه البهجةَ الخالصة؟ توبةٌ وأوبةٌ يفرحُ الله بها،
فهي انتصارُ العبد على أسباب الضعف والنفس الأمَّارة بالسوء والشيطان الرجيم،
إنه فرحُ الله البرِّ اللطيف المُحسِن الكريم الجواد الرحيم.
الله أكبر - عباد الله -؛ لقد جعل الله التوبةَ وسيلةً لمحبته وسبيلاً لفرحه،
ولم يكن هذا الفرحُ من الله في شيءٍ من الطاعات غير التوبة،
فرحُ إحسانٍ من العليِّ الأعلى:
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)
[البقرة: 222]،
ربُّنا - عزَّ شأنه - يحب التوابين؛ لأن التائب المُوفَّق يكون في حالٍ من الوَجَل والإشفاق
والانكسار والتذلُّل والتضرُّع والرجاء بأن يقبل الله توبتَه،
ويغفِر زلَّته، ويتجاوز عن ذنبه، ويغسِل حوبَته، ويمحو خطيئتَه.
وهذه الأحوال من أفضل أحوال العبد التي يحبُّها الله،
فالله يحبُّ من عبده أنه كلما أحدثَ زلَّةً أحدثَ لها توبةً،
وهذا هو العبدُ التواب، والله التواب هو الحليم الكريم العفوُّ الغفور الجوادُ الرحيم.
توابون أوابون يشعرون بحب الله ومعيَّته؛
لأنهم لا يشعرون أنهم مُنفرِدون بهمِّهم، ولا وحيدون بمُصابهم؛
بل يأوون إلا ركنٍ شديد، ويلجئون إلى كنَفِ رحيم.
معاشر الصائمين والقائمين:
ووقفةٌ أخرى مع مظاهر هذه المحبة الإلهية والفرح الربَّاني،
إنه تبديلُ السيئات حسنات:
(إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)
[الفرقان: 70]،
فأيُّ جودٍ من ربنا أعظمُ من هذا؟ وأيُّ كرمٍ أوسع من هذا؟
نعم - عباد الله -؛ التوبة لا تمحو الذنب فقط؛
بل تُحوِّله حسنات تُضاف إلى رصيد الحسنات،
الربُّ يتحبَّبُ إلى عبده وهو الغنيُّ، والعبدُ يُقدِمُ على التقصير وهو الفقير،
«اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك،
وأنا على عهدك ووعدك ما استطَعت، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ بذنبي،
فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت».
ومن لُطف الله ورحمته وفرحه بتوبة عبده: أن العبدَ إذا كان له حسنات ثم عمِل سيئاتٍ
استغرقَت هذه الحسنات، ثم تابَ بعد ذلك، فإن حسناته الأولى تعود إليه،
يقول حكيمٌ بن حزام - رضي الله عنه -: قلتُ: يا رسول الله!
أرأيتَ أشياء كنتُ أتحنَّثُ بها - أي: أتعبَّدُ بها - في الجاهلية؛ من صدقةٍ، وعِتاقٍ،
وصلةِ رحِم؛ فهل فيها أجر؟
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ»؛
متفق عليه.
قال الحافظ ابن حجر: "لا مانع أن يُضيف الله إلى حسناته في الإسلام ثوابَ
ما كان صدر منه في الكفر تفضُّلاً وإحسانًا".
معاشر الأحبة من أهل الصيام والقيام:
حين يمُنُّ الله على العبد بالتوبة ويُبدِّلُ الله سيئاته حسنات كيف يكون حالُه
وحالُ من حوله وحالُ المجتمع؟
تأمَّلوا في حال عاقِّ والدَيْه حين يمُنُّ الله عليه بالتوبة فيصلُح حالُه، ويعزِمُ على التوبة النَّصوح،
فيُقيمُ على أنقاض العقوق صروحَ البرِّ والإحسان، فيبَرَّ والدَيْه ويصِلَهما، ويُغدِق عليهما،
ويُحسِن حديثَه إليهما، ويخفِضَ الجناحَ لهما، ويدعُو لهما،
(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا)
[الإسراء: 25].
وحين يمُنُّ الله على قاطع الرحِم، فتزول عنه الغِشاوة،
فيرى تفريطَه في قرابته، وقطيعتَه لأهله فيفِرّ - بعون الله - إلى التوبة،
فلا يقف عند الندم والاعترافِ بالخطأ والاستغفار؛ بل يُسارِع إلى وصلِ رحِمِه،
ويُؤسِّس لعهدٍ جديدٍ مع الأقربين في الزيارات والاتصالات والمساعدات
وقضاء الحوائج قدر المُستطاع.
وما أجمل حُسن المتاب للمُغتاب؛ فبعد أن كان يتتبَّعُ السلبيات وكشفَ العورات
وبثَّ الأخبار المُغرِضة، والشائعات الكاذِبة، والازدراء والانتقاص يتوبُ إلى ربه،
ويؤوبُ إلى فضل الله ورحمته، فلا يكتفِي بكفِّ لسانه عن الحرام والممنوع؛
بل ينتقل إلى ذكر المحاسن، ونشر الفضائل، والتماسِ الأعذار، وسدِّ النقائص،
(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا
فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)
[الحجرات: 12].
وما أجمل من ابتُلِي بنشر الرذائل؛ كلمةً، وصوتًا، وصورةً،
ذكرًا أو أُنثى، حين يُزيِّنُ الفواحِش، ويُحبُّ أن تشيعَ الفاحِشةُ في الذين آمنوا،
في قصصٍ وأفلامٍ ورواياتٍ وتمثيليات وكتاباتٍ ومقالاتٍ ومُنتجات؛
نعم، منَّ الله عليه فتابَ وآمنَ وعملَ عملاً صالحًا،
أعمالاً صالحة تدفِنُ الماضي الذين أفنى فيه زهرَة عُمره،
فيدعو إلى الخير والفضيلة والالتزام بقِيَم الإسلام؛ في مُؤلَّفاتٍ ومُنتجاتٍ،
هذا خيرٌ ممن يقتصر على سلوك مسلك الاعتزال عن ماضيه،
وإن كان هذا الاعتزالُ حسنًا وخيرًا ولكن أن يمُنَّ الله عليه فيكتُب ويُؤلِّف ويُبيِّن مواطن الخطأ،
ويصدُّ عن مسالك الغواية، ويرسمُ مناهج الحق، فهذا خيرٌ وأولَى وأصلَح.
وما أجمل صاحب المظالم وقد منَّ الله عليه بتوبةٍ نصوحٍ وندمٍ عريض،
فيرجعُ إلى ربه، ويردُّ المظالمَ إلى أهلها،
ويُعيدُ الحقوقَ إلى أصحابها ماديةً ومعنوية، ماليةً وسياسية وفكريةً وغيرها.
وبعدُ، عباد الله، وبعدُ، معاشر الإخوة:
فهذه هي قوافل التائبين ومراكب الناجين؛ فهل شممتَ ريحًا أطيبَ من أنفاس التوابين؟
وهل رأيتَ أعذبَ من دموع النادمين؟
وهل شاهدتَ أجملَ من لباس المُنكسِرين؟
بل هل سمعتَ نداءً أجمل وألطفَ وأرقَّ من نداء رب العالمين:
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
[الزمر: 53]،
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)
[النساء: 110].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد - صلى الله عليه وسلم -،
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الحمد لله، الحمد لله برحمته اهتدى المُهتدون، وبعدله ضلَّ الضالون،
لا يُسأل عما يفعلُ وهم يُسألون، أحمده - سبحانه - وأشكره على ترادُف آلائه،
وقليلٌ من عباده الشاكرون،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنزَّه عن الصاحبة والولد،
وسبحان الله وتعالى عما يصفون،
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه وخليلُه الأمين المأمون،
صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ
ومن هم بهديه مُستمسِكون، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، معاشر الأحبة:
كلما قوِي سلطان محبة الله في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى،
وبضعف المحبة تقوى جاذبيةُ المعصية،
وتظهرُ المحبة حين تقترِنُ بالحياء من الله وإجلاله وحُسن مراقبته،
والمسلمون في هذه الأيام المباركة أيام شهر رمضان المبارَك؛
بل هم في إقبال هذه العشر الأخيرة أكثر حياءً وأكثر محبةً وأعظمُ رجاءً،
كيف وقد اجتمع لكم - يا أهل الحرمين - مواطنين ومُقيمين وزوَّارًا،
اجتمع لكم شرفُ الزمان وشرفُ المكان، تعيشون قُدسية المُقدَّسات،
ونفحات البركات، مُقبلين على عباداتكم وصلواتكم وأذكاركم ببُشرٍ وابتهاجٍ
وأنتم ترون من المُنشآت وتعيشون من الإنجازات ما يُثيرُ اعتزاز كل مسلم،
ويُبهِجُ كل مُتعبِّد، ويُهيِّيءُ أجواءً العبادة لكل مُتنسِّك.
أيها الإخوة الأحبة:
هذه الدولة السعودية المباركة أقامت دولةً موحَّدة مُترامية الأطراف،
لمَّت شتاتَ الأمة، وأرسَت قواعدَ الحكم على كتاب الله وسنة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -
في خِضَمِّ صراعاتٍ حادَّة وتياراتٍ مُتصارعة،
هذا المؤسس الملكُ عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - رحمه الله - بعد ملحمة التوحيد،
وبعد أن استقرَّ الحكم واطمأنت البلادُ وأهلُها بدأ التعمير والبناء في الدولة.
ومن أظهر مظاهر التعمير وأول المواقع وأولاها: البِقاع الطاهرة؛
الحرمان الشريفان والمشاعر المُقدَّسة، فكانت محلَّ العناية
من الملك المُؤسِّس ثم أبنائه الملوك من بعد: سعودٍ و فيصل و خالدٍ و فهد،
وأنتم في هذا العهد الزاهر المُتمِّم لعهود والده وإخوانه
خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود،
لم تعتزَّ الدولة السعودية مثل اعتزازها بهذه الخدمات الجليلة،
ولم تتردَّد لحظةً واحدة في بذلٍ غير مقطوعٍ ولا ممنوع في كل ما يخدِمُ هذه البقاع الطاهرة.
أما حينما يسَّر الله علينا من فضله وفتح لنا من خزائنه فكان من أظهر مظاهر الشكر
والتحدُّث بالنعمة أن تكون الأولوية للبقاع الطاهرة والديار المُقدَّسة،
اهتمامٌ وعنايةٌ تُناسِبُ مع مكانة المكان وقُدسية المُقدَّسات وتطلُّعات المسلمين وخدمة المُتعبِّدين.
لقد أراد الله - بمنِّه وفضله وكرمه - أن يحظَى ولاة أمر هذه البلاد بشرف هذه الأعمال العظيمة،
والجهود المباركة، والإنجازات الضخمة، إن كل ما يُستطاعُ تقديمُه،
وكل ما يُمكنُ بذلُه فلن تتردَّد الدولة في الإقدام عليه والمُبادرة إلى تنفيذه في تخطيطٍ ودراسةٍ ودراية،
مهما كلَّف من جهدٍ ومالٍ وتخطيطٍ وتنفيذ، فلله الحمد والشكر والفضل والمنَّة.
ولقد أقرَّ الله عليه المسلمين في كل مكان وتحقَّقت همَمُ الملوك
فانتصَبَ الحرمان الشريفان والمشاعرُ المُقدَّسة
كأكبر مشروعاتٍ نُفِّذَت في العالم مهما كانت ضخامَتُها،
إنها مشاريع هي المعالمُ الأبرز على مستوى العالم الإسلامي كله،
مُتميِّزةً بكل المعايير، ومُتقدِّمةً بكل المقاييس،
وقد ضمَّت وتضمَّنت من التفاصيل الفنية أوفاها،
ومن التقنيات المعاصِرة أرقاها، ومن الخامات أجودَها،
في أعلى المعايير المهنية، في مُنشآتٍ حضاريةٍ شامِخة تجمعُ بين الأصالةِ والمعاصرة.
وحين يكتمل المفهوم الحضاري ومن أجل توظيف ما أظهره الله في هذا العصر من تِقنياتٍ
وإمكانياتٍ ووسائل ومُعدَّاتٍ وآلات؛ فقد كانت العنايةُ بالمرافق؛ من تكييفٍ وإضاءة وسِقاية
وصوتيات وساحات وميادين وشوارع وأنفاق وجُسورٍ وقطارات، وأنظمة تحكُّم،
واستعدادٍ لحالات الطوارئ، كل ذلك في أعلى المواصفات وأدق مستويات الأداء؛
في صورةٍ حيَّة لتِقنيَّات المعمار الحديث، تُعبِّر عن الجناب القُدسي، والسموِّ الجمالي.
إننا نحسبُ أنها إنجازاتٌ شاهِدة ماثِلة يعرفُ قيمتَها ويقدُر قدرَها كلُّ من يراها،
ويبهَرُ ببهائها كلُّ من يُشاهِدُها، نعم؛ المواطن يشهد، والمُقيم يشهد، والزائر يشهد،
والطائف والعاكف والبادِي يشهدون، ومُشاهد التلفاز يشهد، والخبير يشهد؛
بل الإنجاز الشامخ قبلهم وبعدهم هو الشاهد والمشهود في شهاداتِ عدلٍ محليةٍ ودولية
على هذه الإنجازات البهية الباهرة.
كل ذلك؛ وإن أفضل الأعمال أبقاها، وأحسنَها أخلدُها، وستبقى هذه الإنجازات السعودية
في سجلِّ الخالدين - بإذن الله -.
ومن العجب - أيها المسلمون - أن هذه الدولة - وقد وفَّقها الله إلى
هذه العناية والرعاية والخدمات والإنجازات - لم يكن هذا هو تميُّزها الوحيد؛
بل إن من فضل الله عليها أنها لم تكن بعيدةً عن أشقائها في جميع مراحل الأزمات؛
السياسية والاقتصادية والإنسانية، فهي راعيةُ التضامُن الإسلامي، وراعيةُ الحوار،
ودولةُ المُبادرات، والمُترفِّعة عن الخلافات.
ويأتي خادمُ الحرمين الشريفين الملكُ عبدُ الله بن عبد العزيز آل سعود ليُعلِن بمُبادراته
ووقفاته التاريخية المسؤولة، وبمصداقيته المعهودة، وصفائه الجلِيّ،
وأخلاقه العربية والإسلامية ليحمِل همَّ أشقائه حكوماتٍ وشعوبًا.
وحينما دخلت بعضُ البلدان الشقيقة فيما دخلت فيه من اضطراباتٍ ومُشكلاتٍ
وأزماتٍ أسهمَ إسهاماته المحسوبة، وخطَى خُطواته المُتأنية في منهجٍ عقلاني،
وسياساتٍ حكيمة، ومُبادراتٍ مُتأنية، ونهجٍ مُتوازن،
وهو النهجُ الأنجَع في منطقةٍ قلِقة وأجواءٍ مُضطربة.
ملكٌ ينظر بنظرٍ شموليٍّ في قضايا الأمة الكُبرى ويترفَّع عن الصغائر فضلاً عن أن يقف عندها،
منهجٌ عقلاني وسياسةٌ حكيمة، تحمي الأبرياء، وتأبَى سفكَ الدماء، بعيدًا عن الشعارات والمُساومات،
وليس هو الذي يقِفُ مع الحكومات ضدّ شعوبها، ولا مع الشعوب ضد حكوماتها،
ولكنه بصدقِه ونقائه وحبه وإخلاصه وحكمته يقف مع المصلحة
والإصلاح في عزمٍ وحزمٍ وغيرةٍ وحميَّة.
ليس مُناهِضًا للعادل من المُطالبات، ولا للنافع من التغييرات، ولكنه مُعارضٌ للقتل
والخراب والتدمير، إنها السياسات التي تحسِبُ لعواقِب الأمور حِسابَها،
وتنظر في المآلات ونهاياتها، مع الحرص الشديد على تجنُّب المزالِق الضيقة والدهاليز المُلتوية،
بعيدًا عن الفتن والضغائن.
نداءاتُ مليكنا ومُبادراته ذاتُ مضامين عملية وأساليب واضحة تحمِلُ مشاعر الصدق والمحبة،
ومشاعيل الرجاء والأمل.
إنه قائدُ الأمة الذي يقفُ مُتساميًا فوق كل المواقف يصدَعُ بالحق وينحازُ إليه،
القائد الملكُ الصالح الذي لا يُساوَم على دينه وعروبته وغيرته على أمته.
بارك الله في الجهود، وسدَّد الخُطى، وهدى للتي هي أقوم، وأصلح الله شأن الأمة كله،
وحفِظ عليها أمنها وإيمانها ووحدة ديارها وجمع كلمتها، إنه سميعٌ مُجيبٌ.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -،
(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
[النور: 31]،
فكل ابن آدم خطَّاء، ولكن عفوَ الله أعظم، والزلَلُ كبير، ورحمةُ الله أوسع،
فسارِعوا إلى رحمةٍ من ربكم، واستغِلُّوا شريفَ أيامكم، وتعرَّضوا لنفحات ربكم،
وأرُوا اللهَ من أنفسكم خيرًا.
ثم صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة:
نبيكم محمدٍ رسول الله، فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله،
فقال - عزَّ شأنه -:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى،
وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين،
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والظلَمة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك،
واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك،
واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين،
اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانهم وأعوانهم لما تحب وترضى، وخُذ بنواصيهم للبر والتقوى.
اللهم إن لنا إخوانًا مُستضعفين مظلومين قد مسَّهم الضرُّ، وحلَّ بهم الكرب، واشتدَّ عليهم الأمر،
تعرَّضوا للظلم والطغيان، سُفِكت الدماء، وقُتل الأبرياء، ورُمِّلت النساء، ويُتِّم الأطفال،
اللهم يا ناصر المُستضعفين ويا مُنجِي المؤمنين اللهم انتصر لهم، وتولَّ أمرهم،
واكشف كربَهم، وارفع ضُرَّهم.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم، واجمع على الحق والهدى كلمَتهم،
وولِّ عليهم خيارَهم واكفِهم أشرارهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرخاءَ في ديارهم،
وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بَطَن.
اللهم وارفع عنا وعنهم الغلا والوبا والربا والزنا والجوع والعُرِيّ والزلازل والمِحَن،
وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطن عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين،
اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يُعجزونك،
اللهم أنزِل بهم بأسك الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين،
اللهم إنا ندرأُ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبوابَ القبول والإجابة،
اللهم تقبَّل طاعاتنا ودعاءنا وصيامَنا وقيامَنا، وأصلِح أعمالنا،
وكفِّر عنا سيئاتنا، وتُب علينا، واغفر لنا يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 23-08-2011, 10:27 PM   #31
معلومات العضو





ابوميمونة غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوميمونة is on a distinguished road



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

جزاك الله خير







  رد مع اقتباس
قديم 27-08-2011, 03:54 PM   #32
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف 26/08/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله -
أمام و خطيب المسجد النبوى الشريف
خطبة الجمعة بعنوان: "نعيم رمضان ولذة الأعمال الصالحة"،

والتي تحدَّث فيها عن شهر رمضان ونعيمه ولذة العبادة والطاعة فيه واجتناب المعاصي والمحرمات فيه،
وحثَّ على ضرورة خِتام الشهر بالمُبادرة إلى الطاعات واغتنام ليلة القدر بتحرِّيها في هذه الليالي المباركة.


الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى،
الملكُ الذي لا يُعجِزُه شيءٌ في الأرض ولا في السماء،
يُقلِّبُ القلوب ويكشِفُ الكروب، أحمد ربي وأشكره،
وأتوبُ إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له علاَّمُ الغيوب،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله دعا أمتَه إلى كل خيرٍ وحذَّر من كل شرٍّ،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه المُفلِحين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى؛
فمن اتقى اللهَ وقاه السيئات، ووفَّقه للخيرات.
أيها المسلمون:
اذكروا نعمَ الله عليكم في شهركم هذا شهر الخير والفضل والطاعات،
قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)
[المائدة: 11]،
وقال تعالى:
(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)
[البقرة: 152]،
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«يا مُعاذ! إني أُحبُّك، فقل دُبُر كل صلاةٍ:
اللهم أعِنِّي على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك»؛
حديثٌ صحيح.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«اللهم اجعلني لك ذكَّارًا، اللهم اجعلني لك شكَّارًا، أواهًا مُنيبًا مُخبِتًا».
وقد صبَّ الله عليكم في هذا الشهر الخيرات صبًّا،
وأعطكم أكثرَ مما تتمنَّون، وأجزلَ لكم مما ترغبون،
فحقُّ ربكم عليكم أن يُشكَر ولا يُكفَر، وأن يُعبَد ولا يُجحَد،
وأن يُذكَر فلا يُنسَى، وأن يُطاعَ فلا يُعصَى، لتُقابِلوا نعمَه بالشكر؛
فمن شكرَ ربَّه زادَه وأعطاه، ومن كفَرَ نعمَه حرمَه وأقصاه،
وأعظمُ النعم ما أعدَّ الله للمسلم في جنات النعيم.
وماذا يضرُّ المسلمَ ما زُوِي عنه من الدنيا إذا نالَ منزلتَه في جنة الخُلد؟
وماذا ينفعُ الكافرَ والمنافق ما تمتَّع به في الدنيا من اللذَّات؟
قال الله تعالى:
(أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205)
ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206)
مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)
[الشعراء: 205- 207]،
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«يُؤتَى بأشد الناس بُؤسًا في الدنيا فيُغمَسُ في الجنة غمسَة،
ويقال له: يا عبد الله! هل رأيتَ بُؤسًا قط؟ فيقول:
وعزة الله ما رأيتُ بُؤسًا قط،
ويُؤتَى بأنعم أهل الدنيا ويُغمَسُ في النار غمسَة،
ويقال له: يا ابنَ آدم! عل رأيتَ نعيمًا قط؟
فيقول: وعزة الله ما رأيتُ نعيمًا قط»؛
رواه مسلم.
وقد جعل الله للجنة طرقًا وأسبابًا من سلكَها دخل الجنة،
وجعل للنار طرقًا وأسبابًا وأعمالاً من عمِل بها دخل النار،
قال الله تعالى:
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)
وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى)
[الليل: 5- 11].
ألا وإن من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار:
صيامَ شهر رمضان وقيامَه، والمُسارعة فيه إلى الأعمال الصالحات.
أيها المسلمون:
لقد ولَّت أكثرُ أيام هذا الشهر الكريم ولياليه ولم يبق منه إلا القليل،
فطُوبَى لمن صامَه وقامَه واتقى اللهَ - تبارك وتعالى - فيه.
وإن من سعادة ابن آدم أن يُحاسِبَ نفسَه على فعل الحسنات وعلى الابتعاد عن السيئات؛
فمن أعانه الله ووفَّقه للطاعات في شهر رمضان فيما مضى من أوقاته فليحمَد الله - تبارك وتعالى -،
وليُتبِع الصالحات من الأعمال فيما كان من الأوقات الخاليات فليُتبِعها بصالح الأعمال في الأيام الباقيات.
فما أحسن الطاعات بعد الطاعات، وما أقبحَ السيئات بعد الحسنات،
والأعمال بالخواتيم، فاختِموا شهركم بخير ما تقدِرون عليه،
وأقبِلوا على ربكم؛ فإنه - تبارك وتعالى - يُقبِل على المُحسنين والطائعين،
والله - عز وجل - شكورٌ عليمٌ يُضاعِف الحسنات، ويعفُو عن السيئات، وهو أرحمُ بعباده من الأم بولدها.
قال الله تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)
[النساء: 40]،
وقال تعالى:
(وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ
وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)
[الشورى: 25].
وقد تكون ليلةُ القدر في هذه البقية من الليالي؛
فعبادةُ الله فيها خيرٌ من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر،
قال الله تعالى:
(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)
[القدر: 3].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«من قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛
رواه البخاري ومسلم.
وقيامُها هو بالعبادة والصلاة وبقراءة القرآن والذكر وبالصدقات وبكل عملٍ صالحٍ يُقرِّبُ إلى الله - عز وجل -،
وما من ليلةٍ من ليالي العشر إلا وجاءت الأحاديث بتحرِّي ليلة القدر فيها.
وما أعظم سعادة من وُفِّق للتوبة من جميع الذنوب مع العبادة،
قال الله تعالى:
(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)
[التوبة: 112].
وهي ليلةٌ يلتقي فيها أهلُ السماوات بأهل الأرض لما يتنزَّلُ فيها من الخير ويُصرَف فيها من الشر،
فينزلُ جبريلُ والملائكةُ يستغفرون اللهَ للمؤمنين،
ويعبدون اللهَ في الأرض، فتبقى في الأرض بركةُ العبادة التي عبدَ اللهَ فيها المؤمنون والملائكة،
قال الله تعالى:
(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)
[القدر: 4].
فهنيئًا لهذه الأمة على هذه الفضائل والبركات التي منَّ الله بها عليها في هذا الشهر وغيره،
قال الله تعالى:
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)
[إبراهيم: 34].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم،
ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،
ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم،
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه،
إنه هو الغفور الرحيم.


الحمد لله رب العالمين، وليِّ الصالحين، أحمدُ ربي وأشكره على أعطى من جُوده وكرمه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القويُّ المتين،
وأشهد أن نبينا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله بعثَه الله بالهُدى واليقين ليُنذِر من كان حيًّا ويحِقَّ القولُ على الكافرين،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله بلزوم الطاعات، ومُجانبة المحرمات؛
تنجو من عذابه، وتفوزوا بثوابه.
عباد الله:
قصِّروا الآمال، وتذكَّروا ما أمامكم من الأهوال؛
فإنه لا يُنجِي من ذلك إلا صالحُ الأعمال،
ورحمةُ الله - تبارك وتعالى - وسِعَت كل شيء،
قال - تبارك وتعالى -:
(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا
عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)
[الأعراف: 156، 157].
عباد الله:
إن الله - تبارك وتعالى - قد حفِظكم من مكائد عدوكم،
وإن هذا العدو إبليس وشياطينُه،
لا يخلُصون إليكم في هذا الشهر مثل ما كانوا يخلُصون إليكم في غيره؛
فقد سُلسِلَت الشياطين، وإن عدوكم الشيطان والذين معه من ذريته الشياطين يتربَّصون بكم أن ينسلِخ هذا الشهر ثم إنهم يخلُصون إليكم ما لم يكونوا يخلُصون إليكم فيه في هذا الشهر المبارك،
وإن الله - تبارك وتعالى - قد حذَّركم من هذا العدو، وأمركم بالاستعاذة منه،
قال - تبارك وتعالى -:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)
[فاطر: 5، 6].
فداوِموا على الاستقامة؛
فإن أعظم الكرامة هي الاستقامة على دين الله والثبات على دين الله - تبارك وتعالى -،
قال الله - عز وجل -:
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
[هود: 112]،
وقال - تبارك وتعالى - عن ثواب المُستقيمين الثابتين على الطاعات المُجانبين للمُحرَّمات،
قال - عز وجل -:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ
أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)
[فصلت: 30، 31].
وإن الله - تبارك وتعالى - أمركم بأن تعبدوه في كل زمانٍ وفي كل مكان،
قال - تبارك وتعالى -:
(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)
[الحجر: 99].
اعبُد الله - عز وجل - في رمضان وفي غيره حتى يأتيك اليقين - وهو الموت -،
وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أبا عمرو سفيان بن عبد الله قال:
يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًا غيرَك.
قال: «قل: آمنتُ بالله، ثم استقِم».
عباد الله:
إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال - تبارك وتعالى -:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56].
فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين،
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد،
كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهو وارضَ عن الصحابة أجمعين،
وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
اللهم وارضَ عنا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك فعلَ الخيرات، وترك المنكرات، وحُبَّ المساكين،
وأن تحفظنا من مُضِلاَّت الفتن ما ظهر منها وما بطَن يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أعِذنا وأعِذ ذرياتنا من إبليس وجنوده وشياطينه يا رب العالمين وذريته،
إنك أنت الله تُجيرُ ولا يُجارُ عليك،
اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وشياطينه وجنوده يا رب العالمين،
إنك على كل شيء قدير.
اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنَّا،
وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت.
اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، زكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزيِ الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم ثبِّتنا عند السؤال يا رب العالمين، اللهم ثبِّتنا عند السؤال،
اللهم أحيِنا في عافية، وتوفَّنا في عافية،
اللهم وأدخِلنا الجنة في عافيةٍ منك يا رب العالمين.
اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت،
اللهم ارحمنا رحمةً من عندك تُغنينا بها عن رحمة من سِواك يا رب العالمين،
اللهم لا تكِلنا إلى أنفسنا طرفةَ عينٍ يا أرحم الراحمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا.
اللهم وفِّق عبدكَ خادمَ الحرمين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك،
واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين،
اللهم أعِنه على كل ما فيه صلاحٌ وخيرٌ لشعبه وللمسلمين يا رب العالمين،
اللهم وفِّق نائبَه لما تحب وترضى يا رب العالمين،
اللهم واكتُب له الشفاءَ والعافيةَ إنك على كل شيءٍ قدير،
اللهم وفِّق نائبَه الثاني لما تحبُّه وترضى ولما فيه عزُّ الإسلام،
ولما فيه صلاحُ البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير.
اللهم إنا نسألك أن تغفر لموتانا وموتى المسلمين،
اللهم اجعل هذا الشهر مُنسلِخًا بالغُفران منك يا رب العالمين،
لنا وللمسلمين التائبين يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201].
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)
[النحل: 90، 91].







  رد مع اقتباس
قديم 27-08-2011, 03:56 PM   #33
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة 26.09.1432 من المسجد الحرام


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور سعود الشريم - حفظه الله -
الأمام و الخطيب بالمسجد الحرام
خطبة الجمعة بعنوان: "الأمثال في القرآن الكريم"،

والتي تحدَّث فيها عن وجوب تدبُّر الأمثال في القرآن الكريم؛
فإن الله تعالى ضربَها لنا للعِبرة والعِظَة،
وذكَّر ببعض الأمثلة من القرآن و السنة والوقوف عليها وتدبُّر ما فيها.



الخطبة الأولى
الحمد لله الكبير المُتعال، ذي العزَّة والجبروت والجلال،
له الحمدُ في الأولى والآخرة، وله الحكمُ وإليه المردُّ والمآل،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، طيِّبُ الخِصال،
صادقُ الفِعال، صلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آله وأصحابه والآل، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - سبحانه -،
والاعتصام بحبله المتين، ونهجِه القويم، وإياكم والكسلَ والخُذلان؛
فما نالَ العُلا كسلان، ولا وردَ الصفوة خُذلان،
(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
[يوسف: 90].
أيها الناس:
لله ما أجملَ هذا الشهر المبارك وما أروعه، لله ما أصفاه وأعذَبَه،
له حلاوةٌ كحلاوة الشهد وهو يُكرَّر، وله أُنسٌ وطُمأنينةٌ وسكِينة تجعل من لامسَها يتمنَّى أن لو كانت السنةُ كلُّها رمضان.
نعم، عباد الله:
لقد خُضنا خمسة أسداس هذا الشهر المبارك،
فكأن شيئًا لم يكن إذا انقضى، وما مضى مما مضى فقد مضى،
لقد مرَّت أيامُه كلمحِ البصر، وتناقَصَت لياليه وكأنها أوراقُ الخريف عصَفَت بها الريحُ حثيثةً،
فصارت أثرًا بعد ذات وخبرًا بعد كان.
لقد أبحرنا جميعًا في هذا الشهر المبارك مع أطهر الكلام وأصدقه،
هو عزٌّ لا يُهزَم أنصارُه، ومنهاجٌ لا يضِلُّ ناهِجُه،
هو معدِنُ الإيمان وينبوعُ العلم، هو ربيعُ القلوب والدواء الذي ليس بعده دواء،
فيه نبأُ من قبلَنا، وخبرُ ما بعدنا، وفضلُ ما بيننا، يرفع الله به أقوامًا ويضعُ آخرين،
ومن تمسَّك به فقد هُدِي إلى صراطٍ مستقيم،
(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)
[المائدة: 83].
هو الكتابُ الذي من قامَ يقرؤه
كأنما خاطَبَ الرحمنَ بالكلِمِ
إننا - عباد الله - لن نجِد قصصًا ولا أمثالاً ولا أخبارًا أصدق منه،
ولن نجد أكثر تشويقًا ولا أخذًا للألباب من كلام الباري - جل شأنُه - الذي نزل به الروحُ الأمين على قلب نبينا - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المُنذرين بلسانٍ عربي مبين،
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)
[النساء: 82].
وشهر رمضان المبارك خيرُ فرصةٍ سانحةٍ لأن يعيش المؤمن هذه الأجواء، ويُبحِر بفكره ولُبِّه في أمثاله وعجائبه،
(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106)
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ
إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107)
وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا)
[الإسراء: 106 - 108].
ولو دقَّقنا النظر - عباد الله - في الأمثال المضروبة في القرآن لسمِعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد،
فالله تعالى يقول:
(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ)
[الروم: 58].
وقد جاء في القرآن ثلاثةٌ وأربعون مثلاً لا يتدبَّرها ولا يستطعِمُ بلاغتَها إلا من له عقلٌ حيٌّ ولُبٌّ يلمَح، قال أحد السلف:
"كنتُ إذا قرأتُ مثلاً من القرآن فلم أتدبَّره بكيتُ على نفسي؛ لأن الله يقول:
(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)
[العنكبوت: 43]".
لقد ضرب الله لنا في القرآن أمثالاً متنوعة لم تكن قاصرةً على خلقٍ دون آخر؛ فقد يضربُ الله المثلَ في نباتٍ؛ كقوله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ)
[إبراهيم: 24]،
وقد يضرب الله المثلَ بحيوانٍ أعجم؛ كما ذكر عن الذي آتاه آياته فانسلَخَ منها، فأتبعَه الشيطان فكان من الغاوين، وذلك كقوله:
(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
[الأعراف: 176]،
وقد يضربُ الله مثلاً بالإنسان، كما في قوله:
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ
وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ
هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
[النحل: 76].
فلله ما أعظم هذه الأمثال وما أعظم ما تحويه من نهايةٍ في العِظَة والعِبرة، ونهايةٍ في البلاغة وإيجاز اللفظ وحُسن التشبيه وقوة الكناية، ولقد صدقَ الله - سبحانه - إذ يقول:
(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ
جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ
ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)
[الزمر: 23].
وإن تعجَبوا - عباد الله -، فعجَبٌ حينما يضربُ الله مثلاً لعباده بأحقر مخلوقاته وأصغرها؛ فقد قال تعالى عن العنكبوت:
(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ
اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)
[العنكبوت: 41]،
فهذه حال كل من تعلَّق بغير الله أو خافَ غيرَ الله أو رجا غيرَه أو أرضى الناسَ بسخط الله؛
فمن فقد اللهَ فماذا عساه أن يجِد؟! ومن وجدَ اللهَ فما عساه أن يفقِد؟!
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا
فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ)
[الأنعام: 14]،
وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
«من تعلَّق شيئًا وُكِل إليه».
فيا خيبةَ من تعلَّق بغير الله في كافة شؤونه!
وقد ضرب الله لنا مثلاً أيضًا بالبعوضة الصغيرة التي لا نأبَهُ لها ولا نُعيرُها اهتمامًا إلا في قتلها،
تلكم البعوضة التي قال الله عنها:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)
[البقرة: 26]،
ألا فسبحان الله هلاَّ سألنا أنفسَنا:
لماذا يضربُ الله لنا مثلاً بالبعوضة؟!
نعم، البعوضة التي لا يعرفُ من نزلت عليهم هذه الآية منها إلا صورتَها،
فكيف بنا ونحن في زمنٍ كشفَ في البعوضة قلبَها ودماغَها وعيونَها وعروقَها،
فهذه المخلوقةُ الصغيرة لا تُحقَر ولا تُزدَرى، فهي التي قيل في مثلها:
لا تحقِرنَّ صغيرًا في مُخاصمةٍ
إن البعوضةَ تُدمِي مُقلةَ الأسدِ
وإن العجبَ ليزداد - عباد الله - حينما يضربُ الله لنا مثلاً في الذُّباب،
ذلكم المخلوق الذي يأنَفُ منه العموم تأفُّفًا وازدراءً،
ويخُصُّه الله بالحضِّ على الإنصات والاستماع إليه بخلاف غيره من الأمثال، فيقول - سبحانه -:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا
لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
[الحج: 73، 74].
فيا لله العجَب؛ كيف يضربُ الله مثلاً بهذه المخلوق الصغير جدًّا،
المُحتقَر لدى أهل الدنيا، ولو علِموا ما فيه من الأسرار لأدركوا عظمةَ الباري - جل شأنُه -،
ولأيقَنوا أنهم لا يُحيطون به علمًا، فإنه - سبحانه - قد يجعل أسرارًا عظيمة في أضعف مخلوقاته.
فلله كم أدهشَ هذا المخلوق ألبابَ العلماء والأطباء والصيادلة وذوي المعامل والمُختبرات،
ولله كم أقاموا فيه من التجارب، وتوصَّلوا إليه من الإعجاز ما يُذهِلُ الألباب ويُحدِقُ بالأبصار،
ولا غروَ حينما يُسلِمُ بعضُهم عندما يرى عظمةَ الله في خلق الذُّباب،
وكيف أن من أسراره قوة الإحساس في التخلُّص من الضرب بحيث يصعُب صيدُه لما خلقَ الله فيه من هذه الخاصية العجيبة،
وكيف أنه في الوقت نفسه يحمِلُ داءً ودواءً بين جناحيه؛
حيث صحَّ بذلكم الخبر عن الصادق المصدوق في قوله:
«إذا وقع الذُّباب في إناءِ أحدكم فليغمِسْهُ كلَّه ثم ليطرَحْه؛
فإن في أحد جناحَيْه الداء وفي الآخر شفاء».
فالله أكبر! ما أعظم مثل الباري - سبحانه -،
والله أكبر! لا نُحصِي ثناءً عليه وتمجيدًا له وهو كما أثنى على نفسه.
وإذا كان هذا هو خلقَ الذُّباب؛ فكيف بخلق الناس،
وإذا كان خلقُ الناس هو ما نعلمُه ونُشاهِدُه وما غابَ عنا كل أسراره؛
فكيف بخلق السماوات والأرض، فلا إله إلا الله،
آمنَّا بما أنزل واتَّبَعنا الرسولَ، فاللهم اكتُبنا مع الشاهدين، ولقد صدق الله:
(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
[غافر: 57].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،
قد قلتُ ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.



الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، واعلموا أن الله ضربَ الأمثالَ للاعتبار والعِظة،
وقد قال الماوردي - رحمه الله -: "من أعظم علمِ القرآن علمُ أمثاله، والناس في غفلةٍ عنه لاشتغالهم بالأمثال وإغفالهم المُمثَّلات".
وذلك - عباد الله - لما في الأمثال من تبكيتٍ للخصم الشديد الخصومة،
وقمعٍ لضراوة الجامح الآبِي؛ فإنه تُؤثِّر في القلوب ما لا يُؤثِّره وصفُ الشيء في نفسه.
ولو تأمَّلنا - عباد الله - ضربَ الله المثل في الذباب وما أتبعَه من قوله:
(مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)
[الحج: 74]
لأدركنا سُحق الهوَّة بيننا وبين استحضار عظمة الله في جميع شؤوننا؛
فهل نُدرِك قولاً وعملاً ما خلقَنا الله لأجله؟
وهل نُدرِك حقًّا عظمةَ الله وقدرَه حقَّ قدره؟
وهل نستشعِرُ خضوعَ جميع المخلوقات له وحده - سبحانه - لا شريك له:
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)
[الإسراء: 44]،
(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)
[مريم: 93].
لقد أدركَت البهائمُ ما خُلِقت له؛ فهل نُدرِك نحن لماذا خُلِقنا؟!
صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ الصبح ثم أقبل على الناس، فقال:
«بيْنا رجلٌ يسوقُ بقرةً إذ ركِبَها، فضربَها،
فقالت: إنا لم نُخلَق لهذا، إنما خُلِقنا للحَرث،
فقال الناس: سبحان الله! بقرةٌ تكلَّم»،
فقال: «فإني أُؤمِنُ بهذا أنا وأبو بكرٍ وعمر .. الحديث»؛
رواه البخاري ومسلم، واللفظُ للبخاري.
فانظروا - يا رعاكم الله - كيف أدركَت هذه البقرة ما خُلِقت لأجله وهي حيوانٌ أعجم؛
فهل يُدرِكُ بنو آدم لماذا خُلِقوا، وهل قدَروا اللهَ حقَّ قدره؟!
فمن أنطق هذه البقرة غيرُ الباري - جل شأنُه -؟!
(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ)
[فصلت: 21].
وإن تعجَبوا - عباد الله - فعجبٌ ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" في قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -،
فيرويها أبو سعيد الخُدري يقول: عدَا الذئبُ على شاةٍ فأخذها،
فطلبَه الراعي فانتزَعَها منه، فأقعَى الذئبُ على ذنَبِه قال: ألا تتقِي الله!
تنزعُ مني رزقًا ساقَهُ الله إليَّ؟! فقال الأعرابي: يا عجبي!
ذئبٌ مُقعٍ على ذنَبِه يُكلِّمني كلامَ الإنس،
فقال الذئب: ألا أُخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد - صلى الله عليه وسلم - بيثرب يُخبِرُ الناسَ بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوقُ غنمَه حتى دخل المدينة، وأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - .. الحديث.
سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ذئبٌ يُخبِرُ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ويدلُّ عليه وعلى دعوته؛
فماذا صنعنا - عباد الله -؟ ذئبٌ قدَرَ اللهَ حقَّ قدره؛ فأين نحن من هذا؟
لقد عُرِضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبَيْن أن يحمِلنها من باب قدرِ الله حقَّ قدره، فلم يحمِلها إلا هذا الإنسانُ الظَّلوم الجَهول، كل الخلائق قدَرَت الله حقَّ قدره إلا بني آدم.
لقد ذكر - سبحانه - أنه يسجُد له من في السماوات ومن في الأرض والشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والشجرُ والدوابُّ، ولم يقل: والناس، وإنما قال:
(وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)
[الحج: 18]،
(إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)
[إبراهيم: 34].
ولقد صدق الله - ومن أصدق من الله قيلاً -:
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)
[الزمر: 67].
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد! إنا نجِدُ أن الله يجعل السماوات على إصبَع، والماء والثَّرَى على إصبَع،
وسائرَ الخلق على إصبَع، فيقول: أنا الملك،
فضحِك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدَت نواجِذه -
تصديقًا لقول الحبر -، ثم قرأ:
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)
[الزمر: 67].
فمن أنت يا ابن آدم؟ ألم تُخلَق من ماءٍ مهين،
ألست الفقير والله هو الغنيُّ الحميد، ألست الضعيفَ والله هو القويُّ العزيز؟
ولقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول:
«لو كانت الدنيا تعدِلُ عند الله جناحَ بعوضة ما سقَى كافرًا منها شربةَ ماء».
فما أهوننا على الله وهو القائل:
(مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)
[لقمان: 28]،
نعم؛ ألا ما أهونَ الخلق على الله، قالها أبو الدرداء حين رأى دولة الأكاسِرة تهوِي على أقدام المسلمين فبكى، فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: ما أهونَ الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمةٌ قاهرةٌ ظاهرة تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.
ألا فاتقوا الله - عباد الله -، واعلموا أن الله قد فرضَ عليكم صدقةَ الفطر على الذكر والأُنثى والحر والعبد والصغير والكبير، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُؤدِّيها قبل خروجه لصلاة العيد، وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يُؤدُّونها قبل العيد بيومٍ أو يومين.
فأخرِجوها - رحمكم الله - طيبةً بها نفوسكم، مُقتدين بنبيكم - صلى الله عليه وسلم -.
يا مَن يرى مدَّ البعوضِ جناحَها
في ظُلمةِ الليل البَهيم الألْيَلِ
ويرى نِياطَ عروقِها في نحرِها
والمُخَّ في تلك العِظامِ النُّحَّلِ
امنُن علينا بتوبةٍ تمحُو بها
ما كان منا في الزمانِ الأولِ
هذا؛ وصلُّوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية:
محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب : 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم اجعل مواسمَ الخيرات لنا مربَحًا ومغنَمًا، وأوقات البركات والنفحَات لنا إلى رحمتك طريقًا وسُلَّمًا.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة : 201].
سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 04-09-2011, 04:23 PM   #34
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف 4/10/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "الحفاظ على الطاعات بعد رمضان"،
والتي تحدَّث فيها عن الأمر بالاستقامة على طاعة الله من كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وذكَّر بوجوب الحرص على الطاعات وعدم ضياعها بعد رمضان.



الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربُّ الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه أفضلُ من سارعَ إلى الخيرات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أهل التقوى والصالحات.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي سببُ الفلاح، وهي عاملُ النجاح، وهي وسيلةُ الفوز في الدنيا وفي الآخرة،
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)
[النور: 52].
إخوة الإسلام:
إن أوامر القرآن كثيرةٌ في الدعوة إلى الاستقامة على التقوى، والاستمرار على الهُدى،
يقول ربُّنا - جل وعلا -:
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا)
[هود: 112].
وصايا عظيمة ربَّانية تتضمَّن الأمرَ بالإقامة على أمور الإسلام، والتزام منهج الدين، والاستمرار في التقيُّد بقيوده، والوقوف عند حُدوده، والاستجابةُ لأوامره والانتهاءُ عن زواجِره على الوجه الأكمل والطريق الأقوَم.
ورسولُنا - صلى الله عليه وسلم - يُوصِي أمَّتَه بوصيةٍ عظيمةٍ ذات عباراتٍ وجيزةٍ جميلة المعنى قليلة المبنى، إنها وصيةٌ تقتضي لزومَ الاعتقاد الصحيح، والتمسُّك بالصبر على الطاعات واجتناب المنهيَّات.
جاء سُفيانُ بن عبد الله الثَّقَفي إليه - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! أوصِني وقل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًا بعدك، فقال: «قُل: آمنتُ بالله، ثم استقِم»؛ والحديثُ في "صحيح مسلم".
إنها وصايا في القرآن والسنة تكفَلُ العِيشةَ الرضيَّة، وتضمنُ الحياةَ الطيبة والسعادة الأبدية، يقول ربُّنا - جل وعلا -:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[الأحقاف: 13، 14].
فيا إخوة الإسلام:
إنه ينبغي على من تفضَّل الله عليه بالمُسارعة إلى الخيرات في رمضان أن يحمَد الله - جل وعلا - وأن يشكُره حقَّ الشكر، ثم عليه أن يسير على الطريق المستقيم، وأن يزداد تقرُّبًا إلى المولى العظيم، وأن يكون حذِرًا أشدَّ الحَذَر من إهداء حسناته لغيره، أو أن يبُوءَ بفعله القبيح أن يبُوءَ بسيئات غيره، وذلك لا تحصُل السلامةُ منه إلا بأن يصُونَ لسانَه عن أعراض المسلمين، وأن يكون حذِرًا أشدَّ الحَذَر من أذِيَّة المؤمنين، وأن يتحلَّل من حقوق ومظالمِ المسلمين.
في "صحيح البخاري" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه من عِرْضٍ أو من شيءٍ
فليتحلَّلْهُ منه اليوم قبل أن لا يكون درهمٌ ولا دينار،
إن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذ منه بقدرِ مظلَمَته،
وإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذ من سيئاتِ صاحبه فحُمِل عليه».
وفي "صحيح مسلم" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إن المُفلِسَ من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ،
ويأتي وقد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وضربَ هذا،
وسفكَ دمَ هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته،
فإن فنِيَت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فطُرِحَت عليه،
ثم طُرِح في النار».
فالسلامةَ السلامةَ، والحَذَرَ الحَذَر - أيها المسلم -،
فرسولُنا - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«المسلمُ من سلِمَ المُسلِمون من لسانه ويده».
ولهذا جاء في حديث سفيان - في روايةٍ عند الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ -، أن سفيان حينما طلبَ هذه الوصية من النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا رسولَ الله! ما أخفُ ما تخافُ عليَّ؟ فأخذَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بلسان نفسه الشريفة،
ثم قال: «عليك هذا».
فكُن - يا أيها المسلم - حافظًا لجوارحك، واحفَظ أعمالكَ الصالحة حتى تلقَى الجزاءَ الحسن عند الله - جل وعلا -، وذلك لا يكون إلا بالاستقامة على طاعة الله، ولهذا أمر الله - جل وعلا - نبيَّه بقوله:
(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)
[الحجر: 99].
بارك الله لنا في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما، أقولُ هذا القول، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه،

إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبده ورسوله أفضلُ الخلق أجمعين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اعمُروا أوقاتَكم بطاعة الله - جل وعلا -، ولا تشغلنَّكم مطالبُ الحياة الفانية عن حقائق الآخرة الباقية؛ فإن الفلاحَ والظَّفَر إنما هو في الاستقامة على طاعة الله - جل وعلا - إلى الممات،
كما كان عليه نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
ثم إنه قد صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
من صامَ رمضان ثم أتبَعهُ ستًّا من شوَّال فكأنما صامَ الدهر كلَّه».
ولهذا ذهب جمهورُ أهل العلم إلى استحبابِ صيام ستٍّ من شوَّال، سواءٌ كانت مُتفرِّقةً أو مُتتابِعة، إلا أنه من كان عليه صومٌ واجبٌ فإنه لا ينبغي أن يُقدَّم عليه غيرُه من التطوُّعات، لما عليه قاعدةُ الشريعة:
أن الواجبَ أَوْلَى وآكَد من غير الواجب.
ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم،

ألا وهو: الصلاة والتسليم على النبي الكريم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والآلِ أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم احفظنا واحفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماء المسلمين في جميع الأماكن والأزمان.
اللهم تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليمُ، اللهم تُب علينا إنك أنت التوَّابُ الرحيمُ.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات،
المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم نفِّس كرباتِ المسلمين وفرِّج همومَهم، اللهم فرِّج هُمومَهم،

اللهم واكفِهم من أمور دنياهم وأُخراهم يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين لما فيه خيرُ رعاياهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم،

واكفِهم شِرارَهم يا حيُّ يا قيُّوم.
عباد الله:
اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 04-09-2011, 04:25 PM   #35
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام 4/10/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "النجاة من الفتن"،
والتي تحدَّث فيها عن الفتن وأنها تنقسم إلى نوعين:
فتن الشُّبُهات وفتنُ الشهوات، وذكر الأدلةَ من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن أقوال أهل العلم على خطورتها ومدى تأثيرها على الفرد والمجتمع،
على الأعمال الصالحة اتقاءً للوقوع في الفتن.



الحمد لله الملك القدوس السلام، أحمده - سبحانه - على آلائه العِظام ومِنَنه الجِسام،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يُحيِي ويُميت، بيده الخيرُ،
(وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ)
[الرحمن: 24]،
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله خيرُ البرية سيدُ الأنام،
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه صلاةً وسلامًا دائمَيْن ما تعاقَبَت الليالي والأيام.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، واذكروا وقوفكم بين يديه،
(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
[الشعراء: 88، 89]،
(يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
[النحل: 111].
أيها المسلمون:
إن للمتقين من كمال الحرص على اتقاء الفتنة والحَذر من سلوك سبيلها ما لا نظيرَ له ولا مزيدَ عليه،
يحدُوهم على ذلك يقينٌ لا يتزعزَع بما جاء عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في التحذير من غوائلها، والدلالة إلى سبيل السلامة من شُرورها، والإرشاد إلى الطريق الواجبِ انتهاجُه في زمنها؛
من مثل قوله - سبحانه -:
(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا
مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
[الأنفال: 25]،
ومن مثل قوله - عليه الصلاة والسلام -:
«ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم،
والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي،
ومن تشرَّف لها تستشرِفُه، ومن وجدَ ملجأً أو معاذًا فليعُذْ به»؛
أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".
ومن قوله - صلوات الله وسلامه عليه -:
«يُوشِك أن يكون خيرَ مالِ المسلم غنمٌ يتَّبِعُ بهاش
عثَ الجبال ومواقع القطر يفِرُّ بدينه من الفتن»؛
أخرجه البخاري في "صحيحه".
ومن مثل قوله في الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«بادِروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المُظلِم،
يُصبِحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسِي كافرًا،
ويُمسِي مؤمنًا ويُصبِحُ كافرًا، يبيعُ دينَه بعَرَضٍ من الدنيا».
ولما كان للفتنة خطرُها العظيم وضررُها الشديد الذي تعمُّ به البلوى وتفدُحُ الخُطوب؛ فقد جاء الكلام عليها فيما بيَّنه أهلُ العلم؛ فقال ابن القيم - رحمه الله -:
"الفتنةُ نوعان: فتنة الشبهات - وهي أعظم الفتنتين -،
وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما.
ففتنةُ الشبهات من ضعفِ البصيرة وقلَّة العلم، ولا سيَّما إذا اقترنَ بذلك فسادُ القصد وحصولُ الهوى، فهنالك الفتنةُ العُظمى والمصيبةُ الكبرى، فقل ما شئتَ في ضلالِ سيءِ القصد الحاكم عليه الهوى لا الهُدى، مع ضعف بصيرته وقلَّة علمه بما بعثَ اللهُ به رسولَه، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم:
(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ)
[النجم: 23]،
وقد أخبر الله - سبحانه - أن اتباعَ الهوى يُضِلُّ عن سبيل الله؛ فقال:
(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)
[ص: 26].
وهذه الفتنة مآلُها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنةُ المنافقين وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم ..
ولا يُنجِّي من هذه الفتنة إلا تجريدُ اتباع الرسول وتحكيمُه في دِقِّ الدين وجِلِّه، ظاهرِه وباطنِه،
عقائدهِ وأعمالهِ، حقائقهِ وشرائعهِ، فيُتلقَّى عنه حقائقُ الإيمان وشرائعُ الإسلام وما يُثبِتُه لله من الصفات والأفعال والأسماء وما ينفيه عنه،
كما يُتلقَّى عنه وجوبُ الصلوات وأوقاتُها وأعدادُها، ومقاديرُ نُصُب الزكاة ومُستحقِّيها، ووجوبُ الوضوء والغُسلِ من الجنابة، وصومُ رمضان؛ فلا يجعلُه رسولاً في شيءٍ دون شيءٍ من أمور الدين؛
بل هو رسولٌ في كل شيءٍ تحتاجُ إليه الأمةُ في العلم والعمل، لا يُتلقَّى إلا عنه، ولا يُؤخَذ إلا منه ..
وأما النوع الثاني من الفتنة: ففتنةُ الشهوات، وقد جمع - سبحانه - بين ذكر الفتنتَيْن في قوله:
(كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا
وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ)
[التوبة: 69]؛
أي: تمتَّعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخَلاَق: هو النصيبُ المُقدَّر، ثم قال:
(وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)،
فهذا الخوضُ بالباطل، وهو الشُّبُهات.
فأشار - سبحانه - في هذه الآية إلى ما يحصُلُ به فسادُ القلوب والأديان من الاستمتاعِ بالخَلاقِ والخوض بالباطل؛ لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلُّم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح؛ فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني: فسقُ الأعمال ..
وأصلُ كل فتنةٍ إنما هو من تقديم الرأيِ على الشرع، والهوى على العقل؛ فالأولُ: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصلُ فتنة الشهوة.
ففتنةُ الشُّبُهات تُدفَع باليقين، وفتنةُ الشهوات تُدفَعُ بالصبر، ولذلك جعل - سبحانه - إمامةَ الدين منوطةً بهذين الأمرين؛ فقال:
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)
[السجدة: 24]،
فدلَّ على أنه بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين ..
فبكمال العقل والصبر تُدفَعُ فتنةُ الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تُدفَعُ فتنةُ الشُّبهة، والله المستعان". اهـ.
فاتقوا الله - عباد الله -، واتخِذوا من كمال العقل والصبر، ومن كمال البصيرة واليقين خيرَ عُدَّةٍ تُنجِيكم من فتنِ الشُّبهات والشهوات، وتُرضون بها ربَّ الأرض والسماوات.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، أحمده - سبحانه - خلق الأرض والسماوات العُلَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله المُصطفى وحبيبُه المُجتبى، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن سار عل نهجِه وبسُنَّته اهتدَى.
أما بعد، فيا عباد الله:
لقد حذَّر ربُّنا - عز وجل - عبادَه من سببٍ هو من أعظمِ أسباب الفتنةِ في الدين ومن أظهر بواعِث الفُرقة بين المسلمين، ألا وهو: مُخالفةُ هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهجرُ سُنَّته وطريقته، ورفضُ شريعته، فقال - عزَّ من قائل -:
(لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
[النور: 63].
وأمرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي توعَّد الله من خالفَه عنه بهذا الوعيد هو كما قال الإمام الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: "هو سبيلُه ومنهاجُه وطريقتُه وسُنَّتُه وشريعتُه، فما وافقَ ذلك قُبِل، وما خالفَه فهو مردودٌ على قائله وفاعله كائنًا من كان، كما ثبتَ في "الصحيحين" - واللفظ لمسلم - عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«من عمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ»
أي: فليحذَر وليخشَ من خالفَ شريعةَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - باطنًا وظاهرًا أن تُصيبَهم فتنةٌ - أي: في قلوبهم -؛ من كفرٍ أو نفاقٍ أو بدعة، أو يُصيبَهم عذابٌ أليم - أي: في الدنيا -؛ بقتلٍ أو حدٍّ أو حبسٍ أو نحو ذلك.
كما روى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«مثَلي ومثَلُكم كمثَلِ رجلٍ استوقدَ نارًا فلما أضاءَت ما حولها
جعل الفراشُ وهذه الدوابُّ يقعْن في النار،
وجعل يحجِزهُنَّ ويغلِبْنَه فيقتحِمنَ فيها»،
قال:
«فذلك مثَلِي ومثَلُكم، أنا آخِذٌ بحُجَزِكم:
هلُمَّ عن النار، فتغلِبونني وتقتحِمون فيها»"؛
أخرجه الشيخان من حديث عبد الرزاق - رحمه الله -.
فاتقوا الله - عباد الله -، وحذارِ من المُخالفة عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن عُقبى ذلك: الوقوعُ في الفتنة وحُلول عذاب الله.
وصلُّوا وسلِّموا على خيرِ خلق الله: محمد بن عبد الله؛ فقد أمركم بذلك الله - سبحانه -،
فقال في كتابه الكريم:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء.
اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد، يا من إليه المرجِعُ يوم التناد.
اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر.
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك.
اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيكَ آمالَنا، واختِم بالصالحات أعمالَنا.
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
[الأعراف: 23]،
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201].
وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 10-09-2011, 10:30 AM   #36
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعه من المسجد الحرام 11/10/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "معنى قوله تعالى: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)"،
والتي تحدَّث فيها عن الدين الإسلامي ومعناه ومزاياه، وأهمية الإيمان بالله وأسمائه
وصفاته واليوم الآخر ومدى تأثير ذلك على القلوب،
ثم حذَّر من سلوك سبيل الأمة المغضوب عليها لئلا يحدث ما حدث لهم.




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه،
وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها المسلمون:
فأُوصيكم ونفسي بتقوى الله في السرِّ والعلانية؛ فهي العُدَّة، وهي مهبَطُ الفضائل ومُتنزَّلُ المحامد،
وهي مبعثُ القوة ومِعراجُ السمُوّ، والرابطُ الوثيقُ على القلوب عند الفتن،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
[آل عمران: 102].
عباد الله:
في لفحِ هجير الحياة وعند متاهات الدروب وفقد الاتجاه، فإن الساري بحاجةٍ إلى ضوءٍ يُؤوِيه،
وماءٍ يسقيه، ومنارٍ يُرشِدُه ويهديه، ذلكم - أيها المسلمون -: هو الوحيُ الخالد، والنورُ التالِد،
والذي قال فيه ربُّنا:
(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
[الإسراء: 9]؛
أي: للتي هي أحسنُ وأكملُ وأجملُ وأفضلُ؛ فمن أراد الهُدى فليلزَم كتابَ الله، وليتدبَّر عِظاته،
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ
لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)
[ص: 29].
أيها المسلمون:
ومن جميل الهدايات، وعظيم الآيات: ما خاطَبَكم به ربُّكم في كتابه العزيز بقوله - سبحانه -:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
[البقرة: 208].
قال ابن كثيرٍ - رحمه الله - في "تفسيره":
"أمرَ اللهُ عبادَه المؤمنين المُصدِّقين برسوله أن يأخذوا بجميع عُرى الإسلام وشرائعِه،
والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجِره.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ): يعني: الإسلام،
وقوله: (كَافَّةً): أي: اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البرِّ".
هذا هو التفسيرُ الذي نقلَه ابن كثيرٍ والقرطبيُّ وغيرُهما - رحمهما الله -
عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.
عباد الله:
هذه الدعوةُ الكريمةُ من الله تعالى للمؤمنين تُشِيرُ إلى حاجة النفوس إلى التذكير والتأكيد
أن تلتزِمَ بجميع شرائع الإسلام، ومع وجود أصل الإيمان في المجتمع المسلم إلا أنه
قد يوجد من يحتاجُ لهذه الدعوة ليتجرَّد ويستسلِم لله، وتتوافقَ خطَرَاتُهم واتجاهاتُهم،
مع ما يُريدُه الله منهم وما يقودُهم إليه نبيُّهم من غير تردُّدٍ ولا تفلُّت، وهذا هو معنى الإسلام؛
الاستسلام لله والانقيادُ له بالطاعة.
وحين يستجيبُ المسلمُ لهذا النداء فإنه يدخلُ عالمَ السعادة، والسلمِ والسلام،
والثقةِ والاطمئنان، والرِّضا والاستقرار، فلا حيرةَ ولا قلق، ولا نزاعَ ولا ضلال.
أيها المسلمون:
وأولُ ما يُفيضُ السلامُ على القلب من صحةِ توحيده لله وإيمانه به ويقينه عليه وإفراده بالعبادة
ومعرفة أسمائه وصفاته، يعلمُ أن اللهَ إلهٌ واحدٌ يتَّجِهُ إليه بكلِّيَّته، وجهةٌ واحدةٌ يستقرُّ عليها قلبُه،
فلا تتفرَّقُ به السُّبُل، وتلتبِسُ به الأهواء، وتتكاثرُ عليه الآلهة، فيعبُدُ ربًّا ونبيًّا، أو يدعو كلَّ يومٍ وليًّا،
فكأنَّ كلَّ مشهدٍ كعبة، وكل ضريحٍ ربٌّ يُدعَى. فهل هذا من الإسلام؟!
إن المؤمنَ بإسلامه لله وحده يعيشُ عقيدةً صافية، وفكرًا نقيًّا، وحياةً مُستقرَّة،
ويعلم من صفات الله ما تطمئنُّ به نفسُه، ويسكُنُ به قلبُه، فالله تعالى هو القويُّ القادر،
والعزيزُ القاهِر، والوليُّ الناصِر.
فإذا التجأَ إليه المؤمنُ فقد التجأَ إلى القوة الحقيقية في هذا العالَم،
وقد أمِنَ من كل خوفٍ واطمأنَّ بالله واستراحَ، ويعلمُ أن الله يُجيبُ المُضطرَّ إذا دعاه،
ويكشِفُ السوءَ، ويُفرِّجُ الكُرُبات، ويشفِي الأسقام، ويُذهِبُ الآلامَ والأحزان؛
فالمؤمنُ في كنَفِ الله آمنٌ وادِع، يتقلَّبُ في الطمأنينة والرضا،
يُفيضُ الإيمانُ بالأسماء والصفات على قلبه بردًا وسلامًا.
والإيمانُ باليوم الآخر يجلِبُ الطمأنينةَ والسلام، وينفِي القلقَ والإحباطَ، أو الإحساسَ باليأس،
(إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
[يوسف: 87]،
ذلك أن لجميع العالمين يومًا يجتمعون فيه، كلُّ العالمين،
(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)
لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)
[مريم: 93 - 95]،
وهنالك الحساب،
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
[الزلزلة: 7، 8].
ومن كمال عدل الله أن يُثيبَ المُحسنين، ويُحاسِبَ المُسيئين، ويقتصَّ للمظلوم،
وإذا علِمَ المسلمُ أن الدنيا ليست النهاية، وأن لا شيء يضيعُ، فعند ذلك يصبِرُ ويحتسِب،
ويعملُ ويجتهِد، حتى ولو لم يلقَ من الناس شُكرًا، فإن الله لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملاً.
أيها المسلمون:
والإيمانُ بالآخرة أيضًا حاجزٌ دون الصراع المحموم بين البشر على حُطام الدنيا ومتاعها،
هذا التنافُس الذي تُنسَى فيه القِيَم، وتُنتهَكُ الحُرمات، في لهاثٍ خلف الشهوات والرغَبات،
إن الإيمان بالحساب والجزاء يُلبِسُ المؤمنَ رداءَ التجمُّل في هذا السِّباق، ويُوقِفُه عند الأدب والحياء،
والحدود والحقوق. فما أجملَ الطمأنينةَ والسلمَ في هذا الإسلام!
عباد الله:
ودخول المؤمن في السلمِ كافة دخوله في كل شرائع الإسلام، كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما -،
والتزامُه بها، ويربِطُه بالحقيقة التي من أجلها خُلِق الناس،
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
[الذاريات: 56].
والعبادةُ ليست مجرد فرضٍ يُؤدَّى في المسجد فحسب؛ بل إنها منهجُ حياة،
(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)
لَا شَرِيكَ لَهُ)
[الأنعام: 162، 163]،
عبادةٌ بأداء الواجبات، واجتناب المنهيات، عبادةٌ في كسبك وإنفاقك، وفي عملك ونشاطك؛
فاتق اللهَ في كل تصرُّفاتك وتعامُلاتك، لا تُقصِّر في واجبٍ، ولا تتقحَّم في مُحرَّم.
أيها المسلمون:
والتكاليفُ التي يفرِضُها الإسلام كلها من الفِطرة، ولا تتجاوزُ طاقةَ الإنسان،
ولا تتجاهلُ طبيعتَه، وهي يُسرٌ وسماحة،
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)
[الحج: 78]،
إن أحكام الله تعالى وشريعتَه وحدوده ومحارمَه جاءت منظومةً مُتكاملة لتحفَظَ الضرورات الخمس،
ولتُحيطَ الإنسان بضماناتٍ تُورِثُه الطمأنينةَ والسلام،
لقد جاء الإسلامُ بكل ما يحفظُ الدين والنفسَ والعقلَ والعِرضَ والمالَ.
وأيضًا ما يحفظُ ترابُط المجتمع وتماسُكه، وشرعَ ما يُؤدِّي إلى التكافُل والتعاوُن، ودعا لإطعام الطعام،
وإفشاء السلام، وأذابَ الحواجز الأرضية ليجمعَ الناسَ على آصِرة العقيدة وأُخُوَّة الإيمان،
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)
[الحجرات: 10].
وفي آداب هذا المجتمع:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ
عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ
وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ)
[الحجرات: 11].
وفي "الصحيحين" يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ، دمُه ومالُه وعِرضُه».
أرأيتُم كيف يكون الدخولُ في شرائع الإسلام كافَّة؟!
أيها المسلمون:
إن هذا النداء بالدخول في شرائع الإسلام كافَّة يصنَعُ مجتمعًا طاهرًا عفيفًا لا تشيعُ فيه الفاحشةُ،
ولا تروجُ فيه الفتنة، ولا تتلفَّتُ فيه الأعينُ على العورات، ولا تطغَى فيه الشهوات،
تحكمُه توجيهاتٌ ربانية، يسمعُ قولَ الله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
[النور: 19]،
ويسمعُ التشديد والوعيدَ الشديد لمن يرمِي المؤمنات، ويقذِفُ العفيفات المُحصنات،
إن بابَ الأعراض بابٌ مُحترم لا يجوزُ التهاوُن فيه ولا الترفُّق بلصوصه،
وفي حكم القرآن على الزانِيَيْن:
(وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
[النور: 2].
ولحماية هذا الباب وسدِّ مداخل الشيطان يقول الله - عزَّ وجل -:
(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)
[النور: 30، 31].
ففي ظلِّ هذه التوجيهات يأمنُ الناسُ على حُرماتهم وأعراضهم،
وتسلَمُ قلوبُهم، فلا تقعُ الأبصارُ على المفاتِن، ولا تقودُ العيونُ القلوبَ إلى المحارم،
فإما خيانةٌ وفواحِش، وإما رغباتٌ مكبوتة، وأمراضُ نفوس، وفسادُ قلوب،
بينما المجتمعُ المسلمُ العفيفُ آمِنٌ ساكِن، ترِفُّ عليه أهدابُ السِّلم والطُّهْر والأمان،
وفي التوجيه الكريم أمرَ اللهُ بتزويج الشباب والفتيات، والأمرُ للوجوب.
عباد الله:
وهذا المجتمعُ المُستسلِمُ لله تُكفَلُ فيه الحرياتُ والكرامات، والأموالُ والحقوقُ والحُرمات
بحكم التشريع بعد كفالتها بالتوجيه الربَّاني المُطاع؛ فلا يُراقُ دمٌ والقِصاصُ حاضر،
ولا يضيعُ حقٌّ أو مالٌ والحُدودُ قائمة، ومن لم تزجُرهُ المواعِظ زجَرَته الحُدود.
هذه بعضُ معالم المجتمع المُطمئن المُستسلِم لله، وبعضُ معاني السلم الذي
دعَت الآيةُ إلى الدخول فيه كافة:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
[البقرة: 208].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.



(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)
قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا)
[الكهف: 1، 2]،
وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه،
صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن الله تعالى لما دعانا للدخول في السلمِ كافةً حذَّرَنا من اتباع خطوات الشيطان؛
إذ ليس إلا طريقان: إما الدخول في السلم، وإما اتباع الشيطان، إما هُدًى، وإما ضلال،
ليس للمسلم أن يخلِطَ أو يتخيَّر، والشيطانُ عدوٌّ مبين،
(فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
[البقرة: 209]
له القوةُ والغلَبَة، والقدرة والقهر،
(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
[النور: 63].
ثم قال تعالى:
(سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
[البقرة: 211]،
إنه أسلوبٌ من أساليب البيان في القرآن، فقد ضربَ الله مثلاً بالأمة المغضوب عليهم مُحذِّرًا ما صنعوا،
أو نسلكَ ما سلَكوا من التبديل والتغيير، والتحايُل على الشريعة، والمُجادَلة فيها، وردِّ بعض أحكامها،
مع وضوح الآيات والبراهين، وقد كانوا في نعمة ما جاء به الأنبياء،
وما بدَّلَت البشريةُ هذه النعمةَ إلا بدَّلَ الله حالَها سَقامًا، وعاجَلَها بشِقوة الدنيا قبل نَكالِ الآخرة،
ولك أن تقرأ في هذا التبديل ما يُعانيه العالمُ اليوم من القلق والحيرة، والنزاعات والحُروب،
والقهر والتظالُم، ولهم في كتاب الله أسبابُ السعادة لو كانوا يعلمون.
هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين،
وصحابته الغُرِّ الميامين، وارضَ اللهم عن الأئمة المهديين،
والخلفاء المَرْضِيِّين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، ومن سار على نهجهم واتبع سنتهم يا رب العالمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين،
واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه تدميرًا عليه.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا،
اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رضاك، وهيِّئ له البِطانة الصالحة،
اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواءَ الدين،
اللهم جازِه بالخيرات والحسنات على خدمة الحرمين الشريفين،
وبارِك جُهدَه وعزمَه على توسِعة المَطاف وتهيِئته للطائفين،
والتوسِعة والتيسير به على المسلمين، اللهم وفِّقه ونائبَيه لما فيه الخيرُ للعباد والبلاد،
واسلُك بهم سبيل الرشاد.
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان،
اللهم اجمعهم على الحق والهدى، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم،
وسُدَّ خُلَّتهم، وأطعِم جائعَهم.
اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان، واجمعهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201].
اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا،
وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.
ربَّنا تقبَّل منا صيامَنا وقيامَنا ودعاءَنا وصالحَ أعمالنا، إنك أنت السميعُ العليم،
وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.
سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين،
والحمد لله رب العالمين.







  رد مع اقتباس
قديم 10-09-2011, 10:32 AM   #37
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف 11/10/1432 هـ


ألقى فضيلة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان: "أسباب الفلاح في الدارين"،
والتي تحدَّث فيها عن أسباب الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة،
ولا يكون ذلك إلا بالتزام أوامر الله واجتناب نواهيه واتباع سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستهديه،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
أيها المسلمون:
إن عزَّ الإنسان في عبادة الله وحده لا شريك له، وسعادتَه في التذلُّل لربه - عز وجل -
بالطاعات مع المحبة الصادقة، فذلك هو الفلاحُ في الدنيا والفوزُ في الآخرة،
ومن قرَنَ بين فعلِ أمر الله وترك ما نهى عنه فهو من السابقين الصالحين
الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
قال الله تعالى:
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)
[الواقعة: 10- 12]،
وقال - عز وجل -:
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ
بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)
[فاطر: 32].
والسابقون: هم الذين قاموا بالفرائض والواجبات،
وهجَروا المُحرَّمات والمكروهات، واستكثَروا من المُستحبَّات،
والمُقتصِدون: هو دون هؤلاء، والظالمُ لنفسه: هو الذي خلطَ عملاً صالحًا وآخر سيئًا.
والعبادةُ التي يتقرَّبُ بها المسلمُ لربه - تبارك وتعالى -:
هي كل ما يُحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة،
وأعظمُ العبادة بعد تحقيق الشهادتين هذه الصلاة؛ فقد جمعَ الله في هذه الفريضة أعمالَ القلب
وأعمالَ الجوارح؛ فمن أقام صلاتَه ووفَّاها حقَّها فقد فازَ في أعلى الدرجات،
ونهَتْه عن الفحشاء والمُحرَّمات،
قال الله تعالى:
(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)
[العنكبوت: 45]،
وفي الحديث:
«أولُ ما يُحاسَبُ عليه العبدُ يوم القيامة الصلاةُ،
فإن قُبِلَت قُبِلَت وسائرُ عمله، وإن رُدَّت رُدَّت وسائرُ عمله».
وعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
خرجَ في الشتاء والورق يتهافَت، فأخذَ بغُصنٍ فجعل الورقُ يتهافَت،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«يا أبا ذر!».
قلتُ: لبيكَ يا رسول الله، قال:
«إن العبدَ المسلمَ ليُصلِّي الصلاةَ يريدُ بها وجهَ الله
فتهافَتُ عنه ذنوبُه كما تهافَتَ هذا الورق من هذه الشجرة»؛
رواه أحمد، قال في "مجمع الزوائد": "ورجاله ثقات".
أيها المسلمون:
ألا تُحبُّون أن تعلَموا ما يرفعُ الدرجات ويُكفِّر السيئات؟
ألا تُحبُّون أن تعرفوا الأعمال التي فاز بها الفائزون، وتقرَّبَ إلى الله بها المُقرَّبون؟
اعلموها من كتاب ربكم وسنةِ نبيِّكم - عليه الصلاة والسلام -، إنها أعمالُ القلوب؛
فأعمال القلوب أفضلُ الأعمال عند الله تعالى، فهي أساسُ أعمال الجوارح، وأعمالُ الجوارح تبَعٌ لها.
وقد تعبَّدنا الله - عزَّ وجل - بأعمال القلوب لتسلمَ قلوبُنا مما يُضادُّ أوامر الله - تبارك وتعالى -،
ولتُحفَظَ من دواعي الهوى والوقوع في المُحرَّمات، ولتتطهَّر نفوسُنا ولتتزكَّى أعمالُنا،
فتعبَّدنا الله - تبارك وتعالى - بالتوكُّل عليه، والرغبة فيما عنده من الفضل والخير،
والرهبة منه والخوف من عقوباته، والرجاء في ثوابه والرجاء في النجاة من عذابه.
كما تعبَّدنا - سبحانه - بالإخلاص في القول والعمل والاستقامة
على هدي سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأمرَنا بالصبر والإخبات والتواضع لله تعالى، وسلامة الصدر من المكر والخداع والنفاق والحسد،
وتعبَّدنا بحُبِّ الله - عزَّ وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -
وحبّ ما يُحبُّه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وبُغض ما يُبغِضُه الله ورسوله،
وبالتوبة والإنابة والرحمة،
والنُّصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم،
إلى غير ذلك من أعمال القلوب التي يتفاضَلُ الناسُ عند الله بها.
وأفضلُ من قامَ بأعمال القلوب بعد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -،
وأفضلُ من اتَّصَفَ بحقائقها وطبَّق أركانَها ومعانيها هم الصحابةُ والتابعون - رضي الله عنهم -؛
لأنهم علِموا معانيها مُطابقةً وتضمُّنًا والتزامًا من لغتهم العربية،
وما اشتبَه عليهم سألوا عنه رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -،
قال الله تعالى:
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
[النحل: 44].
وأنت - أيها المسلم - اسلُك سبيلَهم، فاعمَل بما علِمتَ،
واسأل عما تجهلُ من دينك،
قال الله تعالى:
(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
[النحل: 43]،
وأهلُ العلم فرضٌ عليهم بلاغ الدين للعالم كله،
قال الله تعالى:
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
[يوسف: 108]،
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«بلِّغوا عنِّي ولو آيةً».
أيها المسلمون:
إنكم عبدتُم ربَّكم في شهر رمضان بأنواع العبادات، وملأتُم صحائفَ الأعمال بالحسنات،
وأتيتُم بما يُكفِّر السيئات، فاحفَظوا أعمالكم الصالحات من النقص والمُبطِلات،
فكما أن الحسنات يُذهِبن السيئات،
كما قال تعالى:
(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ
إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)
[هود: 114]،
فكذلك السيئاتُ تُنقِصُ ثوابَ الحسنات، أو تُبطِلُها تلك المُوبِقات.
وداوِموا على العبادات، وكُن - أيها المسلم - أشدَّ حرصًا على حفظِ الطاعة من المُبطِلات
أكثر من حرصِك على فعل الطاعات، واعبدوا ربَّكم في جميع الشهور والأوقات؛
فحقُّ ربنا علينا عظيمٌ، ولن نقدِر أن نعبُدَه حقَّ عبادته،
ولكن سدِّدوا وقارِبوا وأحسِنوا العمل باتباع السنة، وأبشِروا وأمِّلوا.
قيل لبشرٍ الحافي:
إن قومًا يعبُدون اللهَ في رمضان فإذا ذهبَ انقطعوا،
قال: "بئس القوم؛ لا يعرِفون اللهَ إلا في رمضان".
قال الله تعالى:
(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)
[الحجر: 99]؛
يعني: اعبُد ربَّك حتى يأتيَك الموتُ، فليس لعبادة الله نهاية إلا أن يموتَ الإنسان.
واستقيموا واثبُتوا على دين الله الذي رضِيَه لنفسه وقبِلَه ممن عبدَ اللهَ به،
قال الله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[الأحقاف: 13، 14].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،
ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم،
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله مُجيب الدعوات، خالقِ الأرضِ والسماوات، أحمدُ ربي وأشكره،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحدُ الأحدُ الصمد،
وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله خيرُ من تقرَّبَ إلى الله بالطاعات،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله - معشر المسلمين -، واحذروا عصيانَه، واطلبُوا رضوانَه.
عباد الله:
إن الله تعالى منَّ عليكم في رمضان بطاعات الرحمن، فلا تُبدِّل ذلك - أيها المسلم - بطاعة الشيطان،
قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)
[محمد: 33].
واعلموا أن الشياطين كانت في رمضان مُقيَّدةً بالسلاسل، ويريدُ الشيطانُ أن يأخُذَ من المسلمين بثأره،
فيأتي المسلمَ من كل طريقٍ، فرُدُّوه خائبًا مدحورًا، لئلا يُفسِدَ الأعمال فيجعلها هباءً منثورًا.
واعملوا أن خيرَ أحوال المسلم أن يُتبِعَ الحسناتِ السيئات، مع هجر المُحرَّمات،
ودون ذلك أن يُتبِعَ الحسنةَ السيئة، وأن يكون يقِظًا تائبًا لله في كل أحواله.
عن معاذ - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ».
عباد الله:
إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال - تبارك وتعالى -:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56].
فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين،
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد،
اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد،
وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وعن سائر الصحبِ أجمعين.
اللهم إنا نسألك أن تغفرَ لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا،
وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّمُ وأنت المُؤخِّرُ، لا إله إلا أنت.
اللهم اغفر لنا ذنوبَنا، وإسرافَنا في أمرنا، وثبِّت أقدامَنا، وانصُرنا على القوم الكافرين.
اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، زكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزيِ الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.
اللهم أرِنا الحقَ حقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزُقنا اجتنابَه،
ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضِلّ يا رب العالمين.
اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا، وأعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين.
اللهم وفِّقنا لهُداك يا رب العالمين، اللهم وفِّقنا لطاعاتك، وجنِّبنا معاصيك، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم أغنِنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وفضلك عمن سواك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك الجنةَ وما قرَّبَ إليها من قولٍ أو عمل،
ونعوذُ بك من النار وما قرَّبَ إليها من قولٍ أو عمل.
اللهم أعِذنا من نزَغات الشيطان، اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وذريته وجنوده وشياطينه يا رب العالمين،
اللهم أعِذ المسلمين يا رب العالمين من إبليس وذريته وشياطينه، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم عليك بالسَّحَرة يا رب العالمين، اللهم دمِّرهم تدميرًا، اللهم دمِّرهم تدميرًا،
اللهم شتِّت شملَهم، اللهم تبِّر عملَهم تتبيرًا يا رب العالمين.
اللهم احفظنا وذرياتنا يا رب العالمين من مكرهم وشرِّهم، إنك على كل شيء قدير،
اللهم احفظ المسلمين من شرِّهم ومكرهم، اللهم إنهم طغَوا وبغَوا وأفسَدوا يا رب العالمين،
اللهم إنهم أطاعوا الشيطان، اللهم إنهم عصَوك يا رحمن،
اللهم إنا نسألكَ أن تُعامِلَهم بما يُسوؤهم ويُغيظهم في كل شيء يا رب العالمين،
اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك.
اللهم يا ذا الجلال والإكرام أبطِل مكرَ إبليس، اللهم أبطِل مكرَ أعداء الإسلام،
اللهم أبطِل مُخطَّطات أعداء الإسلام التي يكيدون بها الإسلام يا رب العالمين.
اللهم انصُر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيك يا قويُّ يا متين.
اللهم أظهِر هديَ نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأظهِر سنَّته في كل زمانٍ ومكان يا رب العالمين،
وأظهِر دينَه على الدين كله ولو كرِهَ المشركون، بعزَّتك وجلالك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا إمامَنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين،
اللهم احفَظه وأعِنه على ما فيه الخيرُ والصلاحُ لشعبه وللمسلمين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير،
اللهم انصُر به دينَك، وأعلِ به كلمتَك،
اللهم وفِّق نائبَه لما تحبُّ وترضى، اللهم واكتُب له الشفاءَ والصحةَ والعافيةَ إنك على كل شيءٍ قدير،
اللهم وفِّق نائبَه الثاني لما تحبُّ وترضى،
ولما فيه الصلاحُ والفلاحُ للبلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201].
اللهم أعِذنا من شماتة العباد يا رب العالمين، اللهم أعِذنا من سوء القضاء،
ومن شماتة الأعداء، ومن درَك الشقاء، ومن جَهد البلاء.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، اللهم اقضِ الدينَ عن المدينين من المسلمين،
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين،
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين،
اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين.
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)
[النحل: 90، 91].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم،
ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 18-09-2011, 11:43 AM   #38
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد النبوى الشريف بتاريخ 18/10/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور صلاح البدير - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان:
"موعظة وعبرة في الأحداث"،
والتي ذكَّر فيها بالأحداث المُعاصِرة وما فيها من عبَرٍ وعِظاتٍ،
ونبَّه على أهمية العمل الصالح، والاستعداد للموت.



الحمد لله، الحمد لله آوى من إلى لُطفه أوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له داوى بإنعامه من يئِسَ من أسقامه الدوا، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله شهادةً نرجو بها الفوزَ والهُدى، والنجاةَ من الخيبة والرَّدَى، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما انفَلَقَ صبحٌ ثم بدَا، وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله؛ فقد فاز من اتقى، وخسِر من قادَه الهوى،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
[الأحزاب: 70، 71].
أيها المسلمون:
الأيام دائرة، والمنايا حاضرة، وما الناسُ إلا ظاعنٌ أو مُودِّعٌ،
التفكُّر والتذكُّر والعِظَة والعِبرة؛ فأين أهلُ الاتِّعاظِ والادِّكار، والاعتبار والانزِجار؟!
أبدًا تُفهِّمُنا الخُطوبُ كُرورَها ونعودُ في عمَهٍ كمن لا يفهمُ
تلقَى مسامِعَنا العظاةُ كأنما في الظِّّلِّ يركُمُ وعظَه من يركُمُ
وكأن الموتَ على غيرنا كُتِب، وكأن الحق على غيرنا وجَب،
نسينا واعِظَة الأيام، وغفَلنا عن حوادث الزمان؛
فيا عجبًا من مُضغة لحمٍ أقسى من الجبال، لا تلينُ مع كثرة العِظات،
ولا تخشعُ مع ترادُف الآيات، ولا تزيدُها الحوادِثُ إلا نفورًا ودُبورًا وغرورًا.
لأعجبَنَّ وأنَّى ينقضِي عجبي الناسُ في غفلةٍ والموتُ في سَنَنِ
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)
مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2)
لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)
[الأنبياء: 1- 3].
أيها المسلمون:
كم شاهَدنا من جُثثٍ في بِقاع القاع قد صُفَّت،
وكم عاينَّا من مواعِم في مدارِج الأكفان قد لُفَّت، وكم أبصرنا من عرائس إلى الألحاد قد زُفَّت، فمال العيون ناظرةٌ ولا تُبصِر،
ومال القلوب قاسيةٌ ولا تُفكِّر، ومال النفوس ناسيةٌ ولا تذكُر؟!
أغراها إنظارُها وإمهالُها، أم بشَّرها بالنجاة أعمالُها، أم لم يتحقَّق عندها من الدنيا زوالُها، أم شمَلَت الغفلةُ فاستحكَمَ على القلوب أقفالُها؟!
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ
فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)
[الحديد: 16].
إذا كنتَ قد أيقنتَ بالموتِ والفنا وبالبعثِ عما بعدَه كيف تغفُلُ؟!
إذا أنتَ لم ترحَل بزادٍ من التُّقَى أبِن لي أبي يوم الجزاء كيف تفعلُ؟!
تذكَّر وفكِّر بالذي أنت صائرٌ إليه غدًا إن كنتَ ممن يُفكِّرُ
فلا بُدَّ يومًا أن تصيرَ لحُفرةٍ بأثنائها تُطوَى إلى يوم تُنشَرُ
يا من طويتَ في طلب الخوادِعِ أدهُرا يا من أبيتَ أن تُفيقَ وتذكُرا
يا من فسحَ لنفسه المُدَّة، ومدَّ لها المُهلَة؛
أقصِر فالأمر ليس إليك، وعلَمُ الموت بين يديك.
أنسيتَ أننا بشر، يلُفُّ ناقَ درّ، ونحن في سفَر، نمضي إلى حُفَر.
الموتُ يشملُنا، والحشرُ يجمعُنا، فحتَّى ما لا ترعوِي وتنتهي،
حتى ما سمعُك لا يعِي لمُذكِّرٍ، وصميمُ قلبك لا يلينُ لعاذِلِ.
ألم يأنِ أن تخشَع وأين التهجُّدُ؟ أفي سنةٍ كنا أم القلبُ جلمَدُ؟
تيقَّظ أخي واحذر وإياكَ ترقُدُ، أترقدُ يا مغرور والنارُ تُوقَدُ، فلا حرُّها يُطفَى ولا الجمرُ يخمُدُ.
فطُوبَى لمن قبِلَ النَّذارَة، ونفعَتْه التذكِرة، وأيقَظَته العِظَة، فجدَّ ولم يغفُل، وشمَّرَ ولم يغتَرّ، وبادَرَ ولم يُسوِّف، وأخذَ الحَيطَةَ والحَذَر، وهجرَ إخوان السوء، ولازمَ أهلَ الرِّقَّة والخشية والعلم وأنابَ وتاب، ويا خسارةَ من حجبَه هواه، وأغواه شيطانُه وأردَاه، فما ازدادَ بالحوادث إلا غفلة، وما ازداد بالعِظات إلا قسوة،
(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)
[آل عمران: 7]،
(سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى)
[الأعلى: 10، 11].
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والعِظات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله بارئِ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِلِ القِسَم، مُبدِع البدائع،
وشارِعِ الشرائِع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضِيًّا، أحمدُه وقد أسبَغَ البرَّ الجزيل،
وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربِّه، ورجا العفوَ والغُفرانَ لذنبه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّين إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله؛ فإن تقواه سعادةٌ للأعمار، وحجابٌ من النار،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
[آل عمران: 102].
أيها المسلمون:
الدهرُ ذو عبر يجري بها قدَر، مُلكٌ يُنزَع، وعافيةٌ تُرفَع، وبلاءٌ يقَع،
ومن الناسِ من ليس له من الأخبار إلا إيرادَها، ولا من الحوادِث إلا سَردها،
ولا من الوقائع إلا ذِكرَها، فاعتبِروا يا أولي الأبصار بالحوادِث والأخبار، وما يكون في النواحِي والأمصار؛ فكلُّ مخلوقٍ للفَناء، وكلُّ مُلكٍ فإلى انتهاء، ولا يدومُ غيرُ ملكِ الباري - سبحانه - من ملكٍ قهَّارِ، مُنفردٌ بالعزِّ والبقاء، وما سِواه فإلى انقضاءِ.
أين من كانوا معنا في الزمان الماضي؟ أفنَتهم المَنون القواضِي،
أين المرازِبَةُ الجَحاجِحةُ البَطارِقةُ الأُوَل، وذوو التفاضُلِ في المجالس والترفُّلِ في الحُلَل، وذوو المنابرِ والأسِرَّةِ والمحاضِرِ والخَوَل، وذوو المشاهِد في الوغَى وذو المكايِد والحِيَل؟ سفَلَت بهم لُجَج المنيَّة كلهم فيمن سفَل، لم يبقَ منهم بعدَهم إلا حديثٌ أو مَثَل.
فيا لها من عبرةٍ لمن اعتبَر، وذكرى لمن ادَّكَر؛ فمن أخذَته تلك الحوادِثُ إلى الإنابة والعبادة والطاعة فذاك الذي اعتبَر، وعلِمَ الخبَر، وصحَّ عنده النَّظَر، وفازَ بالخير والظَّفَر.
ثم اعلموا أن ثمرةَ الاستماع الاتباع، فكونوا من الذين يستمِعون القولَ فيتَّبِعون أحسنَه.
وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا.
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين،
اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين، ودمِّر الطغاة والظلَمة والمُعتدين يا رب العالمين.
اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها، ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين يا رب العالمين.
اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم كُن لإخواننا في سورية من كل سوءٍ ومكروهٍ وفتنة، اللهم احفَظهم من كل سوءٍ ومكروهٍ وفتنةٍ يا كريم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم،
وصُن أعراضَهم، واحفَظ أموالَهم، وأمنَهم واستقرارَهم ووحدتَهم يا رب العالمين.
اللهم عليك بالظلَمة الطُّغاة، اللهم عليك بالظلَمة الطُّغاة،
اللهم عليك بالظلَمة الطُّغاة، فإنهم لا يُعجِزونك،
اللهم أرِنا فيهم عجائبَ قُدرتك، اللهم أرِنا فيهم عجائبَ قُدرتك،
اللهم اقتُلهم بسلاحهم، اللهم اقتُلهم بسلاحهم، وأحرِقهم بنارهم يا قويُّ يا عزيز يا رب العالمين.
اللهم قاتلِ الكفَةَ الذين يصدُّون عن سبيلك، ويُعادُون أولياءَك،
واجعل عليهم عذابَك ورِجزَك إله الحق يا رب العالمين.
اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين،
والصهاينة الغادرين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآيةً.
اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، ولا تجعل لكافرٍ علينا يدًا.
اللهم اشف مرضانا، اللهم اشف مرضانا، اللهم اشف مرضانا،
وعافِ مُبتلانا، وعافِ مُبتلانا، وعافِ مُبتلانا،
وعافِ بمنِّك وجودِك مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا،
وانصرنا على من عادانا يا قويُّ يا عزيزُ يا رب العالمين.
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
[النحل: 90].
فاذكروا الله العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم،
ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.







  رد مع اقتباس
قديم 18-09-2011, 11:46 AM   #39
معلومات العضو
رحمه الله وغفر له
 
الصورة الرمزية عفيفي
 





عفيفي غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 590
عفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to allعفيفي is a name known to all



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بتاريخ 18/10/1432 هـ



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس - حفظه الله -
خطبة الجمعة بعنوان:
"الفهم الصحيح للواقع والواجب نحوه"،
والتي تحدَّث فيها عن الفتن التي تُحيط بالأمة الإسلامية من كل جوانبها،
وأن هذا الواقع لا بُدَّ من فهمه وفقه التعامُل مع الأحداث فيه،
وذكر بعضَ الآثار من أقوال الصحابة وأهل العلم على ذلك،
ثم ختمَ خطبتَه بنصيحةٍ مُوجَّهةٍ إلى المُعلِّمين بمناسبة دخول عامٍ دراسيٍّ جديد.



إن الحمد لله نحمدك ربي ونستعينك ونتوبُ إليك ونستغفرك،
تباركَ ربُّنا حَبانَا شِرعةً غرَّاء جلَّت أحكامًا، سبحانه وبحمده توحَّد بالعزَّة والجلالِ سرمدًا ودوامًا.
فالحمدُ لله حمدًا على الآلاء
حمدًا كثيرًا جلَّ عن إحصاءِ
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نرجو بها استبصارًا في الحق وإلهامًا، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله بلَّغ رسالةَ الباري تعلمًا وإفهامًا، فزكَّى من البريَّة - بإذن ربه - أرواحًا وأفهامًا، صلَّى عليه اللهُ وعلى آله الطاهرين الطيبين نفوسًا وأحلامًا، وصحبِه البالغين من مداركِ الأحكام قِممًا أنَّى تُسامًا، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ يرجو من الحق الذُّرَى والمرامَا، وسلَّم تسليمًا كثيرًا عديدًا مُباركًا مديدًا مزيدًا.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، إن رُمتُم من الأمجاد غاياتها، ومن رحمات الهداية نهاياتها فاستعصِموا من التقوى بالعُروة الوُثقى؛ فللهِ ما أزكى مغبَّاتها وأهنأَ ثمراتها،
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)
[النور: 52].
من يتقِ اللهَ يجعل عُسرَهُ يُسرًا
ويُعظِمُ اللهُ بالتقوى له أجرًا
أيها المسلمون:
في هذه الآونة التأريخية تعيشُ أمتنا الإسلاميةُ فتنًا حالِكة وعواصفَ من المآسي هالِكة، اختلفَت ضُروبُها واستحرَّت كُروبُها، وغدَت كعارضٍ مُنهمِر، وبرقٍ مُستمِر،
أملَت على المسلمين التدبُّر والاعتبار، وعلاجها عاجلاً بأوفقِ مِسبار، ولكن في حكمةٍ واقتدار.
من أنكى تلكم الفتن في الأمة وملَّتها ووحدتها وأُلفتِها: فتنةُ انحرافِ الفُهوم والعُقول وتأويلِ النصوص والنُّقول إلى غير المراد واللامعقول من قول الباري - تبارك وتعالى - وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنهج السلف وخير الخلَف - رحمة الله تعالى عليهم -، لذلك كان الفهمُ الوثيق والإدراكُ المتينُ الدقيق للوحيَيْن الشريفين من أزكى مِنَن الباري وأسناها، وأجلِّ حصائد العلوم وأغلاها، وأسمَى وسائل الاستنباط وأزكاها، به يسمو صاحبُه، وتجِلُّ مناقبُه، وتنبُو عن الفَرَطات عواقِبُه.
أما اختصَّ المولى - سبحانه - بالفهمِ الرجيح نبيَّه سليمان - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - في قوله تعالى:
(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)
[الأنبياء: 79].
وأرشدَ أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - في كتابه لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - للزوم الفهم وصُواه في قولٍ ما أجلَّ فحواه:
"الفهمَ الفهمَ فيما أُدلِي إليك".
وفي الأثر عن أبي جُحيفة قال: قلتُ لعليٍّ - رضي الله عنه -: هل عندكم كتابٌ؟ قال: "لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أُعطيَه رجلٌ مسلم"؛ خرَّجه البخاري وأهلُ السنن.
وما ذاك إلا لأن آثار الفهم في مُعتركِ الاختلاف مُسدَّدةٌ مضمونة، وقُصودَه في معاضِلِ الترجيح راسخةٌ مأمونة، يُفضِي لتحقيق السعادتين ونَيْل الحُسنيَيْن.
إخوة الإسلام:
ومن بدائع العلامة ابن القيم - رحمه الله - قوله: "وصحةُ الفهم نورٌ يقذِفُه اللهُ في قلب العبد يُميِّزُ به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهُدى والضلال، والغيِّ والرشاد .." إلى أن قال - رحمه الله -: ".. ولا يتمكَّن المُفتي ولا الحاكمُ من الفتوى والحُكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقهُ فيه، والثاني: فهمُ الواجب في الواقع، وهو فهمُ حكمِ الله الذي حكَمَ به في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -". اهـ كلامه - رحمه الله -.
لأن صحةَ الفهم وحُسن القصد - يا رعاكم الله - سلامةٌ للدين والذِّمَم والأحكام والقِيَم، وانطلاقًا بالأمة وأمنِها ووحدتها صوبَ السبيل الأرشد الأمَم.
أيها المؤمنون:
وقد كان الاختلافُ في فهم النصوص وتفسيرها لدى أهل الاجتهاد روضًا خصبًا في بيان سعة الشريعةِ ومُرونتها، وبُرهانًا ساطعًا على يُسر الدين وانسجامه مع المُتغيِّرات، ورعايته للمقاصد النيِّرات، وتحقيقه للمناط الصحيح في النوازل والمُستجِدَّات.
أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومًا لأصحابه:
«من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يُصلِّينَّ العصرَ إلا في بني قُريظَة»،
فاختلفوا - رضي الله عنهم - في فهم ذلك على رأيَيْن مشهوريْن، أقرَّهما المُصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
وهكذا في جملةٍ من المسائل والفروع عدَّها أهلُ العلم من اليُسر والسَّعة التي لا يعيبُ فيها أحدٌ على الآخر، على ضوء القاعدة التيمية الذهبية المشهورة:
"رفعُ الملام عن الأئمة الأعلام"، هذا؛ وقد بوَّب البخاريُّ - رحمه الله -: "بابٌ: الفهمُ في العلم".
كل ذلك - يها المُوفَّقون - شريطةُ أن تكون قراءةُ النصوص وفهمُها على مُقتضى النصوص الصحيحة والمقاصد الصريحة وفهمِ السلف الصالح ذوي الديانة والقريحة، وأن يكون المُتحلِّي به من أهل العلم الربَّانيين، وكفى بذلك مكانةً لروح الشريعة في نفوس المُكلَّفين، مصدرًا ثرًّى للمُجتهِدين المُعتبَرين.
إخوة الإسلام:
وكم للفُهوم المُنحرفة الجانحة بين المسلمين من معرَّاتٍ وويلات، أذهبَت فيهم روحَ الكراهية والصراعات، وأجَّجت أُوارَ التعصُّب والنزاعات، وها هو الواقعُ البئيس عبر المجالس والمُنتديات، والإعلام والفضائيات ينطقُ باستعلاءٍ أباطيل وافتراءات، وفُشُوِّ أضاليل وادِّعاءات، وانتشار قناعاتٍ شاذَّى وافتراءات، تقضِمُ بهبُوبِها الأصولَ والثوابت، وتشرخُ بشُبُوبها معالمَ الدين الباسقة النوابِت.
هذا نصٌّ تقضَّى أوانُه، وذاك حكمٌُ فاتَ زمانُه؛ لأن الحياة بلَغت شأوًا مديدًا من الرُّقيّ يقضي بذلك!
زعموا، وبئس ما زعموا!
وكم عائبٍ قولاً صحيحًا
وآفتُه من الفهمِ السقيمِ
ولكن تأخذُ الأسماعُ منه
على قدرِ القرائح والفُهومِ
وهل يكونُ الحرامُ الصُّراحُ يومًا ما حلالاً، والمِلحُ الأُجاجُ حالاً عذبًا زُلالاً؟!
وهل تكونُ شعيرةُ الحِسْبة التي حازَت بها أمتُنا الخيريةَ على العالمين اقتحامًا للخصوصية، وخرقًا للحرية الشخصية؟!
وهل يكونُ ميراثُ الرجل بمُقتضى النص:
(لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)
[النساء: 11]
على السواء من المرأة؟!
وأيُّ وجهٍ للمُفاضلة في ذلك بزعمهم؟! وكم، وكم.
من الذين يُحرِّفون الكلِمَ عن مواضِعِه، ويتطاوَلون على الأصول والمُحكَمات، ويُزايِدون على الثوابتِ والمُسلَّمات من الذين تنزِعُ فُهومُهم النَّزِقة من مشاربِ التغريب والتعلمُن وإيديولوجيات العصرنةِ والتعولُم! وحقًّا:
إذا لم يُفِدكَ العلمُ خيرًا
فخيرًا منه أن لو قد جهِلتَ
وإن ألقاكَ فهمُك في مهاوٍ
فليتكَ ثم ليتكَ ما فهِمتَ
فكلُّ اقتحامٍ لثابت التشريعات ومُسلَّم المُحكَمات بالتحويرِ وسيءِ الأفهام فهو افتراءٌ على الله، وافتياتٌ على دينه، وتهجُّمٌ على الحق بغير علمٍ، وليٌّ لأعناق النصوص بما يخدِمُ الهوى، ويُضِلُّ عن الهُدى، ويُذكِي رواجَ الشُّبُهات، ويُطوِّحُ بالمسلمِ إلى مساءات التحلُّل والتميُّع والانهزامية والتغريب، أو مباءات التكفير والتدمير والعنف والتخريب.
ولهم نصوصٌ قصَّروا في فهمها
فأُتوا من التقصير في العِرفانِ
حتى زلَّت كثيرٌ من الأقدام، وضلَّت عديدٌ من الأفهام، والله المستعان.
ومما أسفرَ عن المفاهيم السياسية الإصلاحية القاتِمة النرجسية ذات الآحادية العُنجهيَّة: التسلُّط لمُصادرة آراء الآخرين، وإقصاء طُموحاتهم، وطمس كراماتهم بشتَّى أساليب القمعِ والقهرِ وقصمِ الظهر في تحدٍّ للعالَم سافرٍ أرعَن، وما ذلك إلا لانتكاسِ الفهم، واستحكامِ الهوى والوَهم.
أمة الإسلام:
ومن ضُروبِ القضايا المُلِحَّة في هذا الأوان المُصطخِب والتي ونَت فيها الأفهام، واعتراها الخللُ والإيهام لدى كثيرٍ من الأفهام: قضايا في الاعتقاد، والمُعاملات المصرفية، ومسائل الربا، والمرأة وحجابها وعملها، والفتوى والمُتغيِّرات، والفكر والحوارِ والمُستجِدَّات، وإنها لقمينةٌ بأن تُؤصَّلَ على ضوءِ المفاهيم الشرعية الصحيحة التي تُجلِّي فقهَ المآلات واعتبار الأولويات، ولن يكون استنباطُ الرأيِ صوابًا سديدًا والفهمُ مُحكَمًا رشيدًا إلا أن يرِدَ أدلَّة مُسلَّمات الشريعة، وقواعِدها المَنيعَة، ومقاصِدها السامية الرفيعة، في ترفُّعٍ أن تلوكَها أقلامُ الصحافة، ومُلاسَناتُ المُتشاكسين، أو تتراشقَها المُنتديات، وشبكاتُ المعلومات.
فالمرجعيَّةُ الضابطة للمفاهيم البائرة والآراء الخائرة هي - ولا مَيْن - للوحيَيْن الشريفين.
فعليك بالوحيَيْن لا تعدُوهُما
واسلُك طريقَهما بفهمٍ جيدٍ
فإذا تعذَّرَ فهمُ نصٍّ غامضِ
فاستفتِ أهلَ الذكر كالمُسترشِدِ
يقول الإمامُ الشافعيُّ - رحمه الله - في آراء الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -:
"وآراؤهم لنا أحمدُ وأولى لنا من آرائنا عندنا لأنفسنا".
ولله درُّ الشاطبي - رحمه الله -؛ حيث يقول: "يجبُ على كل ناظرٍ في الدليل الشرعي مُراعاةُ ما فهِمَ منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به؛ فهم أحرى بالصواب، وأقومُ في العلم والعمل".
معاشر الأحبَّة:
وإذا كان اختلافُ الناس جِبِلَّةً في الخلق، كما قال تعالى:
(وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)
[هود: 118]؛
لتفاوُتِ مدارِكهم وفُهومهم وتبايُن معارفهم وعلومهم، فإن مجالَ ذلك في دائرة المُسموح به شرعًا، ومما يسُوغُ فيه اختلافُ وجهات النظر، ومن ذوي مُكنةٍ مُتجرِّدٍ عن العصبية والهوى، مُعرِّدٍ واسع الاطَّلاع على النصوص والأقوال، دقيق الإدراك لكليَّاتها، وثيق التمييز بين تطبيقاتها، مُطَّلِعًا بمسالك الخلافات وأدبياتها وأوجه الاستدلال ومُدرَكَاتها.
ومن كان كذلك - ونِعَمَّ ذلك - فيُمِدُّه ربُّ العباد بهديِه، وبكُلِّ مكرُمةٍ وفهمٍ أجدرُه، ولرُبَّ خائضٍ مُعترَك المفاهيم والآراء يقول ببجاحةٍ عاتَّة في قطعيَّةٍ باتَّة: فهمِي صوابٌ لا يحتمِلُ الخطأ، وفهمُ غيري خطأٌ لا يحتمِلُ الصواب!
وهذا المسلكُ مُصادمٌ لأدب الخلاف والحوار؛ إذ يقتضي تزكيةَ النفس وتنزيهها عن المزَالّ، خلافًا لأدب الجِلَّةِ من العلماء من التواضُع وخفضِ الجناح، كما أُثِرَ عن الإمام الشافعي - رحمه الله - قولُه:
"رأيِي صوابٌ يحتمِلُ الخطأ، ورأيُ غيري خطأٌ يحتمِلُ الصواب".
وإن هذه الاغترارَ من أولئك مما تئِنُّ منه حلائبُ العلم وميادينُه وساحاتُه، وتصطرخُ منه المُنتدياتُ والمُلتقيات، وحُسن الظنِّ في هؤلاء أن يكونوا في الأمةِ دواءَها، فكانوا بلاءَها وداءَها، والله المُستعان.
وبعدُ، معاشر المسلمين:
ففي زمن الانفتاحِ الإعلامي العالمي المُبهِر بفضائياته وتِقاناته لزِمَ العلماءَ والدعاةَ الفُضلاء ورجالَ الإعلام وحمَلَة الأقلام بذلُ غاية الجهود لتحقيق أسمى القُصود في تصحيح المفاهيم المدخولة العليلة والآراء الجافيةِ الوبيلَة، وبيانُ المنهج الحق وآلياته في التلقِّي عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإدراك معاقِد مُرادهما، وأن تُجيَّش في سبيل ذلك كلُّ الطاقات والإمكانات مع ربط الأمةِ بفُهوم السلف الأخيار - عليهم الرحماتُ الدِّرار -، وبذلك تتحقَّقُ للأمة الآمالُ الكِبار، بفضل المولى العزيز الغفَّار.
رزقنا الله وإياكم التمسُّك بالكتاب والسنة، وحُسن الوقوف على فهم سلف هذه الأمة، وكشفَ عنها ما أصابَها من كربٍ وبلاءٍ وغُمَّة.
اللهم ارزُقنا من الفهم عنك وعن رسولك - صلى الله عليه وسلم - ما به نُحقِّقُ مُرادَكَ ومُرادَ رسولك - صلى الله عليه وسلم -، ونبلُغُ به منالَ العلماء العاملين، والأولياء المتقين، إنك جوادٌ كريم.
اللهم اهدِنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات من كل الذنوب والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله حمدًا كثيرًا لا يتناهَى مُكرَّرًا، أحمده - سبحانه - خصَّ العقلَ بالفهم الصحيح فكان الأنقى جوهرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنديدًا وتوحيدًا في الفؤاد تقرَّرًا، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله خيرُ من أرشدَ للحق والهُدى إفهامًا وتعليمًا فأزهرَا، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله الأُلَى داموا للعلم والمعارف عيونًا ومصدرًا، وصحبه الزاكين مخبرًا ومظهرًا، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، واعتصِموا بهدي الوحيَيْن وفهم السلف، وكونوا ممن أحجمَ عن خطَل الرأي وكفَّ تُفلِحوا وتفوزوا، وللعِزَّة القَعساء تحُوزوا.
إخوة الإسلام:
وحيثُ تستفتِحُ الأمةُ الإسلاميةُ عامًا دراسيًّا ميمونًا، يرشُفُ فيه أبناؤنا زُلالَ العلم ونَميرَ المعرفة؛ فإن المُؤمَّلَ - بإذن الله - من محاضِن التربية ومعاقِل التعليم بناءُ الأجيال على التمسُّك بأصول الشريعة مُحكمَاتها، وتحصينُهم دون التفريط في فروعِها وجُزئياتها، تقصِّيًا لمنهج أسلافِهم الأمجاد، مُثابِرين على بناء ملَكَة الفهم الصحيح الوقَّاد التي تكون مِلءَ أسماعهم وخفقَ قلوبهم، وتأصيلُهم على حِذقِ أساليب الإقناع والحوار، وأرفع آداب الاختلاف عند مضائق الأنظار، يُتوِّجُ ذلك الدُّربةُ على جودة الإدراك والتعليل، وحُسن الاستنباطِ من النصِّ والدليل، في غير تجانُفٍ عن الوسطية والاعتدال، ومراقي التزكية والكمال، ونأيٍ عن مسالك الغلوِّ والجفاء.
وبذلك يتعلَّقون بأشرف الآمال فيُحرِزونها، وينقلِبون لدقائق العلوم فيُبرِزونها، ويرتقُون إلى قِمَم التألُّق وحُسن الفهم، غيرَ مُكتَفين بمُجرَّد الانتسابِ إلى العلم، فتلكَ مرحلةٌ تخطَّاها جيلُ الإبداع والتميُّز والطُموحات.
وعلى غِرار تلك النفائس والأطواق سيرتبئُ النشءُ المبارك - بإذن الله - أثباجَ المجد والإنصاف الماخِر، ويُحقِّقُ قولَ القائل: "كم ترك الأولُ للآخر"، وما ذلك على الله بعزيز.
هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على من أتى بأنفع العلم والتبيان على مرِّ الدهور والأزمان: المُصطفى من ولدِ عدنان، كما أمركم المولى في مُحكَم القرآن، فقال تعالى قولاً كريمًا عظيمَ البُرهان:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[الأحزاب: 56]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
فصلِّ يا رب على المُباركِ
محمدٍ وآلهِ وبارِكِ
وصحبِه والتابعين النُّبَلا
ومن قَفا آثارهم ووصَلا
وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، اللهم كُن له على الحق مُؤيِّدًا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا، وهيِّئ له في كل أمورِه رأيًا سديدًا ورأيًا رشيدًا وعملاً حميدًا، يا حيُّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ارزقه البِطانةَ الصالحةَ التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه، اللهم وفِّق وليَّ عهده لكل خير، وألبِسه لباسَ الصحة والعافية، ورُدَّه إلينا سالمًا مُعافًى يا رب العالمين، اللهم وفِّق النائبَ الثاني لكل خير، واجزِه خيرًا على جهوده الأمنية يا رب العالمين.
اللهم وفِّق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -.
اللهم كُن للمُضطهدين المُستضعفين في دينهم في كل مكان، اللهم إن لنا إخوانًا في الدين مسَّتهم البأساءُ والضرَّاءُ والشدَّةُ واللأواءُ، اللهم ارفع عنهم واكشِف ضُرَّهم يا حيُ يا قيَّوم، اللهم أصلِح أحوالَهم، اللهم أصلِح أحوالَهم، واحقِن دماءَهم، واحقِن دماءَهم، واحقِن دماءَهم يا حيُّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم شتِّت شملَهم، وفرِّق جمعَهم، واجعلهم عِبرةً للمُعتبِرين يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللم أنقِذ المسجدَ الأقصى من المُحتلِّين المُعتدين يا قوي يا عزيز، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِث قلوبَنا بالإيمان واليقين، وبلادَنا بالخيرات والأمطار والغيث العَميم.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
[البقرة: 201]،
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
[الأعراف: 23].
عباد الله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
[النحل: 90].
فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُركم، واشكُروه على نِعَمه يزِدكم،
ولذكرُ الله أكبر، والله يعلمُ ما تصنَعون.







  رد مع اقتباس
قديم 20-09-2011, 10:36 AM   #40
معلومات العضو





الهتآن غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
الهتآن is on a distinguished road



افتراضي رد: خطبتي الجمعة من المسجد الحرام و المسجد النبوي (موضوع متجدد)

جزاك الله الف خير








  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطبة الجمعة من المسجد الحرام بعنوان :نعمه الأمن فى ظل توحيد الله عفيفي المنتـدى الــعـــــــام 0 28-03-2011 11:28 AM
لوحات رقمية على باب المسجد الحرام،،، نبت الغربية المنتـدى الــعـــــــام 7 14-11-2009 01:21 AM
استمتع برؤية مسجد الحرام و المسجد النبوي ومساجد اخرى وكأنك بداخله ام روان المصريه111 المنتـدى الــعـــــــام 23 29-07-2008 10:56 PM
المسجد النبوى غليص 555 المنتـدى الــعـــــــام 5 13-06-2007 07:55 PM
ارض للبيع بجوار المسجد الحرام semsemy98 منتـدى العـقـار و البناء و المنزل 0 12-04-2005 12:59 AM








الساعة الآن 07:37 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.